أرشيف التصنيف: النهج العلوي

الوجود المطلق – نفحات فلسفتنا الخصيبية من عبق فيلسوفنا العظيم العماد الغساني

hesham

الوجود المطلق – نفحات فلسفتنا الخصيبية من عبق فيلسوفنا العظيم العماد الغساني (ق)
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
===========

فيلسوفُنَا العظيمُ أحمد بن جابر بن أبي العَريضِ العِمَادِ الغسَّانيِّ، هو سيِّدُنا الجليلُ أحمد بقرفيص عليهِ سلامُ اللهِ. والحديثُ عن فلسفتِهِ أمرٌ من الصَّعبِ الـمُستَصْعَبِ، فهو حديثٌ عن فلسفةٍ ربَّانيَّةٍ، ومعارفَ يقينيَّةٍ، ومهما ذَكرْنا من تعدُّدِ علومِهِ ومعارفِهِ الفلسفيَّةِ فإنَّنا نعجزُ عن حصرِ مَنَاقِبِهِ، لأنَّهُ مدرسةٌ في إهابِ مَرجِعٍ، والمرجِعُ لكلِّ سائلٍ.
عندما نستعرضُ فلسفةَ سيِّدنا العمادِ الغسَّانيِّ يبدو لنا أنَّنا نستعرضُ لوحةً صوريَّةً مشرقةً من صورِ الفلسفةِ القرآنيَّة، والتي تنيرُ الأرجاءَ وتُرخي الأضواءَ على عظيمٍ من عظماءِ الفكرِ الفلسفيِّ التَّوحيديِّ الفريدِ. فنحنُ نتحدَّثُ عن عبقريٍّ من عباقرةِ الأصولِ الرَّبَّانيَّةِ والفلسفاتِ العِرفانيَّةِ، الطَّامِحَةِ بالمجدِ والعِبْرَاتِ والعِظاتِ لتكونَ آخِذَةً كلَّ ذي روحٍ نَقيٍّ وقولٍ رَضِيٍّ وخُلُقٍّ نَبَويٍّ إلى الطَّريقِ السَّويِّ.
لقد كانَ التَّوحيدُ الخالِصُ مِن أهمِّ مَا دَعَا إليهِ وكتبَ عنه فيلسوفُنا العمادُ الغسَّانيُّ، فقد اتَّخَذَ القرآنَ الكريمَ مُنْطَلَقًا لِفَلسَفَتِهِ الفريدَةِ، فهناكَ آياتٌ مُحكَمَاتٌ نَطَقَتْ بالتَّوحيدِ الخالصِ ونفي الشَّريكِ، فَمِن ذلكَ قولُ اللهِ سبحانَهُ: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وهنا يُؤكِّدُ سبحانَهُ وتعالى على أنَّ التَّعدُّدَ الاسميَّ والصِّفاتيَّ والفعليَّ والشَّيئيَّ سيُؤدِّي إلى الفسادِ والتَّنازُعِ، فاللهُ أحدٌ في ذاتِهِ لا قسيمَ له، وواحِدٌ في صِفَاتِهِ، وواحدٌ في أفعالِهِ، وذلكَ هو التَّوحيدُ، لذلك نجدُ فيلسوفَنا العمادَ الغسَّانيَّ يَدعو إلى إثباتِ الوحدةِ المُطلَقَةِ للباري عزَّ وجَلَّ، ونفي الوحدةِ العَديدَةِ الـمُوجِبَةِ للكثرَةِ العدديَّةِ.
فقد تَحَدَّثَ فيلسوفُنا العمادُ الغسَّانيُّ عن الوجودِ الـمُطلَقِ للباري عَزَّ وجَلَّ بقولِهِ: (الوجودُ الـمُطلَقُ واجبٌ للباري خاصَّةً، ولِغَيرِهِ مُمكِنٌ، فكانَتْ صِفَتُهُ حالةَ الوجوبِ من غيرِ تقديرِ حصولِ الممكِنِ).
واذا كانَ الوجودُ هو المشكلةُ التي تعترضُ الفلاسفةَ، فإنَّ فيلسوفَنا العظيمَ قسَّم ذلكَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: مُمتَنِعٌ، ومُمكِنٌ، وواجبُ الوجوبِ لذاتِهِ. فمثلاً: إنَّ اتِّصافَ الولدِ بالوجودِ قبلَ أبيه مُمتَنِعٌ، وبعدَهُ مُمكِنٌ، وكذلكَ وجودُ السِّماتِ والحدودِ والماهيَّاتِ و… قبلَ الخَلقِ مُمتَنِعٌ، وبعدَ الخَلقِ مُمكِنٌ، لذلكَ يقولُ فيلسوفُنا العظيمُ: (إنَّهُ كانَ وحدَهُ قبلَ تكوينِ خَلقِهِ، فحينَ حَصَلَ الـمُمكِنُ، صارَ الممكنُ واجبًا بهِ، وحَصَلَتْ له إمكانيَّتُهُ بقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
أمَّا الباري عَزَّ وجَلَّ فهو واجبُ الوجودِ لِذَاتِهِ لأنَّهُ حقَّقَ مُستلزَماتِ وجوبِ وجودِهِ لذاتِهِ، والتي هي:
– ألاَّ يكونَ عَرَضًا: لأنَّ العَرَضَ يتعلَّقُ بالجسمِ.
– ألاَّ يكونَ جسمًا: لأنَّ كلَّ جسمٍ ينقسمُ بالكميَّةِ.
– ألاَّ يكونَ مُرَكَّبًا: لأنَّ التَّركيبَ يَفتقِرُ إلى الأجزاءِ.
– ألاَّ يَتَغيَّرَ: لأنَّ التَّغيُّرَ حُدوثٌ، وكلُّ حادِثٍ مُفتَقِرٍ إلى سَبَبٍ.
– ألاَّ يُقالَ لَهُ جَوهَرٌ: لأنَّ الجوهرَ هو الـمُمكِنُ الوجودِ القَابِلُ للصِّفاتِ.
فالذَّاتُ المقدَّسةُ لا يقعُ عليها التَّبعيضُ لقولِ أميرِ المؤمنينَ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (وَلا تَنَالُهُ التَّجزِئَةُ والتَّبعيضُ)، لأنَّ في التَّبعيضِ عُدُولاً عن الحقِّ لقولِ الإمام عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام: (مَن بَعَّضَهُ فقدْ عَدَلَ بِهِ)، والعُدُولُ لا يَجوزُ لقول الإمام: (أشهَدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشَيءٍ مِن خَلقِكَ فقد عَدَلَ بكَ، والعادِلُ بكَ كافرٌ).
اللهمَّ ثبِّتِ المؤمنينَ على توحيدِكَ وتفريدِكَ وتنزيهكَ يا ربَّ العرشِ العظيم.

التوحيد الخالص

hesham

التوحيد الخالص

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

———————–

 

لمَّا رأى النَّاسُ موقعَ العلماءِ شبهَ فارغٍ، ألقَوا بأنفسِهم بين أيدي مَن نَصَّبَ نفسَهُ لَهُ، وإنْ لم يَكُنْ من أهلِهِ، فَضَلُّوا طريقَهم وَصَاروا يَجرُونَ وراءَ كلِّ صارخٍ، وسلَّمُوا أمورَ دينِهم للجاهلينَ، وصارَ جمهورُ النَّاسِ ألعوبةً بأيدي اللاَّعبين، فاتَّسَعَ نطاقُ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ، وتلاطَمَت أمواجُ الافتراءِ، وتصدَّرَ المنابرَ قومٌ لا أمانةَ لهم ولا دينَ يَردَعُهم ولا عَهدَ لهم بالصِّدقِ، فَحَدَّثُوا النَّاسَ بالأكاذيبِ، ونَمَّقُوا وزَوَّرُوا، وَوَضَعوا الأحاديثَ كيفما شاءَتْ رَغباتُهم، إرضاءً لباطلٍ لا يَرعى للصِّدقِ حُرمةً، ولا يَرَى للدِّينِ قيمةً، فَدَرَجَ بعضُ النَّاسِ على ذلكَ وتَلَقَّوا تلكَ العناوين بلا تَمحيصٍ ولا تَتَبُّعٍ، فَوَقَع عليهم قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

فاللهُ لا يقبلُ عملَ أيِّ عاملٍ بدونِ التَّوحيدِ الخالصِ، فالتَّوحيدُ مَقصَدُ كافَّةِ الأنبياءِ والرُّسلِ، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ (ص): (الشِّركُ في أمَّتِي أخفَى من دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المِسحِ الأسوَدِ)، ولمَّا كانَ الشِّركُ بهذا الخَفَاءِ فالتَّوحيدُ أخفى وأخفى، إذْ ليسَ الشِّركُ فقط هو اتِّخاذُ الأصنامِ آلهةً دونَ اللهِ، وإنَّما الشِّركُ الخَفِيُّ هو ذاكَ الشِّركُ الذي يَتَّخِذُ فيه الـمُشَبِّهُ السِّماتِ والحدودَ والماهيَّاتِ والأفعالَ حقيقةً للذَّاتِ المقدَّسَةِ، وهذا الشِّركُ الخفيُّ الذي لا يَنفعُ معه عَمَلٌ لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فاتِّخاذُ الأندادِ آلهةً دونَ اللهِ هو الشِّركُ الخفيُّ، سواءَ كانت هذهِ الأندادُ سِمَاتٍ أو حدودًا أو تخاطيطَ أو رسومًا أو أفعالاً، فالشِّركُ هو اتِّخاذُ سِمَةٍ ثابتةٍ متأصِّلَةٍ وجعلُها جوهرًا للذَّاتِ المقدَّسَةِ، قبلَ الخلقِ أو بَعدَهُ، بل الحقُّ هو أنَّ هذهِ السِّماتِ والأفعالَ والماهيَّاتِ تقعُ على الخلقِ لا على ذاتِ الخالقِ المقدَّسَةِ، لذلك يجبُ أن نتوجَّهَ للهِ حنفاءَ غيرَ مشركينَ، أي أن نَنفيَ عنه سبحانَهُ الشِّركَ بالسِّماتِ والأفعالِ والماهيَّاتِ، فالتَّوحيدُ الخالصُ يكونُ بإفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن هذهِ السِّماتِ والماهيَّاتِ والأفعالِ الوجوديَّةِ العقليَّةِ والحسِّيَّةِ، فحقيقةُ التَّوحيدِ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسَةِ بالأحديَّةِ، وتَخَلُّصِهِ مِن سِمَتِهِ وَحَدِّهِ ونَعتِهِ وفِعلِهِ، وأنَّها سماتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وجوديَّةٌ مُقتَرِنَةٌ بوجودِهِ المُعايَنِ من ناحيةِ خَلقِهِ فقط، وأمَّا من حَيثُهُ سبحانَهُ فلا حقيقةَ لها.

فالوجودُ ثلاثةٌ، مُمْتَنِعٌ وَمُمكِنٌ وَوَاجِبُ الوجودِ، فالمُمتَنِعُ هو ما لا يَجوزُ، فلا يَجوزُ أن تكونَ موجودًا قبلَ وجودِ روحِكَ، كذلكَ لا يمكنُ أن تكونَ السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ موجودةً قبلَ الخلقِ. والوجودُ الممكنُ أن تأتي بعدَ روحِكَ، كذلك تأتي السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ لِتَدُلَّ على وجودِ وتجلِّي الذَّاتِ المقدَّسَةِ، وليسَتِ السِّمَةُ أو الفعلُ الدَّالُّ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ هو الذَّاتُ المقدَّسَةُ، بل هي أدِلَّةٌ وجوديَّةٌ ولطائفُ عقليَّةٌ أبداها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا بعبادِهِ للهدايةِ والاسترشادِ إليه.

فالعبادةُ تكونُ بحقيقةِ المعرفةِ لا بالتَّوهُّمِ، لأنَّ التَّوهُّمَ لِمَن يَعبدونَ مواقعَ السِّماتِ والماهيَّاتِ، وهم الذين زَعَمُوا بِظَنِّهم أنَّ الماهيَّاتِ- التي هي أصلاً عَرَضٌ للوجودِ- والسِّماتِ الوجوديَّةَ حقيقةٌ لذاتِهِ المقدَّسَةِ.

أمَّا نحن الذين نَصَرَنا اللهُ بِقُدرَتِهِ وتَفضَّلَ علينا بمعرفتِهِ وكرَّمَنا بتوحيدِهِ وَجَعَلنا من أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ الخصيبيِّ فَدَلالَتُنا لا تكونُ إلاَّ لِمُعايَنٍ موجودٍ، وَعِبَادَتُنا لا تكون إلاَّ لِذَاتِهِ المقدَّسَةِ الـمُنفردَةِ عن سِمَاتِ وماهيَّاتِ وأفعالِ الوجودِ. ولا نَعبدُ سماتِهِ ولا بيوتَهُ ولا أفعالَهُ ولا حدودَهُ ولا نُشرِكُ به شيئًا، إذ لا تَصحُّ العبادَةُ للسِّماتِ ولا للماهيَّاتِ وإلاَّ تَعدَّدَتِ الآلهَةُ وعَمَّ الشِّركُ والإشراكُ.

وهذا ما ابتلَى اللهُ بهِ عبادَهُ في قوله: (إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ فالنَّهرُ مثالٌ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ الذي يُبدِي السِّماتِ والحدودَ المحسوسةَ والأفعالَ المعقولةَ، (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)؛ أي مَنِ اعتقدَ بكاملِ الاعتقادِ أنَّ الذَّاتَ المقدَّسةَ هي سِمَاتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وأفعالٌ فليسَ مِن أهلِ التَّوحيدِ، (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ أي مَن أثبتَ السِّماتِ والحدودَ والأفعالَ لدلالةٍ وجوديَّةٍ فقط لإبطالِ التَّعطيلِ (كغُرفَةٍ) ولم يعتقدْ أنَّها حقيقةٌ للذَّاتِ المقدَّسَةِ، بل أفرَدَها عنها لإبطالِ التَّشبيهِ (لم يَطْعَمْهُ) كانَ من أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ.

فَذَاتُ واجبِ الوجودِ المقدَّسةُ يجبُ ألاَّ تكونَ جسمًا ولا رسمًا ولا نعتًا ولا سمةً ولا ماهيَّةً ولا فعلاً ولا عَرَضًا ولا جوهرًا، فالوجودُ بأسرِهِ جواهرُ وأعراضٌ ما خَلا الذَّاتَ المقدَّسَةَ، تَعَالى مَن ليسَ بِجَوهرٍ يَقبَلُ الأضَّدادَ فَيَتَغَيَّرَ، ولا بِعَرَضٍ فَيَسبِقَ وجودَهُ الجوهر.

الموقنون بآيات الله

hesham

الموقنون بآيات الله
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
اعلمْ أيُّها المؤمنُ أيَّدَكَ اللهُ أنَّنا نستدلُّ على معرفةِ وجودِ واجبِ الوجودِ بالمعقولِ الرَّصينِ والمنقولِ المبينِ، اذْ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)؛ فمعرفةُ وجودِ واجبِ الوجودِ تَتحقَّقُ بما نَدَبَ القرآنُ المجيدُ إليهِ في أكثرَ من مَوضعٍ منهُ، كقوله تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، وقوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) أي معاينةُ الدَّلالاتِ على مقامِ واجبِ الوجودِ في الآفاقِ وهو عالمُ العقلِ، (وَفِي أَنفُسِهِمْ) وهو عالمُ الحِسِّ، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي حتَّى يَتَّضِحَ لهم أنَّ مَقامَ التَّمكينِ هو جَنَّةُ المؤمنين، ويَكفِينا استدلالُ الخليلِ (ع) بجنَّةِ القلبِ وجنَّةِ النَّفسِ وجنَّةِ العقلِ في الآيةِ الكريمةِ.
واعلمْ أيَّها المؤمنُ أنَّ السَّماواتِ والأرضَ مقاماتٌ لِعَالَمَي العقلِ والحسِّ، وأنَّ مَلكوتَها لَطائِفُهُم، وهي العقولُ والنُّفوسُ، والـمُعايِنُ لها يُعاينُ سَيرَهُ الذي تَتَغَيَّرُ سِمَاتُ وحدودُ وُجودِهِ بِتَغَيُّرِ سِمَاتِ وحدودِ الـمُعاينينَ لَهُ، لأنَّ سيرَ السَّالكِ من الأصغرِ إلى الأكبرِ، وهذا مِن لَطَائِفِ مَقامِ التَّمكينِ في تعليمِ وهدايةِ الطَّالبينَ.
واعلمْ أيُّها الطَّالبُ أنَّ مقامَ واجبِ الوجودِ على مثالِ العقولِ الفعَّالَةِ هو جنَّةُ العقلِ، وعلى مثالِ النُّفوسِ الـمُدَبِّرَةِ هو جَنَّةُ النَّفسِ، وعلى مثالِ الأجرامِ الـمُطمَئِنَّةِ هو جنَّةُ القلبِ، وهذا لا يعرفُهُ السَّالِكُ ما لَم يَعرِفْ مقامَ التَّمكينِ وآياتِهِ الثَّلاثَةِ في عالَمَي العَقلِ والحِسِّ.
فإذا فَهمْتَ أيُّها الطَّالبُ ما قُلنا عَلِمْتَ أنَّ سيرَ الخليلِ (ع) كان في عالَمِ الجسمانيَّاتِ، لا كما ظَنَّ بعضُ النَّاسِ من أنَّ سَيرَهُ في عالمِ الأجسامِ، وكانَ الخليلُ (ع) يشيرُ إلى جِنَانِ اللهِ وآياتِهِ الدَّالَّةِ عليهِ وجوديًّا، ولهذا يقولُ عندَ مُعايَنَةِ كلِّ جَنَّةٍ: (هَـذَا رَبِّي) إثباتًا وحقًّا وشهادةً بوجودِ واجبِ الوجودِ، وعندَ الإفرادِ يَنفي الأعراضَ والسِّماتِ ولا يَنفي ذاتَ واجبِ الوجودِ، ولهذا قال: (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) لأنَّ الأُفولَ للسِّماتِ والحدودِ، وكذلكَ قالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي) لأنَّ الهدايةَ ليست فقط بالشَّهادةِ، بل بالإخلاصِ والإفرادِ بعدَ الإثباتِ، فَمَن عاينَ وشَهِدَ ولم يَرْتَقِ لمرحلةِ الإفرادِ وقعَ بالتَّشبيهِ، ولذلكَ قال الخليلُ (ع): (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) أي انَّنا بَريئونَ مِن شِركِ الذين اعتقدُوا أنَّ السِّماتِ والحدودَ حقيقةٌ للذَّاتِ المُقدَّسَةِ، كما أنَّنا بريئونَ مِن الذين أنكَرُوا وجودَ مَقامِ التَّمكينِ وجِنَانِهِ الثَّلاثَةِ، فهؤلاء الـمُنكرونَ أنكروا الـمُعايَنَةَ وتَوجَّهُوا بِعِبَادَتِهم إلى الـمَجهولِ وَزَعَمُوا أنَّ الحقَّ الجوهريَّ لا يُمكنُ وجودُهُ ومُعَايَنَتُهُ وهؤلاءِ يَنطبِقُ عليهم قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
لذلكَ فإنَّ مَن عَايَنَ تلكَ الجِنَانَ فآمنَ وشَهِدَ ثمَّ أفرَدَ وأخلَصَ بعبادَتِهِ كُتِبَ عندَ اللهِ من الشَّاهدينَ والعابدينَ، وهذهِ صفةُ خَواصِّ الخواصِّ المُقرَّبينَ من الحقِّ سبحانَهُ وتعالى.

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

hesham

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمثال لِلنَّاسِ). فَبِمَنْ ضَرَبَ اللهُ الأمثالَ؟ وما هو الفرقُ بين المَثَلِ والمَمثولِ؟
إن بدعَ الحلولِ والإنكارِ كانت ولا زالَتْ تستهدفُ حبلَ اللهِ العلويِّ المتينِ، لِتُوهِنَهُ وتُخْرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، لِتُبعِدَ النَّاسَ عن مبادئِ عَقيدَتِهم، وتُفَرِّقَهُم إلى آراءَ شتَّى.
لقد حاولَ المُشبِّهونَ تَحويرَ صميمِ العقيدةِ العلويَّةِ نتيجةَ انتحالِهم لأسلوبِ التَّحريفِ والتَّزييفِ، فوَقَعَ هؤلاء المشبِّهونَ كما سادَتُهم المتشيِّعونَ بالحلولِ في فهمِ الأمثالِ التي ضَرَبَها تعالى للنَّاس، حيث جَعَلُوا المثلَ حقيقةً للممثولِ، ولم يُفرِّقُوا بين المثلِ المضروبِ والغايةِ من ضَربِهِ.
ففي قصَّةِ سيِّدنا موسى (ع) وَقَعوا بالحلولِ، إذ رَفَعوا سيِّدَنا موسى (ع) من مقامِ الوجودِ الكاملِ الذي هو الفعلُ العاقلُ إلى واجبِ الوجودِ الذي له مقامُ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ. فما هذا الهراءُ الذي يَتَخبَّطونَ فيه؟
إنَّ قصَّةَ سيدنا موسى (ع) ومعجزاتِهِ كما وردَتْ في الذِّكرِ الحكيمِ أنَّ الله تعالى قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، فاليمينُ هنا اليدُ، واليدُ الفعلُ والقوَّةُ، وهذا الفعلُ والقوَّةُ تكوينيٌّ لموسى (ع)، لأنَّ كافَ الخطابِ راجعةٌ إليهِ، وهناك حكمةٌ ربَّانيَّةٌ، حيثُ أجاب سيدنا موسى (ع): (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فالعصا المباركةُ هي مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المماثِلَةِ للفعلِ العاقلِ، لذلكَ قالَ: (عَصَايَ)، ولم يقل: (عَصَا)، والدَّلالةُ بذلكَ إلى وجودِ واجبِ الوجودِ على قَدْرِ سيدنا موسى (ع)، ثم قال تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ثم قال: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى).
إنَّ سمةً الحيَّةِ هي سِمَةُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المتحرِّكَةِ، فالحيَّةُ إذنْ هي العصا من ناحيةِ الحقيقةِ، ولكنَّ العصا ليسَتْ حيَّةً من ناحيةِ الشَّكلِ، وهذا يماثلُ قولَ سيدنا المسيح (ع): (إنَّ الواحدَ هو الأحدُ ولكنَّ الأحدَ ليسَ واحدٌ)، لأنَّ السِّماتِ والحدودَ التي ظهرَتْ بالسَّعي تُماثِلُ السِّماتِ والحدودَ الموسويَّةَ، فَمَن جعلَ حقيقةَ العصا حيَّةً فقد أنكرَ المعجزَ الإلهيَّ وصارَ بذلكَ منكرًا لواجبِ الوجودِ، وَمَن قالَ بأنَّها بالحقيقةِ حيَّةٌ وَعَصا وقعَ بالتَّشبيهِ، وهو بذلكَ التَّشبيهِ يكون قد سَاوَى بين سيدنا موسى وَمَولاه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّهُ شِركٌ باللهِ، لقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).
أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الخالصِ فَيَعلمونَ أنَّ العصا لم تَبدُ كالحيَّةِ إلاَّ بعدَ الإلقاءِ وليسَ قبلَهُ، للدَّليلِ على أنَّ السِّماتِ والحدودَ لا تُطلَقُ عليهِ إلاَّ بعدَ إظهارِ الأفعالِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلاَّ بعدَ إظهارِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ المقدَّسَةِ.
أمَّا الحيَّةُ فإنَّها تَسعى، ولم يقل بأنَّ العصا هي التي تَسْعَى، لأنَّها كانت ساكنةً، فالحركةُ إذَنْ بعدَ السُّكونِ، لأنَّ الحركةَ مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، أمَّا السُّكونُ فهو رمزٌ إلى إفرادِ ذاتِ واجبِ الوجودِ.
ثمَّ عادَ الأمرُ الإلهيُّ يَصدُرُ: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فَوَضَع سيدنا موسى (ع) يَدَهُ في جَيبِهِ وأخرَجَها فإذا هي تتلألأ، فَفِعلُ الإدخالِ والإخراجِ ارتبطَ باليدِ، لأنَّ اليدَ دَلَّتْ على أنَّ الفعلَ والقوَّةَ حقيقةٌ تكوينيَّةٌ لسيدنا موسى (ع)، لِيَدُلَّ على مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ وإنْ أبْدَى أفعالاً تماثلُ الفعلَ الكاملَ، لكنَّها تَبقى أفعالٌ وجوديَّةٌ فقط.
وأظهَرَ سيِّدُنا موسى (ع) المعجزاتِ على الملأ باجتماعِهِ مع السَّحرَةِ أمامَ فرعونَ لَعَنَهُ اللهُ، لتكونَ الحجَّةُ الرَّبَّانيَّةُ تامَّةً وكاملةً لذلك أَسْلَمَ السَّحَرَةُ كما في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). وهنا لابدَّ من طَرحِ بعضِ التَّساؤلاتِ، فلماذا ألقَى السَّحرَةُ عِصِيَّهُم في البدايةِ ثمَّ ألقاها سيِّدُنا موسى (ع)؟ ولماذا عَمَلُهُم سِحرًا، بينما سُمِّيَ فعلُ سيِّدنا موسى معجزةً؟
لأنَّ أفعالَ السَّحرةِ كانت ناقصةً ولم تكتملْ فَعِصِيُّهُم تحوَّلَتْ إلى ثعابينَ لكنَّها لم تَرجعْ بعدَ ذلكَ إلى حالِها الأوَّلِ، أمَّا عَصَا سيِّدِنا موسى (ع) فقد تحوَّلَتْ بدايةً إلى حيَّةٍ، ثم تَلَقَّفَتْهُم، ثمَّ عادَتْ إلى حَالِها الأوَّلِ، وهذا له دلالةٌ إيمانيَّةٌ، فأهلُ التَّشبيهِ يَقفونَ عندَ مرحلةِ الإثباتِ ولا يَستطيعونَ تَجاوزَها، فَيُثبِتُونَ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ الحدودَ والسِّماتِ ثمَّ يَجعلونَها حقيقةً لها وهذا شركٌ باللهِ، لذلكَ فإنَّ توحيدَهُم خاطئٌ. أمَّا أهلُ الإيمانِ واليقينِ فَيُثبِتُونَ وجودَ الذَّاتِ المقدَّسَةِ في السَّماواتِ والأرضِ، ثم يُفرِدُونَ ذاتَ واجبِ الوجودِ عن جميعِ هذهِ السِّماتِ والحدودِ لِيَبلُغُوا بذلكَ درجةَ الإخلاصِ في التَّوحيدِ، وهذا مِثَالُهُ في القصَّةِ أنَّ العَصَا تَحَوَّلَتْ إلى حَيَّةٍ ثمَّ عَادَتْ إلى عَصَا.

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

hesham

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

قليلٌ من النَّاسِ هم القدوةُ الحسنةُ في التَّوحيدِ، فإذا انضمَّ إلى ذلك كونُ القدوةِ الحسنةِ سلالةُ بيتِ النُّبوَّةِ وأحفادُ شرفِ الرِّسالةِ، الجبالُ الشَّامخةُ الذين يُقتَفَى أثرُهم وُتَّبَعُ مَنهَجُهُم، ويَستضيءُ الجيلُ بسيرَتِهم، كانت النتيجةُ أفكارًا خلاَّقةً للبشريَّةِ جمعاء.

والموضوعُ الذي تمَّ اختيارُ الكلامِ فيه، تَشغلُ مسائلُهُ النَّاسَ منذُ زمنٍ طويلٍ، وخاصَّةً في هذا الزَّمنِ الذي أصبحَ فيه أغلبُ النَّاسِ على غيرِ بصيرةٍ، وبغفلةٍ جعلتهُم يسيرونَ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ودعاةً بألسِنَتِهم فقط.

فَمَا هي المبادئُ الكبرى والشُّروطُ الرَّئيسةُ لِصِحَّةِ الاعتقادِ والالتزامِ كما قالَ سُبحانَهُ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؟

أليسَ القرآنُ هو الميزانُ بين الخالقِ والمخلوقِ؟

يقول تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)؛ فقوله: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) يشيرُ إلى الإفراطِ الذي يُلزِمُ الجورَ والفسادَ، وهم أصحابُ النَّظريَّةِ الصِّفاتيَّةِ السَّفسطائيَّةِ أهلُ التَّشبيهِ، أمَّا قوله: (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) فيشيرُ إلى تفريطِ أهلِ التَّعطيلِ أصحابِ النَّظريَّةِ العدميَّةِ، لذلكَ جاءَ الأمرُ الإلهيُّ بالوسطيَّةِ والاعتدالِ في قولِ الله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ).

فَمَا هو أصلُ الميزانِ؟ وهل الكفَّتَين هما أصلُ الميزانِ؟

لا، فأصلُ الميزانِ التَّقويمُ الثَّابتُ القائمُ بذاتِهِ، والكفَّتَانِ مُضافَتَانِ لِعِلَّةِ الخلقِ والحاجةِ للعدلِ، والكفَّتان لم تُعَلَّقَا على الميزانِ قبل الإيجادِ، إنَّما بعدَ الإيجادِ. فَعِندما احتاجَ النَّاسُ للوزنِ، تَمَّ تَعليقُهُما، كذلكَ حينَ احتاجَ المخلوقُ إلى معرفةِ الحقِّ الجوهريِّ تَجَلَّى لَهُ فأبدَى الكتابَينِ المَمثولَينِ بالكفَّتَينِ وهما الكتابُ المَرقومُ وكتابُ الأبرارِ المعبَّرُ عنهما معًا بالكتابِ المسطورِ لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ).

إنَّ مبدأَ أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ كالميزانِ لهُ كفَّتانِ هما الإثباتُ والإفرادُ، وهما مُتلازِمَانِ، فلا يَجوزُ الإثباتُ دونَ إفرادٍ، ولا الإفرادُ دونَ إثباتٍ، لأنَّ الإثباتَ دونَ إفرادٍ تشبيهٌ وإشراكٌ كعبادةِ الأصنامِ لقولِ الإمام الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ)، والإفرادُ دونَ إثباتٍ تعطيلٌ وإنكارٌ كعبادةِ العدمِ، فإذا سبقَ لكَ الإقرارُ بالكتابِ المسطورِ وَجَبَ عليكَ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن سِمَاتِ وحدودِ الكتابِ المسطورِ، فالدَّلالةُ للكتابِ المسطورِ إثباتٌ للتَّجلِّي، ثمَّ الإفرادُ عن التَّجسيمِ والتَّحديدِ والتَّخطيطِ للوصولِ الى حقيقةِ العبادةِ.

لكنَّ المشبِّهينَ وإخوانَهم المُنكِرين حَادوا عن طريقِ الحقِّ، فَمِنهم مَن أنكرَ مُعاينَةَ عالمِ الحسِّ للكتابِ المرقومِ بِقَولِهم الباطلِ: (إنَّ الكتابَ المرقومَ مُخصَّصٌ لعالمِ العقلِ فقط)، فلم يُميِّزُوا بين النَّحرِ والبَترِ في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، فكلمةُ (كوثر) تدلُّ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ، وهي دلالةٌ على الكتابِ المسطورِ، وقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) دعوةٌ للإقرارِ بالكتابِ المسطورِ، ومِن ثمَّ إفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ بقوله: (وَانْحَرْ)، فالنَّحرُ هو نفيُ السِّماتِ والحدودِ عن الذَّاتِ المقدَّسةِ وهذا هو الإفرادُ، والإفرادُ ليس إنكارَ الكتابِ المسطورِ، لأنَّ المُنكِرَ هو الأبترُ الذي لم يُقِر أصلاً بوجودِ الكتابِ المسطورِ، فَبَعضهم أبتَرُ من جهةِ إنكارِهِ لوجودِ كتابِ الأبرارِ المُماثِلِ لعالمِ الحسِّ، وبَعضُهم مُنكِرٌ لوجودِ الكتابِ المرقومِ المُماثِلِ لعالمِ العقلِ، وهؤلاء المُنكِرونَ ينطبقُ عليهم قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

وهناكَ الكثيرُ من الأقوالِ والدَّلائلِ على إثباتِ المعايَنَةِ للكتابِ المسطورِ، فَكَما ثَبَتَ وجودُ الأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ السَّماويَّةِ في السَّماءِ ثَبَتَ وجودُ الكتابِ المسطورِ لهم على مِثَالِهم كَصُورِهم (كسِماتِهم) العقليَّةِ يَرَاها أهلُ سَمَاواتِهِ وأرضِهِ ويَعرفُها العارفونَ ويُنكِرُها الجاحدونَ، فالحقُّ الجوهريُّ وإنْ بَدَا للأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ الحسِّيَّةِ بِسِمَتَينِ فهو صاحبُ الحَضرَةِ الأحديَّةِ الذي لا يتغيَّرُ ولا يَحولُ ولا يزولُ ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ ولا يُشبِهُ شيئًا ولا تُضرَبُ به الأمثالُ وليسَ هو مِن قِبَلِ الهيئاتِ والأفلاكِ والأجناسِ، وإنَّما تَجَلَّى لهم رحمةً ولُطفًا من غيرِ حلولٍ ولا اتِّحادٍ ولا مُمَازجَةٍ، فالمعاينُ لوجودِ الذَّاتِ المقدَّسةِ كالنَّاظرِ في الماءِ يُعاينُ نظيرَ سِمَاتِهِ وَحُدودِهِ، وهذا دليلٌ على وجودِ واجبِ الوجودِ في سماواتِهِ وأرضِهِ لِتَكونَ حجَّتُهُ تامَّةً وبالغةً، فَمَنْ وَزَنَ بميزانِ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ وأقرَّ وآمنَ إثباتًا وإفرادًا نَجَا، ومَن خالفَ ميزانَنا العلويَّ فَشَبَّهَ أو أنكَرَ وقعَ بالرَّدَى.