باحث علوي سوري: دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود

ahmad

باحث علوي سوري: دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
=======

أكَّدَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ السوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد أنَّ هناكَ تَبايُنًا بين العلويَّةِ النُّصيريَّةِ التي ارتقَتْ لمعرفةِ العلومِ التَّحقيقيَّةِ وبين بقيةِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي توقَّفَتْ عند التَّعاليمِ التَّشريعيَّةِ، وهو ما انعكسَ على اتَّهامِ المذاهبِ الأخرى للعلويَّةِ النُّصيريَّةِ والطَّعنِ بها بسببِ عدمِ فَهمِ أهلِ المذاهبِ للمعاني التَّوحيديَّةِ الواردةِ في كتابِ اللهِ وكلامِ أهلِ العصمةِ (ع).

 

وقالَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ في حديثٍ خاصٍّ لموقعِ مصر تايمز: كانَتْ دَعوَةُ الأنبياءِ دَائِمًا إلى التَّوَجُّهِ لِعِبادَةِ إلهٍ موجودٍ، وكانوا يَعُدُّونَ هذا من الأمورِ الإيمانيَّةِ العقائديَّةِ الأساسيَّةِ، وبالتَّالي كانَ الإنكارُ للإلهِ الموجودِ أمرًا شاذًّا لا يقولُ به إلاَّ مَن خَتَمَ الرَّانُ على قلبِهِ. وَظَلَّ الصِّراعُ قائمًا بين إثباتِ الوجودِ الإلهيِّ وإنكارِهِ، حتى بدأتْ شبهةُ الإنكارِ تتوسَّعُ لِتَحلَّ مَحَلَّ الإقرارِ في قلوبِ كثيرِ من أهلِ المللِ الحائدةِ. وكان من نتائجِ ذلك أنْ صارَ الإنكارُ الموقفَ المتعارفَ عليهِ الذي لا يحتاجُ إلى دليلٍ ولا برهانٍ، بينما صارَ المؤمنُ المُقِرُّ هو المُطالَبُ بإثباتِ الدَّليلِ على إقرارِهِ. حتى باتَ المُنكِرُ المقصِّرُ الحشويُّ يَتَحدَّى المُقِرَّ المؤمنَ ويتَّهِمُهُ بعدمِ الإيمانِ وعدمِ الحكمةِ، وبالتَّقليدِ والانجرارِ خلفَ هَوَاهُ والانسياقِ وراءَ آبائِهِ. وصارَ الاهتمامُ بعلمِ التَّحقيقِ أمرًا مُستَهجنًا، والإقرارُ الإيمانيُّ يحتاجُ إلى تبريرٍ، بينما صارَ الإنكارُ المغلَّفُ بزينةِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ أمرًا طبيعيًّا لا يَستدعي بحثًا ولا دراسـةً ولا تنقيبًا.

 

وحولَ أسبابِ انتشارِ هذا الإنكارِ تساءلَ الدكتور أحمد: ما الذي حَدَثَ فَقَلَبَ الأمورَ رأسًا على عَقبٍ؟ ولماذا تحوَّلَ كثيرٌ من الضُّعفاءِ من أبناءِ الإسلامِ هذا التَّحوُّلَ العجيبَ من الاعترافِ والإقرارِ بإلهٍ موجودٍ إلى إنكارِ وجودِهِ؟ ولماذا هذه الحربُ الضَّروسُ ضدَّ أهلِ التَّحقيقِ العلويِّ المقرين بالإلهِ الموجودِ؟ وذلكَ باستخدامِ كلِّ أساليبِ التَّكفيرِ والسَّبِّ والشَّتمِ ضدَّهم من خلالِ الكتبِ المشحونةِ والأقاويلِ المَأفونةِ؟

وأضافَ محلِّلاً الأسبابَ لهذه الحربِ بقولِهِ: إنَّ من أهمِّ أسبابِ الحربِ المعلَنَةِ ضِدَّنا هي التَّناقضُ بين سطحيَّةِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ التي التَزَمَها أهلُ المذاهبِ والمللِ بشكلٍ مُطْلَقٍ، وَعُمقِ مَنهجِ العلمِ التَّحقيقيِّ الذي اتَّبَعَهُ المؤمنونَ العلويُّونَ المُقرُّون. بالإضافةِ إلى خوضِ كثيرٍ من أهلِ المذاهبِ والمللِ في مسائلَ توحيديَّةٍ عميقةٍ، والتَّحدُّثِ عنها بمجرَّدِ الرأي الذي لا سَنَدَ له ولا دليلَ عليه دونَ التَّفكُّرِ فيهِ، ما أدَّى إلى ظهورِ تياراتِ الحلولِ والتَّجسيمِ والتَّشبيهِ فيما بينهم، وَتَعصُّبِ دُعاتِهم تَعَصُّبًا جَعَلَهم يُحاولونَ من خلالِهِ تكفيرَ المُقرِّينَ العلويينَ وَلَيَّ عُنُقِ الحقيقةِ لِتوافِقَ دَعواهُم المنكرةَ المنحرفةَ، حيث شملَ الاختلافُ فكرةَ الألوهيَّةِ نفسَها، فبينما يُجِلُّ المقرُّونَ العلويُّونَ الباري سبحانه عن جميعِ السِّماتِ والنُّعوتِ والأعراضِ الزَّائلةِ، يُثبِتُ له هؤلاء الحلوليُّون والمجسِّمون والمشبِّهونَ الحالاتِ المحسوسةَ فيوقِعونَ عليه الحالاتِ البشريَّةَ كالولادةِ والموتِ والقتلِ والجلوسِ على الكرسيِّ ويجعلونَ له يدًا ورجلاً ورأسًا و….، لِعَدَمِ قدرَتِهم على التَّفريقِ بين التَّجلي والحلولِ، والإثباتِ والتَّشبيهِ، إذ إنَّهم لم يتفكَّروا بتأويلِ الآياتِ، بل أخذوا بالمظاهرِ المتناقضةِ وأنكروا الحقائقَ الثَّابتةَ، وَجَعلوا الإلهَ وَهْمًا مَعدومًا لا يمكنُ معرفتُهُ تحقيقًا ولا الإشارةُ إليه، بل ادَّعَوا أنَّهم أدرَكوا ماهيَّتَهُ دون الحاجةِ إلى شهادتِهِ، وهذا الإنكارُ للوجودِ الإلهيِّ هو إنكارٌ لشَهادةِ المشهودِ، لأنَّ مَن ادَّعَى الشَّهادةَ دونَ إثباتِ المَشهودِ كانَ كاذبًا منكرًا للوجودِ الإلهيِّ، وبالتالي فإنَّ المنكرَ يَعبُدُ الوهمَ، كما أنَّ المُثبِتَ من دونِ إفرادٍ يكونُ مُشَبِّهًا لأنَّهُ يجعلُ للإلهِ صفاتِ المخلوقين، مع فارقٍ واحدٍ هو عِظَمُ هذه الصِّفاتِ حين يُوصَفُ بها الباري تعالى كأن يكون أكبرَ وأعظمَ وأضخمَ وووو.

كما أنَّ المنكِرَ هو الذي يَفرُّ من هذا التَّشبيهِ بالمخلوقاتِ ليقعَ في تشبيهٍ شرٍّ منهُ هو تَشبيهٌ بالمَعدوماتِ، لأنَّ المَعدومَ هو الذي يُوصَفُ بِصِفَاتِ النَّفي ولا يوصَفُ بصفاتِ الشُّهودِ. وقد أدركَ علماؤنا خطرَ هذا الاعتقادِ فأوضَحوا الحقيقةَ في رُدودِهم واحتجاجاتِهم، ولولا ذلك لَوَجَدَ الإنكارُ طريقَهُ إلى نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، ولكنَّ أنواعًا من هذا الاعتقادِ الإنكاريِّ تنتشرُ الآنَ بسببِ التأثُّرِ بالأفكارِ الحشويَّةِ التَّبشيريَّةِ الوافدةِ.

 

وحولَ الأساليبِ المتَّبَعةِ في الحربِ ضدَّ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ قال الباحث الديني العلوي أحمد: إنَّ أهلَ المذاهبِ والمللِ اتَّبعوا طريقةً خادعةً هي أن يَضعوا العلومَ التَّحقيقيَّةَ في مقابلِ التعاليمِ التَّشريعيَّةِ، ثم يتكلَّموا بطريقةٍ سطحيَّةٍ ساذجةٍ، بحيث يحاولون اتَّهامَ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ والطَّعنَ بعقيدَتهم بتهمةِ أنَّ (أهلَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ يعبدونَ غيرَ اللهِ ولا يعظَّمون القرآنَ ويؤمنونَ بثلاثةِ آلهةٍ وأنَّ الله حلَّ بمحمدٍ وعليٍّ وسلمان، وليس عندهم بعثٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ ولا حسابٌ، وأنَّ كفرَهم كفرٌ أصليٌّ لا كفرَ ردَّةٍ طارئًا عليهم، لذلك فهم أكفرُ من اليهودِ والنَّصارى ويجب الخروجُ عليهم ونزعُ يدِ الطاعةِ من أيديهم!!!)، وجوهرُ السَّببِ في ذلكَ أنَّ أهلَ التَّوحيدِ العلويِّ يعتمدونَ على العلومِ التَّحقيقيَّةِ في معرفةِ الله وتوحيدِهِ، بينما أهلُ المذاهبِ والمللِ يعتمدونَ على التعاليمِ التَّشريعيَّةِ في ذلك.

وأوضحَ الدكتور أحمد أديب أحمد في ردِّهِ على هذه التُّهم وأصحابها بقوله: إنَّ حُجَجَهم التي تَبَنَّوها في اتَّهامِنا كانت تصلحُ لو أنَّ التَّأويلَ لم يكن مرافقًا للتَّنزيلِ، أو لو أنَّ التعاليمَ التَّشريعيَّةَ كانت تستطيعُ تفسيرَ الكثيرِ من الأمورِ الغيبيَّةِ، أو تحلُّ مشكلةَ التَّضادِّ في النُّصوصِ القرآنيَّةِ والآياتِ المحكماتِ والمتشابهاتِ، لكنَّها بطبيعتِها السَّطحيَّةِ لا تستطيعُ أن تفصلَ في هذه الأمور، فالذي يقولُ للناسِ: خُذُوا التعاليمَ التَّشريعيَّةَ واتركوا العلومَ التَّحقيقيَّةَ!! هو كمَن يقولُ: يجبُ أن نعتمدَ على المحسوسِ ونتركَ المعقولَ، وهذا لا يجوزُ لأنَّ الأمثالَ الحسِّيَّةَ دومًا هي معابرُ للمداركِ العقليَّةِ وليست حقيقةً لها.

 

وختمَ الباحث الديني العلوي بقوله: تُعتَبَرُ التعاليمُ التَّشريعيَّةُ وسيلةً للوصولِ إلى المعرفةِ، ولكنَّها ليست الوسيلةَ الوحيدةَ إلى كلِّ المعارفِ، لأنَّ هناكَ معارفُ لا تستطيعُ التعاليمُ التَّشريعيَّةُ أن تكونَ سببًا لها، بل هناكَ علومٌ تحقيقيَّةٌ هي التي توصِلُ إليها، وبالتالي فإنَّ المؤمنَ العلويَّ العاقلَ هو الذي يستعملُ التعاليمَ التشريعية ويقر بالعلوم التحقيقيَّةِ للوصولِ إلى معرفةِ الحقِّ حقَّ معرفتِهِ.

 

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

اترك رد