السؤال الحادي والخمسون عن الفرقِ بين القرآن والكتب السماوية

images

السُّؤالُ الحادي والخمسونَ: هل تختلفُ دعوةُ القرآنِ الكريمِ عن دعوةِ الكتبِ السَّماويَّةِ؟

الجوابُ الحادي والخمسونَ بإذنِ اللهِ:

من الفروقاتِ بيننا وبينَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو اختلافُ النَّظرةِ للكتبِ السَّماويَّةِ، فإنكارُها من قِبَلِهم بالكلِّيَّةِ يقابلُهُ أنَّنا نأخذُ منها ما يتناسبُ ونهجُ الحقِّ العلويِّ الإسلاميِّ، ولذلكَ تجدُ فلاسفَتَنا يستشهدونَ بكلامِ الحقِّ الواردِ في الإنجيلِ والتَّوراةِ والصُّحُفِ كما يستشهدونَ بالقرآنِ الكريمِ، إيمانًا منَّا بقوله تعالى: (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، فالإيمانُ لا يتجزَّأ لأنَّ المسلِّمَ لسيِّدنا محمَّدٍ (ص) مسلِّمٌ لسيِّدنا عيسى وموسى وداؤود وإبراهيم وآدم وجميع الأنبياءِ (ع)، ومسلِّمٌ لِمَا أُنزِلَ عليهم من الكتبِ السَّماويَّةِ كما هو مسلِّمٌ للقرآنِ الكريمِ الذي أُنزلِ على خاتمِ النَّبيِّين لقوله تعالى في أولِ سورة آل عمران: (الم، اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ).

فالقرآنُ الكريمُ جاءَ جامعًا لما سبقَهُ من الكتبِ السَّماويَّةِ بدليلِ قولِ رَسُولِ اللهِ (ص): (السُّوَرُ الطِّوَالُ مَكَانَ التَّورَاةِ، وَالمِئَاتُ مَكَانَ الإِنجِيلِ، والفرقانُ مَكَانَ الزَّبُورِ)؛ فالسَّبعُ الطِّوَالُ هِيَ (البَقَرَةُ وآلُ عِمرَانَ والنِّسَاءُ والمَائِدَةُ والأَنعَامُ والأَعرَاف ويُونُس)، وَالمِئَاتُ هِيَ السُّورُ الَّتِي يُقَارِبُ عَدَدُ آيَاتِهَا المِئَةَ، والفرقانُ هو محكمُ القرآنِ، حيث يَقُولُ الإِمَامُ عَلِي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لَو ثُنِيَت لِيَ وِسَادَةٌ لَحَكَمتُ أَهلَ التَّورَاةِ بِتَورَاتِهِم وَأَهلَ الإِنجِيلِ بِإِنجِيلِهِم وَأَهلَ الفُرقَانِ بِفُرقَانِهِم).

وهذا يعني أنَّ القرآنَ الكريمَ هو الجامعُ لكلِّ الكتبِ السَّماويَّةِ لقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، فمفهومُ الكتابِ في نهجنا العلويِّ هو القرآنُ الكريمُ، وهو نفسُهُ في الجوهرِ التَّوراةُ والإنجيلُ والصُّحفُ والزَّبورُ، وهو كلُّ كتابٍ مُنَزَّلٍ، ولا ريبَ فيهِ إذ لا شكَّ فيه بلْ هو حقٌّ من حقٍّ، وهو الهدى للمتَّقينَ من قومِ سيِّدنا موسى (ع) الذينَ سُمُّوا يهودًا لقوله تعالى: (إنَّا هُدْنَا إليكَ) أي اهْتَدَيْنَا إليكَ واتَّبعنا وصيَّكَ يوشع بن نون، وللمتَّقينَ من قومِ سيِّدنا المسيح (ع) الذينَ سُمُّوا نصارى لِنُصْرتِهم لدينِ الله حينَ سألَهم (ع): مَنْ أنصاري إلى اللهِ؟ فأجابوهُ واتَّبعوا وصيَّه شمعون الصَّفا، كما وردَ في جوابِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) لسيِّدنا المفضَّل بن عمر، وكذلكَ للمتَّقينَ من أمَّةِ سيِّدِنا محمَّد (ص) الذينَ أُمِروا بالتَّسليمِ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)؛ أَي: مُسَلِّمُونَ لِخاتمِ النَّبيِّينَ مُحَمَّدٍ (ص) بِالرِّسَالَةِ وَلِوصيِّهِ أميرِ المؤمنين عَلِيٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بِالإِمَامَةِ.

هؤلاءِ المتَّقونَ هم الذين (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، فمِنْ شأنِ المؤمنِ العلويِّ أنْ يُنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، ومِنَ الإنفاقِ أنه إذا علِمَ علمًا عمِلَ به وعلَّمَ أخاهُ وأوصلهُ إليهِ، فيُحييهِ كما أحياهُ اللهُ بمعرفتِه حيثُ وردَ في الإنجيلِ قولُ اللَّهِ سبحانَهُ: (يا عبدي أنا الحيُّ الذي لا أموتُ، اعرفْنِي حقَّ معرِفتي أجعَلُكَ حيًّا لا تموتُ)، وحياةُ المؤمنِ لا تكونُ إلا بمعرفتِهِ، وهي إخراجُهُ من ظلماتِ الجهلِ والغوايةِ إلى نورِ الإقرارِ والإيمانِ لقوله عزَّ وجلَّ: (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد