السؤال الثاني والعشرون عن الفرقِ بين السب واللعن

images

السُّؤال الثَّاني والعشرون: ما هو الفرقُ بين السَّبِّ واللَّعنِ؟

الجوابُ الثَّاني والعشرون بإذن الله:

برزتْ في السَّنواتِ الأخيرةِ محطَّاتٌ فضائيَّةٌ هدفُها التَّحريضُ المذهبيُّ لتأجيجِ نيرانِ الحربِ في المنطقةِ والعالمِ الإسلاميِّ، وكان الاعتمادُ الأوَّلُ على أسلوبِ السَّبِّ والتَّكفيرِ المتبادلِ بين السُّنَّةِ والشِّيعةِ، فترى أنَّ هناكَ قنواتٍ تحريضيَّةٍ وهابيَّةٍ هدفُها ضربُ الشِّيعةِ ووصفِهم بالمجوسِ أو الصَّفويِّين وضربُ العلويَّةِ ووصفِهم بالغلاةِ، مستمدِّينَ هذه العباراتِ من التَّجييشِ الذي قامَ بهِ العثمانيُّونَ لنشرِ التَّسنُّنِ في البلدانِ التي احتلُّوها، وبالمقابلِ نجد قنواتٍ تحريضيَّةٍ شيرازيَّةٍ هدفُها ضربُ السُّنَّةِ ووصفِهم بالبكريَّةِ والعمريَّةِ وضربُ العلويَّةِ ووصفِهم بالغلاةِ، مستمدِّينَ هذه العباراتِ من التَّجييشِ الذي مارسَهُ الصَّفويُّونَ لنشرِ التَّشيُّعِ في البلادِ في مقابلِ التَّسنُّنِ العثمانيِّ.

هؤلاء المتناحرونَ ضيَّعوا معالمَ الإسلامِ الحقِّ في نزاعاتِهم الضَّغائنيَّةِ الغريبةِ عن تعاليمِ الإسلامِ الرَّاقيةِ، علمًا أنَّنا لو رجعنا إلى الفتاوى الفقهيَّةِ للمراجعِ السُّنِّيَّةِ والشِّيعيَّةِ لرأينا أنَّها تتَّفقِ بنسبةِ 95% وفق تصريحِ أحد مراجعِ الشِّيعةِ، حتَّى أنَّ شيخَ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ الطُّوسيِّ ذكرَ أنَّ الاختلافَ في الرِّواياتِ عندَ الشِّيعةِ أكثرُ من الاختلافِ فيما بينهم وبينَ أئمَّةِ المذاهبِ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ، فلماذا يتشاتمونَ إن كانوا متقاربينَ كثيرًا فيما بينهم؟ ولماذا يتسابُّونَ والقرآنُ الكريمُ نهى عن السَّبِّ في قوله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)؟

وفيما يتعلَّقُ بالسُّؤالِ فقد وجبَ التَّنبيهُ على أن اللَّعنَ غير السَّبِّ والشَّتمِ، فهو مصطلحٌ قرآنيٌّ، وقد وردَ ذكرهُ في أحاديثِ رسولِ الله والأئمَّةِ المعصومين (ع)، لأنَّهُ ليسَ جزءًا من أجزاء السَّبِّ والشَّتمِ كما يعرِّفُهُ علماءُ اللغةِ في لسانِ العربِ، فهذا طعنٌ بآدابِ كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِهِ ونهجِ عترتِهِ، لكنَّ اللَّعنَ يصدرُ من اللهِ تعالى أو من الرَّسولِ والأئمَّةِ (ع) بمعنى الغضبِ والانتقامِ والإبعادِ من الرَّحمةِ، فأن تقولَ: (لعنَ اللهُ الذي خالفوا اللهَ ورسولَهُ) فأنتَ تدعو عليهم بالطَّردِ من الرَّحمةِ وإنزالِ العذابِ، لأنَّ فِعلَهم لا يتناسبُ مع رحمةِ اللهِ، لأنَّ اللهَ تعالى أرسلَ الرَّسولَ (ص) رحمةً كمحجَّةٍ للمؤمنينَ ورحمةً كحجَّةٍ على الكافرين، فلفظُ الرَّحمةِ في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) لا يعني أنَّ الرَّحمةَ ستعمُّ الجميع، وإلاَّ فأينَ العدالةُ الإلهيَّةُ؟ ولماذا يطالِبُ الرَّبُّ العبادَ بطاعتِهِ إنْ كانَ في النِّهايةِ سيرحمُ الجميعَ؟ وهل يُعقلُ أن يضيعَ عملُ المؤمنينَ الطَّائعينَ وجهادُهم سدًى، ويتساوَونَ في النِّهايةِ مع الكافرينَ الجاحدينَ؟ إذن: لماذا لعنَهم اللهُ ووعدَهم جهنَّم خالدينَ فيها أبدًا؟ فهل القرآنُ يكذبُ معاذَ اللهِ!؟

إنَّ الرَّحمةَ المذكورةَ تتعلَّقُ بالنَّبيِّ الأكرمِ (ص) لا بالعالمين، فهو الرَّحمةُ المطلَقَةُ المرسَلَةُ للخلقِ أجمعينَ، وهو لا يتغيَّرُ بتغيُّرِ القومِ المُرسَلِ إليهم كمثلِ ضوءِ الشَّمسِ يطلعُ على الرُّوحانيِّ والمادِّيِّ، فلا يتغيَّرِ بحسبِ نظرةِ النَّاظرِ إذ يبقى في جوهرِهِ رحمةً، فيراهُ الرُّوحانيُّ نورًا ويراهُ المادِّيُّ نارًا، كما ذكرَ سيِّدنا المسيح (ع) أنَّ الآبَ في السَّماواتِ: (يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ).

ومن هنا جاءَ قولُ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ عن النَّاسِ في عهدِهِ لمالك الأشتر (ع) حينَ ولاَّهُ على مصر: (إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)، وليسَ القولُ كما يتبجَّحُ المنافقونَ بأنْ تساوي بينَ النَّاسِ جميعًا، بل بأنَّ لك أخٌ في الدِّينِ عليكَ إكرامُهُ وتوقيرُهُ ومواساتُهُ ومساواتُهُ وإيثارُهُ، ولك نظيرٌ في الخلقِ، والنَّظيرُ وهو الشَّبيهُ في اللغةِ، وعليكَ أن تتعاملَ معهُ بالتَّقيَّةِ المفروضةِ احترامًا لنسبةِ الخيرِ التي يحملُها، والتي كانت سببًا في بقائِهِ على هذه الصُّورةِ الإنسانيَّةِ الآدميَّةِ المشابهةِ لصورتِكَ، لا أن تساويهِ بأخيك، وهم كما أنَّهم لم يفهموا كلامَ مولانا الإمامِ فكذلكَ لم يفهموا كلامَ سيِّدنا المسيحِ (ع) في قوله: (لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً)، لأنَّ المسيحَ لم يكنْ يدعو للضَّعفِ والخنوعِ وإلاَّ فَمَا معنى رسالتِهِ!! إلاَّ أنَّه كانَ يعلِّمُهُم أدبَ التَّعاملِ مع الإخوانِ، لأنَّ الموعظةَ كانت موجَّهَةً لتلاميذهِ، وهم خاصَّةُ الخاصَّةِ عندَهُ، فوجَبَ بينهم التَّسامحُ والمحبَّةُ والإيثارُ، علمًا أنَّ الشَّرَّ لا يصدرُ عنهم، لكنَّ هذا الكلامَ على سبيلِ التَّعليمِ والتَّقيَّةِ.

أمَّا طلبُ المغفرةِ والدُّعاءُ والمُسامحةُ فلم تكن للكافرينَ والمنافقين بل للمؤمنينَ بدليلِ قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، وقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، وقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، وقوله على لسانِ سيِّدنا نوح (ع): (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً).

لذلكَ نجدُ نهجَنا العلويَّ ليسَ نهجًا دعويًّا يسعى لتكفيرِ الآخرِ وصهرِهِ في بوتقَتِهِ، بل هو نهجٌ عرفانيٌّ يبني الإنسانَ المؤمنَ بروحانيَّةٍ معرفيَّةٍ أخلاقيَّةٍ تسعى به للارتقاءِ إلى أعلى درجاتِ الإنسانيَّةِ دونَ ضعفٍ أو خنوعٍ أو نفاقٍ أو رياءٍ أو مجاملةٍ، ولهذا يقضي العلويُّ الحقيقيُّ حياتَهُ مجاهدًا في سبيلِ الحقِّ دونَ أن يفترَ لحظةً أو يتقهقرَ، ومَن لم يكنْ مجاهدًا فهو قاعدٌ ولا يتساوى بالمجاهدِ لقوله تعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً)، ولكن بشرطِ ألاَّ يتحوَّلَ قعودُهُ إلى نفاقٍ ومجاملةٍ لمَن يريدُ استباحةَ طهارةِ نهجِنا بافتراءاتِهِ وأكاذيبِهِ، وإلاَّ كانَ كَمَن تخلَّفَ عن جيشِ أسامةَ فوقع فيهِ قولُ الرَّسولِ الأكرمِ (ص): (لعنَ اللهُ كلَّ مَن تخلَّفَ عن جيشِ أسامة).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد