أرشيف التصنيف: سؤال وجواب

السؤال السادس والثمانون حول عدم البكاء على الحسين

images

السُّؤال السَّادسُ والثَّمانون: هل يبكي العلويُّونَ على الحسينِ كما يَفعَلُ الشِّيعةُ في أيَّامِ عاشوراءَ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

حقيقةُ التَّوحيدِ عندَنا كعلويِّينَ هي الإخلاصُ للإمامةِ كَغَايةٍ، والتَّمسُّكُ بالرِّسالةِ كَطَريقةٍ، فعندما نتحدَّثُ عن الإمامةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ غيرِ الرِّسالةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ أعلى منها، ولكنَّ الشِّيعةَ ساوَت الإمامةَ مع الرِّسالةِ فأخطأتْ، والسُّنَّةَ جعلَتِ الإمامةَ أدنى من الرِّسالةِ فأخطأتْ.

والنَّبيُّ يُعلِنُ للخلقِ مقامَ الإمامةِ كما فعلَ سيِّدُنا محمَّد (ص) عندَ إعلانِهِ إمامةَ سيِّدِ الوصيِّينَ وأميرِ المؤمنينَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قوله له: (أنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدِي)، وقوله في حديثِ الغديرِ مشهورٌ وكافٍ لتَكتملَ رسالتُهُ، لأنَّهُ (ص) قال: (أنا الـمُنذِرُ وعليُّ الهادي، وبكَ يا عليُّ يَهتَدِي الـمُهتَدونَ مِن بَعدي).

والإمامةُ تتطلَّبُ شروطاً أهمُّها العصمةُ، بدليلِ قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، هذهِ العصمةُ حقيقةٌ موجودةٌ عند كلِّ الأئمَّةِ (ع)، وقد ورد عن الإمام الجوَّادِ (ع) قوله: (أَمَا عَلِمْتُم أنَّ أهلَ هذا البيتِ لَيسُوا خَلْقًا من هذا الخَلْقِ، أَمَا عَلِمْتُم أنَّ رسولَ اللهِ بَايَعَ الحسنَ والحسينَ وَهُما صَبيَّانِ).

كما وردَ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ (ص) يقولُ عن نفسِهِ وعن الحسنِ والحسينِ والتِّسعَةِ من بَعدِ الحسينِ أنَّهم (مُطَهَّرونَ مَعصومونَ)، فَحَقَّتِ الإمامةُ للحسنِ والحسينِ (ع) كما صَحَّت لِمَن أتَى بَعدَهُما من الأئمَّةِ حيثُ قالَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لهما: (أنتُما سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ، إمامانِ معصومانِ حَفِظَكُما اللهُ ولعنةُ اللهِ على مَن عَادَاكُما).

والسؤالُ الذي نطَرَحَهُ هنا: كيف تمَّ عند الشِّيعةِ الربطُ بين ضعف وعجز الأئمَّةِ وعِصمَتِهم؟

لقد أخطأت الشِّيعةُ عندما اعتقدَتْ أنَّ الإمامَ يمكنُ أن يُحِسَّ بما يُحِسُّ به البشـرُ، وَيُعاني ما يُعانيهِ البشـرُ، ويَتألَّمُ لِمَا يَتألَّمُ منه البشـرُ، فَوَصلَتْ إلى نَتيجةِ أنَّ للأئمَّةِ خصائصُ جسميَّةٌ بشـريَّةٌ، وأنَّ الأئمَّةَ يعيشونَ نقاطَ الضَّعفِ البشـريِّ!! وأنَّ هناكَ نقصًا تكوينيًّا في الشَّخصيَّةِ الإماميَّة!!

إنَّ الإمامَ هو كلُّ مَن ائتَمَّ به القوم واقتَدوا بقولِهِ وفعلِهِ، فهو يعني المثالَ والقدوةَ والمقصودَ، وهكذا نرى كعلويينَ الإمامَ الحسينَ (ع) قائدًا مُجسِّدًا لكلِّ القِيَمِ الخيِّرَةِ والأخلاقِ السَّاميةِ، ممثِّلاً للحقِّ ضِدَّ الباطلِ، وللعدالةِ ضدَّ الظُّلمِ، وللهدايةِ ضدَّ الضَّلالةِ، وللتَّوحيدِ ضدَّ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

ونحنُ لا نغالي به كما فعلَتِ الشِّيعةُ، فالشِّيعةُ غالَتْ بالإمامِ الحسين (ع) كم غالَتِ النَّصارى بسيِّدنا المسيح (ع) عندما أفرطوا بتسليمِهمْ له ورفعوهُ إلى درجةٍ عظيمةٍ، ثمَّ ناقَضوا أنفسَهم وفرَّطوا به، واللهُ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)، ولهذا قالَ سيِّدنا المسيح (ع): (ملعونٌ كلُّ مَن مَاتَ مُعَلَّقًا على خَشَبَةٍ)، لنفي أن يكونَ هو المصلوبُ. فنحنُ لا نبكي على الإمامِ الحسينَ (ع) لأنَّ اللهَ- بمعتَقَدِنا العلويِّ- رَفَعَهُ إليهِ كما رفعَ عيسى (ع) إليهِ بالحجَّةِ الواضحةِ البيِّنةِ، ولكنَّ الشِّيعةَ اقتدوا بالمنكرينَ لِرَفعِ عيسى (ع) إلى اللهِ، ولم يَقبلوا برفعِ الحسينِ (ع) إليهِ، ولهذا يبكونَ عليهِ ويلطمونَ أنفسَهم في عاشوراء.

وهذا يعني أنَّ فكرَنا العلويَّ اقتضَى أن نرتقي في التماسِ الدُّروسِ من الأئمَّةِ (ع)، ومنهم الإمامُ الحسينُ (ع) الذي تميَّزَتْ خطبُهُ بالدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ حقَّ عِبَادَتِهِ، هذهِ العبادةُ تتطلَّبُ صِحَّةً في العقيدةِ التَّوحيديَّةِ، وهو الأمرُ الذي أكَّدَ عليهِ الإمامُ الحسين (ع) مِرارًا وتكرارًا، فقد كان لَهُ دورٌ بارزٌ في محاربةِ أصحابِ العقيدةِ الـمُشبِّهَةِ الـمُشركَةِ، والذين سُمُّوا بالمارقينَ، فقال (ع): (أيَّها النَّاسُ اتَّقُوا المارِقَةَ الذين يُشبِّهونَ اللهَ بأنفُسِهم، يُضَاهِئُونَ قولَ الذين كَفَرُوا من أهلِ الكتابِ، بل هُوَ اللهُ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

وتابعَ الإمامُ الحسين (ع) على نهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في توحيدِ الباري، إذ أثبتَ وجودَ اللهِ لِخَلقِهِ في قوله: (هوَ في الأشياءِ كائِنٌ لا كَينونَةَ مَحظورٍ بها عَليهِ، ومن الأشياءِ بائنٌ لا بينونةَ غائبٍ عنها)، وأقامَ ميزانَ الحقِّ في قوله: (احتَجَبَ عن العقولِ كما احتَجَبَ عن الأبصارِ، وَعَمَّنْ في السَّماءِ احتجابَهُ عمَّنْ في الأرضِ) لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). ثمَّ أَفْرَدَ ذاتَ الباري عَزَّ عِزُّهُ عن الصِّفاتِ المحسوسةِ في قوله (ع): (لا يُوصَفُ بِشَيءٍ من صِفاتِ الخَلائقِ)، وعن الأفعالِ المعقولةِ في قوله: (ما يُتَصَوَّرُ في الأوهامِ فهو خِلافُهُ)، لأنَّ جميعَ ما أوجدَهُ من أسماء وصفاتٍ وأفعالٍ في الخَلْقِ إنَّما هي مِن صُنْعِهِ جَلَّ وَعَلا وليسَتْ سَابقةً لَهُ، دليلُ ذلكَ في قوله (ع): (بِهِ تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبِهِ تُعقَلُ الـمَعَارِفُ لا بها يُعقَلُ).

فَمَن كانَ يرى الإمامَ الحسينَ (ع) وفق هذهِ الرُّؤيةِ الجليلةِ لا يبكيهِ ولا يفرِّطُ به ولا يُخفِّضُ مقامَهُ، بل على العكس، يَحمدُ ربَّهُ دائمًا على هذا الانتماءِ العلويِّ الحسينيِّ الشَّريفِ، ويعملُ جاهدًا ليحافظَ على نفسِهِ من عَبَثِ البدعِ وعشوائيَّةِ الشُّبهاتِ وفَوضى الانحرافِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والثمانون حول الزنى بين المؤمن والمقصر

images

السُّؤالُ الخامسُ والثَّمانون: هل الزِّنى يَقضي بالخروجِ من الإيمانِ ويحكمُ بالكفرِ على الزَّاني؟ ولماذا اقتضى التَّشريعُ أن يحتاج الحكم على الزاني إلى أربعةِ شهود بينما يكتفى بشاهدين فقط في غيرِ ذلكَ؟

 

الجوابُ الخامسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

يقولُ تعالى في كتابِهِ العزيزِ: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)، لأنَّ الزِّنى من الكبائرِ التي نَهَى اللهُ عنه وأمرَ باجتنابِها، ولكنَّ السُّؤال المطروحَ دقيقٌ أخطأت العامَّةُ في الحكمِ عليهِ نتيجةَ الخلطِ والتَّخليطِ.

لابدَّ في البدايةِ من التَّذكيرِ بقولِهِ تعالى: (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ)، وقد أمرَ اللهُ تعالى عبادَهُ باجتنابِ المعاصي ومنها بإيجازٍ ما وَرَدَ في سورةِ الإسراءِ: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)، (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى)، (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ)، (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ)، وهي جميعًا قد تلحَقُ بالمقصِّرينَ ويُحاسَبُونَ عليها لقولِهِ تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)، أمَّا ما يستوجبُ جهنَّمَ بلا رجعةٍ فهو الشِّركُ لقوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً).

فالزِّنى لا يُخرِجُ المسلمَ إلى حَدِّ الشِّركِ والكفرِ الذي يَستوجِبُ جهنَّمَ والخلودَ فيها لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الزِّنى واللَّهو ففاعلُ هذهِ الأفعالِ كلُّها مُفسِدٌ للإيمانِ، خارجٌ منه من جهةِ ركوبِهِ الكبيرة على هذهِ الجهةِ، غيرُ مشركٍ ولا كافرٍ ولا ضالٍّ، جاهلٌ على ما وصفناهُ من جهةِ الجهالةِ)، بل يُطبَّقُ على الزَّاني حَدُّ الزِّنى في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وذلكَ ليتوبَ عن ذَنبِهِ.

هذا يعني أنَّ المسلمَ المُقَصِّرَ قد يزني، ولكنَّ الزِّنى لا يُخرِجُه من الإسلامِ، بدليلِ قولِ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في نهجِ البلاغةِ: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ)، فلو أنَّهُ خرجَ إلى الكفرِ لَمَا صَلَّى عليهِ النَّبيُّ (ص)، وقد قالَ تعالى في سورة التَّوبة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)، وهم الذينَ تَخَلَّفوا عن الجهادِ معه.

أمَّا المؤمنُ البالغُ بالمعرفةِ فلا يَزني بعكسِ ما نَسَبَتْهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ لرسولِ الله (ص) من أنَّ المؤمنَ قد يزني!! فالزِّنى محرَّمٌ على المؤمنين لقولِهِ تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، أي لا يرتكبُهُ مؤمنٌ بالغٌ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إذا زَنَى الرَّجلُ أَخرَجَ اللهُ منهُ روحَ الإيمانِ)، فسُئِلَ إنْ كانَ المقصودُ بالرُّوحِ ما وردَ في قولِ اللهِ تَبَارك وَتَعالى: (وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ منهُ)؟ فقال (ع): نعم. وذلكَ لأنَّ الإيمانَ أعلى وأجلُّ من الإسلامِ.

والدَّليلُ على أنَّ الإيمانَ أعلى وأجلُّ من الإسلامِ هو قولُ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الإيمانُ أرفعُ من الإسلامِ بدرجةٍ، إنَّ الإيمانَ يشاركُ الإسلامَ في الظَّاهرِ، والإسلامُ لا يشاركُ الإيمانَ في الباطنِ، وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّـفَةِ)، ولذلك قال تعالى: (قَالَتِ الاْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ). فالمقصِّرُ لا يَعْدو كونَهُ مُسْلِمًا، أمَّا المؤمنُ فهو البالغُ في المعرفةِ بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الإسلامُ هو الظَّاهرُ الذي عليهِ النَّاسُ: شهادةُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ محمَّداً عبـدُهُ ورسولُهُ، وإقامةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ وَحَجُّ البيتِ وصيامُ شهرِ رمضانَ؛ فهذا الإسلامُ. والإيمانُ معرفةُ هذا الأمرِ مع هذا، فإنْ أقرَّ بها ولم يَعرِفْ هذا الأمرَ كان مسلماً وكان ضَالاًّ).

وهذا التَّفريقُ بينَ المقصِّرِ الذي قد يزني، والمؤمنِ العارفِ الذي لا يزني، هو ما يفسِّرُ روايةَ إبراهيمَ اللَّيثيِّ حين سألَ الإمامَ الباقر (ع) عن المُؤمنِ المُستَبصرِ: هل يزني؟ أجابَ: لا يزني أبداً. قالَ: هل يلوطُ؟ أجابَ: لا. قالَ: وهل يُذنِب؟ أجابَ (ع): (نعَم، إلاَّ أنَّهُ إذا أذنَبَ لا يَلحقُهُ من ذنْبِهِ شيءٌ لأنَّ المؤمنَ مُزِجَ بهِ من اللَّمَمِ)، وهو المذكورُ في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ).

وللإجابةِ على القسمِ الثَّاني من السُّؤالِ أقولُ: إنَّ الحكمَ على الزَّاني لا يثبت إلا بأربعة شُهَدَاء لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). حتَّى أنَّ سيِّدنا المسيح (ع) حينَ جاءَهُ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ بامْرَأَةٍ وقَالُوا لَهُ: (يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟)، قَالَ لَهُمْ: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ)، فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً، وَبَقِيَ وَحْدَهُ مع الْمَرْأَةِ فقَالَ لَهَا: (يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟)، فَقَالَتْ: لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ. فَقَالَ لَهَا (ع): (ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً).

وتفسيرُ الشُّهَدَاءِ الأربَعِ قد وردَ عن الإمام جعفر الصادق (ع)، حيث روي أن أبا حنيفة النَّعمانَ مؤسِّسَ المذهبِ الحنفيِّ سألَهُ: أيُّهما أشدُّ الزِّنَى أم القتلُ؟ قال (ع): القتلُ. قال أبو حنيفة: فما بالُ القتلِ جازَ فيه شاهدان، ولا يَجوزُ في الزِّنى إلاَّ أربعةٌ؟ فقال (ع): ما عندَكم فيه يا أبا حنيفة؟ قال: ما عندنا فيه إلاَّ حديثُ عمر، إنَّ اللهَ أجرَى في الشَّهادةِ كلمتينِ على العبادِ. فقال (ع): (ليسَ كذلكَ يا أبا حنيفةَ ولكنَّ الزِّنَى فيه حدَّانِ، ويجبُ أن يشهدَ كلُّ اثنينِ على واحدٍ، لأنَّ الرَّجلَ والمرأةَ جميعًا عليهما الحَدُّ، والقتلُ إنَّما يُقامُ الحَدُّ على القاتلِ ويُدفَعُ عن المَقتولِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الرابع والثمانون حول زيارة مقامات الأولياء الصالحين والتبرك بها

 

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والثَّمانون: ما هو مبرِّرُ زيارتكُم لقبورِ شيوخِكم؟ أليسَ تقبيلُها من أنواعِ الشِّركِ؟ فلماذا تقومونَ بذلك وقد نَهَى الرَّسولُ عن ذلك؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ هذا اتِّهام صريحٌ موجَّهٌ إلينا لذلكَ لابدَّ من الإيضاحِ أوَّلاً أنَّ النَّهيَ عن زيارةِ الـمَقاماتِ والـمَزاراتِ كانَ مِن دَأبِ أعداءِ رسولِ اللهِ (ص)؟!

إذْ وَرَدَ في الخبرِ أنَّ مروانَ بن الحكم أقبلَ يومًا فَوَجَدَ رَجُلاً وَاضِعًا وَجهَـهُ على القبرِ، فأقبَلَ عليهِ وأخذَ بِرَقَبَتِهِ ثم قالَ: هل تَدري ما تَصنَعُ؟ فإذا هو الصَّحابـيُّ الجليلُ أبو أيُّوب الأنصاري، فقالَ: نَعم إنِّي لم آتِ الحَجَرَ، إنَّما جِئْتُ لأُسَلِّمَ على رسولِ اللهِ (ص).

فَتَبَرُّكُنا بالمقاماتِ والمزاراتِ كَتَبَرُّكِ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ بمقامِ رسولِ اللهِ (ص). ونحنُ في تَبَرُّكِنا بالمقاماتِ والمزاراتِ نَقتدي برسولِ اللهِ (ص) عندما كان يقفُ عندَ الحَجرِ الأسودِ ويُقبِّلُهُ، فهذا التَّبَرُّكُ ليسَ عبادةً للحجرِ، إنَّما هو احترامٌ للأرواحِ الطَّاهرةِ، وتعظيمٌ لِشَعائِرِ اللهِ، وقد قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب)، شَأنُهُ شَأنُ تَقبـيلِ غِلافِ المصحفِ الكريمِ والكتبِ السَّماويَّةِ، إلاَّ إذا كانَ أحدٌ يَذهبُ إلى أنَّ تقبـيلَنا للمصحفِ كفرٌ وإلحادٌ!!

وبِعَرْضِ المسألةِ على كتابِ اللهِ نَستَذكِرُ قوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيراً)، إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرًا). فهذهِ الآيةُ صريحةٌ تؤكِّدُ أنَّ النَّبيَّ يعقوب (ع) كان مفتقرًا للهِ عندما تبرَّكَ بقميصِ الوصيِّ يوسفَ (ع)، وهذا من التَّعليمِ الرَّفيعِ للتَّبَرُّكِ بمقاماتِ ومَزاراتِ الأولياءِ الصَّالحين.

وهذا يؤكِّدُ أنَّ إقامةَ الدُّعاءِ عندَ المقاماتِ والمزاراتِ والتَّبرُّكَ بها مُسْتَحَبٌّ ومُقْتَرِنٌ بِالثَّوابِ، وهو نوعٌ من تعظيمِ شعائرِ اللهِ، والكتابُ الكريمُ يُصَـرِّحُ بِجَوَازِ ذلكَ، من خلالِ عدَّةِ أدلَّةٍ:

  • الدَّليلُ الأوَّلُ: السَّادَةُ العِظَامُ أصحابِ الكهفِ الذينَ وردَ ذِكْرُهم في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، فَجَعَلَ المَوضِعَ مَزارًا، وهذا المزارُ صارَ ذا كرامةٍ وَشَرَفٍ بسببِ وُجُودِهِم، إذ قال تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا).

  • الدَّليلُ الثَّاني: مقامُ سيِّدِنا إبراهيم الخليلِ (ع) الذي وَجَبَ الدُّعاءُ عِندَهُ لقوله سبحانَهُ: (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، فإذا كانَ الأمــرُ كذلـكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقامِ سيِّدنا إبراهيمَ الخليلَ (ع)، ألا يَنبغي أن يكونَ كذلكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقَامَاتِ الرُّسُلِ والسَّادةِ المؤمنينَ الـمُتَّقينَ، وقد قالَ تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ)؟!

  • الدَّليلُ الثَّالث: البيوتُ المرفوعةُ في قوله تعالى: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ): فليسَ الـمُرَادُ من البيوتِ هو الجوامعُ فقط، بل هي الأماكنُ التي يُذكَرُ فيها اسمُ اللِه تعالى كالمقاماتِ والمزاراتِ. وهذا الرَّفعُ له مَعنيان:

  • الأوَّل: أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الماديُّ الذي يَتحقَّقُ بإرساءِ القواعدِ والبناءِ، كما قال سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعيلُ)، وهذا يَدُلُّ بكلِّ وضوحٍ على جَوَازِ تَشييدِ المقاماتِ وتَعميرِها.

  • والثَّاني أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الحقيقيُّ، كما قال عزَّ وجلَّ: (وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا)؛ أي مَنَحْنَاهُ مكانةً عاليةً من خلالِ التَّكريمِ والتَّشريفِ والـمَدَدِ. وهذا يَدُلُّ على تَكريمِها وَتَبجيلِها وَصِيَانَتِها وَتَطهيرِها مِمَّا لا يَليقُ بشأنِها.

ولابدَّ من التَّذكيرِ بقولِ الإمامِ علي الهادي (ع) الواردِ في كتابِ تحفِ العقولِ عن آلِ الرَّسولِ (ص): (إنَّ للهِ بِقَاعـًا مَحمـودَةً يُحِبُّ أن يُدْعَى فيها فَيَسْــتَجِـيبَ لِمَنْ دَعَاهُ)، وهذا يعني أنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ في بُقعَةٍ لامَسَتْ أحدَ الأئمَّةِ أو الأنبياءِ أو الرُّسُلِ (ع) أو الأولياءِ الصَّالحينَ (ق) فأصبحَتْ مَزارًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثالث والثمانون حول الفرق بين الطائفة العلوية والطائفة السنية

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والثَّمانون: ما هو الفرقُ بين الطَّائفةِ العلويَّةِ والطَّائفةِ السُّــنِّـيَّـةِ؟ ولماذا أنتم مُغالونَ بِعَلي؟ وماذا يُمَثِّلُ لكم محمَّد (ص) مُقارنةً به؟

الجوابُ الثَّالثُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:
إنَّ الفرقَ الجوهريَّ فيما بَيننا أنَّنا كعلويِّينَ تَمَسَّكْنا بالعِتْرَةِ وأنتم تَمَسَّكْتُم بالصَّحابةِ، والمقصودُ بالعِترَةِ هم أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ والحسنُ والحسينُ والتِّسعَةُ من بَعدِ الحسين إماماً بعد إمامٍ حتَّى مَجيءِ المهديِّ الـمُنتَظَرِ (ع) امتثالاً لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنِّي مُخلِفٌ فيكُم كتابُ الله ِوعترَتي أهل بيتي، ما إنْ تَمَسَّكتُم بهِ لن تَضلُّوا). فَمَا يُمَيِّزُنا عن السُّنَّةِ أنَّنا نُقِرُّ بِمَبدأ الولايةِ للأئمَّةِ المعصومين (ع)، وهذا الفرقُ الجوهريُّ يَتَفرَّعُ عنهُ فُروقٌ كثيرةٌ كأحقِّيَّةِ الخلافةِ وانتخابِ الصَّحابةِ بين مَيَامِينَ ومُخالِفِين، عَدَا عن أنَّنا نأخذُ عُلومَنا الفقهيَّةَ من مدرسةِ الإمامِ جعفر الصَّادقِ (ع)، بينما يأخذُ السُّنَّةُ علومَهُم من اجتهاداتِ تلاميذِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) في مَذَاهِبِهم الأربعةِ، ومَن يَرتَوي من النَّبعِ لا يَرتوي من السَّواقي.
ولمَّا ثَبَتَ أنَّ السُّنَّةَ الـمُنخَنِقَةَ كما الشِّيعةُ الـمُقَصِّرةُ لهم طـريقُ الغُلُوِّ وأساسُهُ، ثبتَت بَراءَتُنا من الغُلُوِّ، وَقَد حَذَّرَ سيِّدُنا محمَّد بن نُصَير (ع) من الغُلُوِّ في قوله: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِنَفسِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ).
فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلَهِ عزَّ شَأنُهُ. هذا يَعني أنَّه إفرَاطٌ وَتَفريطٌ؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، فَعَقِيدَتنا الصَّحيحةُ ليست غُلُوًّا ولا تَسْفِيهًا، بل هي وَسَطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).
ونحنُ لا نُنقِصُ من شأنِ أميرِ المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لِمَقامٍ دونَ الوصايَةِ، ولا نَرفَعُ الأنبياءَ والرُّسلَ لِمَقامِ الألوهيَّة، والدَّليلُ في قولَهُ تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قد صَرَّحَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ لسَيِّدِنا محمَّد (ص)، وأنَّهُ خاتمُ الأنبياءِ، وبأنَّ الولايةَ أعلى من الرِّسَالةِ لقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)، فقدَّمَ الولايةَ على الرِّسالةِ. فهل مِن أحَدٍ يَجرؤُ على تكذيبِ القرآنِ الكريمِ؟
إنَّ تَنزيهَنا للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسُلِ (ع) عن الخطأ والنِّسـيانِ والضَّعفِ والعجزِ هو الذي دَعَا كُلاًّ من السُّنَّةِ الـمُنخَنِقَةِ والشِّيعةِ الـمُقَصِّرَةِ إلى اتِّهامِنا بالغُلُوِّ!! فإذا كان هؤلاء يُجيزُونَ الضَّعفَ والعجزَ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ فنحنُ لا نُجيزُ ذلكَ، لأنَّ ذلكَ يَتنافَى مع العقلِ والدِّينِ، بل نحن نستندُ لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين سـئلَ: الإمامُ يموتُ؟ فقالَ (ع): (المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، فكيفَ يموتُ الإمامُ؟!!)، وفي هذا القولِ ردٌّ كافٍ على مَن خالفَ مبدأ الحقِّ.
ولا بدَّ من التنويهِ إلى أنَّ المغالينَ زَعَمُوا أنَّ للباري ماهِيَّةً ولكن لا تُدرك، وهؤلاء انطبقَ عليهم قوله تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شـيئًا)، فَمَهما تَعَدَّدَتِ الطـُّرقُ وتنوَّعَتْ، سَواءَ كانت حِسِّـيَّةً مَاديَّةً أو مَعنويَّةً عقليَّةً، فإنَّها جسورٌ ومعابرُ للاستدلالِ فقط.
فالتَّعريفُ الصَّحيحُ للغلوِّ هو رفعُ المخلوقِ وَجَعلُهُ ذاتًا للخالقِ، وهو القولُ بأنَّ الخالقَ عينُ المخلوقِ والرَّبَّ عينُ المربوبِ والكلَّ واحدٌ، ونحنُ من الغلوِّ براءٌ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني والثمانون حول الفرق بين التجلي والحلول

images

السُّؤال الثَّاني والثمانون: هل التَّجليِّ الذي تتحدَّثُ عنه النُّصيريَّةُ هو حلولُ اللهِ بالبشرِ كنزولِهِ في جسدِ علي؟

 

الجوابُ الثَّاني والثمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ للمؤمنِ على المؤمنِ حقوقًا، منها النَّصيحةُ والتَّنبيهُ من الوقوعِ في الأخطارِ والشُّرورِ، وأعظمُ الشَّرِّ ما كان في الدِّينِ والعقيدةِ، لذلكَ لَزِمَ التَّنبيهُ إلى ما قامَ به أهلُ الحلولِ، وإلى ما تحتويهِ كتبُهم ومراجعُهم الخاصَّةُ من أمورٍ وضعَها سادَتُهم ويجبُ مراجعتُها والتَّدقيقُ فيها والبراءةُ منها، وسأوضِّحُ في هذا الجوابِ بعضًا من شُبُهاتِهم وَبِدَعِهِم التي نُسِبَتْ زورًا وبُهتانًا لنَهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ، وسأوضِّحُ بالشَّرحِ الدَّقيقِ المعاني الحقيقيَّةَ للأقوالِ المَعصومَةِ التي يجبُ ألاَّ تُؤخَذَ على ظاهرِ الكلامِ لقولِ سيِّدنا المسيحِ (ع): (لا تَحكُمُوا حسبَ الظَّاهرِ ولكنْ احكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا).

يزعمُ الحلوليُّونَ أنَّهم يَكتسبونَ مَعرِفَتهم بالوحي لا بالطُّرُقِ والحقائقِ، فَهُم لا يَستَدِلُّونَ بالقرآنِ ولا بالأخبارِ المُتواتِرَةِ عن النَّبيِّ والأئمَّةِ (ع)، لذلك ضَلَّ أهلُ الحلولِ عن فَهْمِ إثباتِ المَشهودِ الموجودِ لِيُثبِتُوا حسبَ زعمِهم (حلولَ اللهِ بالكائناتِ العاقلةِ وغيرِ العاقلةِ، فَكُلُّ كائنٍ يَرَى اللهَ تعالى كَهَيئَتِهِ إنَّما أكبرُ وأعظمُ، فالبشرُ يَرَاهُ بَشَرًا أكبرَ وأعظمَ!! والحيوانُ والنَّباتُ والجمادُ يَرَونَهُ حَيَوانًا ونباتًا وجَمَادًا أكبرَ وأعظمَ!!).

ومن أعلامِ بدعةِ الحلولِ السَّابقين (سنان قزحل وسراج الدين العاني وعلي بن قرمط وعلي بن كشكة العشيري وزيد الحاسب وإسماعيل بن خلاَّد وإسحاقَ الأحمر)، حيث قالوا في بعض بِدَعِهم: (إنَّ اللهَ حَلَّ في جميعِ الأشياءِ كالبقرِ والحيوانِ والكلابِ والخنازيرِ…!!)، وها هم أهل الحلولِ المتأخِّرين الذين تَنَزَّلُ عليهم الشَّياطينُ، تَرَاهُم في كلِّ وَادٍ يَهيمُ، يتحدَّثُون في كلِّ علمٍ، ولكنَّ حديثَهم سَطحيٌّ ضَحْلٌ، وَعَرْضٌ سَاذَجٌ مَبتورٌ، وهو حديثُ مَن قَرأَ شيئًا عن الموضوعِ وَأَلَمَّ ببعضِ الشَّيءِ، ثمَّ صَبَّهُ في قالبٍ خطابيٍّ لِيَستعرضَ به أمامَ حَفنَةٍ من العوامِّ، يُبهِرُها صَدَى سُمعَتِهِ وَصِيتُهُ وجَلَبَةُ خَيلِهِ وَخُدَّامِهِ أكثرُ ممَّا يُفْقَهُ من قولِهِ وحديثِهِ.

لقد خرجَ أهل الحلولِ عن نهجِ الحقِّ حين قالوا: (لا هيولى إلَّا حقٌّ، ولا حقَّ إلَّا تابعٌ لهَيولى، وكلُّ حقٍّ لا يَتبعُ هيولى ليس حقًّا!!)؛ أرادوا بذلك حلولَ اللهِ في كلِّ الهيئاتِ والأشكالِ حسب شُروحاتِهِم، فكلُّ ما نَرَاهُ من صُورٍ وهيئاتٍ- وفق زعمِهم- قد حَلَّ اللهُ فيها لإثباتِ وجودِهِ، سواءَ كان ذلك في البشرِ أم في الحيوانِ أم النَّباتِ أم الجماد، إذ كلُّ موجودٍ يراهُ مثلَهُ بهيئةٍ أكبرَ وأعظمَ، فمثلاً البشرُ يرونَهُ بشرًا أضخم، والضِّفدعُ يراهُ ضفدَعًا أكبر، والشَّجرةُ تراهُ شجرةً أكبر، معاذَ الله من هذا الحلولِ الشَّيطانيِّ الرَّجيمِ!!

إنَّ هؤلاء الحلوليِّينَ لم يَفقَهوا ما رُويَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين قيل له: يا سيِّدي، اللهُ في كلِّ مكانٍ أو في مكانٍ دونَ مكانٍ؟ فقال: (بَلْ في كلِّ مكانٍ). قيل: فهو في الجمادِ والنَّباتِ؟ فقال: (ليسَ هوَ فيهِ كالشَّيءِ في الشَّيءِ حُلولاً، ولا هو خارجٌ منهُ كالشَّيءِ في مكانٍ دونَ مكانٍ مُباينًا). قيل: نعم فَمَثِّلْ لي ذلكَ. قالَ: (ضَوءُ الشَّمسِ يَطلُعُ على الجِيَفِ ويُظِلُّ النُّطَفَ). قيل: أَوَمُحْتَجِبٌ هو؟ فقال: (أَوَمُحْتَجِبٌ ضوءُ الشَّمسِ عن الخَلقِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلكَ هو). قيل: فَظَاهِرٌ هو كضوءِ الشَّمسِ؟ قال: (فَضَوءُ الشَّمسِ تَرَاهُ الأبصارُ وَتَحويهِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو). قيل: فما يَضُرُّهُ مُلامَسَةٌ؟ قال: (أفَيَضُرُّ الشَّمسَ طُلُوعُها على الجِيَفِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو).

إنَّ هذا القولَ يؤكِّدُ أنَّ التَّجلِّي لا يعني حلولاً في الكائناتِ كما يزعمُ أهلُ الحلولِ، وبالتَّالي كما يتَّهمُنا السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل هو دلالةٌ على وجودِ الحقِّ إثباتًا للحجَّةِ وإيضاحًا للمَحَجَّةِ، لقول أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنَّ الصَّنعَةَ على صَانِعِها تَدُلُّ)، فالحقُّ تعالى واجبُ الوجودِ لِذَاتِهِ لِكَونِ عَدَمِ وُجودِهِ يَعدمُ جميعَ المُحدَثاتِ، وَبِفَيضِ وُجودِهِ تَنمو سائرُ الموجوداتِ من الخَلقِ والنَّباتِ.

وهكذا جَرَّ أهلُ الحلولِ أنفسَهُم بأنفسِهِم ليفضحُوا شركَهُم حين زَعَمُوا أنَّ (ليلةَ القدرِ هي اجتماعُ الواحدِ والوحدانيَّةِ بالأحدِ!!)، فهل يقبلُ العارفُ في نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ أن يحلَّ عالَمُ الأسبابِ وعالَمُ الكَشْفِ بالحقِّ عزَّ وجلَّ!؟

وأيَّةُ شَيْطَنَةٍ سيطرَتْ على أهلِ الحلولِ حين فسَّرُوا قوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقوله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فزَعَمُوا شارحينَ الآيتين بقولهِم المَشبوهِ: (شَارَكَ اللهُ الرَّسولَ وَشَاطَرَهُ بالعبوديَّةِ كإشراكِ الطَّاعَةِ!!)، مخالفينَ ما وردَ في مُحكَمِ نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ أنَّ اللهَ أمرَ بالسُّجودِ سجودَ طاعةٍ للنَّبيِّ آدم (ع) في قولِهِ تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّه أمرَ بعبادةِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ في قوله سبحانَهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقولِهِ: (وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، فالطَّاعةُ جائزةٌ للرَّسولِ وَمَن يَخْتَصُّهُ اللهُ بِهَا، لأنَّ اللهَ أَقَامَ رَسولَهُ فِي خَلقِهِ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، وَالدُّعَاءَ إِلَيهِ دُعَاءً إِلَيهِ، فلْنَتَقَيَّدْ بأحكامِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ والعِترَةِ، وفي ذلكَ الرَّحمَةُ وتمامُ النِّعمةِ، وَقَد قرنَ سبحانَهُ طَاعَتَهُ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ، وَذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى قُربِ الحبيبِ من رَبِّهِ. أمَّا العبادةُ فغيرُ جائزةٍ إلَّا للحقِّ جلَّ وَعَلا، لذلكَ أُطْلِقَ الكفرُ على مَن يَعبُدُ الرَّسولَ دونَ المُرسِلِ، وأُطلِق الشِّركُ على مَن يَعبدُ الرَّسولَ والمُرسِلَ، وشُهِدَ بالتَّوحيدِ لِمَن عَبَدَ المُرسِلَ دونَ الرَّسولِ.

وقد وجدنا أهلَ الحلولِ قد غرقُوا أكثر فأكثر في شيطَنَتِهِم ليفسِّرُوا أقوالَ المعصومين بفهمِهِم الإنكاريِّ، فقد أوردوا القولَ المشبوهَ: (لا خَلا ولا مَلا بين الحقِّ والعقلِ أي ليس بين نورِهِ ومقامِهِ إلَّا ذَاتُهُ!!) جاعلينَ مقامَ الحقِّ هو العقلُ، وهذا من أفكارِ الحلوليِّين الذينَ اعتبرُوا أنَّ روحَ العقلِ مقامُ الحقِّ!! ولم يفهم أهلُ الحلولِ أنَّ قُرْبَ العقلِ من الحقِّ ليس حلولاً، بل يعني أنَّهُ لا واسطةَ بين الحقِّ والعقلِ، لقولِهِ تعالى في الحديثِ القدسيِّ مخاطبًا العقلَ: (وَعِزَّتي وَجَلالي ما خَلَقْتُ خَلقًا أقربَ إليَّ منكَ، ولكَ أظهَرْتُ خَلقِي وبكَ آخذُ عليهم عَهدِي وبكَ أُعطِي وبكَ أَحكُمُ وبكَ أمضِي، ما وَصَلَ إليَّ مَن جَحَدَكَ ولا احتجبَ عنِّي مَن عَرَفَكَ، رَضِيتُكَ للعالَمِينَ نورًا وَبِحُكمِي فيهم مُدَبِّرًا).

إنَّ شركَ أهلِ الحلولِ جعلَهُم أيضًا مشركينَ بعبادةِ الأسماءِ الحسنى فها هم قد قالوا قولَهُم المشبوهَ: (اسمُ الله ذاتُهُ!!) غافلين عمَّا قاله الإمامُ الصَّادق (ع): (إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، فلو كانَ الاسمُ هو المُسَمِّي لَكَانَ كلُّ اسمٍ إلهًا، ولكنَّ اللهَ مَعنى يُدَلُّ عليهِ بهذِهِ الأسماءِ وكلُّها غيرُهُ)، فَلَو قُلْنَا أنَّ الذَّاتَ الإلهيَّةَ هي الأسماءُ الحسنى فلا يجوزُ من الحكمةِ عبادةُ اسمٍ، كما أنَّه تعالى لم يقل: (اللهُ هو الأسماءُ الحُسنَى)، بل قال: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)؛ أي يميلونَ عن الحقِّ في أسمائِهِ.

لكلِّ ما سبقَ نؤكِّدُ أنَّ البحثَ عن مشكلةِ الخلطِ بينَ العلويَّةِ والحلوليَّةِ عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ تُشَكِّلُ أكبرَ عدوٍّ يُهدِّدُنا، وَتُعطي صورةً مشوَّهَةً عنَّا، لذلكَ فإنَّ بحوثَ الحاقدينَ التي تناولَتْ نهجَنا العلويِّ الإسلاميِّ على ذلكَ المَسْلكِ الغريبِ، لن يجعلَها تدرِكُ عَقَائِدَنا إلَّا كمَا صَوَّرَها وَرَسَمَها لهم أباليسُهم، لذلكَ نقولُ للباحثِ المُنصفِ في نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ: يَنبغي أنْ تتعرَّفَ عليه كما هُوَ في حَقيقتِهِ وعندَ أهلِهِ من السَّادَةِ الثِّقاةِ الميامينِ المَشهودِ لهم بالعلمِ والمعرفةِ والتُّقى واليقينِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد