Press "Enter" to skip to content

السؤال الثاني والستون حول ظهور النبي

images

السُّؤال الثَّاني والسِّتُّون: كيفَ يحتفلُ العلويَّةُ النُّصيريَّةُ بعيدِ المولدِ النَّبويِّ إن لم يؤمنوا ببشريَّةِ النَّبيِّ؟

 

الجوابُ الثَّاني والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

إنَّ أحدَ الاختلافاتِ العقائديَّةِ بينَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ من جهةٍ وبينَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ من جهةٍ أخرى هي مسألةُ بشريَّةِ النَّبيِّ محمَّدٍ (ص) وجميعِ الأنبياءِ والمرسلين (ع)، فهم ينظرونَ إلى النَّبيِّ محمَّد (ص) بأنَّه وُلِدَ من أبٍ وأمٍّ واستقرَّ في الرَّحمِ وكانَ يأكلُ الطَّعامَ ويمشي في الأسواقِ، ويفرحُ ويحزنُ ويتألَّمُ ويسهو وينسى…. إلخ، ولذلك فقد استطاعَ أن يعيشَ آلامَ البشرِ ومشاكِلَهم!! فهل اختلفتْ مقولَتُهم عن مقولةِ الذينَ ذكرهم القرآنُ الكريمُ بقولِهِ: (وقالُوا مالِ هذا الرّسولِ يأكُلُ الطَّعام ويَمشي في الأسواقِ لوْلاَ أُنزِلَ إليهِ ملَكٌ فيكونَ معَهُ نذيراً)؟

نحنُ نتصدَّى لكلِّ حملاتِ التَّشويهِ والطَّعنِ التي طالَتِ النَّبيَّ (ص) باتِّهامِهِم له بالبشريَّةِ وتفريطِهم بمقامِهِ العظيمِ إيمانًا بقولِهِ تعالى: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ)، فمقامُ النَّبيِّ هو من أرفعِ المقاماتِ لأنَّهُ أوَّلُ الموجوداتِ بدليلِ قوله (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، كما وردَ بنفسِ المعنى عن سيِّدنا المسيح (ع) قوله: (والآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ).

ولأنَّنا لا نفرِّقُ بينَ نبيٍّ ونبيٍّ فكلُّهم في نفسِ المقامِ لقوله تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، فإنَّنا وإن اختلفَتِ المظاهرُ ندركُ أنَّ ما يقعُ على سيِّدنا آدم (ع) ينطبقُ على سيِّدنا المسيح (ع) لقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فالخلقُ من ترابٍ هو رمزٌ لمماثلةِ البشرِ ليَفهموا عنه أمرَهُ ونهيَهُ ويبلِّغَ رسالةَ ربِّه، وأمَّا الأمرُ بقولِهِ: (كُنْ) فدليلٌ على أنَّ إيجادَهُ ليسَ كإيجادِ البشرِ، بدليل قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي)، فالآيةُ والحديثُ يدلاَّنِ على أنَّ فعلَ المماثلةِ البشريَّةِ وقعَ على الأرضِ لا في السَّماءِ، وقد كانَ سيِّدنا آدمُ (ع) في السَّماءِ حين أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ له طاعةً وهم يرونَهُ نورًا، فأنكرَ إبليس (لع) نورانيَّتَهُ بقوله: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً)، وهذا دليلٌ على اختلافِ النَّظرةِ للأنبياءِ بين أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجحودِ والتَّلبيسِ، ولذلك ربطَ اللهُ طاعةَ الملائكةِ لهُ بالسُّجودِ لآدمَ كما ربطَ طاعتَهُ بطاعةِ رسولِهِ في قوله: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

وكما ينطبقُ على آدمَ وعيسىَ (ع) هذا التَّكوينُ المشيئيُّ، ينطبقُ أيضًا على سيِّدنا محمَّد (ص) القائل: (إنَّي لستُ كأحدِكم، إنِّي أظلُّ عندَ ربِّي)، ولكنَّهم احتجُّوا بقوله تعالى على لسانِ نبيِّهِ: (قُلْ إنَّما أنَا بشَرٌ مِثْلُكُم يوحَى إلَيَّ أنَّما إلهُكُمْ إلهٌ واحد)، فلولا ماثلَهم لمَا فَهموا عنهُ رسالَتَهُ، إلاَّ أنَّه يوحى إليه والبشرُ لا يُوحى لهم، فكيفَ يفهمُ البشرُ لغةَ الوحي النُّورانيِّ، ولو كانَ هذا جائزًا لَمَا توقَّفتِ النُّبوَّةِ عند خاتمِ النَّبيِّين، ولَجَازَ أن نصدِّقَ مدَّعي النُّبوَّةِ اليوم، وهم يدَّعون أنَّهُ يوحى لهم!!

وقد تساءَل المشركونَ آنذاكَ: لماذا لَمْ ينزلْ معهُ مَلَكٌ؟ أو لماذا لم يكن الرَّسولُ مَلَكًا؟ فكانَ الجوابُ الإلهيُّ بقوله: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فكيفَ يقعُ الاختبارُ والاصطفاءُ للمؤمنينَ لو كانت الأمورُ واضحةَ المعالمِ؟ أو لو كانَ الرَّسولُ بشرًا ومعهُ ملكٌ ظاهرٌ بنورانيَّتِهِ؟ أو لو كانَ النَّبيُّ ملكًا فكيفَ سيفهمونَ عنه؟ إلاَّ أنَّ في الآيةِ إشارةً إلى أنَّه حتَّى لو كانَ مَلَكًا لكانَ سيظهرُ رجلاً تلبيسًا على الجاحدين.

فالنَّبيُّ الموجودُ في أوَّلِ التَّكوينِ في قوله (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، ليسَ بشرًا، بل هو الكلمةُ التي ذكرها سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ)، وهو لم يلدْ ولادةَ المخاضِ البشريِّ، بل ظهرَ مولودًا لتبليغِ الرِّسالةِ في التَّاسعِ من ربيع الأوَّل.

وإن احتجَّ محتجٌّ فقال: إنَّ مريمَ العذراءَ ولدَتِ المسيحَ بالمخاضِ في قوله تعالى: (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)، قلنا له: هل مخاضُ مريمَ كمخاضِ البشرِ وقد كانَ الحملُ والولادةُ في ساعةٍ واحدةٍ؟ فسبحانَ القائلِ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

Be First to Comment

اترك رد