أرشيف التصنيف: النهج العلوي

التوحيد الخالص

hesham

التوحيد الخالص

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

———————–

 

لمَّا رأى النَّاسُ موقعَ العلماءِ شبهَ فارغٍ، ألقَوا بأنفسِهم بين أيدي مَن نَصَّبَ نفسَهُ لَهُ، وإنْ لم يَكُنْ من أهلِهِ، فَضَلُّوا طريقَهم وَصَاروا يَجرُونَ وراءَ كلِّ صارخٍ، وسلَّمُوا أمورَ دينِهم للجاهلينَ، وصارَ جمهورُ النَّاسِ ألعوبةً بأيدي اللاَّعبين، فاتَّسَعَ نطاقُ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ، وتلاطَمَت أمواجُ الافتراءِ، وتصدَّرَ المنابرَ قومٌ لا أمانةَ لهم ولا دينَ يَردَعُهم ولا عَهدَ لهم بالصِّدقِ، فَحَدَّثُوا النَّاسَ بالأكاذيبِ، ونَمَّقُوا وزَوَّرُوا، وَوَضَعوا الأحاديثَ كيفما شاءَتْ رَغباتُهم، إرضاءً لباطلٍ لا يَرعى للصِّدقِ حُرمةً، ولا يَرَى للدِّينِ قيمةً، فَدَرَجَ بعضُ النَّاسِ على ذلكَ وتَلَقَّوا تلكَ العناوين بلا تَمحيصٍ ولا تَتَبُّعٍ، فَوَقَع عليهم قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

فاللهُ لا يقبلُ عملَ أيِّ عاملٍ بدونِ التَّوحيدِ الخالصِ، فالتَّوحيدُ مَقصَدُ كافَّةِ الأنبياءِ والرُّسلِ، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ (ص): (الشِّركُ في أمَّتِي أخفَى من دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المِسحِ الأسوَدِ)، ولمَّا كانَ الشِّركُ بهذا الخَفَاءِ فالتَّوحيدُ أخفى وأخفى، إذْ ليسَ الشِّركُ فقط هو اتِّخاذُ الأصنامِ آلهةً دونَ اللهِ، وإنَّما الشِّركُ الخَفِيُّ هو ذاكَ الشِّركُ الذي يَتَّخِذُ فيه الـمُشَبِّهُ السِّماتِ والحدودَ والماهيَّاتِ والأفعالَ حقيقةً للذَّاتِ المقدَّسَةِ، وهذا الشِّركُ الخفيُّ الذي لا يَنفعُ معه عَمَلٌ لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فاتِّخاذُ الأندادِ آلهةً دونَ اللهِ هو الشِّركُ الخفيُّ، سواءَ كانت هذهِ الأندادُ سِمَاتٍ أو حدودًا أو تخاطيطَ أو رسومًا أو أفعالاً، فالشِّركُ هو اتِّخاذُ سِمَةٍ ثابتةٍ متأصِّلَةٍ وجعلُها جوهرًا للذَّاتِ المقدَّسَةِ، قبلَ الخلقِ أو بَعدَهُ، بل الحقُّ هو أنَّ هذهِ السِّماتِ والأفعالَ والماهيَّاتِ تقعُ على الخلقِ لا على ذاتِ الخالقِ المقدَّسَةِ، لذلك يجبُ أن نتوجَّهَ للهِ حنفاءَ غيرَ مشركينَ، أي أن نَنفيَ عنه سبحانَهُ الشِّركَ بالسِّماتِ والأفعالِ والماهيَّاتِ، فالتَّوحيدُ الخالصُ يكونُ بإفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن هذهِ السِّماتِ والماهيَّاتِ والأفعالِ الوجوديَّةِ العقليَّةِ والحسِّيَّةِ، فحقيقةُ التَّوحيدِ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسَةِ بالأحديَّةِ، وتَخَلُّصِهِ مِن سِمَتِهِ وَحَدِّهِ ونَعتِهِ وفِعلِهِ، وأنَّها سماتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وجوديَّةٌ مُقتَرِنَةٌ بوجودِهِ المُعايَنِ من ناحيةِ خَلقِهِ فقط، وأمَّا من حَيثُهُ سبحانَهُ فلا حقيقةَ لها.

فالوجودُ ثلاثةٌ، مُمْتَنِعٌ وَمُمكِنٌ وَوَاجِبُ الوجودِ، فالمُمتَنِعُ هو ما لا يَجوزُ، فلا يَجوزُ أن تكونَ موجودًا قبلَ وجودِ روحِكَ، كذلكَ لا يمكنُ أن تكونَ السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ موجودةً قبلَ الخلقِ. والوجودُ الممكنُ أن تأتي بعدَ روحِكَ، كذلك تأتي السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ لِتَدُلَّ على وجودِ وتجلِّي الذَّاتِ المقدَّسَةِ، وليسَتِ السِّمَةُ أو الفعلُ الدَّالُّ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ هو الذَّاتُ المقدَّسَةُ، بل هي أدِلَّةٌ وجوديَّةٌ ولطائفُ عقليَّةٌ أبداها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا بعبادِهِ للهدايةِ والاسترشادِ إليه.

فالعبادةُ تكونُ بحقيقةِ المعرفةِ لا بالتَّوهُّمِ، لأنَّ التَّوهُّمَ لِمَن يَعبدونَ مواقعَ السِّماتِ والماهيَّاتِ، وهم الذين زَعَمُوا بِظَنِّهم أنَّ الماهيَّاتِ- التي هي أصلاً عَرَضٌ للوجودِ- والسِّماتِ الوجوديَّةَ حقيقةٌ لذاتِهِ المقدَّسَةِ.

أمَّا نحن الذين نَصَرَنا اللهُ بِقُدرَتِهِ وتَفضَّلَ علينا بمعرفتِهِ وكرَّمَنا بتوحيدِهِ وَجَعَلنا من أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ الخصيبيِّ فَدَلالَتُنا لا تكونُ إلاَّ لِمُعايَنٍ موجودٍ، وَعِبَادَتُنا لا تكون إلاَّ لِذَاتِهِ المقدَّسَةِ الـمُنفردَةِ عن سِمَاتِ وماهيَّاتِ وأفعالِ الوجودِ. ولا نَعبدُ سماتِهِ ولا بيوتَهُ ولا أفعالَهُ ولا حدودَهُ ولا نُشرِكُ به شيئًا، إذ لا تَصحُّ العبادَةُ للسِّماتِ ولا للماهيَّاتِ وإلاَّ تَعدَّدَتِ الآلهَةُ وعَمَّ الشِّركُ والإشراكُ.

وهذا ما ابتلَى اللهُ بهِ عبادَهُ في قوله: (إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ فالنَّهرُ مثالٌ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ الذي يُبدِي السِّماتِ والحدودَ المحسوسةَ والأفعالَ المعقولةَ، (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)؛ أي مَنِ اعتقدَ بكاملِ الاعتقادِ أنَّ الذَّاتَ المقدَّسةَ هي سِمَاتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وأفعالٌ فليسَ مِن أهلِ التَّوحيدِ، (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ أي مَن أثبتَ السِّماتِ والحدودَ والأفعالَ لدلالةٍ وجوديَّةٍ فقط لإبطالِ التَّعطيلِ (كغُرفَةٍ) ولم يعتقدْ أنَّها حقيقةٌ للذَّاتِ المقدَّسَةِ، بل أفرَدَها عنها لإبطالِ التَّشبيهِ (لم يَطْعَمْهُ) كانَ من أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ.

فَذَاتُ واجبِ الوجودِ المقدَّسةُ يجبُ ألاَّ تكونَ جسمًا ولا رسمًا ولا نعتًا ولا سمةً ولا ماهيَّةً ولا فعلاً ولا عَرَضًا ولا جوهرًا، فالوجودُ بأسرِهِ جواهرُ وأعراضٌ ما خَلا الذَّاتَ المقدَّسَةَ، تَعَالى مَن ليسَ بِجَوهرٍ يَقبَلُ الأضَّدادَ فَيَتَغَيَّرَ، ولا بِعَرَضٍ فَيَسبِقَ وجودَهُ الجوهر.

الموقنون بآيات الله

hesham

الموقنون بآيات الله
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
اعلمْ أيُّها المؤمنُ أيَّدَكَ اللهُ أنَّنا نستدلُّ على معرفةِ وجودِ واجبِ الوجودِ بالمعقولِ الرَّصينِ والمنقولِ المبينِ، اذْ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)؛ فمعرفةُ وجودِ واجبِ الوجودِ تَتحقَّقُ بما نَدَبَ القرآنُ المجيدُ إليهِ في أكثرَ من مَوضعٍ منهُ، كقوله تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، وقوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) أي معاينةُ الدَّلالاتِ على مقامِ واجبِ الوجودِ في الآفاقِ وهو عالمُ العقلِ، (وَفِي أَنفُسِهِمْ) وهو عالمُ الحِسِّ، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي حتَّى يَتَّضِحَ لهم أنَّ مَقامَ التَّمكينِ هو جَنَّةُ المؤمنين، ويَكفِينا استدلالُ الخليلِ (ع) بجنَّةِ القلبِ وجنَّةِ النَّفسِ وجنَّةِ العقلِ في الآيةِ الكريمةِ.
واعلمْ أيَّها المؤمنُ أنَّ السَّماواتِ والأرضَ مقاماتٌ لِعَالَمَي العقلِ والحسِّ، وأنَّ مَلكوتَها لَطائِفُهُم، وهي العقولُ والنُّفوسُ، والـمُعايِنُ لها يُعاينُ سَيرَهُ الذي تَتَغَيَّرُ سِمَاتُ وحدودُ وُجودِهِ بِتَغَيُّرِ سِمَاتِ وحدودِ الـمُعاينينَ لَهُ، لأنَّ سيرَ السَّالكِ من الأصغرِ إلى الأكبرِ، وهذا مِن لَطَائِفِ مَقامِ التَّمكينِ في تعليمِ وهدايةِ الطَّالبينَ.
واعلمْ أيُّها الطَّالبُ أنَّ مقامَ واجبِ الوجودِ على مثالِ العقولِ الفعَّالَةِ هو جنَّةُ العقلِ، وعلى مثالِ النُّفوسِ الـمُدَبِّرَةِ هو جَنَّةُ النَّفسِ، وعلى مثالِ الأجرامِ الـمُطمَئِنَّةِ هو جنَّةُ القلبِ، وهذا لا يعرفُهُ السَّالِكُ ما لَم يَعرِفْ مقامَ التَّمكينِ وآياتِهِ الثَّلاثَةِ في عالَمَي العَقلِ والحِسِّ.
فإذا فَهمْتَ أيُّها الطَّالبُ ما قُلنا عَلِمْتَ أنَّ سيرَ الخليلِ (ع) كان في عالَمِ الجسمانيَّاتِ، لا كما ظَنَّ بعضُ النَّاسِ من أنَّ سَيرَهُ في عالمِ الأجسامِ، وكانَ الخليلُ (ع) يشيرُ إلى جِنَانِ اللهِ وآياتِهِ الدَّالَّةِ عليهِ وجوديًّا، ولهذا يقولُ عندَ مُعايَنَةِ كلِّ جَنَّةٍ: (هَـذَا رَبِّي) إثباتًا وحقًّا وشهادةً بوجودِ واجبِ الوجودِ، وعندَ الإفرادِ يَنفي الأعراضَ والسِّماتِ ولا يَنفي ذاتَ واجبِ الوجودِ، ولهذا قال: (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) لأنَّ الأُفولَ للسِّماتِ والحدودِ، وكذلكَ قالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي) لأنَّ الهدايةَ ليست فقط بالشَّهادةِ، بل بالإخلاصِ والإفرادِ بعدَ الإثباتِ، فَمَن عاينَ وشَهِدَ ولم يَرْتَقِ لمرحلةِ الإفرادِ وقعَ بالتَّشبيهِ، ولذلكَ قال الخليلُ (ع): (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) أي انَّنا بَريئونَ مِن شِركِ الذين اعتقدُوا أنَّ السِّماتِ والحدودَ حقيقةٌ للذَّاتِ المُقدَّسَةِ، كما أنَّنا بريئونَ مِن الذين أنكَرُوا وجودَ مَقامِ التَّمكينِ وجِنَانِهِ الثَّلاثَةِ، فهؤلاء الـمُنكرونَ أنكروا الـمُعايَنَةَ وتَوجَّهُوا بِعِبَادَتِهم إلى الـمَجهولِ وَزَعَمُوا أنَّ الحقَّ الجوهريَّ لا يُمكنُ وجودُهُ ومُعَايَنَتُهُ وهؤلاءِ يَنطبِقُ عليهم قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
لذلكَ فإنَّ مَن عَايَنَ تلكَ الجِنَانَ فآمنَ وشَهِدَ ثمَّ أفرَدَ وأخلَصَ بعبادَتِهِ كُتِبَ عندَ اللهِ من الشَّاهدينَ والعابدينَ، وهذهِ صفةُ خَواصِّ الخواصِّ المُقرَّبينَ من الحقِّ سبحانَهُ وتعالى.

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

hesham

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمثال لِلنَّاسِ). فَبِمَنْ ضَرَبَ اللهُ الأمثالَ؟ وما هو الفرقُ بين المَثَلِ والمَمثولِ؟
إن بدعَ الحلولِ والإنكارِ كانت ولا زالَتْ تستهدفُ حبلَ اللهِ العلويِّ المتينِ، لِتُوهِنَهُ وتُخْرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، لِتُبعِدَ النَّاسَ عن مبادئِ عَقيدَتِهم، وتُفَرِّقَهُم إلى آراءَ شتَّى.
لقد حاولَ المُشبِّهونَ تَحويرَ صميمِ العقيدةِ العلويَّةِ نتيجةَ انتحالِهم لأسلوبِ التَّحريفِ والتَّزييفِ، فوَقَعَ هؤلاء المشبِّهونَ كما سادَتُهم المتشيِّعونَ بالحلولِ في فهمِ الأمثالِ التي ضَرَبَها تعالى للنَّاس، حيث جَعَلُوا المثلَ حقيقةً للممثولِ، ولم يُفرِّقُوا بين المثلِ المضروبِ والغايةِ من ضَربِهِ.
ففي قصَّةِ سيِّدنا موسى (ع) وَقَعوا بالحلولِ، إذ رَفَعوا سيِّدَنا موسى (ع) من مقامِ الوجودِ الكاملِ الذي هو الفعلُ العاقلُ إلى واجبِ الوجودِ الذي له مقامُ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ. فما هذا الهراءُ الذي يَتَخبَّطونَ فيه؟
إنَّ قصَّةَ سيدنا موسى (ع) ومعجزاتِهِ كما وردَتْ في الذِّكرِ الحكيمِ أنَّ الله تعالى قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، فاليمينُ هنا اليدُ، واليدُ الفعلُ والقوَّةُ، وهذا الفعلُ والقوَّةُ تكوينيٌّ لموسى (ع)، لأنَّ كافَ الخطابِ راجعةٌ إليهِ، وهناك حكمةٌ ربَّانيَّةٌ، حيثُ أجاب سيدنا موسى (ع): (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فالعصا المباركةُ هي مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المماثِلَةِ للفعلِ العاقلِ، لذلكَ قالَ: (عَصَايَ)، ولم يقل: (عَصَا)، والدَّلالةُ بذلكَ إلى وجودِ واجبِ الوجودِ على قَدْرِ سيدنا موسى (ع)، ثم قال تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ثم قال: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى).
إنَّ سمةً الحيَّةِ هي سِمَةُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المتحرِّكَةِ، فالحيَّةُ إذنْ هي العصا من ناحيةِ الحقيقةِ، ولكنَّ العصا ليسَتْ حيَّةً من ناحيةِ الشَّكلِ، وهذا يماثلُ قولَ سيدنا المسيح (ع): (إنَّ الواحدَ هو الأحدُ ولكنَّ الأحدَ ليسَ واحدٌ)، لأنَّ السِّماتِ والحدودَ التي ظهرَتْ بالسَّعي تُماثِلُ السِّماتِ والحدودَ الموسويَّةَ، فَمَن جعلَ حقيقةَ العصا حيَّةً فقد أنكرَ المعجزَ الإلهيَّ وصارَ بذلكَ منكرًا لواجبِ الوجودِ، وَمَن قالَ بأنَّها بالحقيقةِ حيَّةٌ وَعَصا وقعَ بالتَّشبيهِ، وهو بذلكَ التَّشبيهِ يكون قد سَاوَى بين سيدنا موسى وَمَولاه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّهُ شِركٌ باللهِ، لقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).
أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الخالصِ فَيَعلمونَ أنَّ العصا لم تَبدُ كالحيَّةِ إلاَّ بعدَ الإلقاءِ وليسَ قبلَهُ، للدَّليلِ على أنَّ السِّماتِ والحدودَ لا تُطلَقُ عليهِ إلاَّ بعدَ إظهارِ الأفعالِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلاَّ بعدَ إظهارِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ المقدَّسَةِ.
أمَّا الحيَّةُ فإنَّها تَسعى، ولم يقل بأنَّ العصا هي التي تَسْعَى، لأنَّها كانت ساكنةً، فالحركةُ إذَنْ بعدَ السُّكونِ، لأنَّ الحركةَ مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، أمَّا السُّكونُ فهو رمزٌ إلى إفرادِ ذاتِ واجبِ الوجودِ.
ثمَّ عادَ الأمرُ الإلهيُّ يَصدُرُ: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فَوَضَع سيدنا موسى (ع) يَدَهُ في جَيبِهِ وأخرَجَها فإذا هي تتلألأ، فَفِعلُ الإدخالِ والإخراجِ ارتبطَ باليدِ، لأنَّ اليدَ دَلَّتْ على أنَّ الفعلَ والقوَّةَ حقيقةٌ تكوينيَّةٌ لسيدنا موسى (ع)، لِيَدُلَّ على مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ وإنْ أبْدَى أفعالاً تماثلُ الفعلَ الكاملَ، لكنَّها تَبقى أفعالٌ وجوديَّةٌ فقط.
وأظهَرَ سيِّدُنا موسى (ع) المعجزاتِ على الملأ باجتماعِهِ مع السَّحرَةِ أمامَ فرعونَ لَعَنَهُ اللهُ، لتكونَ الحجَّةُ الرَّبَّانيَّةُ تامَّةً وكاملةً لذلك أَسْلَمَ السَّحَرَةُ كما في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). وهنا لابدَّ من طَرحِ بعضِ التَّساؤلاتِ، فلماذا ألقَى السَّحرَةُ عِصِيَّهُم في البدايةِ ثمَّ ألقاها سيِّدُنا موسى (ع)؟ ولماذا عَمَلُهُم سِحرًا، بينما سُمِّيَ فعلُ سيِّدنا موسى معجزةً؟
لأنَّ أفعالَ السَّحرةِ كانت ناقصةً ولم تكتملْ فَعِصِيُّهُم تحوَّلَتْ إلى ثعابينَ لكنَّها لم تَرجعْ بعدَ ذلكَ إلى حالِها الأوَّلِ، أمَّا عَصَا سيِّدِنا موسى (ع) فقد تحوَّلَتْ بدايةً إلى حيَّةٍ، ثم تَلَقَّفَتْهُم، ثمَّ عادَتْ إلى حَالِها الأوَّلِ، وهذا له دلالةٌ إيمانيَّةٌ، فأهلُ التَّشبيهِ يَقفونَ عندَ مرحلةِ الإثباتِ ولا يَستطيعونَ تَجاوزَها، فَيُثبِتُونَ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ الحدودَ والسِّماتِ ثمَّ يَجعلونَها حقيقةً لها وهذا شركٌ باللهِ، لذلكَ فإنَّ توحيدَهُم خاطئٌ. أمَّا أهلُ الإيمانِ واليقينِ فَيُثبِتُونَ وجودَ الذَّاتِ المقدَّسَةِ في السَّماواتِ والأرضِ، ثم يُفرِدُونَ ذاتَ واجبِ الوجودِ عن جميعِ هذهِ السِّماتِ والحدودِ لِيَبلُغُوا بذلكَ درجةَ الإخلاصِ في التَّوحيدِ، وهذا مِثَالُهُ في القصَّةِ أنَّ العَصَا تَحَوَّلَتْ إلى حَيَّةٍ ثمَّ عَادَتْ إلى عَصَا.

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

hesham

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

قليلٌ من النَّاسِ هم القدوةُ الحسنةُ في التَّوحيدِ، فإذا انضمَّ إلى ذلك كونُ القدوةِ الحسنةِ سلالةُ بيتِ النُّبوَّةِ وأحفادُ شرفِ الرِّسالةِ، الجبالُ الشَّامخةُ الذين يُقتَفَى أثرُهم وُتَّبَعُ مَنهَجُهُم، ويَستضيءُ الجيلُ بسيرَتِهم، كانت النتيجةُ أفكارًا خلاَّقةً للبشريَّةِ جمعاء.

والموضوعُ الذي تمَّ اختيارُ الكلامِ فيه، تَشغلُ مسائلُهُ النَّاسَ منذُ زمنٍ طويلٍ، وخاصَّةً في هذا الزَّمنِ الذي أصبحَ فيه أغلبُ النَّاسِ على غيرِ بصيرةٍ، وبغفلةٍ جعلتهُم يسيرونَ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ودعاةً بألسِنَتِهم فقط.

فَمَا هي المبادئُ الكبرى والشُّروطُ الرَّئيسةُ لِصِحَّةِ الاعتقادِ والالتزامِ كما قالَ سُبحانَهُ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؟

أليسَ القرآنُ هو الميزانُ بين الخالقِ والمخلوقِ؟

يقول تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)؛ فقوله: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) يشيرُ إلى الإفراطِ الذي يُلزِمُ الجورَ والفسادَ، وهم أصحابُ النَّظريَّةِ الصِّفاتيَّةِ السَّفسطائيَّةِ أهلُ التَّشبيهِ، أمَّا قوله: (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) فيشيرُ إلى تفريطِ أهلِ التَّعطيلِ أصحابِ النَّظريَّةِ العدميَّةِ، لذلكَ جاءَ الأمرُ الإلهيُّ بالوسطيَّةِ والاعتدالِ في قولِ الله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ).

فَمَا هو أصلُ الميزانِ؟ وهل الكفَّتَين هما أصلُ الميزانِ؟

لا، فأصلُ الميزانِ التَّقويمُ الثَّابتُ القائمُ بذاتِهِ، والكفَّتَانِ مُضافَتَانِ لِعِلَّةِ الخلقِ والحاجةِ للعدلِ، والكفَّتان لم تُعَلَّقَا على الميزانِ قبل الإيجادِ، إنَّما بعدَ الإيجادِ. فَعِندما احتاجَ النَّاسُ للوزنِ، تَمَّ تَعليقُهُما، كذلكَ حينَ احتاجَ المخلوقُ إلى معرفةِ الحقِّ الجوهريِّ تَجَلَّى لَهُ فأبدَى الكتابَينِ المَمثولَينِ بالكفَّتَينِ وهما الكتابُ المَرقومُ وكتابُ الأبرارِ المعبَّرُ عنهما معًا بالكتابِ المسطورِ لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ).

إنَّ مبدأَ أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ كالميزانِ لهُ كفَّتانِ هما الإثباتُ والإفرادُ، وهما مُتلازِمَانِ، فلا يَجوزُ الإثباتُ دونَ إفرادٍ، ولا الإفرادُ دونَ إثباتٍ، لأنَّ الإثباتَ دونَ إفرادٍ تشبيهٌ وإشراكٌ كعبادةِ الأصنامِ لقولِ الإمام الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ)، والإفرادُ دونَ إثباتٍ تعطيلٌ وإنكارٌ كعبادةِ العدمِ، فإذا سبقَ لكَ الإقرارُ بالكتابِ المسطورِ وَجَبَ عليكَ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن سِمَاتِ وحدودِ الكتابِ المسطورِ، فالدَّلالةُ للكتابِ المسطورِ إثباتٌ للتَّجلِّي، ثمَّ الإفرادُ عن التَّجسيمِ والتَّحديدِ والتَّخطيطِ للوصولِ الى حقيقةِ العبادةِ.

لكنَّ المشبِّهينَ وإخوانَهم المُنكِرين حَادوا عن طريقِ الحقِّ، فَمِنهم مَن أنكرَ مُعاينَةَ عالمِ الحسِّ للكتابِ المرقومِ بِقَولِهم الباطلِ: (إنَّ الكتابَ المرقومَ مُخصَّصٌ لعالمِ العقلِ فقط)، فلم يُميِّزُوا بين النَّحرِ والبَترِ في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، فكلمةُ (كوثر) تدلُّ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ، وهي دلالةٌ على الكتابِ المسطورِ، وقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) دعوةٌ للإقرارِ بالكتابِ المسطورِ، ومِن ثمَّ إفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ بقوله: (وَانْحَرْ)، فالنَّحرُ هو نفيُ السِّماتِ والحدودِ عن الذَّاتِ المقدَّسةِ وهذا هو الإفرادُ، والإفرادُ ليس إنكارَ الكتابِ المسطورِ، لأنَّ المُنكِرَ هو الأبترُ الذي لم يُقِر أصلاً بوجودِ الكتابِ المسطورِ، فَبَعضهم أبتَرُ من جهةِ إنكارِهِ لوجودِ كتابِ الأبرارِ المُماثِلِ لعالمِ الحسِّ، وبَعضُهم مُنكِرٌ لوجودِ الكتابِ المرقومِ المُماثِلِ لعالمِ العقلِ، وهؤلاء المُنكِرونَ ينطبقُ عليهم قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

وهناكَ الكثيرُ من الأقوالِ والدَّلائلِ على إثباتِ المعايَنَةِ للكتابِ المسطورِ، فَكَما ثَبَتَ وجودُ الأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ السَّماويَّةِ في السَّماءِ ثَبَتَ وجودُ الكتابِ المسطورِ لهم على مِثَالِهم كَصُورِهم (كسِماتِهم) العقليَّةِ يَرَاها أهلُ سَمَاواتِهِ وأرضِهِ ويَعرفُها العارفونَ ويُنكِرُها الجاحدونَ، فالحقُّ الجوهريُّ وإنْ بَدَا للأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ الحسِّيَّةِ بِسِمَتَينِ فهو صاحبُ الحَضرَةِ الأحديَّةِ الذي لا يتغيَّرُ ولا يَحولُ ولا يزولُ ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ ولا يُشبِهُ شيئًا ولا تُضرَبُ به الأمثالُ وليسَ هو مِن قِبَلِ الهيئاتِ والأفلاكِ والأجناسِ، وإنَّما تَجَلَّى لهم رحمةً ولُطفًا من غيرِ حلولٍ ولا اتِّحادٍ ولا مُمَازجَةٍ، فالمعاينُ لوجودِ الذَّاتِ المقدَّسةِ كالنَّاظرِ في الماءِ يُعاينُ نظيرَ سِمَاتِهِ وَحُدودِهِ، وهذا دليلٌ على وجودِ واجبِ الوجودِ في سماواتِهِ وأرضِهِ لِتَكونَ حجَّتُهُ تامَّةً وبالغةً، فَمَنْ وَزَنَ بميزانِ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ وأقرَّ وآمنَ إثباتًا وإفرادًا نَجَا، ومَن خالفَ ميزانَنا العلويَّ فَشَبَّهَ أو أنكَرَ وقعَ بالرَّدَى.

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني

hesham

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

ولد الفيلسوفُ العلويُّ العظيمُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني في مدينة طبرية سنة 358 هـ- 969 م، وإليها نِسبَتُه، والتقى الفيلسوفُ بالعالمِ العلويِّ العظيمِ أبي الحسين محمَّد بن علي الجِلِّي، ثم رحل إلى حلب سنة 376 هـ، ثم انتقل إلى اللاَّذقية والتفَّ حولَهُ مَن فيها من العلويِّين، واستمرَّ في دَعوتِهِ وإرشادِهِ وجهادِهِ العلويِّ حتَّى وفاته في اللاَّذقية عام 426 هـ- 1035 م، ودُفِنَ فيها.
أبو سعيد الميمون بن القاسم الطبراني عَلَمٌ من أعلام الفرقة العلويَّةِ النُّصيريَّة الخصيبيَّة، قادَ الفرقةَ العلويَّةَ بعد أستاذِهِ العالمِ محمَّد بن علي الجلِّيِّ بعد منتصفِ القرنِ الرَّابعِ للهجرةِ وأوائلِ القرنِ الخامسِ، جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، وكان مؤدَّبًا بآدابِ الإسلامِ مُمتَثِلًا لأوامرِ اللهِ ورسولِهِ وآلِ بيتِهِ الطَّاهرين، ومنتهيًا عن نواهيهم باعترافِ العلماءِ والفقهاءِ والسَّادةِ الثِّقاةِ القائمينَ على التَّنظيمِ مِمَّن جَاؤوا بعدَهُ وكان لهم دورٌ جهاديٌّ أو فقهيٌّ أو عقائديٌّ حتَّى لُقِبَّ بالشَّيخِ المجاهدِ، وكذلك لُقِّبَ بالفَقيهِ.
اعتمدَ فلسَفَتَهُ كلُّ فلاسفةِ وعلماءِ النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ حتى عَصرِنا هذا، كيفَ لا!؟ وهوَ العالمُ المجاهدُ الذي جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، المؤدَّبُ المنهيُّ عن محارمِ اللهِ، الذي واجَهَ المنحرفينَ الذين عَرفَوا الحقَّ وأنكروهُ، فقد قَمَعَ المشركينَ ونكَّسَ رأي المنافقين، واعترفَ بفضلِهِ مَن كانَ في عصرِهِ وبعدَهُ من المؤمنين، وله في التَّوحيدِ والعلمِ رتبةٌ لا يُنكِرُها إلاَّ مَن كان من حزبِ المنافقين والمارقين.
لقد كان السَّيِّدُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني ولا زال فيلسوفًا عارفًا، ومتكلِّمًا عالمًا، زاهدًا في الدنيا، صادقًا في الرِّواية، دأبُه تحصيلُ العلومِ الدينيَّةِ ونشرُ المعارفِ الربَّانيَّةِ، وهذا جهادٌ كبيرٌ وفضلٌ عظيمٌ له منذ أيَّامه حتَّى أيَّامنا هذه استحقَّ من خلالِهِ أن يكونَ خليفةً لأهل العصمةِ.
ففلسفتُهُ في التَّوحيدِ تشهدُ أنَّهُ عالمٌ عظيمٌ، وفقيهٌ كاملٌ، وحكيمٌ بارعٌ لبسَ من الصِّفاتِ الحسنَةِ أكملَها، ومن الفضائلِ العليا أعلاها، وبلغَ من التَّقوى عِزَّها، ومن الفضيلةِ مَجدَها، ومن العبادةِ قَلبَها، عرفَ الحقَّ وجاهدَ لإعلاءِ كلمتهِ، وردَّ حجَّةَ المُبطِلين المشبِّهينَ والمنكرين المعطِّلينَ في كلِّ زمان ومكان، حيث واجه أهلَ التَّعطيلِ في زمنه وردَّ عليهم مُبطِلًا دَعواهم فيما ذهبوا إليه واستوجبوا الانقسامَ والانفصالَ في أواخرِ حياتِهِ، فهوَ العارفُ بأسرارِ التَّأويلِ، المُطهَّرِ من رجسِ الأباطيل، المُتَرفِّعِ عن العقائدِ الباطلةِ المموَّهةِ بالتَّشبيهِ والتَّعطيلِ، فَمَن وقفَ على مضمونِ كلامهِ وعرفَ مكنونَ مُرامهِ، فازَ بالسَّهمِ المُعَلَّى، وبلغَ المقصدَ الأعلى.
وهناك الكثيرُ من الشَّهاداتِ التي أوردَها المؤرِّخونَ بحقِّهِ، ولكنَّنا نكتفي بالشَّهادةِ الكبرى، وهي تلكَ العلومُ والمعارفُ اللَّدنيَّة التي تركَها مسطورةً في مقالاتِهِ واحتجاجاتهِ، ولسنا نقبلُ شهادةً من أحدٍ بعد شهادةِ العالِمِ أبي الحسين محمد بن علي الجلِّيِّ حين قالَ في وصيَّتِهِ: (وصيَّتي إليكَ يا أخي، أسعدكَ اللهُ سعادةَ أهلَ الصَّفاءِ، ولا عَدَلَ بنا عن الحقِّ الذي ما فيه خفاء… واعلمْ أيُّها الأخُ المباركُ السَّعيدُ الموفَّقُ الرَّشيدِ…) إلى نهايةِ الوصيَّةِ البالغةِ ثبَّتنا اللهُ على ما فيها من معاني التَّوحيدِ ومباني الآدابِ. فالعالِمُ الجلِّيُّ صاحبُ الاستحقاقِ بالتَّأييدِ الإلهيِّ والتَّسديدِ الرَّبَّانيِّ لأنَّهُ كانَ من أفقهِ طلاَّبِ السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع).
وقد نالَ الفيلسوفُ الطَّبرانيُّ الحظوةَ الرَّفيعةَ عند العالمِ الجِلِّيِّ، وعايشَ الأحداثَ الجِسَامَ التي ألمَّتْ بالأمَّةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ في القرنِ الرابعِ والعقدَين الأوَّلَين من القرنِ الخامسِ الهجريِّ حيث كثرت الصِّراعاتُ المذهبيَّةُ بين أبناءِ الدِّين الإسلاميِّ.
وانطلاقًا من هذا الخُلُقِ النَّبيلِ والأدبِ الرَّفيعِ، ومن قوله تعالى: (وعبادُ الرَّحمنِ الذي يمشونَ على الأرضِ هونًا وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاما)، فإنَّ التُّهمةَ الموجَّهَةَ للسَّيِّدِ أبي سعيد على أنَّهُ حاخامٌ جاءَ لتخريبِ الإسلامِ كما زعمَ المغرضونَ، لَهِيَ أقلُّ شأنًا من الرَّدِّ عليها والوقوفِ عندها، وهذه تهمةٌ تُعبِّرُ عن أصولِ ومعدنِ مَن أطلَقَها من المُتشيِّعينَ الجُدُدِ لَعَنَهم اللهُ، فقد تعرَّضَ السَّيِّدُ الميمون سرورُ بن القاسم الطَّبرانيِّ الهمذانيِّ لأشرسِ حملةِ تشويهٍ في هذهِ الأيامِ من قبلِ المنحرفينَ المتشيِّعينَ الجدُدِ المأجورين الذين تنتشرُ كتبُهم في الأسواقِ وعلى مواقعِ الإنترنيت المدسوسةِ التي تدَّعي العلويَّةَ ولا علاقةَ لنا بها لا هي ولا مَن يكتبُ بها، ومن هؤلاءِ المنحرفينَ الجدد: (فضل خاسكة وعبد الكريم جامع ومحمد علي إسبر) وغيرهم مِن الذين يجبُ التَّحذير منهم كيلا يظنَّ القارئُ أنَّهم علويُّون يمثِّلون العلويَّةَ الحقَّةَ.
ويجبُ علينا أنْ نصحِّحَ المسار امتثالًا لأوامرِ مولانا أمير المؤمنينِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (وأْمُرْ بالمعروف تكنْ من أهلهِ، وأنكرِ المنكرَ بيدكَ ولسانكَ، وباينْ مَنْ فَعَلهُ بجُهدِكَ)، وقوله: (أيُّها المؤمنونَ إنَّهُ من رأى عدوانًا يُعمَلُ بهِ، ومنكرًا يُدعى إليه فأنكَرَهُ بقلبهِ فقدْ سلمَ وبرئَ، ومَنْ أنكرهُ بلسانهِ فقد ًاجِرَ وهو أفضلُ من صاحبهِ، ومن أنكرهُ بالسَّيفِ لتكونَ كلمةَ اللهِ هي العليا وكلمة الظَّالمينَ هي السُّفلى فذلكَ الذي أصابَ سبيلَ الهدى وقامَ على الطَّريقِ ونوَّرَ في قلبهِ اليقين)، ورأفةً بالمُقصِّرينَ من أبناءِ هذه الفرقةِ لقولِهِ: (المسلمُ مرآةُ أخيه فإذا رأيتم من أخيكم هفوةً فلا تكونوا عليه إلبًا وأرشدوهُ وانصحوا له وترفَّقوا به)، فقد زاغتْ أبصارُهم وخدعتهم ضلالةُ أولئكَ الأفَّاكينَ الذين لا يقبلونَ العلمَ الإلهيَّ.
فادِّعاؤهم أنَّ السَّيِّدَ الطَّبرانيَّ يروي رواياتٍ إسرائيليَّةٍ لتثبيتِ تهمةِ أنَّهُ حاخامٌ هو ادِّعاءٌ كاذبٌ، وسيكتشفُ ذلكَ من يقفُ على ما وردَ في الأثرِ عن السَّيِّد أبي سعيدِ بقولِهِ: (ذمَّ اللهُ اليهودَ في القرآنِ في مائةٍ وثمانين موضعًا، والنَّصارى في ثمانين موضعًا….. فهذه الأفعالُ ونظائرها ممَّا يوجبُ ذمَّهُم، لأنَّها أسبابُ البعدِ عن اللهِ وعن طريقِ الحقِّ)، وقوله: (لا تجوزُ إمامةُ المسيحيُّ ولا الإسرائيليُّ بمسلمٍ ولو كان عالمًا لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).
واللاَّفتُ للنَّظرِ أنَّ السيد الطبرانيَ كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ من سيحيكُ هذه الأكاذيبَ الملفَّقَةَ، فدافعَ عن نفسهِ بقولِهِ: (وقلَّما يخلُصُ مؤلِّفُ كتابٍ من حسودٌ يحسدهُ، وباحثٍ عن خطيئةٍ يرصدُهُ، لأنَّ أهلَ الحسدِ يكتمونَ المحاسنَ ويبدونَ المساوئ جهرًا، وبهِ نستعيذُ ممَّن حسدَ ونستعين على من رصدَ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعمَ المولى ونعمَ النَّصير).
إنَّ السَّببَ في هذه الحملةِ هي الإحراجُ الذي سبَّبه لهم هذا المجاهدُ العظيم بتوحيدهِ الذي ينحدرُ عن الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ التي تُشكِّلُ صفعةً قاتلةً لِمَن يحاولونَ عَلَنًا التَّشكيكَ في هذهِ العقيدةِ، وسأدرِجُ من أقوالِ السيدِ الطبراني والعالم الجلي، وهما من أساطينِ العلومِ، ما فيه غذاءٌ للقلوبِ الصَّافيةِ وبلاءٌ للنُّفوسِ المريضةِ بداءِ الجهالةِ لقولِهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ).
فالسيدُ الطَّبراني من أكبرِ الدَّاعينَ إلى الإسلامِ دعوةَ حقٍّ، لقوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)، حيث يقول السيدُ الطَّبراني: (إنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ دَعَوا إلى دينِ الإسلامِ… وَقَدْ شَهِدَ القرآنُ المجيدُ بأنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ، وأن المؤمنينَ الذين كانوا في زمنِ نوح وإبراهيم ويعقوب ولوط وموسى وسليمان وعيسى مسلمون… وَصَحَّ وَثَبَتَ أنَّ الإسلامَ هو الإقرارُ… والإيمانَ هو التَّصديقُ بهِ بحقيقةِ المعرفةِ، وإنِ اختَلَفَتِ الشَّرائعُ في التَّحريمِ والتَّحليلِ، ففي الحقيقةِ غيرُ مختلفةٍ لأنَّ الأنبياءَ أشاروا إلى ربٍّ واحدٍ، ليسَ بينهم في عبادةِ ربِّهم اختلافٌ ولا فرقٌ).
والأنبياءُ عندَ السيدِ الطَّبراني معصومونَ عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً عن كلِّ ما وردَ بالذَّمِّ والوعدِ والوعيدِ والزَّجرِ والتهديدِ في القرآنِ الكريمِ، كقوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، فالمخاطبةُ بالمعصيةِ، والأكلِ من الشجرةِ، والمخالفةِ والهبوطِ من الجنَّةِ ببني البشر لائقةٌ، وعليهم عائدةٌ، وهم المعنيُّونَ بها، وما هذا التأويلُ إلاَّ ممَّا تعلَّمَهُ من السيد الخصيبي (ع) الذي وردَ عنهُ في الأثرِ أنَّ مَن عَقِلَ عن مَولاهُ، وَعَرَفَ حقيقةَ التَّنزيلِ والتأويلِ لم يَنسُبْ هذه الآياتِ ونظائرَها إلى الأنبياءِ.
وكيفَ لا يكونُ النبيُّ معصومًا عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً وقد قال تعالى له: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، فهو الدَّاعي بالسِّرِّ والجهرِ إلى توحيدِهِ، وهو الشَّاهدُ والنَّذيرُ لقولِهِ تعالى: (هذا نَذيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى) أرادَ به أنَّهُ هو الـمُنذِرُ الأولُ والآخِرُ.
والمتمعِّنُ في توحيدِ السيد الطَّبراني والعالمِ الجلِّي يلحَظُ أنَّهما نَهَلا علومَهُما من الحضرةِ العلويَّةِ والنَّبعِ المحمَّديِّ والسَّلسالِ الإماميِّ، وفي أقوالِهِما أكبرُ الإثباتِ على أنَّهما كانا على نهجِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، والرسول وآلِهِ البَرَرَةِ (ع)، فقد توجَّهَا بالعبادةِ إلى الإلهِ الأحدِ الفردِ الصَّمد سماءً وأرضًا لقوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ في الأثرِ عن السيد الطَّبراني قوله: (إنَّ الـمُلكَ لا يجوزُ أن يَملِكَهُ وَيُدبِّرَهُ إلا واحدٌ، ولو جازَ أن يكونا اثنينِ أحدُهما في السَّماءِ والآخرُ في الأرضِ لَفَسَدَ الـمُلكُ وَبَطُلَتِ الحكمةُ)، ولذلكَ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، وهذهِ الآياتُ كما قال السيد الطَّبراني: (تشيرُ إلى أنَّ الإيمانَ لا يكونُ إلا بإشراقِ نورٍ إلهيٍّ يفيضُ على الأكوانِ، فَتُقَادُ منه النُّفوسُ الصافيةُ المستعدَّةُ لقبولِ قولِ المنادي الذي هو الدَّاعي من مكانٍ قريبٍ، فَيُشرِقُ عنه التَّصديقُ الخالصُ من الارتياب).
وهذا كمالُ الإيمانِ واتِّباعُ البيانِ في الفقهِ العلويِّ، فمِن صفةِ الحكيمِ أن لا يَعبُدَ إلا موجودًا، لأنَّ مَن غابَ فلا يُعاين، يُوشِكُ أن لا يكونَ شيئًا، وقد أكَّدَ السيد الطَّبراني أنَّ اللهَ لو لم يَدعُ إلى نفسِهِ لما صحَّ الوجودُ ولا أقامَ الحجَّةَ على الخلقِ، وإنَّما كانَ ذلكَ ليُؤخَذَ بآدابِهِ وآثارِهِ، ولكنَّهُ عزَّ وجلَّ امتحنَ العالمَ ليؤمنَ به مَن يؤمنُ، ويكفرَ به مَن يكفرُ.
وهذا الإثباتُ والإقرارُ هو جوهرُ المعرفةِ التي اعتقدَ بها العالمُ الجلِّيُّ، وما هذا الاعتقادُ إلا اتِّباعٌ ويقينٌ بمقالةِ المعصومين، فهذه المعرفةُ وهذا التوحيدُ لا يكونان إلاَّ عندَ الاولياءِ البالغينَ المعرفةَ لذلكَ وردَ عن السيد الطَّبراني أنَّ الحقَّ سبحانَهُ وعظُمَ شأنُهُ، أوجدَ خَلقَهُ نفسَهُ، وَدَلَّهُمْ على ذاتِهِ، فَنَاجاهُمْ خطابًا واضحًا، وَنُطقًا بيِّنًا، وَعِيَانًا وَوُجُودًا، فَدَعاهُم إلى ربوبيَّتِهِ والإقرارِ بوحدانيَّتِهِ، فأقرَّ مَن أقرَّ باختيارِهِ، وأنكرَ مَن أنكرَ باختيارِهِ.
وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنَّهُ يدلُّ على عقيدةٍ صحيحةٍ وإيمانٍ عظيمٍ لا يصلُهُ إلا مَن ثَبتَ على الصِّراطِ المستقيم، وهذا التَّوحيدُ له شروطٌ معرفيَّةٌ يجبُ فهمُها، تتلخَّصُ في قولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (مَن وَصَفَهُ فقد شبَّهَهُ، وَمَن لم يَصِفْهُ فقد نَفَى وجودَهُ)، لأنَّهُ سبحانَهُ وتعالى (جلَّتْ ذاتُهُ وعَلَتْ، وعنِ الصِّفاتِ امتَنَعَتْ) وهذا هو الحقُّ الذي أوضحَهُ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام بقوله في إحدى خطبِ نَهج البلاغة: (مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ)، وقوله في خطبةٍ أخرى: (مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، ولا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، ولا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ).
والتَّشبيهُ هنا يقتضي الشِّركَ لقول الإمامِ الرَّضا (ع): (مَن شبَّهَ اللهَ تعالى بخلقِهِ فهو مشركٌ)، وهذا ما كانَ واضحًا في قولِهِ (ع): (إنَّما وقعَ الشَّبهُ في الأجناسِ، وليسَ هو من جنسِهم)، فقيل له: أَوَ يخلقُ خلقًا يستترُ به فيتكلَّم منه؟- إشارةً إلى قولِ الحلوليِّينَ- فأجاب (ع): (هذا ما لا يمكنُ أن يحوِّلَ نفسَهُ عن هيئَتِهِ)، ولكنَّهُ سبحانَهُ أتاهم من حيثُ يعرفون.
فاللهُ تعالى كما قال السيد الطَّبراني: (كان قبل الوقتِ لا منعوتًا ولا موصوفًا ولا مُسَمًّى… كانَ ولا مكانَ يُقصَدُ منهُ إليهِ، ولا نعتَ موجود، ولا وقتَ محدود، ولا أجَلَ ممدود)، وحينَ سُئلَ الإمامُ الرِّضا (ع): هل خلا المسمِّي من اسم وقتًا ما؟ أجاب: (أجل قبلَ الوقتِ كانَ ليسَ بمحسوسٍ ولا مدروكٍ ولا يُدرِكُهُ العقلُ ولا يَخطرُ على الفكرِ)، واللهُ لا يقعُ عليه اسمٌ ولا صفةٌ ولا حدٌّ، لذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام شعرًا:
كيفيَّةُ المرءِ ليسَ المرءُ يدركُها… فكيفَ كيفيَّةُ الجبَّارِ في القدمِ
العجزُ عن دركِ الدَّرَّاكِ إدراكُ… والبحثُ في سرِّ ذاتِ اللهِ إشراكُ
وهو معنى قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فليسَ يُدرِكُهُ الخَلقُ إدراكَ إحاطةٍ، ولكنَّهُ يدركُ أبصارَ الخلائقِ جميعًا من غيرِ فَواتِ شيءٍ منها، ولا يَغرُبُ عليهِ كَونُها، لأنَّهُ مُكوِّنُها ومكوِّنُ كَيانِها, ومكوِّنُ المكانِ لها.
وهنا نفهم معنى قول السيد الطَّبراني: (فتقدَّسَ مَن هو دليلُ الأدلَّةِ على وجودِهِ، وهادي الهداةِ إلى توحيدِهِ، تاهَ مَن زعمَ أنَّهُ بغيرِهِ عرفَهُ، وضلَّ مَن بصفاتِ نفسِهِ وصَفَهُ، جلَّ مَنِ القدرةُ صِفَتُهُ والمشيئةُ فطرَتُهُ، عزَّ عن المساواةِ لخلقِهِ وبريَّتِهِ) ، ولذلك كان السيد الطَّبراني يحذِّرُ من الخطأ في التَّوحيدِ عندما أوردَ قول الإمام الصادق (ع): (مَن زعمَ أنَّ ما رآهُ بعضًا فقد بعَّضَ اللهَ)، إذ (به تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبه يُعرفُ العقلُ لا بالعقلِ يُعرَف) كما قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، فالتَّوهُّمُ لا يجري على الإلهِ لقولِ الإمام الصادق (ع): (كلُّ ما توهَّمتَ وخطرَ في بالك شيءٌ فالأزلُ أعلى منه).

ومن هنا يمكن القول: إذا كانَ علم الحقائق من أعظمِ أمَّهاتِ الإيمانِ وأصولهِ، فإنَّ أشرفَ تحقيقٍ في هذا المرام ما جاءَ في فلسفةِ الفيلسوفِ العلويِّ العظيمِ أبي سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني، ففلسفته قرَّةُ عيونِ الكرامِ، ومعدنُ الجواهرِ في رياضِ الجنانِ، ونهجُ البيانِ لتفهُّمِ معاني القرآنِ، والكلامُ الواضحُ والدَّليلُ اللاَّئحُ في الحقِّ والبرهانِ، والسِّرُّ المصونُ على مرِّ الزَّمانِ، إذ هي رواياتُ العالم الجلِّيِّ عن السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع)، وهي قواعدٌ يقتدي بها العالمُ ويستضيءُ بنورها الإمامُ الحاكمُ، ولا يقفُ عليها جاهلٌ ولا ظالمٌ، لأنَّها بحاجةٍ إلى فهم المعاني، والغوصِ في حقيقةِ المباني، لكثرةِ ما فيها من الجواهرِ النَّفيسةِ والأسرارِ العويصةِ، فصريرُ أقلامِ العلماءِ يخرقُ الحجبَ، وينتهي إلى ما بين يدي اللهِ.
وقد كانَ قولُ الحقِّ واجبًا أدَّاهُ السيد الطبراني بكلِّ أمانةٍ، امتثالًا لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (وما أخذ اللهُ عهدًا على الجُهُّالِ أنْ يتعلَّموا إلاَّ وأخذَ على العلماءِ سبعينَ عهدًا أنْ يُعلِّموا)، فالعالمُ هو الدَّاعي للحقِّ لقولهِ تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به)، ولكنَّ النَّاسَ في أيامنا ابتعدوا عن هذا القانونِ الخصيبيِّ الرَّفيعِ، وهمَّشوا وجودَهُ، فضاعت الحقائقُ النَّاظمةُ للعلاقاتِ الدينيَّةِ وتفكَّكَ البنيانُ المرصوصُ.
ولو أنَّهم انتهجوا نهجه والتزموا ما فيه من التَّعاليمِ لما كانَ الوضعُ قد آلَ لِمَا هو عليه الآنَ من الانحرافِ والابتعادِ عن الدِّينِ والزُّهدِ فيهِ، ولمَا وجدَ المغرضونَ المرتدُّونَ الفرصةَ سانحةً ليفسدوا في الدِّين كما قال تعالى: (والذين ينقضونَ عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقهِ ويقطعونَ ما أمرَ اللهُ بهِ أنْ يوصلَ ويُفسدونَ في الأرضِ أولئك لهم اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ).