ماذا فعلت النخبة المثقفة في وطني؟

ahmad

ماذا فعلت النخبة المثقفة في وطني؟
بقلم الدكتور: أحمد أديب أحمد
================

في بداية الأزمة كنت المُبادر بتوصيف الإخوان المجرمين والوهابيين والبراءة منهم ولعنهم على الإعلام وفي المقالات وفي كل المجالس والمراكز الثقافية، وكان بعض الجهلاء ممن يعتبرون أنفسهم نخبة المثقفين ورجال الدين والسياسة يأتون فيقولون لي: لا تقل هذا فقد ينزعج “السُّنة”!!! فأقول لهم: وما دخل “السُّنة” بالإخوان المسلمين والوهابيين؟ “السنة” عبارة عن مذاهب إسلامية “شافعية وحنفية وحنبلية ومالكية”، أما الإخوان المسلمون والوهابيون فهم أحزاب شيطانية صهيونية.

نفس هذه النخبة المتثيقفة كانت تأخذ عليَّ دائماً أنني أقول: “سورية الأسد”، مع أنني شرحت كثيراً أن لفظ “الأسد” رمز للكرامة والعز، لكنهم يفهمون الأمر ربطاً بشخص الرئيس مع أن هذا الأمر فخر لنا، ولكن لضعف انتمائهم ووطنيتهم وقلة وفائهم يرفضون العبارة، لأنهم كانوا قبل الأزمة من أكثر المصفقين والمطبلين في الاحتفالات والمتسولين على أبواب المسؤولين، وانكفؤوا حين ظنوا أن النظام سيسقط وفق تعبير أعدائنا، ولكنهم مع الانتخابات الرئاسية وعودة القوة للدولة عادوا لتصفيقهم وتطبيلهم لأن كل شيء يعود لأصله.

وعندما كانت المقالات واللقاءات الإعلامية التي أجريتها ناقدة للفساد المستشري في مؤسسات الدولة والمجتمع بشكل كبير، وكنت لاذعاً قاسياً على الفاسدين، كانوا يقولون لي: ليس الآن وقت الحديث عن الفساد فنحن في أزمة!!! وأما من اعترف منهم فيقول لي: نحن نتابعك ومعجبون بك لكننا لا نستطيع أن نظهر إعجابنا بكلامك لأن للجدران آذان، ولا نستطيع أن نضع إعجاباً بمقالاتك خوفاً على أنفسنا من الأمن الفيسبوكي المراقب لتحركاتنا!! نحن بغنى عن القضاء على مستقبلنا!!

واليوم مع تطاول المنتفعين المستثمرين للفتنة كان من واجبي أن أوضح الطريق وأواجه الفتنة وأحمي أبناء وطني من الانجرار إلى تحزبات دينية طارئة على بلدنا تخدم أجندات خارجية، ففي سورية يوجد أصلاً (سنة وشيعة وعلويون ودروز وإسماعيليون ومسيحيون ومرشديون) عشنا وعملنا سوياً وتآلفنا وتكاتفنا وحاربنا وما زلنا نحارب سوياً، لكن التشيع حالة طارئة غير أصيلة على المجتمع العلوي، كما الفكر الإخونجي والوهابي حالة طارئة على المجتمع السني.

في ظل انتشار الفتنة المنكَرة كان لابد للنخبة من أن تردَّ وتقود الوعي باتجاه المكان الصحيح، لكن عندما تسعى النخبة المثقفة إلى الصمت بسبب لا انتمائها، فلا بارك الله في ثقافتها غير الأصيلة، لأن هذا الصمت كان وبالاً على شبابنا الذين استغرقوا ثلاث سنوات ليفهموا خطورة مشروع الإخوان والوهابية، وكان مَن ذهب في طريقهم قد ذهب، وخسرت سورية آلافاً من شبابها بسبب جهلهم بالحقيقة!! عدا عن الخسارة الأكبر للشباب المؤيد الذي ضاع بين الأحزاب الجديدة والأفكار الثأرية من مدرسة القائد الأسد وحزب البعث والعروبة وقضية الصراع!!

وأتساءل: هل نفعتنا أمسياتكم الشعرية واحتفالاتكم الوطنية وخطاباتكم الخشبية؟ أم أتاحت لكم أن تضحكوا علينا وتسرقوا أموال الوطن وتنافقوا على قيادتنا الشريفة؟

وعندما تسعى النخبة المجتمعية إلى البحث عن مصالحها الشخصية فتنافق وتجامل بغية المال والمناصب فالواجب أن يكون العزلُ جزاءها، وهذا ما تمثل بتمسيح الجوخ للفاسدين والمخربين وأصحاب المشاريع التضليلية والتجمعات الاحتيالية باسم الوفاق الوطني ودعم الشهداء ووو!! واليوم نجدهم في مجلس الشعب والحكومة ومواقع المسؤولية، وهم المسؤولون عن غرق السفينة السورية رويداً رويداً.

وعندما تسعى النخبة الدينية إلى تسييس الدين والنفاق ربطاً بالتحالفات السياسية فهؤلاء ليسوا برجال دين بل رجال دنيا، فلا الإمام علي رضي بفساد معاوية، ولا الإمام الحسين رضي بانتهاكات يزيد، ولا سلمان الفارسي ولا أبي الذر الغفاري ولا محمد بن أبي بكر رضوا بالفساد الذي بدأ ينهش في جسد الأمة، ولم يسكتوا عن الحق بحجة أنهم لا يريدون شق الصفوف، فالفساد الفكري والديني والأخلاقي هو الذي يشق الصفوف، أما محاربة الفساد فهي ترأب الصدع وتحمي أهل اليقين.

هذه النماذج القميئة من النخب السورية زرعت الكذب والنفاق والتدليس والتجهيل، فماذا حصدنا بعدها إلا عدم الانتماء والجهل والتقوقع والأحقاد الداخلية التي لا تخرج بالفعل لكنها تؤذي بالقوة.

لهذا وجدت أنه من واجبي أن أكون صادقاً مع نفسي وديني ووطني، وألا أخجل من لعن الواهبيين والإخوان المجرمين، وألا أخجل من اعتزازي بانتمائي لسورية الأسد، وألا أتوانى عن فضح مشاريع الفتنة ومروجيها، حتى لو طالتني اتهامات الجهلاء بأنني أشعل الفتنة، فهذا لا يهمني لأنني أقتدي بقول رسول الله “ص”: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، وبقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: “وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم”، وبقول القائد الخالد حافظ الأسد: “لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ، ولا أن يتستر عن العيوب والنواقص”.

أما عبارات “ليس وقتها الآن، ليس مكانها على الفيسبوك، كونوا محضر خير، علينا أن نتوحد ونحب بعضنا، كونوا لنا زيناً….” فليست هي في مكانها ولا في وقتها لعدة أسباب:

الأول: عندما يبدأ الهجوم علينا لابد أن ندافع عن أنفسنا فوراً، وألا نؤجل لأن أي تأجيل يعني موتنا، وبعد الموت لا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا.

الثاني: محضر الخير لا يوجد فيه اعتداء على أحد، فلماذا لم يكن المفتنون أصلاً محضر خير؟ فهذا الكلام موجه لهم لا لنا.

الثالث: نتوحد على كلمة الحق وليس على أي شي، وإلا لكانت الوحدة العربية قد قامت منذ عقود حتى لو برعاية صهيونية، لذلك قال تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”، فلم يقل: واعتصموا جميعاً، بل أكد أن الاعتصام لا يكون إلا بحبل الله.

الرابع: إن مفهوم المحبة مفهوم عظيم ليس كما يفهمه المتذبذبون، لأن الحب في الله والبغض في الله، وكما يقول الإمام علي كرم الله وجهه: “لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان”.

الخامس: قول الإمام الصادق: “كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً، أيحب أحدكم أن يمشي في السوق عرياناً”!! وأتساءل: هل تعرفون ما هو العري وما هو الزين وما هو الشين؟ هل كان الأئمة المعصومون يهتمون “بالبريستيج” أمام الأقوام الأخرى وهم الناطقون بالحق؟
العريان هو المفضوح لأنه عارٍ من كل مكارم الأخلاق والمعارف وكل ما يمثل نهج أهل البيت فلا هو محق ولا هو مواصل ولا هو محب ولا هو شجاع ولا هو صادق، والمؤمن يأبى أن يكون إلا محقاً ومحباً إخوانه ومواصلاً لهم وشجاعاً وصادقاً، وهذا هو الذي يزينه لا يشينه، فمن دعا إلى توحيد مع كلمة باطل، أو محبة لمن يعادون الحق، أو مجاملة لمن يخالفه لغاية دنيوية، فهذا يشينه، ويجعله شيناً على الأئمة لأنهم لم يتصفوا بالنفاق، أما من كان داعياً للحق آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر محباً للمؤمنين ومبغضاً للمنافقين لا يخشى في الله لومة لائم فهذا تزيَّن بتعاليم أهل البيت وطبَّقها بحذافيرها، ولنا في ذلك أمثلة من شهداء الحق كالإمام الحسين وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري وكثير غيرهم.

السادس: إن أتتك المعركة على الفيسبوك وفي الإعلام فأين يكون الدفاع؟ في المجالس المغلقة؟ في البيوت؟ في القلوب؟ أم في نفس أرض المعركة؟
ينفثون الفتنة على صفحات الفيسبوك وفي المواقع الإلكترونية وعلى الفضائيات، ويقرؤها الجميع، فإن لم يجد القارئ رداً في نفس المكان سيظن أن ما نشر حقيقة ويتبناه لقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: “حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق”.

وإنني أوجه لومي الشديد إلى وزارة الأوقاف التي تقصي من تشاء وتدني من تشاء، وغايتها إسراف الأموال لبناء الجوامع وترميم ما كان منها مقراً للإرهاب والموت الأسود، كما أوجه لومي الشديد مصحوباً بالتقريع لقناة “نور الشام” التي أسسها السيد الرئيس في بداية الأزمة لتكون منبراً للسوريين، فتقوقعت وتزمتت وتكتلت على بعضها، ومنعت عرض البرنامج العربي الإسلامي “ثائر وشهيد” لأنه يخص الإمام الحسين “ع”، ولم توافق إدارتها المتحيزة على منح الفرصة لنا بأن يكون لنا برنامج ديني إسلامي خاص بنا كوننا من نسيج المجتمع السوري كما يتحفوننا دوماً في لقاءاتهم الخلابة وكلماتهم المعسولة التي لا تتجاوز ألسنتهم المسمومة للأسف.

وأقترح بأن يصدر قرار جريء بإلزام وزارة الأوقاف الأغنى أن تخصص من مواردها راتباً لعائلة كل مقاتل عسكري أو شهيد أو مصاب أو مخطوف في الجيش والأمن والشرطة يساوي راتبه الذي يتقاضاه من وزارتي الدفاع والداخلية لتحسين وضعه المعاشي.. ولتكون مشاركة في الدفاع عن الوطن بشكل فعلي.. وليس بالكلام وببناء بيوت الشيطان.. فلو كانت بيوت الله لما تحولت إلى مقرات للشياطين.. لكن بيوت الله هي قلوب المؤمنين العاملين المخلصين التي تسعه حقاً.

أدعو في الختام للصدق مع النفس ومع الناس، لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ”.

اترك رد