كل مقالات Admin

باحث علوي سوري: دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود

ahmad

باحث علوي سوري: دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
=======

أكَّدَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ السوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد أنَّ هناكَ تَبايُنًا بين العلويَّةِ النُّصيريَّةِ التي ارتقَتْ لمعرفةِ العلومِ التَّحقيقيَّةِ وبين بقيةِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي توقَّفَتْ عند التَّعاليمِ التَّشريعيَّةِ، وهو ما انعكسَ على اتَّهامِ المذاهبِ الأخرى للعلويَّةِ النُّصيريَّةِ والطَّعنِ بها بسببِ عدمِ فَهمِ أهلِ المذاهبِ للمعاني التَّوحيديَّةِ الواردةِ في كتابِ اللهِ وكلامِ أهلِ العصمةِ (ع).

 

وقالَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ في حديثٍ خاصٍّ لموقعِ مصر تايمز: كانَتْ دَعوَةُ الأنبياءِ دَائِمًا إلى التَّوَجُّهِ لِعِبادَةِ إلهٍ موجودٍ، وكانوا يَعُدُّونَ هذا من الأمورِ الإيمانيَّةِ العقائديَّةِ الأساسيَّةِ، وبالتَّالي كانَ الإنكارُ للإلهِ الموجودِ أمرًا شاذًّا لا يقولُ به إلاَّ مَن خَتَمَ الرَّانُ على قلبِهِ. وَظَلَّ الصِّراعُ قائمًا بين إثباتِ الوجودِ الإلهيِّ وإنكارِهِ، حتى بدأتْ شبهةُ الإنكارِ تتوسَّعُ لِتَحلَّ مَحَلَّ الإقرارِ في قلوبِ كثيرِ من أهلِ المللِ الحائدةِ. وكان من نتائجِ ذلك أنْ صارَ الإنكارُ الموقفَ المتعارفَ عليهِ الذي لا يحتاجُ إلى دليلٍ ولا برهانٍ، بينما صارَ المؤمنُ المُقِرُّ هو المُطالَبُ بإثباتِ الدَّليلِ على إقرارِهِ. حتى باتَ المُنكِرُ المقصِّرُ الحشويُّ يَتَحدَّى المُقِرَّ المؤمنَ ويتَّهِمُهُ بعدمِ الإيمانِ وعدمِ الحكمةِ، وبالتَّقليدِ والانجرارِ خلفَ هَوَاهُ والانسياقِ وراءَ آبائِهِ. وصارَ الاهتمامُ بعلمِ التَّحقيقِ أمرًا مُستَهجنًا، والإقرارُ الإيمانيُّ يحتاجُ إلى تبريرٍ، بينما صارَ الإنكارُ المغلَّفُ بزينةِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ أمرًا طبيعيًّا لا يَستدعي بحثًا ولا دراسـةً ولا تنقيبًا.

 

وحولَ أسبابِ انتشارِ هذا الإنكارِ تساءلَ الدكتور أحمد: ما الذي حَدَثَ فَقَلَبَ الأمورَ رأسًا على عَقبٍ؟ ولماذا تحوَّلَ كثيرٌ من الضُّعفاءِ من أبناءِ الإسلامِ هذا التَّحوُّلَ العجيبَ من الاعترافِ والإقرارِ بإلهٍ موجودٍ إلى إنكارِ وجودِهِ؟ ولماذا هذه الحربُ الضَّروسُ ضدَّ أهلِ التَّحقيقِ العلويِّ المقرين بالإلهِ الموجودِ؟ وذلكَ باستخدامِ كلِّ أساليبِ التَّكفيرِ والسَّبِّ والشَّتمِ ضدَّهم من خلالِ الكتبِ المشحونةِ والأقاويلِ المَأفونةِ؟

وأضافَ محلِّلاً الأسبابَ لهذه الحربِ بقولِهِ: إنَّ من أهمِّ أسبابِ الحربِ المعلَنَةِ ضِدَّنا هي التَّناقضُ بين سطحيَّةِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ التي التَزَمَها أهلُ المذاهبِ والمللِ بشكلٍ مُطْلَقٍ، وَعُمقِ مَنهجِ العلمِ التَّحقيقيِّ الذي اتَّبَعَهُ المؤمنونَ العلويُّونَ المُقرُّون. بالإضافةِ إلى خوضِ كثيرٍ من أهلِ المذاهبِ والمللِ في مسائلَ توحيديَّةٍ عميقةٍ، والتَّحدُّثِ عنها بمجرَّدِ الرأي الذي لا سَنَدَ له ولا دليلَ عليه دونَ التَّفكُّرِ فيهِ، ما أدَّى إلى ظهورِ تياراتِ الحلولِ والتَّجسيمِ والتَّشبيهِ فيما بينهم، وَتَعصُّبِ دُعاتِهم تَعَصُّبًا جَعَلَهم يُحاولونَ من خلالِهِ تكفيرَ المُقرِّينَ العلويينَ وَلَيَّ عُنُقِ الحقيقةِ لِتوافِقَ دَعواهُم المنكرةَ المنحرفةَ، حيث شملَ الاختلافُ فكرةَ الألوهيَّةِ نفسَها، فبينما يُجِلُّ المقرُّونَ العلويُّونَ الباري سبحانه عن جميعِ السِّماتِ والنُّعوتِ والأعراضِ الزَّائلةِ، يُثبِتُ له هؤلاء الحلوليُّون والمجسِّمون والمشبِّهونَ الحالاتِ المحسوسةَ فيوقِعونَ عليه الحالاتِ البشريَّةَ كالولادةِ والموتِ والقتلِ والجلوسِ على الكرسيِّ ويجعلونَ له يدًا ورجلاً ورأسًا و….، لِعَدَمِ قدرَتِهم على التَّفريقِ بين التَّجلي والحلولِ، والإثباتِ والتَّشبيهِ، إذ إنَّهم لم يتفكَّروا بتأويلِ الآياتِ، بل أخذوا بالمظاهرِ المتناقضةِ وأنكروا الحقائقَ الثَّابتةَ، وَجَعلوا الإلهَ وَهْمًا مَعدومًا لا يمكنُ معرفتُهُ تحقيقًا ولا الإشارةُ إليه، بل ادَّعَوا أنَّهم أدرَكوا ماهيَّتَهُ دون الحاجةِ إلى شهادتِهِ، وهذا الإنكارُ للوجودِ الإلهيِّ هو إنكارٌ لشَهادةِ المشهودِ، لأنَّ مَن ادَّعَى الشَّهادةَ دونَ إثباتِ المَشهودِ كانَ كاذبًا منكرًا للوجودِ الإلهيِّ، وبالتالي فإنَّ المنكرَ يَعبُدُ الوهمَ، كما أنَّ المُثبِتَ من دونِ إفرادٍ يكونُ مُشَبِّهًا لأنَّهُ يجعلُ للإلهِ صفاتِ المخلوقين، مع فارقٍ واحدٍ هو عِظَمُ هذه الصِّفاتِ حين يُوصَفُ بها الباري تعالى كأن يكون أكبرَ وأعظمَ وأضخمَ وووو.

كما أنَّ المنكِرَ هو الذي يَفرُّ من هذا التَّشبيهِ بالمخلوقاتِ ليقعَ في تشبيهٍ شرٍّ منهُ هو تَشبيهٌ بالمَعدوماتِ، لأنَّ المَعدومَ هو الذي يُوصَفُ بِصِفَاتِ النَّفي ولا يوصَفُ بصفاتِ الشُّهودِ. وقد أدركَ علماؤنا خطرَ هذا الاعتقادِ فأوضَحوا الحقيقةَ في رُدودِهم واحتجاجاتِهم، ولولا ذلك لَوَجَدَ الإنكارُ طريقَهُ إلى نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، ولكنَّ أنواعًا من هذا الاعتقادِ الإنكاريِّ تنتشرُ الآنَ بسببِ التأثُّرِ بالأفكارِ الحشويَّةِ التَّبشيريَّةِ الوافدةِ.

 

وحولَ الأساليبِ المتَّبَعةِ في الحربِ ضدَّ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ قال الباحث الديني العلوي أحمد: إنَّ أهلَ المذاهبِ والمللِ اتَّبعوا طريقةً خادعةً هي أن يَضعوا العلومَ التَّحقيقيَّةَ في مقابلِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ، ثم يتكلَّموا بطريقةٍ سطحيَّةٍ ساذجةٍ، بحيث يحاولون اتَّهامَ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ والطَّعنَ بعقيدَتهم بتهمةِ أنَّ (أهلَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ يعبدونَ غيرَ اللهِ ولا يعظَّمون القرآنَ ويؤمنونَ بثلاثةِ آلهةٍ وأنَّ الله حلَّ بمحمدٍ وعليٍّ وسلمان، وليس عندهم بعثٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ ولا حسابٌ، وأنَّ كفرَهم كفرٌ أصليٌّ لا كفرَ ردَّةٍ طارئًا عليهم، لذلك فهم أكفرُ من اليهودِ والنَّصارى ويجب الخروجُ عليهم ونزعُ يدِ الطاعةِ من أيديهم!!!)، وجوهرُ السَّببِ في ذلكَ أنَّ أهلَ التَّوحيدِ العلويِّ يعتمدونَ على العلومِ التَّحقيقيَّةِ في معرفةِ الله وتوحيدِهِ، بينما أهلُ المذاهبِ والمللِ يعتمدونَ على التعاليمِ التَّشريعيَّةِ في ذلك.

وأوضحَ الدكتور أحمد أديب أحمد في ردِّهِ على هذه التُّهم وأصحابها بقوله: إنَّ حُجَجَهم التي تَبَنَّوها في اتَّهامِنا كانت تصلحُ لو أنَّ التَّأويلَ لم يكن مرافقًا للتَّنزيلِ، أو لو أنَّ التعاليمَ التَّشريعيَّةَ كانت تستطيعُ تفسيرَ الكثيرِ من الأمورِ الغيبيَّةِ، أو تحلُّ مشكلةَ التَّضادِّ في النُّصوصِ القرآنيَّةِ والآياتِ المحكماتِ والمتشابهاتِ، لكنَّها بطبيعتِها السَّطحيَّةِ لا تستطيعُ أن تفصلَ في هذه الأمور، فالذي يقولُ للناسِ: خُذُوا التعاليمَ التَّشريعيَّةَ واتركوا العلومَ التَّحقيقيَّةَ!! هو كمَن يقولُ: يجبُ أن نعتمدَ على المحسوسِ ونتركَ المعقولَ، وهذا لا يجوزُ لأنَّ الأمثالَ الحسِّيَّةَ دومًا هي معابرُ للمداركِ العقليَّةِ وليست حقيقةً لها.

 

وختمَ الباحث الديني العلوي بقوله: تُعتَبَرُ التعاليمُ التَّشريعيَّةُ وسيلةً للوصولِ إلى المعرفةِ، ولكنَّها ليست الوسيلةَ الوحيدةَ إلى كلِّ المعارفِ، لأنَّ هناكَ معارفُ لا تستطيعُ التعاليمُ التَّشريعيَّةُ أن تكونَ سببًا لها، بل هناكَ علومٌ تحقيقيَّةٌ هي التي توصِلُ إليها، وبالتالي فإنَّ المؤمنَ العلويَّ العاقلَ هو الذي يستعملُ التعاليمَ التشريعية ويقر بالعلوم التحقيقيَّةِ للوصولِ إلى معرفةِ الحقِّ حقَّ معرفتِهِ.

 

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”

ahmad

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”
==========

دمشق (اسلام تايمز) – في ظلِّ المتناقضاتِ الكثيرةِ التي تحيطُ بمعلوماتِنا عن النُّصيريَّةِ، خاصَّةً مع بروزِ شخصيَّاتٍ دينيَّةٍ وعلمانيَّةٍ توضِّحُ أنَّهم أرقى ممَّا يُحكى عنهم بأنَّهم مجرَّدُ فرقةٍ باطنيَّةٍ لهم تعاليمٌ سريَّةٌ وطقوسٌ خاصَّةٌ يحيطُ بها الغموضُ، كان هناكَ العديدُ من الحواراتِ حولَ مجموعةٍ من عقائدِهم، وكيفَ يفكِّرون ويفسِّرون ويَتعبَّدونُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى.

وكان لإسلام تايمز هذا الحوارُ الخاصُّ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي أكَّدَ أنَّ النَّاسَ يجبُ أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، وأنَّ الحاقدينَ أخفوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، لذلكَ فإنَّهم لا يَقبلونَ من أحدٍ أن يُكفِّرَهم كعلويِّين. وهذا نصُّ الحوار:

 

إسلام تايمز: في البدايةِ دكتور أحمد، ما هو سببُ الغموضِ الكبيرِ الذي يلفُّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ؟

الدكتور أحمد: الغموضُ لا يتعلَّقُ بالفرقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ نفسِها رغمَ ارتقاءِ تعاليمِها إلى ما فوقَ أذهانِ السَّطحيِّينَ والحشويِّينَ، لكنَّ الغموضَ الذي يُعاني منه الجميعُ تجاهَنا هو أنَّهم لا يقرؤونَ، مع أنَّه يُقالُ أنَّنا أمَّةُ (اقرأ)، لكنَّ الأكثريَّةَ لا تقرأُ. واسمحُوا لي أن أبدأَ بتساؤلٍ هنا: هل يجوزُ بحكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ أن يأتيَ الوحيُ إلى الرَّسولِ الأعظمِ (الأمِّيِّ الجاهلِ وفقَ مفهومِ الجاهلينَ!!!) فترتعدَ فرائصَهُ خوفًا من جبريلَ!! ويأمرَهُ جبريلُ بقولهِ: (اقرأ) فيرفضُ النَّبيُّ المعصومُ ليقول: (ما أنا بقارئٍ)!!!؟

هذا الإسفافُ التَّاريخيُّ والتَّفسيريُّ بحقِّ النَّبيِّ الأميِّ؛ الذي أمَّ أمَّةَ الإسلامِ وقادَهم لمعرفةِ ربِّهم، ثمرتُهُ ما نجدُهُ من جهلٍ وتَقوقعٍ وتَمذهبٍ وتعصُّبٍ في مجتمعاتِنا بشكلٍ عام. فمن أهمِّ أدلَّةِ عظمِ شأنِ القراءةِ أنَّ أوَّلَ ما خاطبَ به الخالقُ العظيمُ رسولَهُ الكريمَ هو قولهُ في سورةِ العلقِ: (اقرأ)، وجاءَ عن الإمامِ محمَّد الباقرِ (ع): (إنَّها أوَّلُ سورةٍ نزلَتْ)، حيث قال (ع): (نزلَ جبريلُ على محمَّد فقالَ: يا محمَّد اقرَأ)، وهذا على حسبِ الرِّوايةِ ودليلهُ في قولِ الإمامِ محمَّد الجوَّاد (ع): (والله لقد كان رسولُ اللهِ يقرأ ويكتبُ باثنينِ وسبعينَ- أو قال: بثلاثٍ وسبعينَ لسانًا- وإنَّما سُمِّيَ الأمِّيُّ لأنَّهُ كانَ من أهلِ مكَّةَ، ومكَّةُ من أمَّهاتِ القُرَى، وذلك قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَها)، هذا وإنَّ السيّدَ محمَّد الممجَّدَ (ص) أَجَلُّ من أنْ يفتقرَ إلى القراءةِ، بل هو على سبيلِ حثِّ الغيرِ على القراءةِ التي بها يُدركُ النَّاسُ الحقيقةَ، إذ قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

 

إسلام تايمز: فما هو المطلوبُ برأيكَ من النَّاسِ حتَّى يَتَعرَّفوا على العلويِّينَ بحقيقتِهم؟

الدكتور أحمد: عليهم أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثُ العلويُّونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، هذا إذا رَامُوا الحقيقةَ مجرَّدَةً، لأنَّ القراءةَ كفيلةٌ بأنْ تجعلَهم مع تراثِنا الصَّـافي لا عليه، فالقراءةُ سبيلُ العلمِ، والعلمُ الصَّحيحُ هو ما عرَّفهُ الإمام الصَّادقُ (ع) نقلاً عن رسولِ اللهِ بقوله (ص): (مَنْ تَعَلَّمَ للهِ وعلَّمَ للهِ دُعِيَ في ملكوتِ السَّماواتِ عَظيمًا)، وقوله (ص): (اطلبُوا العلمَ ولو بالصِّينِ)، والصِّينُ لا يقصدُ به البلدُ المعروفُ، إنَّما أرادَ به السَّفرَ في طلبِ العلمِ والصِّيانةِ لعلمِ الحقِّ وكتمانِهِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تطرَحُوا دررَكُم قُدَّامَ الخنازيرِ لئلَّا تدوسَها بأرجلِها وتَلتفتَ فَتُمَزِّقَكُمْ)، فحفظُ السِّرِّ أمرٌ معهودٌ عند جميعِ المللِ والفقهاءِ والعلماءِ، ومِن ذلكَ ما قالَهُ ابنُ سينا لتلميذِهِ: (إنْ أذعْتَ هذا العلمَ أو أضعْتَهُ فاللهُ بيني وبينكَ، فهذا العلمُ أكثرُهُ إشارةٌ).

 

إسلام تايمز: هل يمكنُنا القولُ: أنتَ كباحثٍ علويٍّ جريءٍ خرجَ من الصَّمتِ إلى الكلامِ تعرَّضْتَ إلى معارضةٍ من قبلِ النَّاسِ على كتاباتِكَ وحواراتِكَ؟

الدكتور أحمد: لا يخلو الأمرُ من وجودِ العاقلينَ والجاهلينَ، فالعاقلونَ المطمئنَّةُ قلوبُهم تنسابُ المعرفةُ في صدورِهم كالماءِ العذبِ السَّلسالِ، فيَحيَونَ بها لقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). ولكنْ بالمقابلِ هناكَ من الجاهلينَ مَن يرفضُ القراءةَ وينصِّبُ نفسَهُ ناقدًا لمقالةِ مَن هو أعلمُ منهُ فيُشعِلُ فتنةً، وكانَ مِن الأسلمِ لو أنَّهُ التزمَ قولَ سقراطِ الحكيم: (لو سَكَتَ مَن لا يَعلمُ لَسَقطَ الاختلافُ). وهناك مَن لا يكتبُ ولا يستطيعُ أن يكتبَ ولكنَّهُ ينتقدُ مَن يكتبُ تعطيلاً للعملِ، فلا هم يعملونَ ولا يريدونَ لأحدٍ أن يعملَ مع أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ). وهناكَ مَن يجهلُ ويتطاولُ على مَن يَعلمُ وقد قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (ليسَ لمَنْ لا يعلمُ حجَّةً على مَن يعلمُ، ولا حجَّةَ للجاهلِ على العالمِ). وهناكَ مَن هو مخطئٌ ومنحرفٌ فيأتي إلى أهلِ العلمِ المستقيمينَ ليَحرِفَ مسارَهم القويمَ وفقَ اعوجاجِهِ ناسيًا قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ). وهناكَ الأكثريَّةُ الخائفونَ بسببِ جهلِهم وظنًّا منهم أنَّه لا يجوزُ الدِّفاعُ عن النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، فإذا علَّمتَهم على قدرِ استطاعتِهم انتفضُوا وقالوا لكَ: (مَهْ، اصمُتْ هذا ليسَ مكانَ هذهِ الأحاديثِ، لا داعي لإشعالِ فتنةٍ!!!؟).

 

إسلام تايمز: ما هو إذن ردُّكَ على كلِّ هؤلاء؟

الدكتور أحمد: أقولُ لهم: لكلِّ مقامٍ مقالٌ، فما كانَ يتحدَّثُ به رسولُ اللهِ (ص) مع أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ كان أخصَّ ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ بقيَّةِ أصحابِهِ، وما كانَ يتحدَّثُ به أميرُ المؤمنينَ مع خواصِّ أصحابِهِ كان أرقى ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ عامَّةِ النَّاسِ، لكنَّ خصوصيَّةَ الحديثِ الرَّاقي لم تمنَعْهُ من الحديثِ أمامَ النَّاسِ وتعليمِهم وتثقيفِهم والارتقاءِ بهم ضمنَ حدودِ تكليفِهم لقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وكانَ من أعظمِ التُّراثِ الفكريِّ التوحيديِّ كتابُ (نهجِ البلاغةِ) وفيه من العلومِ التَّوحيديَّةِ ما ظهرَ وبطنَ، فهل كان غيرُ جائزٍ أن نتحدَّثَ فيه؟ وكذلكَ القرآنُ الكريمُ بكلِّ ظاهرِهِ وباطنِهِ، هل هو مُحَرَّمٌ الحديثُ فيه؟ أم كلٌّ يأخذُ من القرآنِ والنَّهجِ بحسبِ استطاعتِهِ.

 

إسلام تايمز: لكن لماذا يخافُ البعضُ كما ذكرتَ؟ هل لديكم تعاليمُ سرِّيَّةٌ يخافونَ أن تبوحَ بها للنَّاسِ؟

الدكتور أحمد: للأسف إنَّ مقولةَ الخائفينَ للأسفِ تؤكِّدُ ادِّعاءَ أعدائِنا أنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ لنا تعاليمُنا السِّرِّيَّةُ والتي كانت بوابةً لاتِّهامِنا بما ليسَ فينا كأن يقولوا: هؤلاء يعبدونَ البشرَ!! وهؤلاء يدَّعونَ أنَّ الوحيَ قد أخطأ ونزلَ على محمَّد بدلاً من عليٍّ!! وأنَّهم يحلِّلونَ نساءَهم وغلمانَهم…..!!

إنَّ حديثَهم بهذهِ الطَّريقةِ يؤكِّدُ نظرةَ المجتمعِ وفقَ أقوالِ الحاقدينَ، وبهذا فإنَّهم- بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ- يضربونَنا بسيفٍ قاطعٍ يقطعونَ به أعناقَنا. لذلكَ كانت الحواراتُ والمناقشاتُ العلميَّةُ الدينيَّةُ الرَّاقيةُ تعريفًا حقيقيًّا بنا. فالخائفونَ هم قسمانِ: الأوَّلُ هم بعضُ العلويِّينَ الجاهلينَ بأمورِ دينِهم والذين يخافونَ من كشفِ جهلِهم أمامَ الآخرينَ فيفضِّلونَ الصَّمتَ، والثَّاني هم من أبناءِ المذاهبِ الأخرى الذين يخافونَ أن يشرقَ هذا النُّورُ العلويُّ السَّاطعُ فيُطفِئَ سطوتَهم وتَرَبُّعَهم على عرشِ تمثيلِ الإسلامِ، وكأنَّ الموضوعَ هو موضوعُ منافسةٍ دنيويَّةٍ على سيادةٍ أو رئاسةٍ!!

 

إسلام تايمز: ما الذي شجَّعَكَ على كسرِ حاجزِ الصَّمتِ والحديثِ في خطوةٍ جريئةٍ؟

الدكتور أحمد: الخوفُ لا يصنعُ مجدًا ولا ينصرُ حقًا، فالكلُّ يتكلَّمُ ولو كانَ على باطلٍ، فَمَا بالُ أهلِ الحقِّ صامتينَ!؟ إنَّ الصَّامتينَ كالفارغينَ الذين لا يمتلكونَ فكرًا ولا دينًا.

فلنفرضْ جَدَلاً أنَّ محاورينا نعتُوا النَّبيَّ بالجهلِ والغوايةِ والنِّسيانِ والعصيانِ!! هل نقولُ لهم: معكم حقٌّ!!؟ أيَّةُ حجَّةٍ سنقدِّمُها دليلاً على عصمةِ نبيِّ الرَّحمةِ (ص)؟ هل سنقولُ لهم: دينُنا سرِّيٌّ وتعاليمُنا خاصَّةٌ!!؟ كيف سنردُّ على وهابيٍّ يأتي إلينا بعشراتِ الأحاديثِ عن محمَّد (الشَّبِقْ جنسيًّا!!!)؟

هذا يعني أنَّ على الجميعِ أن يتصالحُوا مع أنفسِهم، فالخائفونَ أو المُنتقدونَ لا يَنتقدونَني فحسب، بل ينتقدونَ منهاجَ الأنبياءِ والمرسلينَ الذي نمتثلُ له جميعًا، كما كانَ بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ الرَّسولَ (ص) ويقولونَ له: ما لَكَ ولِقُريشَ، دَعْهُمْ ولا تناقشْهم فلن يؤمنوا لك!! فهل خالفَ الرَّسولُ أمرَ ربِّهِ بنشرِ الرِّسالةِ واستجابَ للخائفينَ على مصالحِهم وحياتِهم آنذاكَ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ أميرَ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ فيقولون له: لماذا أنت ذاهبٌ لمحاربةِ معاوية؟ هل هناك داعٍ لشقِّ الصُّفوفِ يا سيِّدنا؟ فقال لهم: (إِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ). فهل يقالُ هكذا كلامٌ للإمامِ؟ أم أن الأوجبَ لو أنَّهُ قيلَ لمعاويةَ الذي بِفِتْنَتِهِ شقَّ الصُّفوفَ وهو الذي قال: (ما وجدْتُ طريقًا لتخريبِ الإسلامِ إلاَّ الدُّخولَ فيهِ)، فذهبَ الإمامُ لِيَرأَبَ الصَّدْعَ ويحمي ما تَبَقَّى من الأمَّةِ الإسلاميَّةِ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ قد انتقدوا مولانا الحسينَ (ع) فقالوا له: لا داعي لتَخرُجَ على الحاكمِ يزيد فلستَ قادرًا على الانتصارِ عليه، وسوفَ تتسبَّبُ بشقِّ الصُّفوفِ وقتلِ الأبرياءِ من أجلِ السُّلطةِ!! ألأنَّهم خائفونَ على حياتِهم تطاولوا على مولانا الحسين بدلَ أن يجاهِدُوا معه ضدَّ يزيدَ الشَّيطانِ اللاعبِ مع القرودِ والنَّاكحِ للغلمانِ والقابضِ على السُّلطةِ بالسَّيفِ، فَخَذَلُوا الإمامَ الحسينَ الذي قال: (لعنةُ اللهِ على النَّاكثينَ الذينَ ينقضونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها)، وبقيَ يجاهدُ مع أصحابِهِ الذين ارتَقَوا شهداءَ، ورُفع مولانا الحسينُ إلى ربِّهِ، وندمَ الخائفونَ المتخاذلونَ وسيبقونَ كذلك أبدَ الدَّهرِ نادمينَ.

إنَّ الخائفينَ دومًا كانوا يتحاملونَ على أصحابِ الأئمَّةِ وعلى سادتِنا الثِّقاةِ لأنَّهم كانوا يَذكرونَ فضائلَ أهلِ البيتِ ومعجزاتِ الإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، بحجَّةِ أنَّ هذا سيزيدُ عداءَ المعادينَ لهم ويجعلَهم موضعَ شُبهَةٍ!! ومستقرًّا لسيوفِهم!!؟ لذلكَ انتقدوا كتابَ (الهداية الكبرى) لسيِّدنا الأجلِّ الخصيبيِّ في عصرِهِ، لأنَّه لم يَسْتَحِ من إظهارِ معاجزِ أميرِ المؤمنينَ ومناقبِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فتحدَّثَ كيفَ رُدَّتِ الشَّمسُ للإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، وكيف شَقَّ القمرَ، وكيف كلَّمَ الأمواتَ، وكيف أخبرَ عن الغيبيَّاتِ، فهل هذا سِرٌّ يخشاهُ الخائفونَ وهو حاصلٌ على رؤوسِ الأشهادِ ومُعلَنٌ في كتابِ الهدايةِ الكبرى وكثيرٍ من الكتبِ التَّاريخيَّةِ؟ ألم يرَ الجميعُ هذه المعجزاتِ بعيونِهم؟ أم أن رؤيَتَها كانت حكرًا على محمَّدٍ وعليٍّ وبعضِ المقرَّبين منهم؟ ألم يكن التَّبليغُ للقاصي والدَّاني في يومِ الغديرِ أثناءَ حجَّةِ الوداعِ حين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فبلَّغَ الرَّسولُ (ص) الولايةَ لأميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وعادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَن نَصَرَهُ واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ)؟

إنَّ الحاقدينَ أخفَوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفَوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، فلماذا يساهمُ الخائفونَ دائمًا بدعمِ الحاقدينَ بدلَ دعمِ أهلِ اليقينِ؟

 

إسلام تايمز: ربَّما أنَّ مَن يعارضونَ الحديثَ يعتقدونَ أنَّك تبيحُ الأسرارَ العلويَّةَ للنَّاسِ، وهذا لا يجوزُ برأيهم لأنَّكم فرقةٌ باطنيَّةٌ كما يقالُ!! ماذا تقولُ في هذا؟

الدكتور أحمد: ليسَ الأمرُ كما يظنُّ الكثيرونَ بأنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ كما شاعَ عن الفِرَقِ الباطنيَّةِ التي انتشرَتْ بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع) وانحرفَتْ عن النَّهجِ الإماميِّ القويمِ، لكنَّنا نلتزمُ تعاليمَ الأئمَّةِ المعصــومينَ، وندركُ أنَّ مَن على قلوبِهم أقفالٌ لن يَكتَشِــفُوا سـرَّ اللهِ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (سِرُّ اللهِ مبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم). لكنْ هنا وجبَ أن أنوِّه إلى أنَّ السِّرِّيَّةَ لا تكونُ بالعاداتِ والتَّقاليدِ والطُّقوسِ بل هي علومٌ ربَّانيَّةٌ لا يَهِبُها اللهُ إلاَّ لأهلِها نُطقًا وفَهمًا، أمَّا مَن لم يكنْ من أهلِها فلَنْ يستطيعَ حَمْلَها لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ)، فَعَدَمُ المجاهرَةِ بالسِّرِّ واجبٌ أقامَهُ كبارُ رجالِ الدِّينِ الإسلاميِّ والمسيحيِّ والموسويِّ وكبارِ الفلاسفةِ والحكماءِ البالغينَ والعلماءِ المحقِّقينَ، وهو معنى التَّقيَّةِ التي أُمِرْنا أن نلتزمَ بها في قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّ احتمالَ أمرِنا ليسَ معرفتَهُ وقبولَهُ، إنَّما احتمالُ أمرِنا هو صونُهُ وسترُهُ عمَّن ليسَ من أهلهِ)، فالتزمَ أهلُ الإيمانِ بها، وخالفَها المبذِّرونَ الذينَ قالَ تعالى فيهم: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، ولكنَّ النَّاسَ لم تُدرِكْ أن هؤلاءِ الْمُبَذِّرِينَ لم يستطيعوا أن يَبوحوا بالأسرارِ الحقيقيَّةِ لأنَّهم لم يَصِلُوا إليها كونَهم ليسُوا من أهلِها، ولكنَّهم حاولوا أن يَنشروا ما عرفوهُ وفهموهُ بمقدارِ أمخاخِهم المسطَّحَةِ المحجوبةِ عن الأمرِ العظيمِ، فَبَقِيَ الأمرُ محميًّا لقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ). فنحنُ لَسْنا ممَّنْ يقولُ بغباءٍ: أنَّ العلويَّ مؤمنٌ، وأنَّ السُّنِّيَّ والشِّيعيَّ والمسيحيَّ كفَّارٌ!! ولا نقبلُ من أحدٍ أن يُكَفِّرَنا كعلويِّينَ، وهذا يعني أنَّ السِّرَّ ليسَ موجودًا بين أيدي العامَّةِ سواءَ كانوا من العلويِّينَ أو مِن غيرهم، بل هو إشراقاتٌ ربَّانيَّةٌ اختصَّ بها عبادَهُ المخلصينَ أصحابَ الكراماتِ والبراهينِ في أيِّ زمانٍ ومكانٍ وُجدوا، لأنَّهم دائمًا الحُجَّةُ على مَن أنكرَ والمَحَجَّةُ لِمَنْ آمنَ وصَدَّقَ كما قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ).

مصدر : اسلام تايمز

مقترحات لتطوير العمل العسكري والمدني في زمن الحرب

ahmad

مقترحات لتطوير العمل العسكري والمدني

في زمن الحرب

بقلم الدكتور: أحمد أديب أحمد
=================

لماذا نشهدُ الهدر والخسائر في مؤسسات الدولة المدنية؟ والخسارات من الرجال والعتاد في الجيش والقوات المسلحة هنا وهناك رغم الإمكانية لتجاوز كل هذه الخسائر؟

سؤال يوجع كل مواطن.. عندما يرى هذا النزيف الوطني الحي..
ليس ضعفاً في قوام الدولة ولا في الجيش.. فكيف يكون ضعفاً وجيشنا من أقوى الجيوش في العالم!! وقد أثبت بصموده قوته وعظمته من حيث التكوين.
وليس جبناً أو قلة وطنية أو خيانة من قبل أبطالنا الذين منهم من بقي، ومنهم من ارتقى شهيداً ومنهم من أصبح مصاباً أو مخطوفاً.
فالمقاتلون الضعفاء والجبناء والخونة لا يحققون انتصاراً.. بينما إخواننا المقاتلون يحققون انتصارات عظيمة.. لكن هذا يكلف ثمناً باهظاً جداً.. فلماذا؟؟؟

الجواب: لأن ما أسسه القائد الخالد العظيم حافظ الأسد من أسس راسخة، حاولت طبقة من المسؤولين الفاسدين أن تزعزعها لتفرغ المجتمع عموماً والجيش خصوصاً من عقائديته العظيمة.. هذه الطبقة التي تسلمت زمام الحكومات والمناصب في العقدين الأخيرين فخربت وما زالت تخرب في البنيان المرصوص الذي بناه وأرسى قواعده الخالد العظيم حافظ الأسد!!؟

لذلك أذكر بوجوب العودة إلى هذه الأسس وإعادة ترسيخ هذه العقيدة لنعود أقوى وأقوى.. ونصنع نصرنا الأكيد والسريع بقيادة القائد الصامد بشار حافظ الأسد. وأول هذه الأسس:
1- الشجاعة: إذ يجب تطهير جسد الدولة السورية عسكرياً ومدنياً من كل مسؤول جبان أو متخاذل أو خائف، لأن الشجاعة طريق للنصر خاصة في المعركة، وأما الخوف والذل والخنوع فيعني الخسارة والموت.

2- تعظيم العمل الوطني والبطولي ليكون هدفاً للجميع: فبالعمل الوطني والبطولي وحده يجب أن تتم ترقية الأشخاص، وعليه يجب أن يتم تكريمهم، بدل أن تتم الترقية بالطريقة المعتمدة على المحسوبيات والعلاقات الشخصية والرشاوي ووووو.
وكم هو تاريخنا حافل بتعظيم الأعمال البطولية، وبأولئك الضباط الأبطال الذين تحلوا بالإقدام والشجاعة والذكاء والقوة، فكرمهم القائد الخالد وأوعز إليهم تشكيل فرق وقيادة ألوية وأعطاهم ما يستحقون مكافأة على بطولاتهم رغم صغر سنهم، إلا أن البطولة لا تعرف عمراً، بل تعرف إنساناً يستحق التكريم.

3- ميدانية العمل العسكري والمدني: فما حدث من تفريغ للعمل العسكري أو المدني من محتواه الميداني وتحويله فقط إلى محاضرات نظرية أدى إلى إفقاد المسؤولِ والمواطن على السواء ديناميكيتهم وفاعليتهم في ميدان العمل، وهذا يؤدي بالتأكيد إلى خسائر بشرية ومادية فادحة في زمن الحرب.

4- تنمية نفسية المقاتل والمواطن الموالي للدولة: لأن إهمال العناصر الجوهرية التي تساهم بتنمية نفسية المقاتل والمواطن الموالي للدولة (كالطعام الجيد والمعاملة الحسنة والشعور بالقيمة الإنسانية المعنوية وأهميته الوطنية والعناية بعائلته ومستواه المعيشي واحترامه وائتمانه على سلاحه في كل موقع….)، وبالمقابل توجيهه باتجاه الأمور الشكلية والسطحية وملاحقته عليها سيؤدي إلى قتل الروح المعنوية العالية لديه، فيشعر بالملل والقرف والاشمئزاز من عمله، فهل ننتظر منه الإبداع؟!!

5- تطوير الخبرات: إن من أكثر ما أثر على نفسية جنودنا العسكريين وأصحاب الكفاءات والخبرات في مؤسساتنا، وأكثر ما يسبب الهلع أحياناً والفوضى أحياناً والموت أحياناً هو الجهل التام بالعمل ضمن ظروف الحرب لدى كثير من الضباط وصف الضباط في المجال العسكري، ولدى كثير من أصحاب الكفاءات والخبرات في المجال المدني، هذا الجهل الذي تم ترسيخه بدورات لا قيمة لها، إلا أنها كلفت الملايين حين يتم استدعاء خبير كوري أو صيني أو إيراني أو أوروبي…. ليقيم دورة ويعطي القليل من المعلومات النظرية دون تحقيق للفائدة العلمية المرجوة، بدلاً من التوجه إلى مكامن الخبرة بإرسال الضباط المتميزين وأصحاب الكفاءات العلمية إلى البلدان الحليفة كروسيا وإيران والصين للاستفادة من تجاربهم دون دخول المحسوبيات والواسطات أثناء انتقائهم.

6- تعميم التجارب الناجحة: المشكلة ليست غياب الخبرة نهائياً، لأن هناك مبدعين دوماً في السلكين العسكري والمدني، فالقوات الخاصة لديها مثلاً الخبرة في حرب المدن، والقادة الكبار الذين خاضوا حرب لبنان والخليج وتم تسريحهم قبل الأزمة كانوا قد كوَّنوا هذه الخبرة وصقلوها، كذلك هنالك الكثير من المبدعين من أصحاب الكفاءات والخبرات الذين يستطيعون أن يقدموا مبتكرات مذهلة للمؤسسات الحكومية تساهم في عمليات توفير الطاقة وتأمين الطاقة البديلة والاستغناء عن الاستيراد في مقابل التصنيع المحلي لمستلزمات المعارك والحروب بأقل التكاليف.
لكن السؤال المطروح: لماذا لا يتم تعميم هذه الخبرات كاملاً؟ ولا يتم إعادة الضباط المسرحين ذوي الخبرة إلى صفوف الجيش رغم استعدادهم لذلك؟ ومع حاجة الجيش والبلد إلى خبراتهم؟ مع أنه سُمح لهم بالانضمام إلى التشكيلات الحديثة المساندة للجيش!!؟
ولماذا لا تتم الاستفادة من خبرات وكفاءات أصحاب العقول من المبدعين والمخترعين المميزين؟ بل ربما نجد مدراءهم يضغطون عليهم لتثبيط معنوياتهم!! وربما ينتقمون منهم بطرق أخرى كمحاولة توريطهم في قضايا فساد أو تجميدهم في أماكن عمل لا فائدة منها أو إرسالهم للاحتياط بزعمهم أنه لا حاجة لهم بهم!! وكم استشهد من أصحاب العقول المبدعين في هذه الحرب اللعينة فكانوا خسارة كبرى للوطن!؟
وفي مقابل تغييب كل هذه الكفاءات الوطنية، كانت الخبرات الأجنبية تُستجلب بمبالغ باهظة لتعليم طرائق قد لا تفيد في هذه الحرب لا بالنسبة للجيش ولا بالنسبة للمؤسسات الحكومية!!؟
ويذكر التاريخ أن القائد الخالد حافظ الأسد كان قد دَرَس الحرب الفييتنامية بدقة كتجربة عسكرية، وأسَّس المقاومة اللبنانية على غرار المقاومة الفييتنامية ضد الجيش الأمريكي، وهذا هو المقصود بتعميم التجارب العسكرية الناجحة.

أقول في الختام:
لابد من عودة النهج العظيم البطولي للقائد الخالد حافظ الأسد.. هذا النهج الذي لن يعيده إلا من كان امتداداً حقيقياً له.. وهو القائد الصامد بشار حافظ الأسد.. وكلنا ثقة به..
لكن ما زال القائد البشار الصامد بحاجة إلى رجال حقيقيين في مواقع القيادة العسكرية والمؤسسات المدنية.. فالرجال هم الذين يصنعون النصر.. ويصيغون معادلة الكرامة والعز..
فكن يا قائد الوطن البشار حريصاً على من تختاره.. لأن أساس النصر هو وجود الرجل المناسب بقربك في المكان المناسب.. ودام عزك ونصرك أيها العظيم الحبيب…

باحث علوي سوري: زيارةُ أضرحةِ الأولياء تعظيمٌ لشعائرِ دينِ اللّه

ahmad

باحث علوي سوري: زيارةُ أضرحةِ الأولياء تعظيمٌ لشعائرِ دينِ اللّه

==============

العلويَّةُ النُّصيريَّةُ فرقةٌ من الفرقِ الإسلاميَّةِ التي ضَجَّتْ بها كتبُ شيوخِ الإسلامِ والمؤرِّخين والباحثينِ الإسلاميِّين، ونالَت ما لم تَنَلْهُ فرقةٌ إسلاميَّةٌ أخرى من الهجومِ والتَّشويهِ والافتراءِ، رغمَ أنَّ الحاضرَ يكشفُ عكسَ ذلكَ، فلماذا يُقال: إنَّ العلويِّينَ يضيِّعون عقولَهم في ضلالاتٍ وجهالاتٍ فلا هُم على القرآنِ يعتمدونَ ولا بآياتِهِ يؤمنون!؟ وإنَّ قرآنَهم ما تُمليهِ أوهامُهم، وإنَّ آياتِ قرآنِهم ما يبتدعُهُ خيالُهم… بعيدينَ في ذلك عمَّا قاله اللهُ ورسولُهُ لأنَّهم أشاعوا مفاهيمَ عبادةِ الأحجارِ وقادوا وراءَهم جماعاتٍ لا تَعِي إلاَّ بوعيهم ولا تَقتدي إلا بأقوالِهم!!

إنَّ من دواعي إجراء هذا الحوارِ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد هو إفساحُ المجالِ للرَّدِ والإيضاحِ في مواجهةِ الافتراءاتِ التي وُجِّهَتْ ضِدَّهم بأنّهم لا يستدلُّونَ بالقرآنِ ولا بالأخبارِ المتواترةِ عن النبيِّ، وأنَّ مزاراتِ الأولياءِ التي مَلأَتْ البلادَ عندَهم هي نوعٌ من الشِّركِ باللهِ والعبادةِ لهم!!؟

 

في حديثِهِ لموقع مصر تايمز قال الباحث العلوي أحمد: ينبغي الالتفاتُ إلى شيءٍ هامٍّ وهو أنَّ الكلامَ مع الحشويِّينَ المتربِّصينَ بنا يجبُ أن يبدأَ بالكتابِ الكريمِ فأحاديثِ المعصومينَ (ع)، ومَنْ يُعرِضْ عن الولايةِ يُعذَّبْ بالعذابِ الأدنى ثمَّ الأكبرِ، فالذينَ كفروا هم الذينَ جَحَدُوا الولايةَ وكذَّبوا الرِّسالةَ، فكذَّبوا الكثيرَ من أقوالِ رسولِ الله (ص) التي يحتاجُ ذكرُها وشرحُها إلى كتابٍ كاملٍ، فَمَن لا يقرُّ بالولايةِ فإنَّ عملَهُ ممنوعٌ من القَبولِ لأنَّ الولايةَ أساسُ قَبولِ العملِ. فأوَّلُ شيءٍ يكرِّرُهُ هؤلاء الحشويُّونَ المتربِّصونَ بنا عدم ثبوتِ ولايةِ مولانا أمير المؤمنين كرَّم اللهُ وجهَهُ متأثِّرينَ- بقصدٍ أو بدونَ قصدٍ- بقول السَّلفيِّ التَّكفيريِّ ابن تيميَّةَ: (وأمَّا عليٌّ فكثيرٌ من السَّابقينَ الأوَّلينَ لم يَتَّبِعوهُ ولم يُبايعوهُ، وكثيرٌ من الصَّحابةِ والتابعينَ قاتَلوهُ)، ومعروفٌ أنَّ ابنَ تيميَّةَ أنكرَ أميرَ المؤمنين كرَّم اللهُ وجهَهُ فقال في حقِّه أنَّهُ: (أخطأَ في سبعةَ عشرَ شيئًا، ثمَّ خَالَفَ فيها نَصَّ الكتابِ) معاذَ الله؟!! وهكذا فإنَّ الحشويِّينَ يقولونَ عن كلِّ شاهدٍ ضِدَّهم أنَّهُ موضوعٌ، حتَّى أنَّ كثيرًا منهم أنكروا رواياتِ ردِّ الشَّمسِ في بقيعِ الغرقدِ وشَقِّ القمرِ وإحياءِ الموتى وتكليمِ الجمجمةِ وغير ذلك من معجزاتِ أمير المؤمنين كرَّم اللهُ وجهَهُ، كما أنكروا الخُطَبَ التي قالَها على المنابرِ لأنَّها لا توافقُ عقيدَتهم المنحرفةَ، فَهُم يرفضونَ ما لا يوافِقُهم وهنا العَجَبُ!

 

وحول سؤالنا: ما هو باعثُ ما أسَّسَهُ هؤلاء تبعًا للأهواءِ الشَّخصيَّةِ!؟ أجاب الدكتور أحمد أديب أحمد: يُخطئُ كثيرًا مَن يدَّعي أنَّهُ يستطيعُ أن يقفَ على عقائدِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ وعلومِه وآدابِه مما كَتَبَهُ عنه أعداءُنا وخصومُنا، مهما بلغَ هؤلاء الأعداءُ والخصومُ، وكمثالٍ على ذلك فلا علاقةَ لكتابِ (الباكورة السليمانيَّة) بنهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ، وكذلكَ الأمرُ ما أوردَهُ المدَّعي محمد أمين غالب الطويل عنَّا في كتابه (تاريخ العلويين). لهذا يكتسبُ البحثُ عن مشكلةِ الخلطِ الذي وقعوا به أهميَّةً كبيرةً، فمشكلةُ الخلطِ بينَ الحقائقِ والأوهامِ تُشَكِّلُ أكبرَ عدوٍّ يهدِّدُنا، وتعطي صورةً مشوَّهَةً عنَّا، وكمثالٍ على ذلكَ ليس مقبولاً ما أوردَهُ عبد الرحمن بدوي نقلاً عن المستشرقينَ بأنَّ: (الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ هي فرقةُ البناويَّة!!). لذلكَ فإنَّ بحثَ الحشويَّةِ عن نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ على ذلكَ المنهجِ الغريبِ لن يجعلَ باستطاعتِهم إدراكَ عقائدِنا إلا كما صَوَّرَها وَرَسَمَها أعداءُ هذا النَّهجِ، وقد عَبَّرَ عن حالةِ الصِّراعِ الشَّديدِ والاضطرابِ الكبيرِ لمفهومِ نهجِنا عندَ الحشويَّةِ ما تَبَنَّوهُ من أفكارِ الكُتَّابِ المؤيِّدينَ للمنهجِ السَّلفيِّ الوهابيِّ كمصطفى الشَّكعة في كتابِه (إسلام بلا مذاهب)، وناصر القفاري صاحبِ المؤلَّفاتِ المشهورةِ ضدَّ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ. لذلكَ نقولُ للباحثِ المنصفِ عن النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ أنَّه يَنبغي أن يتعرَّفَ على نهجِنا كما هو في حقيقتِهِ بلسانِ أهلِهِ وبحوثِ علمائِهِ. والنَّتيجةُ أنَّ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ الثَّابتةَ كلُّها تُرشِدُ إلى صحَّتِهِ، وأمَّا باقي الطُّرقِ الحشـــويَّةِ فلم يَقُمْ على صِــحَّتِها دليلٌ صـحيحٌ مُعتَبَرٌ، وكلُّ ما ذَكروهُ لا يَعدُو كونَهُ مجرَّدَ دَعَاوى لا تَستندُ إلى برهانٍ صحيحٍ، ولا تَنهضُ بها حُجَّةٌ تامَّةٌ، وهنا لابدَّ مِن ذِكْرِ قوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).

 

وحولَ سؤالِنا عن المعاني التي يقصدُها العلويُّون من خلال زيارةِ المزاراتِ والمقاماتِ المقدَّسةِ عندَهم حيثُ يُقال أنَّ المزاراتِ التي مَلأَتْ جبالِ العلويينَ النُّصيريين باسمِ الأولياءِ هي شركٌ ونوعٌ من العبادةِ لهم!؟ أجاب الباحث العلوي السوري أحمد: مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ الأئمَّةَ والأنبياءَ والرُّسلَ وأولياءَ اللهِ تعالى (ع) هم من أبرزِ علاماتِ دينِ اللّهِ، إذْ أنَّهم كانوا خيرَ وسيلةٍ لإبلاغِ رسالةِ اللهِ. ولا شكَ أنَّ زيارةَ أضرحةِ الأولياء وتشريفاتهم ومزاراتِهم والدُّعاءَ عندَنا إنَّما هي نوع من تعظيمِ شعائرِ دينِ اللّهِ سبحانه. فقد وردَ في كتابِ تحفِ العقولِ عن آل الرَّسولِ (ص) قولُ الإمام علي الهادي (ع): (إنَّ للهِ بِقَاعا مَحمودَةً يُحِبُّ أن يُدْعَى فيها فَيَسْتَجِيبَ لِمَنْ دَعَاهُ). فالدُّعاءُ مُسْتَحَبٌّ في بُقعَةٍ لامَسَتْ أحدَ الرُّسُلِ، ولهذا نجدُ الكثيرَ من الأماكنِ المقدَّسَةِ التي يُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ فيها كَمَقاماتِ سيِّدِنا الخضرِ والإمامِ علي زينِ العابدين والإمامِ الحسينِ والسَّيدةِ زينب والسَّيدة مريم العذراء وَالملكِ جعفرَ الطَّيار وَمَقاماتِ بَني هاشم ومقاماتِ الأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، ومقاماتِ الصَّحابةِ عمار بن ياسر وحجر بن عدي وميثم الثمار (ع)، ومقامِ السَّيدِ الخصيبيِّ المعروفِ ب(الشَّيخ يَبْرق) في حلبَ، وغيرِها من أضرحةِ وتشريفاتِ ومزاراتِ السَّادةِ المؤمنينَ التي يُستَحَبُ الدُّعاءُ عندَها. لكنَّ الحشويِّينَ أخطَؤُوا في فَهْمِ معنى المزاراتِ عندنا، فتَاهُوا في مَتَاهَاتٍ، وكأنَّهم لم يعلمُوا أنَّ النَّهيَ عن زيارةِ المزاراتِ كانَ مِن دَأبِ أعداءِ رسولِ اللهِ (ص)، لأنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ يقفُ عندَ الحَجرِ الأسودِ ويُقبِّلُهُ، فما حُكمُهُم على رسولِ اللهِ (ص)؟

وأضاف الدكتور أحمد قائلاً: نحنُ نقتدي بهذا النَّبيِّ العظيمِ فَنُقَبِّلُ الحَجرَ، ولكنْ لا يخطرَنَّ بِبَالِ أحدٍ أنَّنا نقصدُ عبادةَ الأحجارِ والقبورِ!! فَمِمَّا لا شَكَّ فيه أنَّ عبادَةَ صاحبِ القبرِ لا تجوزُ لأنَّها شركٌ، ولكنْ ليسَ على وَجْهِ الأرضِ مؤمنٌ علويٌّ نصيريٌّ يفعلُ ذلكَ عند زيارةِ الأضرحةِ والتَّشريفاتِ والمزاراتِ. إنَّ هَدَفَنا من زيارةِ المزاراتِ هو أنَّ ذلكَ المكان يَتَمَتَّعُ بِمَنزِلَةٍ ساميةٍ، وهو إعلامٌ للجيلِ الحاضرِ والقادمِ بأنَّهم أوضَحوا لنا طريقَ الحقِّ والهدى. فكيفَ يجوزُ للحشويَّةِ أن تتهجَّمَ على أصحابِ المزاراتِ من الأولياءِ الصَّالحينَ الذين كانوا دُعاةً لِذِكْرِ اللّهِ ونشرِ دينِهِ وأحكامِهِ، مع أنَّ الذي يَطَّلِعُ على لُغَةِ زياراتِ المزاراتِ عندَنا يَلمَسُ الأدبَ الرَّفيعَ بِوُضُوحٍ من بينِ جَنَبَاتِ الدُّعاءِ. فنحنُ أبناءُ هذا النَّهجِ العلويِّ النصيريِّ مِنَ الذينَ يَقصدُونَ مزاراتِ السَّادةِ الأولياءِ المؤمنينَ وأضرحَتَهم وتَشريفاتِهم، والإشارةُ هنا إلى جَوَازِ طَلَبِ التَّبرُّكِ بعدَ الغيابِ بالأرواحِ المقدَّسَةِ للسَّادةِ المؤمنينَ المتَّقينَ من خلالِ التَّبرُّكِ بِمَزارَاتِهِمْ، فالتَّبرُّكُ من السَّادةِ المؤمنينَ المتَّقينَ بعد غيابهم صحيحٌ كما في حُضُورِهِم، كتبرُّكِنا بمقامِ سيِّدنا الفيلسوفِ الرَّبَّانيِّ عمادِ الدِّين المعروفِ بالشَّيخِ أحمد بقرفيص، وَمَقَامِ الشيخِ يوسف بربعو المعروف (بأبي طاقة) الذي اعتمَدَتْ عليهِ المحكمةُ الشَّرعيَّةُ في محافظةِ (حماه) كَرُكنٍ من الأركانِ للبَتِّ في قَضَاياها، وَغَيرهِم الكثيرُ من السَّادةِ الأولياءِ المؤمنينَ عندنا والذينَ يزورُهم أبناءُ جميعِ المذاهبِ والطوائفِ من الإسلامِ والمسيحيِّينَ لأنَّهم أصحابُ كراماتٍ كانت رحمةً للعالَمين.

 

وحول موضوع الذبائحِ والنُّذورِ التي يقدِّمونها عند هذه المقاماتِ أوضح الباحث العلوي أحمد أديب أحمد قائلاً: إنَّ النَّذْرَ حقيقةٌ معروفةٌ، وخاصَّةً في بلادنا التي تَحْتَضِنُ المزاراتِ. وقد ذكرَ اللهُ تعالى النُّذورَ بقولِهِ في سورة الإنسانِ وهو يتحدَّثُ عن الأبرارِ: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا)، فأكَّدَ على أنَّ أهلَ الإيمانِ يُوفُونَ بِنُذُورِهم للهِ، فَيُقَدِّمونَ القرابينَ تَضَرُّعًا وَتَقَرُّبًا منهُ تعالى، وَيُطعِمُونَ هذهِ الذَّبائحَ والقرابينَ للمُستحقِّينَ من الفقراءِ واليتامى والمساكينِ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ جَلَّ جلالُهُ. وإنَّ الوفاء بالنَّذرِ في هذه الآية هو الامتثالُ للأوامرِ، حيث أنَّهم يقومونَ بأوامرِ الأئمةِ والنَّبيِّين والمرسلين (ع) امتثالاً لأمرِهِ سبحانَهُ وتعالى، لقوله تعالى: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). ولا يُقبَلُ النَّذرُ بوجودِ شيءٍ من المحرَّماتِ حيث وردَ في كتاب تحف العقول قولُ أمير المؤمنين كرَّم اللهُ وجهَهُ: (لا نَذْرَ في معصيةٍ)، وَوَجَبَ أن يكونَ لِوَجهِ اللهِ لقولِ أمير المؤمنين كرَّم اللهُ وجهَهُ: (مَنْ قَرَّبَ قُربَانًا لِمَزَارٍ في الأرضِ ولم يُرِدْ بِهِ اللهَ فكأنَّما يُقَرِّبُهُ لِصَنَمٍ من أصنامِ قُرَيش)، وهذا هو الطريقُ إلى الملأ الأعلى، لقولِهِ تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ).

 

المصدر: مصر تايمز

التَّقيَّة الدينية بين المعتقَد السري والافتراءاتِ الوهابيَّة

ahmad

التَّقيَّة الدينية بين المعتقَد السري والافتراءاتِ الوهابيَّة
الباحث العلوي السُّوري الدكتور أحمد أديب أحمد
=============

كتبَ الباحثُ السُّوريُّ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع مصر تايمز قال فيه:

 

يخطئُ كثيرًا مَن يظنُّ أنَّنا كعلويِّينَ نمارسُ التقيَّةَ لإخفاءِ معتقداتِنا السِّرِّيَّةِ التي أشاعَها أعداؤنا واتَّهمونا بها، من خلالِ ما نشروهُ على صفحاتِ الإنترنيت وفي الأسواقِ تحتَ مسمَّى (مخطوطاتٍ علويَّةٍ باطنيَّةٍ) أو معتقداتٍ خاصَّةٍ اتَّهمونا بها زورًا كزعمِهم أنَّنا نعبدُ البشرَ ولا نؤمنُ بالنَّبيِّ محمَّد (ص) وأنَّنا نحلِّلُ شربَ الخمورِ والسُّكرَ والعربدةَ والزِّنا وتناسخَ الأرواحِ و…..إلخ، فكلُّ ما نسبوهُ إلينا من الشُّبهاتِ والانحرافاتِ العقائديَّةِ كانت غايتُهُ أن يغطُّوا على انحرافاتِهم العقائديَّةِ التي أسَّست لها أهواؤهم الشيطانيَّةِ.

تلكَ الافتراءاتُ بدأتْ تنالُ منَّا كعلويِّينَ بعدَ انتشارِ كتبِ التَّكفيرِ البعيدةِ عن سُنَّةِ رسولِ اللهِ محمَّد (ص) وعن نهجِ أهلِ البيتِ (ع)، لأنَّ السَّنَّةَ النّبويَّةَ والنَّهجَ الإماميَّ لم يدعُوَا إلى تَكفيرِ أحدٍ، ولا إلى الافتراءِ عليهِ، ولا اتِّهامِهِ بما ليسَ فيه، عدا عن التَّحريضِ على قتلهِ وذبحِهِ وسبيِ أعراضِهِ واسترقاقِ أبنائِهِ!! فأيَّةُ ثقافةٍ تكفيريَّةٍ تلكَ التي حملَها أعداؤنا من أتباعِ ابنِ تيميَّةَ وأبي حامد الغزالي والشَّهرستاني وابن حزم الأندلسي وغيرهم، وأيَّةُ دعواتٍ للإخراج من الدِّين والقتلِ مارسوها ضـدَّنا، ونحن كنَّا وما زلنا على ســنَّةِ الرَّســولِ محمد (ص) وعلى نهجِ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لا نحيدُ عنه قيدَ أنملةٍ مهما جارَ الزَّمنُ علينا.

 

والسؤال الذي يطرحُ نفسه: لماذا كلُّ هذا الحقدِ والافتراءِ على العلويَّةِ النُّصيريَّةِ، وهل هناكَ مبرِّراتٌ لقتلِهِم وذبحهِم والجهادِ ضِدَّهم، وهل عاشوا هذا الخوفَ قبل ذلك؟

إنَّ الحقدَ الوهابيَّ على العلويَّةِ النُّصيريَّةِ كانَ بسببِ الصِّراعِ بين الالتزامِ العلويِّ النُّصيريِّ بسُنَّةِ نبيِّ الإسلامِ (ص)، والانحرافِ الوهابيِّ الشَّيطانيِّ وراءَ الكافرِ الزِّنديقِ محمد بن عبد الوهاب لعنه الله، وسأذكرَ بعضًا منها للإيضاح:

1- الوهابيُّونَ يشبِّهونَ اللهَ بالبشرِ والمخلوقاتِ، والدَّليلُ شبهةُ ابن باز في كتابِه (تنبيهاتٌ في الرَّدِّ على مَن تأوَّلَ الصِّفات): (نفيُ الجسميَّةِ والجوارحِ والأعضاءِ عن اللهِ من الكلامِ المذمومِ!!)، وشبهةُ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه (فتح المجيد): (اللهُ جالسٌ على الكرسيِّ)، لكنَّ ردَّنا عليهم أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لا يمكنُ أن يجلسَ على عرشٍ أو كرسيٍّ لأنَّ هذا من صفاتِ البشرِ المخلوقين لا من صفاتِ اللهِ الذي ليسَ بجسمٍ ولا له جوارحُ ولا أعضاء، والدَّليلُ قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

2- الوهابيُّونَ يجعلونَ اللهَ سبحانَهُ وتعالى خاضعًا للمكانِ، والدَّليلُ شبهةُ ابن باز في مجلَّةِ الحجِّ عام 1415 هـ: (اللهُ فوقَ العرشِ بذاتِهِ)، لكنَّ ردَّنا عليهم أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لا يمكنُ أن يحدَّهُ المكانُ لأنَّهُ منزَّهٌ عن المكانِ، والدَّليلُ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (كانَ اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُهُ).

3- الوهابيُّونَ يُوقعونَ الباري تحتَ الأمكنةِ والجهاتِ، والدَّليلُ شبهةُ ابن عثيمين في كتاب (فتاوى العقيدة): (اللهُ في جهةٍ فوقَ العرشِ بذاتِهِ)، لكنَّ ردَّنا عليهم أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى منزَّهٌ عن الأمكنةِ وعن الجهاتِ بدليلِ قولِ الرَّسولِ الأكرمِ (ص): (اللهمَّ أنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونكَ شيءٌ).

 

ولا يخفى على أحدٍ كيف لاحقَ مشركو قريش أصحابَ الرَّسولِ (ص) أثناءَ الدَّعوةِ سِرًّا، وكيفَ تابعَ أحفادُهم من بني أميَّةَ ملاحقةَ الأئمَّةِ وأصحابَهم (ع)، وكيفَ أمعَنوا في قَتلِهم وَصَلبِهم وَذَبحِهم، فمنهم أبو ذرٍّ الغفاريُّ الذي ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ ذي لهجةٍ منه فنُفِيَ إلى الرَّبدةِ وسُحِلَ جسدُهُ في الصَّحراءِ واستشهدَ، ومنهم زيدُ بن صوحانَ الذي استشهدَ يومَ الجملِ، ومنهم عمَّارُ ابن ياسرَ وخزيمةُ بن ثابتَ الأنصاريُّ اللَّذين استشهدا في صفِّينَ، ومنهم حجرُ بن عدي الذي قتلَهُ معاويةُ بن أبي سفيانَ أصلُ الخرابِ في التَّاريخِ الإسلاميِّ، ومنهم أصحابُ الإمامِ الحســينِ (ع) في كربلاءَ، ومنهم أصحابُ الأئمَّةِ (ع) الذين قتلهُمْ بنو أميَّةَ وبنو العبَّاس، وهذا الدَّمُ لا يتوقَّفُ أبدَ الدَّهرِ حتَّى يأتي القائمُ المنتظَرُ (ع) لِيُعيدَ الحقوقَ لأصحابِها.

واستمرَّ الاضطِّهادُ المريرُ لأبناءِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ على مَدَى قرونٍ طويلةٍ بدافعٍ من العداءِ الدِّينيِّ، فلابدَّ أن نَمُرَّ على بعضِ الحقباتِ التَّاريخيَّةِ التي تَمَّ ذكرُها في كتبِ التَّاريخِ، وأبرزُ تلكَ الحقباتِ تلكَ الحقبةُ التي شَعْشَعَتْ فيها أنوارُ الدَّولةِ الحمدانيَّةِ بقيادةِ القائدِ المؤمنِ العلويِّ سيفِ الدَّولةِ الحمدانيِّ الذي كانَ أحدَ طلَّابَ العلمِ في مدرسةِ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخَصيبيِّ، وكانَ تجمُّعُ أبناءِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ متركِّزًا آنذاكَ في حلبَ ومناطقِها، لكنْ منذُ ذلكَ الحينِ قامَتْ سلسلةُ المذابحِ بحقِّنا، حيث شنَّ آلُ زنكي أوَّلَ حملةٍ ضدَّ أجدادِنا في حلبَ ما أسفرَ عنها سفكُ الكثيرِ من الدِّماءِ البريئةِ، ثمَّ جاءَ بعدَهُ صلاحُ الدِّينِ الأيوبيُّ وبعضُ الأيُّوبيِّينَ من بَعدِهِ حاملينَ كلَّ حقدِهم وشنُّوا حملةً أشدَّ وأعنفَ من سابقَتِها، وامتدَّتْ جذورُها بدءًا من القرنِ السَّادسِ للهجرةِ حتَّى القرنِ العاشرِ للهجرةِ حيث جاءَ الطَّاغيةُ سليمُ الأوَّلُ بمجزرةٍ راحَ ضحيَّتَها أكثرُ من أربعةٍ وأربعينَ ألفًا من علويِّي الأناضولِ وعشراتُ الآلافِ من علويِّي حلبَ، وكان ممَّنْ أيَّدَهُ على هذهِ الجريمةِ النَّكراءِ الدَّاعيةُ نوح الحنفيُّ الذي أفتى بأنَّنا خارجونَ عن الدِّينِ ويجبُ قتلُنا، فأُبيدَ بهذه الفتوى من مؤمني حلب العلويِّينَ أكثرُ من أربعينَ ألفٍ، ونُهِبَت أموالُهم وتمَّ تهجيرُ الباقينَ، وفي شهرِ رمضانَ من العامِ 1212 هـ، حدثَتْ مجزرةٌ رهيبةٌ مفجعةٌ بإيعازٍ من الأتراكِ العثمانيِّينَ، حيث عَظُمَتِ الفتنةُ في حلبَ فالتجأَ ساداتُ العلويِّينَ إلى جامعِ (الأطروش) وحُوصِرُوا فيه ومُنعوا من الماءِ، حتَّى فُتحَتْ أبوابُ الجامعِ فَفَتَكَ البكجريَّةُ بهم ذبحًا وبقرُوا بطونَهم وطرحوهم في الآبارِ وهم أحياءُ، ثم هَجَمُوا على أحيائِهم في حلب فقضَوا على السُّكانِ قضاءً تامًّا إلاَّ الأطفال، فسُمِّيَ الحيُّ باسمِهم: (حارةُ الصِّغار)، ممَّا اضطرَّ أجدادَنا للتَّكتُّمِ بعدَ ذلكَ والتَّستُّرِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ حتَّى انقرضُوا تقريبًا في حلبَ وتَسَنَّنَ معظمُهم، وبقيَ منهم عدَّةُ بيوتٍ يَقذفُهم النَّاسُ بأنَّهم رافضةٌ، ومنهم مَن لم يزلْ محافظًا على مذهبِ أهلِ البيتِ لا يصـرِّحُ إلا لِمَنْ يَثِقُ به. وقد شـــملَتْ هذه المجازرُ المذكورةُ ما لا يَعلَمُ عددُهُ من أجدادِنا إلاَّ الله، ممَّا أدَّى إلى لجوئِهم إلى إخوانِهم المنعزلينَ لنفسِ السَّببِ في أقاصي الأريافِ وفي رؤوسِ الجبالِ وسفوحِها السُّوريَّةِ الغربيَّةِ، وكانت للجميعِ عاداتُهم الفطريَّةُ مشوبةً بالخوفِ والذُّعرِ من عادياتِ الزَّمنِ، ومنبثقةً في ماهيَّتِها عن الطَّبيعةِ الصَّافيةِ، وعن التَّعاليمِ الرُّوحيَّةِ السَّماويَّةِ.

ومع ذلك فنحنُ نلتزمُ بالنَّصِّ المأثورِ عن أهلِ العصمةِ بمعزلٍ عن الأخذِ بعينِ الاعتبارِ خصوصيَّات الزَّمانِ والمكانِ، لأنَّ التَّقيَّةَ الدِّينيَّةَ مفروضةٌ على المؤمنينَ لأنَّها دينُ اللهِ، فالمسألةُ لا تتعلَّقُ بظروفٍ معيَّنةٍ ضاغطةٍ فقط، بل القضيَّةُ قضيَّةُ منطلقٍ دينيٍّ سماويٍّ يجبُ القبولُ بهِ، وليسَ منطلقًا حلَّ في فترةٍ معيَّنةٍ فقط، والتقيَّةُ من الواجباتِ الإيمانيَّةِ التي لا يجوزُ التَّهاونُ بها، فهي دينُ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، المتمثِّلِةُ بقول الإمام الصادق (ع): (التَّقية دينُ الله).

لكنْ لابدَّ من التَّنبيهِ إلى أنَّ التَّقيَّةَ الدِّينيَّةَ لا تعني أنَّنا نكتمُ معتقداتٍ وكتبًا سِرِّيَّةً كما يروِّجُ البعضُ!! لأنَّنا نقرُّ أنَّ اللهَ أتى بسرِّهِ عمومًا لا خصوصًا، ولكنْ بعدَ جحودِهِ ونكرانِهِ أمرَ بكتمانِ السِّرِّ ولم يأمرْ بكتمانِ المُعتَقَدِ والانتماءِ للإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ, وهو الحاكمُ العادلُ لا يَدَعُ لمخلوقٍ حجَّةً عليهِ, ليَهدِيَ مَن يَهتدي عن بيِّنَةٍ، ويُضِلَّ من يَضُلُّ عن بيِّنةٍ، وهو معنى قول الإمام الصَّادِقِ (ع): (سِرُّ اللهِ مَبثوثٌ بَينَ خَلقِهِ لا يَعرِفُهُ أكثَرُهُم)، وهذا أمرٌ أرادَهُ اللهُ تعالى وأمرَنا به، وهذا الكتمانُ أمرٌ قامَ به الأئمَّةُ وأصحابُهم (ع) قبل أن يأمرُونا به، فقد وردَ عن أميرِ المؤمنين عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ أنَّه قالَ لأحَدِ خواصِّهِ: (إنَّ للهِ رجالاً أودَعَهُم أسرارًا خفيَّةً ومَنَعَهم من إشاعَتِها)، لأنَّ للهِ أسرارًا لا يجوزُ أن تذاعَ لقولِ الإمام الصادق (ع) في وصيَّتِهِ للمعلَّى بن خُنيس: (يا مُعَلَّى إنَّ المذيعَ لأمرِنا كالجاحدِ لَهُ). فالإيمانُ ليسَ فقط في قبولِ المعتقدِ.. بل في صيانةِ السِّرِّ الإلهيِّ لقولِ سيِّدنا المسيحِ (ع) الذي أوصانا بحفظِ الحقيقَةِ: (لاَ تُلقوا بِدُرَرِكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ لِئَلَّا تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ).

هذا يعني أنَّ السِّرَّ الحقيقيَّ ليس ذلكَ الذي نشروهُ على صفحاتِ الإنترنيت وفي الأسواقِ، فكلُّ هذا بعيدٌ عنَّا لأنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ في التَّوحيدِ وإقامةِ الشَّرعِ المحمَّديِّ واضحٌ للعِيانِ، لكنَّ السِّرَّ هو في فهمِ الأسرارِ العظيمةِ التي تحويها الآياتُ والأحاديث وتشيرُ إليها إشارةً وتحقيقًا، فلا يستطيعُ فهمَها إلا مَن رحمَهم الله، في أيَّةِ طائفةٍ كانوا، لأنَّ جنودَ اللهِ ودُعاتُهُ وأخيارُهُ هم صفوةُ الصَّفوةِ من البشريَّةِ سواءَ كانوا موجودينَ بين العلويَّةِ أو السُّنَّةِ أو الشِّيعةِ أو المسيحيَّةِ أو العلمانيَّةِ، وآثارُهم تتكَّلمُ عنهم، وليسوا بحاجةٍ إلى شهادةِ الأدنى لأنَّ شهادةَ الأعلى هي التي اختارَتهم ليكونوا حجَّةً على العالَمين.

 

المصدر: مصر تايمز