أرشيف التصنيف: سؤال وجواب

السؤال السابع والسبعون عن الفرق بين النبي والرسول

images

السُّؤال السَّابعُ والسَّبعون: هل هناكَ فرقٌ بين النَّبيِّ والرَّسول؟

الجوابُ السَّابعُ والسَّبعون بإذنِ اللهِ:

إنَّنا كعلويِّين نختلفُ في رُؤيَتنا للفرقِ بينَ النَّبيِّ والرَّسولِ عن كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ على حَدٍّ سواء، رغمَ أنَّ كلاًّ منَ الأنبياءِ والرُّسلِ مخصوصونِ بالعصمةِ، وقد أُمِرنا باتِّباعِهم في قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ)، وبطاعةِ أمرِهم ونَهيهم لقوله جلَّ جلالُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، لأنَّ كلاًّ منهم مبعوثٌ بالحقِّ من قِبَلِ اللهِ سبحانَهُ بمهمَّةٍ ورسالةٍ لقوله سبحانَه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ)، ولكنَّ هناكَ فرقًا بينَ المَقامَين أنكرَهُ البعضُ، وقَلَبَهُ البعضُ الآخرُ لاشتِباهِهم وجَهلِهم حيثُ زَعَمُوا (أنَّ الرَّسولَ أجَلُّ من النَّبيِّ، وأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ وليسَ كلُّ نبيٍّ رسولٌ)!!!

نحنُ نردُّ عليهم من الذِّكرِ الحكيمِ، فلو كانَ الرَّسولُ أجَلُّ من النَّبيِّ لَمَا خَصَّ اللهُ تعالى النَّبيَّ بالصَّلاةِ عليهِ في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، لأنَّ هذه الصَّلاةَ هي تشريفٌ خَصَّهُ اللهُ به لأنَّهُ أقرَبُ الخلقِ إليه وأرفَعُهم منزلةً عندَهُ.

ولو صَحَّ زعمُهم بأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ لَجَازَ أن يكونَ سيِّدنا جبريلُ (ع) نبيًّا باعتبارِهِ سُمِّيَ رسولاً في قوله جَلَّ من قائلٍ: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً)، ولكنْ لا يجوزُ اعتبارُ جبريلَ (ع) نبيًّا أسوةً بالأنبياءِ الذينَ سُمُّوا رُسُلاً كسيِدنا موسى (ع) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وسيِّدنا عيسى ومحمَّد (ع) في قوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)، فجازَ لهؤلاءِ الأنبياءِ أن يُسَمَّوا رسلاً أيضًا كما في قوله سبحانه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً).

ولابدَّ من الانتباهِ إلى أنَّهُ قَدَّمَ كلمةَ (رسولاً) على كلمةِ (نبيًّا) في الآيات السَّابقةِ لأنَّ كلمةَ الرَّسولِ دَلَّتْ على أنَّهُ مُبَلِّغٌ للرِّسالةِ، وكلمةَ النَّبيِّ دَلَّت على مقامِ النُّبوَّةِ المُمَيَّزِ عن مقامِ الرِّسالةِ، فهو جَلَّ وعلا قد سمَّى الأنبياءَ رُسُلاً، ولكنَّهُ لم يُسَمِّ كلَّ الرُّسُلِ أنبياء، فَوَجَبَ أن يكونَ القولُ الصَّحيحُ: (إنَّ كلَّ نبيٍّ رسولٌ، ولكنْ ليسَ كلُّ رسولٍ نبيٌّ).

فالأنبياءُ هُم رُسُلٌ كما ذكرنا أعلاهُ، ولكنَّ الرُّسُلَ درجاتٌ مختلفةٌ لقوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، منهم مَن لم تُحَدَّد درجتُهُ كما في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)، وهذه الآية تنفي مزاعمَهم بأنَّ (الرَّسولَ أُوحيَ إليه بديانةٍ وشريعةٍ جديدةٍ)!! وأنَّ (النَّبيَّ بُعِثَ لتقريرِ شَرعِ مَن قبلَهُ مِن الرُّسُلِ)!! لأنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ على الأنبياءِ بالدِّينِ والتَّشريعِ لقوله جلَّ جلالُهُ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً)، ثمَّ أرسلَ الرُّسُلَ للتَّصديقِ وإحقاقِ الحقِّ لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ).

ومن الرُّسُلِ جبريلُ الرُّوحُ القُدُسُ في قوله سبحانه: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)، ومنهم مَن كان مِن الملائكةِ في قوله جلَّ من قائلٍ: (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ)، وهؤلاء جميعًا ليسوا أنبياء، ولكنَّهم حُجَجٌ ظاهرةٌ على النَّاسِ لقوله سبحانه: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)، والحجَّةُ لا تنقطعُ بدوامِ الدُّنيا لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اللَّهُمَّ إنَّكَ لا تُخلي الأرضَ مِن حُجَّةٍ لَكَ عَلى خَلقِكَ، ظاهرٌ مَوجودٌ، أو خَافٍ مَغْمُورٌ لِكَي لا تُبطِلَ حُجَّتَكَ)، وقولِ الإمام الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

من خلالِ ما ذُكِرَ يتأكَّدُ لنا أنَّ الرِّسالةَ لم تُختَمْ بختمِ النُّبوَّةِ كما زعمَ ابن تيميَّةَ بقوله المفتون: (خَتمُ النُّبوَّةِ يستلزِمُ ختمَ الرِّسالةِ)، فالنبوَّةُ خُتِمَتْ بسيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقولِهِ (ص) حينَ سُئلَ: هذا الأمرُ بعدَكَ لنا أم لِمَنْ؟ فقال: (الأمرُ بَعدي لِمَن هو مني بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بَعدي)، فلا شريعةَ يُدعى إليها بعدَ الشَّريعةِ المحمَّديَّةِ حتَّى ظهورِ القائمِ.

ولكنَّ الرِّسالةَ باقيةٌ أبدَ الدَّهرِ لقوله تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، وهم الموصوفون بقوله سبحانه: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)، فَمهمَّتُهم التَّبليغُ لقولهِ : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقولِهِ: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، والبلاغُ المُبينُ هو تبليغُ الولايةِ الحقِّ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وهذا البلاغُ قائمٌ على الدَّوامِ لا ينقضي حتَّى مجيءِ القائمِ المُنتَظرِ (ع) فَيُحقَّ الحقَّ ويقيمَ الميزانَ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال السادس والسبعون حول إبراهيم والأطيار الأربعة

images

السُّؤال السَّادس والسَّبعون: هل يُعقَلُ أن يَشُكَّ نبيُّ اللهِ إبراهيم (ع) في إيمانِهِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً).

 

الجوابُ السَّادس والسَّبعون بإذنِ الله:

إنَّ الخليلَ إبراهيمَ (ع) لَمَّا حَاجَّ النَّمرودَ في أنَّ رَبَّهُ هو الذي يُحيي ويُمِيتُ، سألَ اللهَ تعالى أن يُطْلِعَهُ على كيفيَّةِ إحياءِ المَوتى بقوله: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى)، ليكونَ على بصيرةٍ من احتجاجِهِ على النَّمرودِ اللَّعينِ، فأجابَه اللهُ تعالى بقولِهِ: (أَوَلَمْ تُؤْمِن)؛ يَعني: أوَلَمْ تُقِرَّ بأنِّي قادرٌ على ذلكَ، قالَ: (بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) برؤيةِ القدرةِ فَتَتمكَّن عندي، قال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)؛ أي فَخُذْ من الطَّيرِ أربعةً مختلفةَ الأجناسِ وانزَعْ أرياشَها ولُحُومَها وعِظامَها، واخلُطِ الجميعَ مع بعضِها واقسُمها أربعةَ أجزاءٍ، (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً)؛ أي على أربعةِ جبالٍ وأَبْقِ الرُّؤوسِ معكَ، (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً)؛ أي إنَّ تلكَ الأجزاءَ تَسعى إلى الرُّؤوسِ فَتَلتَحِمُ بها وتعودُ أحياءً، فأخذَ الخليلُ (ع) الأطيارَ الأربعةَ وفَعَلَ بِهِنَّ كما أمرَهُ ثم دَعَاهُنَّ أي ناداهُنَّ فَجِئْنَهُ سَعياً لِزَاماً والْتَحَمَتِ الأجسامُ بالرُّؤوسِ وَوَلجَتْ فيهم الأرواحُ حتى عُدْنَ أحياءً.

نحنُ العلويُّونَ نقولُ: إنَّ اللهَ لا يَفعلُ شَيئًا عَبَثًا، ولابدَّ لِنُطقِ الذِّكرِ الحكيمِ من سِرٍّ كريمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ، فَسَيِّدُنا إبراهيمُ (ع) ما شَكَّ في رَبِّهِ أبدًا، وإنَّما أرادَ الانتقالَ من مستوى الاستدلالِ المُعبَّرِ عنه بعلمِ اليقينِ، إلى مستوى العِيَانِ المُعَبَّرِ عنه بعينِ اليقينِ، ثمَّ الارتقاءَ إلى درجةِ التَّوحيدِ وهي حقُّ اليقينِ، وهذا حالُ المؤمنينَ دائمًا في سَعيهم إلى الكمالِ، لأنَّ الإيمانَ ثلاثةُ مَرَاتِبَ: علمُ اليقينِ ثمَّ عينُ اليقينِ ثمَّ حَقُّ اليقينِ وهو النَّعيمُ الأبديُّ لقوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).

وقد بَيَّنَ رسولُ اللهِ (ص) هذا المعنى حين زَعَمَ قَومٌ: شَكَّ إبراهيمُ ولم يَشُكَّ نَبيُّنا، فقال (ص): (نحنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم)، والنَّبيُّ (ص) لا يقعُ منه الشَّكُّ أبدًا وهو القائل: (لَا أَشُكّ وَلَا أَسْأَل)، فكانَ هذا من قبيلِ افتراضِ ما لا يُمكِنُ وقوعُهُ.

إنَّ اللهَ أرادَ بهذهِ الآيةِ التَّعريفَ بكيفيَّةِ التَّكوينِ الأوَّلِ، وأنَّهُ بعدَ أن كُوِّنَتِ القِوَى قامَ الفِكرُ بالسُّؤالِ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى) لِتَعرِفَ القِوَى كيفيَّةَ التَّكوينِ، فأجابَهُ الحقُّ بقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِن)، قال الفكرُ: (بَلَى) إنِّي مؤمنٌ ومُعتَرِفٌ، (وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) على يقينٍ في كيفيَّةِ التَّكوينِ، والمقصودُ بِهِ اطمئنانُ القِوَى، وتبيانًا لِفَضلِ الفكرِ على القِوَى، وتعريفًا للقِوَى بما أَمَدَّها به الفكرُ من النُّورِ الجوهريِّ الذي بِهِ الحياةُ الأبديَّةُ، ولِتَثْبُتَ عندها مَعرفةُ ما أعطاها من السُّموِّ والعظمةِ.

ثم قالَ له: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ)؛ أي أوجدِ الحِسَّ لِيَكونَ مع القِوَى في رُتبَةِ التَّكوينِ، ثم ادْعُ الحِسَّ إلى ما دَعَوتَ القِوَى فإنَّهُ يأتيكَ سَعيًا لِزَامًا غيرَ نَاكِلٍ ولا مُتأخِّرٍ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وَسَتَعْلَمُ القِوَى حِينَئذٍ أنَّها كُوِّنَتْ كالحِسِّ، وأنَّها دُعِيَتْ إلى ما دُعِيَ إليهِ الحِسُّ، ولِتَعْلَمَ وتَعرِفَ القِوَى بأنَّ الفِكْرَ مُحييها بالدَّعوةِ ومُمِدُّها بالإرادةِ، فكانَ المقصودُ بالأطيارِ هو الحِسُّ، وهو مرتبطٌ بالطَّبائعِ الأربعةِ لِذَا كان عَدَدُها أربعةً، وقد دُعِيَ الحِسُّ إلى ما دُعِيَتْ إليهِ القِوَى فأجابَ مُسرِعًا بغيرِ شَكٍّ ولا ارتيابٍ ولا تَوَهُّمٍ ولا تَوَقُّفٍ، وإنِّي المُوفِّق لَهُ بِسرعةِ الإجابةِ حتَّى صارَ الحِسُّ في درجةِ القوى ومعَها في المنزلةِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الخامس والسبعون حول توريث الخطيئة

 

images

السُّؤال الخامسُ والسَّبعون: لولا أنَّ آدمَ أخطأَ وزَلَّ في الجنَّةِ، هل كنَّا خرجنا من الجنَّةِ وهبطنا على الأرضِ؟

 

الجوابُ الخامسُ والسَّبعون بإذنِ الله:

يقول تعالى: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

هذا يعني أنَّ الهدايةَ والضَّلالةَ نابعةٌ من نفسِ الإنسانِ، وليست ميراثًا عن الآباءِ والأجدادِ، فكيف تكونُ ميراثًا عن الأنبياءِ الذين لا يُخطئون، ولو كان ميراثُنا عن الأنبياءِ لَمَا كنَّا قد هَبَطْنا من الجنَّةِ أصلاً.

قد يزعمُ قائلٌ أنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ من سيِّدنا آدمَ (ع) نيابةً عن ذرِّيَّتِهِ مُستَشهدًا بالآيةِ الكريمةِ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، علمًا أنَّنا أوردنا شرحًا وافيًا حولها في الجوابِ الثَّامنِ والثَّلاثين.

ويزعمُ آخرُ أنَّ النَّبيَّ محمَّد (ص) يشيرُ إلى توريثِ الخطيئةِ بقوله: (نَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وأخطأَ فأًخطأتْ ذُرِّيَّتُهُ)!!!

بالتَّدقيقِ في الآيةِ الكريمةِ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى لم يقلُ أنَّ الميثاقَ أُخِذَ من سيِّدنا آدمَ (ع) بالنِّيابةِ عن ذُرِّيَّتِهِ، بلْ إنَّ الذُّرِّيَّةَ كانت موجودةً بالفعلِ وتمَّ إشهادُها على أنفسِها، وهو ما أكدَّهُ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص) حين قال: (يُقَال لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْل النَّار يَوْم الْقِيَامَة: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مَا عَلَى الْأَرْض مِنْ شَيْء أَكُنْت مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: “فَيَقُول: نَعَمْ”، فيُقالُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْك أَهْوَن مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا فَأَبَيْت إِلَّا أَنْ تُشْرِك بِي).

فالخطيئةُ والجحودُ إذن لا يُورَّثانِ، لكنَّ النَّاسَ يَنسونَ ويَجحدونَ ويُخطِئُونَ لأنَّهم ضعفاءُ كما قالَ تعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)، وكلُّ إنسانٍ يَتَحمَّلُ خَطأَهُ بنفسِهِ لقوله تعالى: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، وقوله سُبحانه: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، وقوله عزَّ عِزُّهُ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ).

ومِن الواجبِ ذكرُهُ أنَّ سيِّدنا آدمَ (ع) لم يَخرجْ من الجنَّةِ بسبب الزَّلَّةِ والخطيئةِ، وهو ما شرحناه في الجوابِ الخامسِ عشر، بل لتأديةِ الرِّسالةِ لقولِ الرُّوحِ القُدُسِ ليوسف بن داؤد في الرُّؤيا التي شاهدها لتبرئةِ مريم العذراءَ (ع): (فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ)، وكذلكَ لِتَتمَّ بذلكَ الدَّعوةُ للإيمانِ لكلٍّ من الإنسِ والجِنِّ، لقولِهِ سبحانَهُ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الرابع والسبعون حول أزواج الأنبياء وارتكاب الفاحشة

images

السُّؤال الرَّابعُ والسَّبعون: هل يمكنُ القول: إنَّ عائشة زوجةَ النَّبي (ص) ارتكبَتِ الفاحشةَ كأزواج الأنبياءِ السَّابقين؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والسَّبعون بإذنِ الله:

منَ المهمِّ جدًّا أن نؤكِّدَ أنَّنا كعلويِّين لسنا بسبَّابين ولا شتَّامين فيما يخصُّ المخالفين للهِ ورسولِهِ، لأنَّ السَّبَّ والشَّتمَ للمخالفينَ يقابلُهُ سَبٌّ وشتمٌ لأئمَّتِنا وهو خطأٌ لا نَرضى الوقوعَ بهِ كما وقعَ بهِ الشِّيعةُ في مواجهاتِهم العلنيَّةِ مع السُّنَّةِ على شاشاتِ التَّلفزةِ ومواقعِ التَّواصلِ الاجتماعي و….، وذلكَ امتثالاً منَّا لقولِ الإمام جعفر الصَّادق (ع): (لا تَسُبُّوا طَواغِيتَهم فَيَسُبُّوا أئِمَّتَكُم بغيرِ علمٍ)، وقولِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ، ولكنَّكم لو وصفتُم أعمالَهم وذكرتُم حالَهم لَكانَ أصوبَ)، لذلكَ يمكنُنا أن نوصِّفَ ما فعلَهُ الأشخاصُ في التَّاريخ، ونبتعدُ عن السَّبِّ والشَّتمِ لأنَّهُ ليس من أخلاقِ العلويِّ الحقيقيِّ.

ومن ذلكَ ما نصفُ بهِ أفعالَ أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب بخصوصِ جَهلهم في أمورِ الدِّينِ،و تخلُّفِهم عن جيش أسامة، واغتصابِ الخلافةِ متناسينَ قولَ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ هذا وَصيِّي وخَليفتي مِن بَعدي فاسمَعوا لَهُ وأطيعوهُ)، ومنعِ فاطمةَ الزَّهراء (ع) حقَّها في أرضِ فَدْك، وهجومِهما لإحراقِ بيتِ فاطمة متناسينَ قولَ رسول اللهِ (ص): (رِضَى فاطمةَ مِن رِضَاي وسُخطُ فاطمةَ من سُخْطِي، فَمَن أرضَى فاطمةَ فقد أرضانِي ومن أسخطَ فاطمةَ فقد أسخَطَنِي).

وكذلك أفعال عائشة بنت أبي بكر ومخالفتِها لرسولِ اللهِ (ص) وخروجِها لمحاربةِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في واقعةِ الجملِ التي تُعتبرُ أكبرَ مخالفةٍ اقترفَتْها عائشة متناسيةً قولَ رسولِ الله (ص): (يا عليُّ، حَربُكَ حَربي وسِلْمُكَ سِلمِي)، وهي الفاحشةُ التي حذَّرَها الرَّسولُ من الوقوعِ فيها في قوله تعالى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)، وليسَ المقصود فاحشةً أخلاقيَّةً معاذَ الله، وذلكَ كرامةً لرسولِ الله (ص)، علمًا أن طلحةَ حاولَ التَّطاولَ على حُرمةِ النَّبيِّ (ص) ولكنْ هيهات، حيث ذكرَ بعضُ المؤرِّخينَ أنَّ طلحةَ قالَ: (لَئِنْ مَاتَ محمَّد لَنَنْكِحَنَّ أزواجَهُ مِن بَعدِهِ- أو لَأَتَزَوَّجَنَّ عائشةَ) فَتَأذَّى رسولُ اللهِ (ص) من كلامِ طلحةَ وأنزلَ اللهُ قولَهُ: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً).

وفي نفس السِّياقِ يمكننا أن نؤكِّدَ على ذلكَ من خلالِ أمثلةٍ مع باقي الأنبياءِ كالشُّبهة الواردةِ في تفسيرِ قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، حيث زَعَموا أنَّ ذلكَ إشارةٌ إلى ارتكابِ زوجةِ نوحٍ الفاحشةَ الأخلاقيَّةَ، وأنَّ ذلكَ الولدَ الغارقَ هو ابنٌ غيرُ شرعيٍّ لها، ولتمريرِ هذا البهتانِ اسْتَدَلُّوا بغيرِ دليلٍ وهو قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).

 

والرَّدُّ عليهم في قولِ ابْنِ عَبَّاس: (مَا زَنَتْ اِمْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، أمَّا قَوْله: “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك”؛ أَيْ الذِينَ وَعَدْتُك نَجَاتهمْ)، كما كان ابنُ عبَّاس يقول: (مَن قالَ أنَّه ليسَ ابنَ نوحٍ فقد كَذَّبَ بالقرآنِ، ألم تَقْرَؤُوا قولَهُ تعالى: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ).

وأمَّا نسبةُ الخيانةِ وارتكابِ الفاحشةِ إلى امرأتَي نوحٍ ولوطٍ، وكذلك نساء النَّبيِّ اللاتي خالَفْنَهُ كعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر، فالمرادُ بها الخيانةُ في الإيمانِ لا في العِرْضِ، لأنهنَّ خالفنَ أوامرَ اللهِ وأنبيائهِ فاستحقَّتْ كلٌّ منهنَّ العذابَ ضعفَين، والدَّليلُ قوله تعالى: (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

ولابدَّ في الختامِ أن نؤكِّدَ أن المؤمنَ لا يُبتلى بالزَّواجِ من امرأةٍ عاهرةٍ تفعلُ الفاحشةَ الأخلاقيَّةَ كرامةً له وصيانةً له من الذُّلِّ والهوان.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثالث والسبعون حول أذية الأنبياء

images

السُّؤال الثَّالثُ والسَّبعون: كيف يمكن أن نفسِّرَ تعرُّضَ الأنبياءِ لأذَى أقوامِهم وهم مَعصومون؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسَّبعون بإذنِ الله:

إن أحدَ أهمِّ اختلافاتِنا العقائديَّةِ مع السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو مفهومُ العصمةِ، والدَّرجةُ الرَّفيعةُ التي نصلُ إليها بعيدًا عن بَخْسِ الأنبياءِ حقَّهم في العصمةِ التَّكوينيَّةِ. وجوابًا على هذا السُّؤالِ سأوردُ بعضَ الأمثلةِ:

في قصَّةِ سيِّدنا موسى الكليمِ (ع)، وردَ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) كانَ شديدَ الحَياءِ حتَّى لا يَكادَ يُرَى من جِلدِهِ شيءٌ، فَتَكلَّمَ بعضُ المُغرضين من بني إسرائيلَ في حقِّهِ بالبُهتانِ، وفَسَّرُوا حَيَاءَهُ أنَّهُ استِتَارٌ عن مَرَضٍ فيه (بَرَصٍ أو آفةٍ)، فَظَلَّ يَحتَمِلُ الأذى وهو صابرٌ يَدعوهم كما وردَ في الآيةِ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وقد كان بنو إسرائيلَ شعبًا قُسَاةَ القلوبِ لا يؤمنونَ إلاَّ بما يُعَاينونَ، فَهُم قَومٌ مَادِّيُّونَ يُثبِتونَ أنَّ اللهَ تَعالى أوجَدَ الأشياءَ من شَيءٍ، فَلَولا أنَّهُ شَيءٌ لَمَا استَطاعَ إيجادَ الأشياءِ أبَدًا!!

كيفَ لا وهم الذين رَأَوا الآياتِ العظمى من الحَيَّةِ والبَياضِ وانفلاقِ البحرِ لهم ثمَّ ابْتُلُوا باتِّخاذِهم العجلَ لقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ)!! ولم يَأخذوا بأمرِ اللهِ بل وَصَلَتْ قَسوَتُهم أن عَلَّقُوا إيمانَهم باللهِ على شرطِ أن يَرَوهُ جَهرَةً فأخَذْتُهُم الصَّاعقةُ وهم يَنظرونَ!

ولم يكتفوا بأذيَّةِ سيِّدنا موسى (ع) بل تابعوا أذيَّتَهم لسيِّدنا المسيح (ع) الذي وبَّخَهم قائلاً: (إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ).

ولكنَّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا)، إن دَلَّ فإنَّما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى يَعصِمُ أنبياءَهُ وَيُبَرِّئُهُم ممَّا يَفتريهِ عليهم السُّفهاءُ.

 

ولا نَنسى كيفَ أعطى سبحانَهُ القدوةَ للبشريَّةِ في صبرِ سيِّدنا أيُّوب (ع) في قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).

كما كان بلاءُ سيِّدنا يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصَّابرينَ بعدَما فَقَدَ أحبَّ أبنائِهِ واحدًا تِلوَ الآخرِ، فَصَبَرَ ولم يَيْأَسْ من رَوحِ اللهِ، ولم يَقُلْ إلاَّ ما يُرضي اللهَ، بل زَادَ تَضَرُّعُهُ إلى رَبِّهِ ورجاءُهُ إيَّاهُ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد أظهرَ سيِّدُنا يعقوب (ع) العَمَى لِشِدَّةِ بكائِهِ على فراقِهِ لمولانا يوسف (ع) في قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ثم أظهرَ الإبصارَ حينَ أرسلَ له مولانا يوسف (ع) قميصَهُ لقوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).

فاختفاءُ مولانا يوسف (ع) عن ناظرِ سيِّدنا يعقوب (ع) عُبِّرَ عنه بالعَمَى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ مُبصِرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع)، أمَّا المُسَبِّبُ لهذا العَمَى والإبصارِ فهو مولانا يوسف (ع).

ومِثلُ هذا البلاءِ لنبيِّ اللهِ يعقوب (ع) بمشيئةِ اللهِ ليسَ ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عِبرَةٌ وآيةٌ للمتوسِّمينَ لقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ).

 

ونذكرُ في قصَّةِ سيِّدنا يونس (ع) قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهل يَعصي سيِّدنا يونس (ع) أمرَ رَبِّهِ؟ وكيفَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ القادرَ على كلِّ شيءٍ لن يَقدرَ عليهِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا يونسَ (ع) لم يُغاضِبْ رَبَّهُ، إذْ لم يَقُلْ تَعَالى أنَّه ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ، فَمَن زادَ هذهِ الزِّيادةَ كانَ يكذبُ على اللهِ ويزيدُ في القرآنِ ما ليسَ منهُ، وهذا ما لا يَجوزُ لأنَّه غَاضَبَ قومَهُ، وإنَّ سيِّدنا يونس (ع) لم يَقصدْ بذلكَ إلاَّ رِضَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المعنى الصَّحيح، والذي يَتَّضِحُ جَلِيًّا بِفَهمِ قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) حيث جاءَ رجلٌ فسألَ ابنَ عبَّاس: كيفَ يَظُنُّ نبيُّ اللهِ يونسَ أنَّ اللهَ لن يَقدِرَ عليه؟ فقالَ ابنُ عباس: ليسَ هذا، ألمْ تقرأ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)، وهذا يعني أنَّ كلمةَ (نَقدِرَ عليه) لا تُشيرُ إلى معنى الاستطاعةِ، وإنَّما تُشيرُ إلى مَعنى التَّضييقِ، فسيِّدنا يونس (ع) لَمَّا دَعَا قَومَهُ للتَّوحيدِ ونَفَروا منهُ وأذوهُ، تَرَكَهم غَضَبًا للهِ ولم يظنَّ أنَّ اللهَ يحاسِبُهُ ويُضَيِّقُ عليهِ، وقد نَبَّهَ رسولُ اللهِ (ص) إلى هذا الأمرِ وحَذَّرَ مِن أن يُسِيءَ إنسانٌ الظَّنَّ بنبيِّ اللهِ يونسَ (ع) فقالَ (ص): (‏لا يَقولَنَّ أحدُكُم أنَّني خيرٌ من ‏يونسَ)، وهذا من تعظيمِ رسولِ اللهِ (ص) لشأنِ الأنبياءِ ودفاعِهِ عنهم.

وقد تَضَرَّعَ (ع) إلى رَبِّهِ مُنيبًا فقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فاستجابَ لَهُ رَبُّهُ تعالى وجَعَلَ دُعاءَهُ هذا مأثورًا لِرَفعِ الكَربِ إلى يومِ القيامةِ.

كلُّ هذهِ المواقفِ تُعتَبرُ بَيِّنَةً على براءةِ الأنبياءِ (ع) وَجَاهِهِم وسَلامَتِهِم، لا نَيْلاً من عِصمَتِهِم، عليهم جميعًا الصَّلاةُ والسَّلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد