باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

ahmad

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

=================

باتَ مصطلحُ الجهادِ من أكثرِ المصطلحاتِ رَواجًا في هذه المرحلةِ، وَتَتصارعُ الآراءُ والنَّظريَّاتُ بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ لفكرةِ الجهادِ: فَمِنهم مَن يَرَاها فكرةً سلبيَّةً مع أنَّها واجبٌ إسلاميٌّ، ومنهم مَن يَرَاها إيجابيَّةً تحتاجُ للضَّبطِ، وكذلك منهم مَن يَربطُها بالمعركةِ ومنهم مَن يَربطُها بالحياةِ ومنهم من يَربطُها بالمعتَقَدِ.

في سوريَّة قَدَّمَ الكثيرونَ أنفسَهم دفاعًا عن الوطنِ، ومن كلِّ الطَّوائفِ، وكانَ للطَّائفةِ العلويَّةِ نصيبَها من عددِ الشُّهداءِ، لكنَّنا تساءَلنا: هل يقتصرُ مفهومُ الجهادِ عندَ العلويِّين على القتالِ المُسَلَّحِ الدَّائرِ ضِدَّ الإرهابِ؟

 

تَحاوَرْنا في هذا الموضوعِ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: إنَّ دفاعَنا عن وَطنِنا وَتَمسُّكَنا بمبادِئِنا وتضحياتِنا الغاليةَ هي من أشكالِ الجهادِ الذي نُمارسُهُ قولاً وفعلاً، وهذا الدِّفاعُ ليس فقط لأجلِ سوريَّة، بل لأجلِ الإنسانيَّةِ، ولأجلِ نهجِ الحقِّ الذي يَعُمُّ برحمَتِهِ كلَّ شيءٍ. ولكنْ يَبقَى هذا الجهادُ هو الجهادُ الأصغرُ الذي لا يُغنِي عن الجهادِ الأكبرِ الممثَّلِ بعلمِ الأخلاقِ وتهذيبِ النَّفسِ والتَّوحيدِ، وهو مِن أسمى وأرفعِ العلومِ العلويَّةِ الإسلاميَّةِ لأنَّها تمثّلُ الجهادَ الأكبرَ الذي ذكرَهُ رسولُ اللهُ (ص) بقوله: (مرحبًا بقومٍ قَضَوا الجهادَ الأصغرَ وبقيَ عليهم الجهادُ الأكبرُ)، فقيل: يا رسولَ الله وما الجهادُ الأكبرُ؟ قال (ص): (جهادُ النفسِ)، وهذا الجهادُ يَلتزمُ به المؤمنُ العلويُّ امتثالاً لأمرِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اعلَموا أنَّ الجهادَ الأكبرَ جهادُ النفسِ فاشتغلوا بجهادِ أنفسِكُم تسعَدُوا)، فالجهادُ المطلوبُ من المؤمنِ العلويِّ إذن هو إتباعُ العقلِ في مواجهةِ الجهلِ، ولن يَحصلَ للنَّفسِ صفاءٌ واكتمالٌ وارتقاءٌ إلا بالتَّوحيدِ الخالصِ، فتكونَ مستعدَّةً لاستقبالِ الفيوضِ العقليَّةِ، وَتُعاينَ مراتبَ الوجودِ، فتصبحَ حرَّةً من الخوفِ والجبنِ والضَّعفِ، وتتأهَّلَ لتكونَ بتحقيقِها لهذه الكشوفِ آنِسَةً مطمئنَّةً بيقينِها، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فَتَبلُغَ حقيقةَ التوحيدِ والإفرادِ الذي هو الغايةُ القصوى والمنتهى الأسمى للعبادةِ العرفانيَّةِ، وعندها لا تأخذُها في اللهِ لومةُ لائمٍ، فتجاهدُ لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، لقوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، فتهجُرَ الدنيا وزخارِفَها، وَتَسمو إلى العُلا بفناءِ الهوى، فلا يَرَى المؤمنُ العلويُّ الشهيدُ حينَها إلا وجهَ ربِّهِ الذي يؤيِّدُهُ بالكراماتِ الحِسَانِ، وهكذا لا يَقوَى عليه أحدٌ من جنودِ الشيطانِ، لأن جنودَ العقلِ المُنَزَّلونَ سَــيَقونَهُ شــرَّ أولئكَ الفانينَ بجهلِهِم وشـيطنتِهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).

 

وحولَ هذا الارتقاءِ بمفهومِ الجهادِ، تساءَلنا عن علاقةِ بناءِ النَّفسِ بمفهومِ الجهادِ فقال الدكتور أحمد: فكرُنا العلويُّ يعتمدُ على بناءِ النَّفسِ بالقيمِ والأخلاقِ تمثُّلاً بقيمِ وأخلاقِ أهلِ البيت المعصومينَ، لأنَّنا نتمثَّل بهم في قيمِنا وأخلاقِنا وأفكارِنا، ولذلكَ فإنَّ كلَّ مَن انتَمى إليهم بحقٍّ كان رجلاً استثنائيًّا سواءَ في فكرِهِ الرَّاقي أو فيما قَدَّمَهُ للبشريَّةِ أو في قيادتِهِ حين يتولَّى البلادَ وَيُقاتِلُ في مواجهةِ القوى المنحرفةِ، وسيصلُ إلى هذهِ الرِّفعةِ عندما يَلتزمُ بوصيَّةِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لأصحابِهِ: (اللهَ اللهَ في الجهادِ للأنفسِ، فهي أعدى العدوِّ لكم. إنَّه تباركَ وتعالى يقول: إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ)، فالمؤمنُ العلويُّ يطمحُ أن يترقَّى في مقاماتِ العبادة ليبلغَ مرتبةَ العارفين. وأوَّلُ درجاتِ العبادة إصلاحُ النفسِ بإتباع أحكامِ الحقِّ، وهذا يحتاجُ إلى رياضاتٍ ومجاهداتٍ مستمرةٍ لينفصلَ المؤمنُ العلويُّ عن العالَمِ الفاني ويتَّصلَ بحضرةِ الباقي.

 

وحول أوَّلِ وأهمِّ ما يبلغُهُ هذا العلويُّ في ارتقائِهِ يتابعُ الدكتور أحمد قائلاً: من أهمِّ الحالاتِ التي يجبُ أن يبلغَها المؤمنُ العلويُّ في جهادِ النَّفسِ هي معرفةُ النَّفسُ، فهذا هو الطَّريقُ إلى معرفةِ الحقِّ تعالى، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ (ص) أنَّه سُئلَ: متى يَعرف الإنسانُ ربَّهُ؟ فقال: (إذا عرفَ نفسَهُ)، كما قال مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (معرفةُ النَّفسِ أعرَفُ المعارفِ) ولولاها لم يكن لمؤمنٍ معرفةُ رَبِّهِ لهذا قال كرَّم اللهُ وجهَهُ: (عَجِبْتُ لمن يجهلُ نفسَهُ كيف يعرفُ ربَّهُ!!). هذا يعني أن الهدفَ المقدَّسَ والمقصودَ الإلهيَّ الذي يتمثّلُ بالعبوديَّةِ حقيقةً، لا يمكنُ الوصولُ إليهِ إلاَّ بتحقيقِ العبادةِ طريقةً، والدَّوامُ على ذلك هو من جهادِ النفسِ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، وشرطُ هذا الوصالِ هو ورودُ المعاني السَّاميةِ والنَّهلُ من العلمِ التَّوحيديِّ لأنَّه ضرورةٌ حتميَّةٌ للمؤمنِ العلويِّ، فهو أصلُ كلِّ خيرٍ لقولِ رسولُ اللهُ (ص): (أفضَلُكم إيمانًا أفضلُكُم معرفةً)، وهذه المعرفةُ التوحيديَّةُ هي الزَّكاةُ الحقيقيَّةُ لنفسِ المؤمنِ العلويِّ لقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)، وسيُؤتى على هذه التَّزكيةِ ثوابًا عظيمًا لقوله تعالى: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى).

 

وحولَ تَسَاؤلِنا عن علاقةِ جهادِ النَّفــسِ بالعقيدةِ الدِّينيَّةِ التَّوحيديَّةِ، قال الدكتور أحمد: لا قيمةَ لجهادِكَ إن كنتَ مجاهدًا دونَ أن تكون موحِّدًا، فأنتَ إذ تجاهدُ فإنَّكَ تُجاهِدُ دفاعًا عن عقيدةِ التَّوحيدِ التي أمركَ اللهُ أن تُعلِي كلمَتَها، خاليةً من التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لذلكَ لا يَقبلُ اللهُ جهادَ مجاهدٍ دون أن يكونَ موحِّدًا صافيَ العقيدةِ، وهذا مِن أُسُسِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ الذي لا تشوبُهُ شوائبُ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وَيَرتقي من عالمِ الدُّنيا إلى عالمِ الآخرةِ، فأهلُ الدُّنيا يقفونَ عندَ الحدودِ الدُّنيا لمفهومِ جهادِ النَّفسِ، فَيَظنُّونَ أنَّه يتعلَّقُ فقط بتَرويضِها على الطَّاعاتِ ومخالفةِ نوازعِها الشِّريرةِ والأهواءِ البدنيَّةِ، لكنَّ المؤمنينَ العلويِّينَ الذين ارتقَوا في مراتبِ العارفينَ وَعَرفوا حقيقةَ الأنوارِ وَشَهِدُوا الآنَ الدائمَ وأقرُّوا له بالشَّهادةِ العظمى، وَسَلبُوا عن حضرةِ الحقِّ ما رأوهُ من العللِ في عالَمِ الملكوتِ وعالَمِ الجبروتِ، أرادوا تحقيقَ السَّعادةِ وبلوغَ الأرَبِ فَجَاهدوا أنفسَهم عن الوقوع في مهالكِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وصارَعوها لكيلا تَستبدِلَ رضا الخالقِ برضا المخلوقِ، امتثالاً لقول سيِّدنا المسيح (ع) لأحدِ تلاميذِهِ: (إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا، لأنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟).

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

اترك رد