السؤال الخمسون عن النص على الأئمَّة

images

السُّؤالُ الخمسون: ما هي الأدلَّةُ على النَّصِّ على الأئمَّةِ؟ ولماذا كان الأئمَّةُ من نسلِ الإمامِ الحسينِ (ع) لا الحسن (ع)؟

 

الجوابُ الخمسون بإذنِ الله:

هناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ النَّهجِ العلويِّ والمذاهبِ السُّنيَّةِ والشِّيعيَّةِ من حيث اتِّباعُ الإمامِ، فالنَّهجُ العلويُّ يأتمُّ بإمامٍ مولَّى من قبلِ اللهِ ورسولِهِ، فَمَنْ لم يُولِّهِ اللهُ ورسولُهُ لا يقومُ مقامَ الإمامِ عندنا، ولهذا كان آخر الأئمَّةِ عندنا الحسنُ الآخرُ العسكريُّ (ع)، والقائمُ المنتظرُ الذي سيعودُ ليظهرَ من جديدٍ، ولا نعتقدُ بوجودِ إمامٍ من البشرِ القائمينَ على هذهِ الأرضِ، كما تفعلُ الشِّيعةُ والسُّنَّةُ بتوليتِهم أئمَّةً من البشرِ يقومونَ مقامَ الأنبياءِ والأئمَّةِ المعصومين (ع)، وكأنَّ سيِّدنا المسيح (ع) حاضرٌ يخاطبُهم: (قد أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ).

فمعرفةُ الإمامِ الحقِّ أمرٌ واجبٌ للمؤمنِ العارفِ، لأنَّ الجهلَ بهِ جاهليَّةٌ بحدِّ ذاتِها، والدَّليلُ على ذلك أنَّ الإمام جعفر الصادق (ع) سئلَ عن قول رسول الله (ص): (مَن ماتَ لا يعرفُ إمامَ زمانِهِ ماتَ ميتةً جاهليَّةً)؟ فقال (ع): نعم. قيلَ: جاهليَّةُ جهلاءٍ أو جاهليَّةُ مَن لا يعرفُ إمامَهُ؟ فقال (ع): (جاهليَّةُ كفرٍ ونفاقٍ وضلالٍ).

هذه الجاهليَّةُ بدأتْ تظهرُ جليَّةً منذ الإنكارِ الذي حصلَ لولايةِ أمير المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعد بيعةِ الغدير وبعدَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص) والمتمثِّلَةِ بمؤامرةِ سقيفةِ بني ساعدة، ثمَّ امتدَّتْ هذه الجاهليَّةُ بعداءِ معاوية بن أبي سفيان (لع) لأمير المؤمنين وللإمامِ الحسنِ المجتبى (ع)، وعداءِ يزيد بن معاوية (لع) للإمام الحسينِ وزين العابدين (ع).

لكن بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسينِ (ع) تفرَّعَت عن هذهِ الجاهليَّةِ جاهليَّةُ مَن أنكروا إمامةَ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع) واتَّجهوا لتأميمِ غيرِهِ، متجاهلينَ قول الإمام جعفر الصادق (ع): (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ)، ودرجَتْ سنَّةُ مخالفةِ الأمرِ الإلهيِّ للإمامةِ واستبدالُهُ بالرأي والإجماعِ والقياسِ والاجتهادِ!! رغمَ أنَّ النَّصَّ كانَ ثابتًا في ذلكَ، فهناكَ أمورٌ لا يمكنُ للمخلوقينَ أن يتدخَّلوا بها، لأنَّها أمرٌ إلهيٌّ وهو القائلُ: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).

فحتى لا تختلطَ الأمورُ على أمَّةِ محمَّدٍ (ص) ويكثرَ المُدَّعون جاءَ النَّصُّ الصَّريحُ بتسميةِ الأئمَّةِ إمامًا بعدَ إمامٍ، وهذا يحمي أتباعَ آل محمَّد (ع) من الخلطِ الذي كان قد ينالُ منهم لو ضاعوا بعدَ الحسنينِ، لأنَّهم حينها سينقسمونَ إلى أتباعِ الحسنِ (ع) وأتباعِ الحسينِ (ع)، بينما ما جرى من ترتيبٍ إلهيٍّ حافظَ على أولويَّةِ الاتِّباعِ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهه بدليلِ قولِ الإمامِ محمد الباقر (ع): (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ نصَّبَ عليًّا عَلَمًا بينهُ وبينَ خلقِهِ، فمَنْ عرفَهُ كان مؤمنًا ومن أنكرَهُ كانَ كافرًا ومن جهلَهُ كان ضالاًّ ومن نَصَّبَ معه شيئًا كان مشركًا).

ومن بعدِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ جرتِ الإمامةُ في الإمامِ الحسنِ (ع)، ثمَّ الإمامِ الحسينِ (ع)، ثمَّ التسعةِ من بعدِهِ بدءًا من الإمام زين العابدين (ع) حيثُ وردَ عن الإمام محمد الباقرِ (ع) أنَّه قال: (لما حضرَ الحسينَ ما حضرَهُ، دفعَ وصيَّتَهُ إلى ابنتِهِ فاطمةَ ظاهرةً في كتابٍ مُدرَجٍ، فلمَّا أن كان من أمرِ الحسينِ ما كانَ، دفعَتْ ذلكَ إلى عليِّ بن الحسينِ).

وكلُّ الأحاديثِ التي تحدَّثت عن الأئمَّةِ الإثني عشر (ع) أكَّدت أنَّهم من سلالةِ الإمامِ الحسين (ع) لا من سلالةِ الإمامِ الحسن (ع)، وليسَ الأمرُ تفاضلاً بينهما لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ)، والذي فسَّرَهُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: (قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ؛ الحسن والحسين، وقوله: وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ؛ إمامًا تأتمُّونَ به).

ومَن يتساءلُ في قرارةِ نفسِهِ عن الدَّليلِ على النَّصِّ على تسميةِ الأئمَّةِ إمامًا بعدَ إمامٍ نوردُ ما وردَ عن الإمامِ محمد الباقر (ع) أنَّهُ قال لسيِّدنا جابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر أخبرني عن اللَّوحِ الذي رأيتَهُ في يد أمِّي فاطمة (ع) بنتِ رسولِ اللهِ (ص) وما أخبرَتْكَ به أنَّه في ذلكَ اللَّوحِ مكتوبٌ؟ فقال جابر: أشهدُ باللهِ أنِّي دخلتُ على فاطمة (ع) في حياةِ رسولِ الله (ص) فهنَّأتُها بولادةِ الحسين (ع) ورأيتُ في يديها لوحًا أخضرَ، ظننتُ أنَّه من زمرُّدٍ ورأيتُ فيه كتابًا أبيضًا يشبهُ لونَ الشَّمسِ، فقلتُ لها: بأبي وأمي يا ابنةَ رسولِ اللهِ (ص) ما هذا اللَّوحُ؟ فقالت: هذا لوحٌ أهداهُ اللهُ إلى رسولِ اللهِ (ص) فيه اسمُهُ واسمُ عليٍّ واسمُ ابنيَّ واسمُ الأوصياءِ من وِلدي، وأعطانيهِ أبي ليبشِّرَني بذلك. قال جابر: فأعطَتْنِيهِ أمُّكَ فاطمةُ (ع) فقرأتُهُ واستنسختُهُ. فقال له الإمام الباقر (ع): فهل لك يا جابرُ أن تعرضَهُ عليَّ؟ قال: نعم. فمشى معه (ع) إلى منزلِ جابر فأخرجَ صحيفةً من ورقٍ، فقال (ع): يا جابرُ انظرْ في كتابِكَ لأقرأَ أنا عليكَ. فنظرَ جابرُ في نسختِهِ فقرأهُ الإمام الباقر (ع) فما خالفَ حرفٌ حرفًا، فقال جابر: فأشهدُ باللهِ أنِّي هكذا رأيتُهُ في اللَّوحِ مكتوبًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد