أرشيف التصنيف: الدين العلوي

الدين العلوي

المتعة لا تجوز للعلويين

hesham

المتعة لا تجوز للعلويين

بقلم الباحث الديني هشام احمد صقر

 

يتناحر أهل السُّنَّةِ والجماعةِ مع أهلِ الشِّيعةِ بخصوصِ جوازِ المتعةِ أو حُرمَتِها، رغم أنَّ الاثنين يطبِّقانِ نفسَ الأمرِ تحتَ مسمَّياتٍ مختلفةٍ، وكلٌّ منهم يستندُ إلى أحاديثِهِ، وكلاهما مخطئٌ لا محالةَ، فالشَّريعةُ المحمَّديَّةُ أرقى وأعلى من أن تنصبَّ تعاليمها حول الأمورِ الجسمانيَّةِ الشَّهوانيَّةِ التي روَّجَ لها من أرادَ تخريبَ الإسلامِ عبرَ العصورِ، وسيبقى نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ الخصيبيُّ هو الحامي لهذا لدينِ الإسلامِ الحنيفِ من تخريبِ الفاسدين وتزييفِ المفسِدين.

فالسُّنَّةُ يطبِّقون زواجَ المتعةِ باسمٍ آخر وهو الزَّواجُ السِّريُّ أو الزَّواجُ العُرفيُّ، ومن جهةٍ أخرى هناكَ ما يسمَّى النِّكاحُ بالأجرةِ الذي روَّجَ له أبو حنيفة حين قال: (رجلٌ استأجرَ امرأةً ليزني بها فزَنَى بها فلا حَدَّ عليهما)!؟ محتجًّا بحديثين عن الخليفةِ عمر أوَّلهما ما رُويَ أنَّ امرأةً استسقَتْ راعيًا فأبى أن يسقيَها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ عمر الحدَّ عنهما، وثانيهما أنَّ امرأةً سألتْ رجلاً مالاً فأبى أن يعطيها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ الحدَّ وقال: (هذا مهرٌ)، وحسبَ تبريرِ الروايتين تم اعتبارُ أنَّ المهرَ والأجرَ يتقاربان في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فسمِّيَ الأجرُ مهرًا!؟

أمَّا الشِّيعةُ فقد اختلقوا أقوالاً لا صحَّةَ لها ونسَبوها للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) لترويجِ زواجِ المتعةِ لأنَّهم المُقَصِّرَةُ الذين لا يَملكونَ أنفسَهم الأمَّارةَ بالسُّوءِ, وكُلُّ إنسانٍ إبليسهُ مِزاجُهُ.

فمِنْ ذلكَ ما وردَ زورًا أنَّ سيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) سألَ: يا مولاي فالمتعةُ؟ قال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ والشَّاهدُ بها قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، والقولُ المعروفُ هو المُشتَهِرُ بالوليِّ والشُّهودِ، وإنَّما احتِيجَ إلى الوليِّ والشُّهودِ في النِّكاحِ، لِيَثبُتَ النَّسلُ ويَصِحَّ النَّسَبُ ويَستَحِقَّ الميراثُ، والمؤمنُ المدقِّقُ سيكتشفُ كذبَ الشِّيعةِ على مولانا الصَّادق (ع)، فلا علاقة للقولِ المنسوبِ: (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ) بالآيةِ المذكورةِ التي تمنعُ الاختلاءَ بالمرأةِ؛ أي معاشرَتَها، إلا بعدَ القولِ المعروفِ والكتابِ المُعبِّرِ عن عقدِ النِّكاحِ بوجودِ الوليِّ والشُّهود.

فالمتعةُ التي ذكرَها الأئمَّةُ (ع) لا تعني الزَّواجَ المؤقَّتَ الذي يبيحُهُ الشِيعةُ، بل هي الزَّواجُ الحلالُ بين المؤمنينَ والمؤمناتِ لقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، وهو المقصودُ بقولِ المفضَّل (ع): يا مولايَ فما شَرَائِطُ المتعةِ؛ أي الزَّواجِ؟ فقال الصَّادقُ (ع): (يا مفضَّل لها سبعونَ شرطًا مَن خالفَ فيها شرطًا واحدًا ظلمَ نفسَهُ)، قال المفضَّل: يا سيدي قد أمرتُمُونا أن لا نتمتَّعَ “أي نتزوَّجَ” بِبَغيَّةٍ “أي بزانية” ولا مشهورةٍ بفسادٍ ولا مجنونةٍ، وأن ندعوها إلى الفاحشةِ “أي الزِّنا اختبارًا لها”، فإنْ أجابَتْ فقد حُرِّمَ الاستمتاعُ بها “أي الزَّواجُ منها”، وأن نسأل أفارغة “أي عازبةٌ” أم مشغولةٌ بِبَعلٍ “أي متزوِّجةٌ” أو حَمْلٍ أو بِعُدَّةٍ “إن كانت مطلَّقةً أو أرملةً”، فإنْ شُغِلَتْ بواحدةٍ من الثَّلاثِ فلا تَحِلُّ “كزوجةٍ”، وإن خَلَتْ فيقولُ لها: متِّعيني “أي زَوِّجيني” نفسك على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وسُنَّةِ نبيِّهِ (ص) نكاحًا غيرَ سفاحٍ وهو قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)، فالمُحصَناتُ هنَّ سادةُ القومِ في ذلكَ العصرِ، وما مَلَكتِ الأيمانُ فَهُنَّ الإماءُ في ذلكَ العصرِ، وقد جاءَ الإسلامُ ليُكرِّمَ العبدَ والأمَةَ ويخرِجَهُما من ذُلِّ العبوديَّةِ إلى كَرامةِ الحرِّيَّةِ، حيث أنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنَ بالزَّواجِ من الأمَةِ كما لو أنَّها سيِّدةٌ، وذلكَ بإذنِ أهلها وإيتاءِ مهرِها بالمعروفِ وبزواجٍ شرعيٍّ لا بسفاحٍ ولا مُخَادَنَةِ، ولكنَّ الإسلام كان يتحدَّثُ بمفرداتِ ومصطلحاتِ العصرِ الذي نزلَ فيهِ، ولو أنَّهُ نزلَ في هذا العصرَ لاستعملَ مفرداتِ هذا العصرِ.

وعلى هذا فلا صحَّةَ لِمَا نُسِبَ من أحاديثَ مُختَلَقَةٍ عن زواجِ المتعةِ كالحديثِ الذي أوردَهُ شيخُهم المفيدُ عن هشام بن سالم أنَّ الإمام الصَّادقَ (ع) قال: (يُستَحَبُّ للرَّجلِ أن يتزوَّجَ المتعةَ، وما أحبُّ للرَّجلِ منكم أن يخرجَ من الدُّنيا حتَّى يتزوجَّ المُتعةَ و لو مرَّة)!؟ أو كالحديث المنسوب للإمام الباقر (ع) أنه قال على لسان رسول الله (ص): (لمَّا أُسرِيَ بي إلى السَّماءِ لَحِقَني جبرائيلُ فقال: يا محمَّد إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ يقول: إنِّي قد غفرْتُ للمتمتِّعينَ من النِّساءِ)!؟ أو ما نُسِبَ قول الإمام الصَّادقَ (ع) حين سألَ أحدَهم: تمتعت؟ فقالَ: لا. فقال الصَّادقُ (ع): (لا تخرجْ من الدُّنيا حتَّى تُحييَ السُّنَّةَ)!؟ فما هذا الإفك الذي به يتلفَّظون!؟

لقد جعلَ الشِّيعةُ من الأئمَّةِ أشخاًصا يخافونَ من النَّاس عندما نسبوا زورًا للإمامِ الكاظم (ع) قوله إلى بعض مواليه: (لا تُلِحُّوا في المتعةِ إنَّما عليكم إقامةُ السُّنَّةِ، ولا تَشتَغِلوا بها عن فُرُشِكُم وحَلائِلِكُم فَيَكفُرنَ ويدَّعِين على الآمرينِ لكم بذلكَ ويَلعنوننا)!؟ فهل يخشى الأئمَّةُ (ع) لومَ لائمٍ في الحقِّ!؟ أم أنَّهُ هوى الرُّواةِ الكاذبينَ!؟

وهل يتناقضُ كلامُ الإمامِ مع بعضِهِ، فكيفَ يدعونَ للمتعةِ في الوقتِ الذي ينهَونَ عنها كما في جوابِ الإمامِ الرِّضا (ع) حين سُئِلَ عنها فقال: (ما أنت وذاكَ قد أغناكَ الله عنها)، وجوابه حين سُئِلَ عنها فقال: (المتعةُ لم توجدْ لكم)، وكما في قوله (ع): (دَعُوها، أمَا يَستحي أحدُكم أن يُرَى في موضعِ العَورَةِ فَيَدخلَ بذلكَ على صالحِ إخوانِهِ وأصحابِهِ).

واستنادًا إلى هذه الأقوال المُثبَتَةِ أكَّدَ سيِّدنا الشَّابُّ الثِّقَةُ ميمونُ الطَّبرانيُّ (ق) أنَّ المتعةَ لا تجوز للعلويِّينِ من أهلِ الدِّينِ الحقِّ لقولِهِ تعالى: (مَنْ أرادَ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ في حَرثِهِ ومَنْ أراد حَرْثَ الدُّنيا نُؤتِهِ منها وَمَا لَهُ في الآخرةِ من نصيب).

موقفنا من أبي الخطَّاب

hesham

موقفنا من أبي الخطَّاب

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ واختلافِ الأمَّةِ ظهرَ من الكُتَّابِ مَن أفسدَ وفَرَّقَ بين المسلمين وبَثَّ روحَ الكراهيَّةِ والأحقادِ، قسَّمَ المجتمعَ إلى أتباعِ أشخاصٍ، وقد قلبوا بتقسيماتِهم الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا، وكانت غايتُهُم ذَمَّ مَن كان مقرَّبًا من الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وحمدَ مَن كان من عامَّةِ صحابَتِهم، تمامًا كما حصلَ مع أصحابِ رسولِ الله (ص) المقرَّبين والعامَّةِ.
وقد برز منهم سعد الأشعري القمي في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، والشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل)، والغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، والنجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، والطوسي شـيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الغيبة)، والكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، وأورَدُوا في كتبِهم القميئةِ فتنًا وإساءةً لسادةِ القومِ دون أيِّ إثباتٍ، ومن هؤلاء السَّادة سيِّدنا أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي الذي اتَّهموهُ حسب زعمهم “بتأليهِ الإمامِ الصَّادقِ (ع)، واعتبارِ طينَتِهِ من طينةٍ أخرى غيرِ طينةِ البشرِ، وأنَّ الأئمَّةَ (ع) كانوا أنبياء وأنَّ الحسنَ والحسينَ وأولادَهما أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ، وأنَّهُ وأتباعَهُ أخرجوا الإمامة عن أولاد علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في أعصارِ زعمائهم، ما دَعَا الإمامَ الصَّادقَ (ع) إلى التَّبرُّؤ منه وأمرِ أصحابِهِ بالبراءةِ منه”!! إلى غير ذلكَ من الافتراءاتِ التي لا يصدِّقُها إلاَّ كلُّ مفتونٍ مغبون.

فَمِمَّا رواهُ سيِّدنا الحسينُ بن حمدانَ الخصيبيُّ (ع) في كتابِ الهدايةِ الكبرى عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أبو الخطاب عَيْبَةُ عِلمِنا وموضعُ سِرِّنَا، وهو الأمينُ على أخبارِنا).
هذه المكانةُ الرَّفيعةُ التي نالَها سيِّدنا أبو الخطَّاب أثارَتْ حقدَ وحسدَ المنافقينَ الذينَ لم ينالوا هذه المكانةَ كزرارة بن أعين وأبو بصير الثقفي وأبو بكر الحضرمي ومحمد بن أبي يعفور ومحمد بن مسلم الثقفي وعامر بن جذاعة وكثير بياع النوى وبُرَيد العِجلي وحجر بن زائدة، الذين انطبق عليهم قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)، فأثاروا حولَهُ شبهاتٍ وأكاذيبَ لفَّقوها فاعتُقِلَ في دارٍ تدعى دارَ الرِّزقِ في الكوفةِ، فزارَهُ آنذاك سيِّدنا المفضَّل بن عمر وأصحابُهُ، وكان وقتَها من المقرَّبينَ للإمامِ الصَّادق (ع)، ودخلوا عليه فوجدوهُ ساجداً يدعو.

إلاَّ أنَّ كلَّ هذا الإيمانِ والتَّوحيد زادَ حَسَدَهم وأحقادَهم فأكثروا في لعنِهِ في المجتمعِ لتنفيرِ النَّاسِ منه وتأليبِهم عليه، فقد حَسَدُوهُ على نعمةِ اللهِ عليهِ وكانوا فيهِ كما قال الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فجاءَ أصحابُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) فحذَّرهم من الانجرارِ وراءَ لعنِهِ لأنَّهُ انجرارٌ وراءَ الحاسدِ له زرارةَ وأتباعُهُ، وهم مقصِّرو الشِّيعةِ الذينَ أظهروا ولايةَ أهلِ البيتِ وأساؤوا للصَّحابةِ الميامين، وزُرَارَة معروفٌ بِقِلَّةِ أدبِهِ وكذبِهِ على لسانِ الإمام واختلافه مع خواصِّ الإمام كهشام بن الحكم وحمران بن أعين والمفضل بن عمر (ع).

من ألقاب سيد الأوصياء

hesham

من ألقاب سيد الأوصياء

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

من الألقابِ التي لُقِّبَ بها مولانا سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام لقب “أصلَعِ قريش”. وهذا اللَّقبُ صحيحٌ مُثبَتٌ لدينا ولدى غيرنا، ومن أشهرِ الرِّواياتِ التي ذكرَتْهُ عن سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام أنَّه لمَّا رَجِعَ من وقعةِ الخوارجِ نَزَلَ يُمنى السَّوَادِ فقال له راهبٌ: لا ينزلُ هاهنا إلاَّ وصيُّ نبيٍّ يقاتلُ في سبيلِ اللهِ. فقال مولانا: فأنا سيِّدُ الأوصياءِ وصيُّ سيِّدِ الأنبياءِ. قال الرَّاهبُ: فإذَنْ أنتَ أصلعُ قريشَ وصيُّ محمَّدٍ، خُذْ عليَّ الإسلامَ إنِّي وجدْتُ في الإنجيلِ نَعْتَكَ وأنت تَنزِلُ أرضَ براثا بيتِ مريمَ وأرضَ عيسى (ع).

إنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ بعيدونَ كلَّ البعدِ عن معرفةِ أسماءِ سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام لأنَّهم انشغلوا عنه بغيرِهِ، أمَّا الشِّيعةُ فلم يختلفوا جوهريًّا عن أقرانِهم من السُّنَّةِ لأنَّهم أهلُ قشورٍ، وإن تسألْهم عن سببِ التَّسميةِ فلا إجابةَ لديهم سوى ما جاءَ عندَ المجلسي في بحارِ الأنوارِ وعند بن شهرآشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب: (وسمُّوهُ أصلعَ قريشٍ من كثرةِ لبسِ الخوذِ على الرأسِ)!!

وهل يُعقَلُ أن ينالَ سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام ألقابًا من دونِ معانٍ، ولمجرَّدِ الشَّكلِ والهيئةِ؟؟

وقد رويَ في الأثرِ الصَّالحِ أنَّهُ في يومِ الحربِ وحينَ تكونُ الأرضُ سوداءَ بالخيَّالةِ والرَّجَّالةِ، إذا برزَ إليها سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام اشتبكتِ الخيَّالةُ والرَّجَّالةُ، فتقولُ العربُ: ما لِلأرضِ قد تَصَلَّعَتْ؟ فيُقال: قد برزَ إليها أصلعُ قريشَ، لأنَّهُ الفارسُ الذي لا يُهزَمُ، والذي لا فارسَ قبله ولا بعدَهُ ولا مثلَهُ.

إنَّنا في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ نتبحَّرُ علمًا ومعرفةً، ونغوصُ في أسبابِ هذه الأسماءِ، وهذه التَّسميةٌ التي دلَّتْ على أنَّهُ أميرُ كلِّ أميرٍ ولا أميرَ فوقَهُ أتَتْ في عدَّةِ معانٍ:

أوَّلها أنَّ (أصلعَ قريش) يعني أطهرَ بيتٍ في قريشَ لأنَّهُ تمامُ طهارةِ الحاجِّ حلقُ الرَّأسِ، وهو أن لا يدخلَ البيتَ إلاَّ كما أمرَ اللهُ تعالى بقوله: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، فأُريدَ به أطهرَ بيتٍ بقريشَ؛ أي أنَّه الأطهرُ ومَن عرفَهُ طَهُرَ من نجاسةِ الشَّكِّ والشِّركِ.

وثانيها أنَّ (أصلعَ قريش) يعني أنَّهُ عالمُ قريش، لأنَّ العالمَ عندَ العربِ كان في زمانِهِ يَحلقُ رأسَهُ، وبقيَّةُ القومِ يبقونَ بِشَعرِهِم، ليُعرَفَ مِن بينهم بِحَلقِ رأسِهِ، وكانَ مولانا علينا من ذكره السلام عالمَ العربِ؛ أي أنَّه الأعلمُ بما كانَ وما يكون وهو الذي سَمَّى نفسَهُ على المنبرِ أرسطوطاليس فقال: (لِكُلِّ أمَّةٍ أرسطوطاليس، وأنا أرسطوطاليس كلِّ أرسطوطاليس، وأنا أرسطوطاليس هذهِ الأمَّةِ)؛ أي: لكلِّ أمَّةٍ عالمٌ، وأنا عالِمُ كلِّ عالِمٍ، وأنا عالمُ هذهِ الأمَّةِ.

وثالثها أنَّ (أصلعَ قريش) يعني مَلِكَهم، لأنَّ الملكَ منهم كان يحلقُ رأسَهُ، أي أنَّه المَلِكُ الذي لا يُحصى ملكُهُ لأنَّهُ مَلَكَ الإيمانَ كلَّهُ، وقد دلَّ على ذلكَ رسولُ اللهِ (ص) يومَ الخندقِ وقد برزَ سيد الأوصياء إلى عمرو بن ودٍّ العامري فقال (ص): (برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كُلِّهُ).

لا تغلوا في دينكم

ahmad

لا تغلوا في دينكم
بقلم الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
=============

كتبَ الباحثُ السُّوريُّ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع مصر تايمز قال فيه:

 

وردَ في كتابِ نهجِ البلاغةِ عن مولانا أميرِ المؤمنينَ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ: (هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ).

كم هو غَريبٌ أن نُتَّهمَ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ بالغُلُوِّ لإقرارِنا بما جاءَ في كتابِ اللهِ من عصمةٍ مطلقةٍ تكوينيَّةٍ للأنبياءِ والرُّسلِ، في الوقتِ الذي يَتَسابقُ فيه كثيرٌ من علماءِ الشِّيعةِ والسُّنة والجماعةِ لتطبيقِ مفاهيمِ الغلوِّ الحقيقيِّ في معتقداتِهم بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ، فَمِنْ مَصَاديقِ الغلوِّ أن يجعلوا الأنبياءَ والرُّسُلَ والأئمَّةَ والبشرَ شركاءَ للهِ في كلِّ شيءٍ ثم يُفرِّطوا بهم إلى درجةِ البشريَّةِ المساويةِ لنا، وكأنَّ اللهَ تعالى حَلَّ فيهم أو اتَّحَدَ بهم لِحِينٍ ثم أعادَهم إلى بشريَّتِهم بازدواجيَّةٍ فكريَّةٍ وانفصامٍ اعتقاديٍّ غريبٍ، وهذا ما لا يمكن أن يَتَفَوَّهَ به المسلمُ العلويُّ النُّصيريُّ قطُّ..

فعندما نبحثُ في كتبِ أهلِ الشِّيعةِ وأهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ نجدُ فيها المئاتِ من الاعتقاداتِ الغريبةِ والأفكارِ المريبةِ، منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ عند الكثيرِ من علمائِهم لا معاجزَ لهم ولا قدرةَ، وليسوا معصومينَ عن الخطأ والسَّهو والمعصيةِ صَغيرِها وكبيرِها، من أوَّلِ العمرِ إلى آخرِهِ، وقبلَ بعثَتِهم وبعدَها، وأنَّهم ليسوا منزَّهينَ عن كلِّ ما يُنفِّرُ عنهم من الصِّفاتِ الذَّميمةِ والطِّباعِ السَّيئَةِ والأفعالِ القبيحةِ؟!! ويجوزُ للنَّبي والرَّسولِ عندهم أن يسهوَ في صلاتِهِ وأن يَشُكَّ في نبوَّتِهِ؟!! وأن النَّبيَّ والرَّسولَ كان يضربُ مَن لا يَستحقُّ، ويلعنُ بغيرِ حقٍّ، ويسمعُ المعازفَ مع أهلِهِ؟!!

وبالمقابل نجدُ كَمْ تَغُصُّ كتبُ علماءِ السُّنَّةِ والجماعةِ مثلاً بتعظيمِ أبي هريرةَ وبعضِ الصَّحابةِ على حسابِ النَّبيِّ وأهلِ بيتهِ (ص)!! فَليَقِفْ أحدُنا بحياديَّةٍ أمامَ الكمِّ الهائلِ من الأحاديثِ التي تُعَظِّمُ صِفَاتِ ومكارمَ كلٍّ مِنَ الصَّحابةِ كأبي بكرٍ وعمرَ بن الخطَّابِ وعثمانَ بن عفَّانَ ومعاويةَ بن أبي سفيانَ وغيرهم، وفي نفسِ الوقتِ تَصِفُ الرَّسولَ بما لا يليقُ به من النِّسيانِ والعصيانِ والخطأ والذَّنبِ والدَّعوةِ للقتلِ وحبِّ النِّساءِ والشَّهوةِ وووووإلخ!!!

وكم تَغُصُّ كتبُ علماءِ الشِّيعةِ بتعظيمِ الإمامِ الحسينِ (ع) إلى درجةٍ تَعلو عن تَعظيمِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ!! وَتُفَضِّلُهُ عن الأئمَّةِ رغمَ أنَّهم جميعًا أشاروا إلى أنَّه لا تَفاضُلَ بينهم حيثُ قال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (أوَّلُنا محمَّد وأوسَطُنا محمَّد وآخرُنا محمَّد وكلُّنا محمَّد)!! بل نَجِدُ هذهِ الكتبَ تُعَظِّمُ صحابةَ الأئمَّةِ عن الأئمَّةِ أنفسِهم، لدرجةِ أنَّنا نرى أحاديثَ متناقضةً للأئمَّة مرويَّةً في كتبهمِ، ولا تخلو أحيانًا من بعضِ الإسفافِ الأخلاقيِّ الذي لا يليقُ بمقامهم العظيمِ، معاذَ اللهِ أن يرويَ الأئمَّةُ المعصومونَ أحاديثَ كتلكَ الأحاديثِ التي عَرَضْتُ نموذجًا عنها في مقالٍ سابقٍ بعنوان: (متى يتخلصون من عبادة الأشخاص؟).

عَدَا عمَّا نَرَاهُ اليومَ من تأليهِ الوهابيِّينَ لِسَيِّدِهم ابنِ تيميَّةَ ومحمَّد بن عبدِ الوهابِ وَرَفعِهِما لدرجةٍ فوقَ درجةِ نبيِّ اللهِ محمد بن عبدِ اللهِ (ص)!!

كلُّ هذا الانحرافِ والغلوِّ الذي اتَّصفَ به كثيرٌ من أصحابُ هذه المغالاةِ جعلَهم يُمَوِّهُونَ أنفسَهم بالافتراءِ علينا وَمُحارَبَتِنا في الماضي والحاضر، لأنَّنا رَفَضْنا أن نُسايرَهم أو نُسَاوِمَهم على عقيدةِ الإسلامِ الحقَّةِ وَعِصْمَةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) فقط دونَ غيرهم.

وأجدُ أنَّه من المناسبِ أن أذكرَ أمثلةً من الآياتِ التي فيها إشاراتٌ إلى عصمةِ الأنبياءِ والرُّسلِ (ع) وَمَقامِهم التَّكوينيِّ العظيمِ، وكيف كانوا يستطيعونَ التَّصرُّفَ بالكونِ، وبهذه الإشارةِ نعودُ إلى بعضِ آياتِ القرآنِ في هذا المجالِ:

 

المثال الأول:

قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

في هذه الآيةِ يدورُ الحديثُ أولاً عن الألطافِ الإلهيَّةِ بحقِّ سيِّدنا عيسى المسيح (ع) حيث (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ)، ثم بَعَثَهُ كرسولٍ إلى بني إسرائيلَ (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)، وَمِن ثمَّ يَشرحُ كلامَ سيِّدنا عيسى المسيح (ع) في إثباتِ أحقِّيتِهِ وبيانِ معاجزِهِ التي تمَّ بَيانُها في خمسِ مراحلَ: يقول في الأولى: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ)، وفي الثانية والثالثة: (وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ)، والرابعة: (وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ)، والخامسة: (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

إنَّ التَّمعُّنَ في مضمونِ هذه الآيةِ يوضِّحُ هذه المسألةَ وهي أنَّ سيِّدنا عيسى المسيح (ع) يَنسُبُ شفاءَ الأعمى والأبرصِ وإحياءَ الموتى إلى نفسِهِ، ولكن بإذنِ اللّهِ وأمرِهِ، وهذا هو المقصودُ.

هذا النُّموذجُ وَهَبَهُ اللّهُ تبارك وتعالى لسيِّدنا عيسى المسيح (ع)، ولا مانعَ أو حائلَ أبدًا من إعطاءِ مثلِ ذلكَ لسائرِ الأنبياءِ أو الرُّسلِ (ع).

وَمُلخَّصُ الكلامِ يُثبِتُ بأنَّ هذهِ المعجزاتِ لسيِّدنا عيسى المسيح (ع) في نطاقٍ خاصٍّ، وليس هنالكَ دليلٌ على اختصاصِها المطلَقِ بهِ، بل يمكنُ أن تَصْدُقَ بحقِّ سائرِ الأنبياءِ أو الرُّسلِ (ع) بمقتضى أنَّ حكمَ الأمثالِ في ما يجوزُ وما لا يجوزُ واحدٌ.

 

المثال الثاني:

قوله تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)، وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)، وقوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي يُمنَعونَ، وقوله تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)، وقوله تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ).

في هذه الآيات يتحدَّثُ تعالى عن تسخيرِ الرِّياحِ لسيِّدنا سليمان الحكيم (ع)، وَيُستفادُ من هذهِ الآياتِ أنَّه وكما أنَّ الشَّياطينَ كانت تُنفِّذُ أمرَ سيِّدنا سليمان الحكيم (ع) وَتُنجِزُ له أعمالاً مهمَّةً في البرِّ والبحرِ، فإنَّ الرِّيحَ كانت تُنفِّذُ أمرَهُ أيضًا، وكانت تتحرَّكُ حيث يأمرُها.

إنَّ قصَّةَ سيدنا سليمانَ وسيدنا داودَ (ع) نموذجٌ فَذٌّ، وإذا راجعنا سورةَ النَّمل، فإنَّنا نجدُ فيها نماذجَ فَذَّةً عن تعاطي سيِّدنا سليمانَ وسيدنا داودَ (ع) مع ما آتاهُما اللهُ سبحانَهُ في هذا المجالِ. وأوَّلُ ما يواجَهُنا في الحديثِ عنهما أنَّه تعالى قَد وَفَّرَ لهما الأدواتِ الضَّروريَّةَ للتَّعاملِ مع هذه المخلوقاتِ في نطاقِ رِعَايَتها وَهِدَايتها وَتَوجيهها، فَنَجِدُها تبدأُ الحديثَ بأنَّ اللهَ قد آتاهُما ِعلمًا، وَعُلِّمَا مَنطِقَ الطَّيرِ، وأوتيا من كلِّ شَيءٍ، ثم ذَكَرَتِ الآياتُ نماذجَ تطبيقيَّةً لهذا العلمِ، وللمعرفةِ بجميعِ الألسنَةِ.

ثم لِتَأثيرِ ما آتاهُم اللهُ سبحانَهُ في إدارةِ الأمورِ، وَتَوجيهها وَرِعَايتها، والهيمنَةِ عليها بصورةٍ حيويَّةٍ وبنَّاءَةٍ وإيجابيَّةٍ، لا تأتي إلا بالخيرِ، ولا تؤدِّي إلا إلى الفَلاحِ.

 

لأجلِ هذا الإجلالِ والتَّعظيمِ والإقرارِ بعصمةِ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمة (ع) كان اتِّهاُمنا بالغلوِّ شعارًا ضدَّنا!!

فها هو ابنُ تيميَّةَ (شيخ الإسلام!!!) المُعتَمَدُ الرَّسميُّ في كلِّ كليَّاتِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ يُفتِي بِفَتواهُ الشَّهيرةَ بأنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ أشدُّ كُفْرًا من اليهودِ والنَّصارى!! وأنَّ الجهادَ ضِدَّهُم أولى!! وَدَعَا هو وَمَن جاءَ على طريقِهِ المنحرفِ إلى قَتلِهِم وَذَبحِهِم…. إلخ!! فهل هذهِ هي أخلاقُ الإسلامُ المحمديُّ السَّمِحُ!؟

وعلى نفسِ الطريقِ لكنْ في الضِّفَّةِ الأخرى نرى ما يُدرَّسُ في الحوزاتِ من كلامِ الشَّيخِ المفيدِ الذي وَصَفَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ بأنَّهم ضُلاَّلٌ كفَّارٌ!! وزعمَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ حَكَمَ فيهم بالقَتلِ والتَّحريقِ بالنَّارِ!! وأنَّ الأئمَّةَ (ع) قَضَوا عليهم بالكفرِ والخروجِ عن الإسلامِ!! أي أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ معدودونَ في زمرةِ الكفَّارِ، وإنْ أظهَرُوا الإسلامَ وَبَالغوا في مَدحِ أهلِ البيتِ!!

ثم تأتي رَسَائِلُهم إلينا عبرَ قَنَواتٍ متعدِّدَةٍ بأنَّه لا يجوزُ أن ندافعَ عن العلويَّةِ النُّصيريَّةِ لأنَّ هذا الدِّفاعَ فتنةٌ!! بل يجبُ علينا السُّكوتُ والصَّمتُ عن مُمَارسَاتِهم وَدَعواتِهم وأعمالهِم على الأرضِ حتى تنتهي الأزمةُ وَتُخمَدَ نيرانُ الحربِ!! وبالتالي يكونُ كما يقولُ المَثَلُ الشَّعبيُّ: (مَن ضَرَبَ ضَرَبَ، وَمَن هَرَبَ هَرَبَ) لأنَّه عندئذٍ ستكونُ ثَقافَتُهُم التَّكفيريَّةُ ضِدَّنا قد انتشرَتْ وأَزَلَّتِ الكثيرَ من الضُّعفاءِ، وبالتَّالي لا فائدةَ من الكلامِ بعدَ انتهاءِ الحربِ، فهل ما يُطالبونَنا به جائزٌ بِحُكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ الإسلاميِّ الذي لا يَرضَى بالضَّعفِ امتثالاً لقولِ الرَّسولِ الأعظمِ (ص): (المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضَّعيفِ)؟؟

 

في الختامِ ولجميعِ مَن يُكفِّرُنا:

لَسْنَا كفَّارًا كما كُنتُمْ وما زِلتُمْ تَصِفونَنا لأنَّنا كنَّا ساكتينَ عن افتراءَاتِكُم ضِدَّنا.. ولا تَكفيريِّينَ كما تَصفونَنا اليومَ وَسَتَصفونَنا غَدًا لأنَّنا رَفَعنا الصَّوتَ عاليًا في مواجهةِ افتراءاتِكم.. فَتَخَلُّوا عن غُلُوِّكُم وَكَذِبِكُم على اللهِ تعالى ورسولِهِ وأئمَّتِهِ (ع) لِتَنجُوا امتثالاً لقولِهِ تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ).

 

باحث علوي سوري: دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود

ahmad

باحث علوي سوري: دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
=======

أكَّدَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ السوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد أنَّ هناكَ تَبايُنًا بين العلويَّةِ النُّصيريَّةِ التي ارتقَتْ لمعرفةِ العلومِ التَّحقيقيَّةِ وبين بقيةِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي توقَّفَتْ عند التَّعاليمِ التَّشريعيَّةِ، وهو ما انعكسَ على اتَّهامِ المذاهبِ الأخرى للعلويَّةِ النُّصيريَّةِ والطَّعنِ بها بسببِ عدمِ فَهمِ أهلِ المذاهبِ للمعاني التَّوحيديَّةِ الواردةِ في كتابِ اللهِ وكلامِ أهلِ العصمةِ (ع).

 

وقالَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ في حديثٍ خاصٍّ لموقعِ مصر تايمز: كانَتْ دَعوَةُ الأنبياءِ دَائِمًا إلى التَّوَجُّهِ لِعِبادَةِ إلهٍ موجودٍ، وكانوا يَعُدُّونَ هذا من الأمورِ الإيمانيَّةِ العقائديَّةِ الأساسيَّةِ، وبالتَّالي كانَ الإنكارُ للإلهِ الموجودِ أمرًا شاذًّا لا يقولُ به إلاَّ مَن خَتَمَ الرَّانُ على قلبِهِ. وَظَلَّ الصِّراعُ قائمًا بين إثباتِ الوجودِ الإلهيِّ وإنكارِهِ، حتى بدأتْ شبهةُ الإنكارِ تتوسَّعُ لِتَحلَّ مَحَلَّ الإقرارِ في قلوبِ كثيرِ من أهلِ المللِ الحائدةِ. وكان من نتائجِ ذلك أنْ صارَ الإنكارُ الموقفَ المتعارفَ عليهِ الذي لا يحتاجُ إلى دليلٍ ولا برهانٍ، بينما صارَ المؤمنُ المُقِرُّ هو المُطالَبُ بإثباتِ الدَّليلِ على إقرارِهِ. حتى باتَ المُنكِرُ المقصِّرُ الحشويُّ يَتَحدَّى المُقِرَّ المؤمنَ ويتَّهِمُهُ بعدمِ الإيمانِ وعدمِ الحكمةِ، وبالتَّقليدِ والانجرارِ خلفَ هَوَاهُ والانسياقِ وراءَ آبائِهِ. وصارَ الاهتمامُ بعلمِ التَّحقيقِ أمرًا مُستَهجنًا، والإقرارُ الإيمانيُّ يحتاجُ إلى تبريرٍ، بينما صارَ الإنكارُ المغلَّفُ بزينةِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ أمرًا طبيعيًّا لا يَستدعي بحثًا ولا دراسـةً ولا تنقيبًا.

 

وحولَ أسبابِ انتشارِ هذا الإنكارِ تساءلَ الدكتور أحمد: ما الذي حَدَثَ فَقَلَبَ الأمورَ رأسًا على عَقبٍ؟ ولماذا تحوَّلَ كثيرٌ من الضُّعفاءِ من أبناءِ الإسلامِ هذا التَّحوُّلَ العجيبَ من الاعترافِ والإقرارِ بإلهٍ موجودٍ إلى إنكارِ وجودِهِ؟ ولماذا هذه الحربُ الضَّروسُ ضدَّ أهلِ التَّحقيقِ العلويِّ المقرين بالإلهِ الموجودِ؟ وذلكَ باستخدامِ كلِّ أساليبِ التَّكفيرِ والسَّبِّ والشَّتمِ ضدَّهم من خلالِ الكتبِ المشحونةِ والأقاويلِ المَأفونةِ؟

وأضافَ محلِّلاً الأسبابَ لهذه الحربِ بقولِهِ: إنَّ من أهمِّ أسبابِ الحربِ المعلَنَةِ ضِدَّنا هي التَّناقضُ بين سطحيَّةِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ التي التَزَمَها أهلُ المذاهبِ والمللِ بشكلٍ مُطْلَقٍ، وَعُمقِ مَنهجِ العلمِ التَّحقيقيِّ الذي اتَّبَعَهُ المؤمنونَ العلويُّونَ المُقرُّون. بالإضافةِ إلى خوضِ كثيرٍ من أهلِ المذاهبِ والمللِ في مسائلَ توحيديَّةٍ عميقةٍ، والتَّحدُّثِ عنها بمجرَّدِ الرأي الذي لا سَنَدَ له ولا دليلَ عليه دونَ التَّفكُّرِ فيهِ، ما أدَّى إلى ظهورِ تياراتِ الحلولِ والتَّجسيمِ والتَّشبيهِ فيما بينهم، وَتَعصُّبِ دُعاتِهم تَعَصُّبًا جَعَلَهم يُحاولونَ من خلالِهِ تكفيرَ المُقرِّينَ العلويينَ وَلَيَّ عُنُقِ الحقيقةِ لِتوافِقَ دَعواهُم المنكرةَ المنحرفةَ، حيث شملَ الاختلافُ فكرةَ الألوهيَّةِ نفسَها، فبينما يُجِلُّ المقرُّونَ العلويُّونَ الباري سبحانه عن جميعِ السِّماتِ والنُّعوتِ والأعراضِ الزَّائلةِ، يُثبِتُ له هؤلاء الحلوليُّون والمجسِّمون والمشبِّهونَ الحالاتِ المحسوسةَ فيوقِعونَ عليه الحالاتِ البشريَّةَ كالولادةِ والموتِ والقتلِ والجلوسِ على الكرسيِّ ويجعلونَ له يدًا ورجلاً ورأسًا و….، لِعَدَمِ قدرَتِهم على التَّفريقِ بين التَّجلي والحلولِ، والإثباتِ والتَّشبيهِ، إذ إنَّهم لم يتفكَّروا بتأويلِ الآياتِ، بل أخذوا بالمظاهرِ المتناقضةِ وأنكروا الحقائقَ الثَّابتةَ، وَجَعلوا الإلهَ وَهْمًا مَعدومًا لا يمكنُ معرفتُهُ تحقيقًا ولا الإشارةُ إليه، بل ادَّعَوا أنَّهم أدرَكوا ماهيَّتَهُ دون الحاجةِ إلى شهادتِهِ، وهذا الإنكارُ للوجودِ الإلهيِّ هو إنكارٌ لشَهادةِ المشهودِ، لأنَّ مَن ادَّعَى الشَّهادةَ دونَ إثباتِ المَشهودِ كانَ كاذبًا منكرًا للوجودِ الإلهيِّ، وبالتالي فإنَّ المنكرَ يَعبُدُ الوهمَ، كما أنَّ المُثبِتَ من دونِ إفرادٍ يكونُ مُشَبِّهًا لأنَّهُ يجعلُ للإلهِ صفاتِ المخلوقين، مع فارقٍ واحدٍ هو عِظَمُ هذه الصِّفاتِ حين يُوصَفُ بها الباري تعالى كأن يكون أكبرَ وأعظمَ وأضخمَ وووو.

كما أنَّ المنكِرَ هو الذي يَفرُّ من هذا التَّشبيهِ بالمخلوقاتِ ليقعَ في تشبيهٍ شرٍّ منهُ هو تَشبيهٌ بالمَعدوماتِ، لأنَّ المَعدومَ هو الذي يُوصَفُ بِصِفَاتِ النَّفي ولا يوصَفُ بصفاتِ الشُّهودِ. وقد أدركَ علماؤنا خطرَ هذا الاعتقادِ فأوضَحوا الحقيقةَ في رُدودِهم واحتجاجاتِهم، ولولا ذلك لَوَجَدَ الإنكارُ طريقَهُ إلى نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، ولكنَّ أنواعًا من هذا الاعتقادِ الإنكاريِّ تنتشرُ الآنَ بسببِ التأثُّرِ بالأفكارِ الحشويَّةِ التَّبشيريَّةِ الوافدةِ.

 

وحولَ الأساليبِ المتَّبَعةِ في الحربِ ضدَّ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ قال الباحث الديني العلوي أحمد: إنَّ أهلَ المذاهبِ والمللِ اتَّبعوا طريقةً خادعةً هي أن يَضعوا العلومَ التَّحقيقيَّةَ في مقابلِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ، ثم يتكلَّموا بطريقةٍ سطحيَّةٍ ساذجةٍ، بحيث يحاولون اتَّهامَ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ والطَّعنَ بعقيدَتهم بتهمةِ أنَّ (أهلَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ يعبدونَ غيرَ اللهِ ولا يعظَّمون القرآنَ ويؤمنونَ بثلاثةِ آلهةٍ وأنَّ الله حلَّ بمحمدٍ وعليٍّ وسلمان، وليس عندهم بعثٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ ولا حسابٌ، وأنَّ كفرَهم كفرٌ أصليٌّ لا كفرَ ردَّةٍ طارئًا عليهم، لذلك فهم أكفرُ من اليهودِ والنَّصارى ويجب الخروجُ عليهم ونزعُ يدِ الطاعةِ من أيديهم!!!)، وجوهرُ السَّببِ في ذلكَ أنَّ أهلَ التَّوحيدِ العلويِّ يعتمدونَ على العلومِ التَّحقيقيَّةِ في معرفةِ الله وتوحيدِهِ، بينما أهلُ المذاهبِ والمللِ يعتمدونَ على التعاليمِ التَّشريعيَّةِ في ذلك.

وأوضحَ الدكتور أحمد أديب أحمد في ردِّهِ على هذه التُّهم وأصحابها بقوله: إنَّ حُجَجَهم التي تَبَنَّوها في اتَّهامِنا كانت تصلحُ لو أنَّ التَّأويلَ لم يكن مرافقًا للتَّنزيلِ، أو لو أنَّ التعاليمَ التَّشريعيَّةَ كانت تستطيعُ تفسيرَ الكثيرِ من الأمورِ الغيبيَّةِ، أو تحلُّ مشكلةَ التَّضادِّ في النُّصوصِ القرآنيَّةِ والآياتِ المحكماتِ والمتشابهاتِ، لكنَّها بطبيعتِها السَّطحيَّةِ لا تستطيعُ أن تفصلَ في هذه الأمور، فالذي يقولُ للناسِ: خُذُوا التعاليمَ التَّشريعيَّةَ واتركوا العلومَ التَّحقيقيَّةَ!! هو كمَن يقولُ: يجبُ أن نعتمدَ على المحسوسِ ونتركَ المعقولَ، وهذا لا يجوزُ لأنَّ الأمثالَ الحسِّيَّةَ دومًا هي معابرُ للمداركِ العقليَّةِ وليست حقيقةً لها.

 

وختمَ الباحث الديني العلوي بقوله: تُعتَبَرُ التعاليمُ التَّشريعيَّةُ وسيلةً للوصولِ إلى المعرفةِ، ولكنَّها ليست الوسيلةَ الوحيدةَ إلى كلِّ المعارفِ، لأنَّ هناكَ معارفُ لا تستطيعُ التعاليمُ التَّشريعيَّةُ أن تكونَ سببًا لها، بل هناكَ علومٌ تحقيقيَّةٌ هي التي توصِلُ إليها، وبالتالي فإنَّ المؤمنَ العلويَّ العاقلَ هو الذي يستعملُ التعاليمَ التشريعية ويقر بالعلوم التحقيقيَّةِ للوصولِ إلى معرفةِ الحقِّ حقَّ معرفتِهِ.

 

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز