Press "Enter" to skip to content

السؤال الثالث والستون حول مفهوم البرزخ

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والسِّتُّون: ما هو عالمُ البرزخِ؟ هل هو كما تقولُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ عالمُ ما بعدَ الحياةِ الدُّنيا وقبلَ يومِ القيامةِ في داخلِ القبرِ؟ أم أنَّ البرزخ له معنى آخر في نهج السيد محمد بن نصير (ع)؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

في مواجهةِ قياسِ رجالاتِ السُّنَّةِ واجتهادِ رجالاتِ الشِّيعةِ كان النَّهجُ العلويُّ النُّصيريُّ الذي قادَهُ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) يؤكِّدُ على التزامِ النَّصِّ الواردِ عن المعصومينَ عبارةً وإشارةً، ومن المفاهيم التي اختلطتْ على السُّنَّةِ والشيعةِ فصحَّحها نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ مفهومُ البرزخِ.

فقد التبس على الشِّيعةِ مفهومُ البرزخِ حينَ اعتقدوا أنَّه يمثِّلُ مرحلةَ القبرِ عندَ حسابِ ومساءَلَةِ ومعاينةِ الملائكةِ مستندين إلى قول الإمام جعفر الصادق (ع): “إنَّما يُسألُ في قبرِهِ من محضِ الإيمانِ والكفرِ محضًا، وأمَّا سوى ذلك فيُلهَى عنه”، مع أنَّه لم يذكر كلمةَ البرزخ في كل الحديث، لكنَّهم ظنُّوا أنَّ حياةَ القبرِ هي البرزخ اعتمادًا على رواياتِ الكليني والمجلسي كرواية التقاء سلمان وعبدالله بن سلام إذ قالَ أحدهما لصاحبِهِ: إنْ مُتَّ قبلي فالقَنِي فأخبرنِي ما صنعَ بكَ ربُّكَ، وإن أنا متُّ قبلكَ لقيتُكَ فأخبرتُكَ، فقال عبدالله بن سلام: كيف هذا؟ أو يكون هذا؟! قال: نعم، إنَّ أرواحَ المؤمنينَ في برزخٍ من الأرضِ تذهبُ حيث شاءَتْ، ونفسُ الكافرِ في سجِّين).

وكذلكَ الأمرُ عندَ السُّنَّةِ لأنَّهم لم يفهموا ما هو المقصودُ من قولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ وتولَّى عنه أصحابُهُ، وإنَّهُ لَيَسمَعُ قرعَ نِعَالهم أتاهُ ملكانِ فيُقعِدانِهِ فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ؛ أي محمَّد؟ فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنَّهُ عبدُ اللهِ ورسولُهُ. فيقالُ: انظر إلى مقعدكَ من النَّار، قد أبدلَكَ الله به مقعدًا من الجنَّةِ، فيراهُما جميعًا ويُفسَحُ في قبرِهِ. وأمَّا المنافقُ الكافرُ فيقال له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فيقولُ: لا أدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ. فيقالُ: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ويُضرَبُ بمطارقَ من حديدٍ ضربةً فيصيحُ صيحةً يسمَعُها مَن يليه غيرَ الثَّقلين)، واعتبر أغلبُ مشائخِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ العذابَ والنَّعيمَ في القبرِ يقعُ على جسدِ الميتِ، فيتأثَّرُ الجسدُ بالعذابِ فتتألَّمُ الرُّوحُ منه، كما لو كانَ حيًّا، ولكنَّ هذا غير صحيحٍ لأنَّ العذابَ واقعٌ بالنَّفسِ لا بالجسدِ بدليلِ قولِ الإمام الصَّادقِ (ع): (بُني الجسدُ على أربعةِ أشياءٍ: الرُّوحُ والعقلُ والدَّمُ والنَّفسُ، فإذا خرجَ الرُّوحُ تَبِعَهُ العقلُ، فإذا رأى الرُّوحُ شيئًا حفظَهُ عليه العقلُ، وبقيَ الدَّمُ والنَّفسُ)، فالرُّوحُ والعقلُ في البرزخِ المذكورِ في سورة المؤمنون في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، والدَّمُ والنفسُ في القبر، ويُقصَدُ بالنَّفسِ النَّفسُ الحيوانيَّةُ الشَّهوانيَّةُ.

إنَّ المفهومَ الأوَّلَ للبَرزَخِ في مفهومنا العلويِّ النُّصيريِّ هُوَ الفَاصِلُ ما بَينَ عالَمِ الطَّبعِ وَعالَمِ المُثُلِ، وسمِّيَ بَرزَخًا لِكَونِهِ بَينَ الدُّنيا وَالآخِرةِ, فَالدُّنيا دارُ ابتِلاءٍ وَامتِحانٍ, وَالآخِرَةُ دارُ راحةٍ وَقَرارٍ, لِقَولِهِ تَعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وَالمَأثورُ عَنِ الأنبِياءِ (ع): (إنَّ عالَمَ البَرزَخِ عالَمٌ تَتَخَلَّصُ فيهِ النُّفوسُ مِن شَوائِبِها الغَريبة).

ونحن كعلويِّين نُصَيريِّين نفهمُ أنَّ معنى البرزخِ أعمقُ أيضًا من ذلكَ، فقد وردت كلمة البرزخ في سورة الفرقانِ في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً)، وقد شرح أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه هذا بقوله: (سمُّوهم بأحسنِ أمثالِ القرآنِ- يعني عترةَ النَّبي- “هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ” فاشربوا “وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ” فاجتنبوا)، وَالبَرزَخُ بينهما هُوَ الصِّراطُ المُستَقيمُ في قَولِهِ تَعالى: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)، وَالصِّراطُ طَريقُ الدِّينِ المَسلوكُ إلى المَعرِفَةِ وَالجَنَّةِ, وَهذا الصِّراطُ هُوَ استِقامَةُ التَّوحيدِ والحَقِّ ضِدَّ انحِرافِ وَاعوِجاجِ الشِّركِ والباطِلِ، لذلك كانَ حجرًا محجورًا أن يسلكَهُ إلا المؤمنون، وسترًا ممنوعًا على الكافرين، لأنَّ المُؤمِنَ يَبقى على الفِطرةِ الأصلِيَّةِ الَّتي هِيَ الإيمانُ وَالمَعرِفَةُ بِاللهِ الثَّابِتانِ مِن دُونِ تَغَيُّرِ الطَّعمِ, وَهُوَ البَحرُ العَذبُ ماؤهُ الفُراتُ سائِغٌ شَرابُهُ يَروي قلُوبَ المُؤمِنينَ التي إذا وَرَدَت عليها الرَّموزُ وَالمَعاني الحَقيقيَّةُ تَقبَلُها وَتَزدادُ إشراقًا وَسُرورًا لقولِ أمير المؤمنين كرَّم الله وجهَهُ لكُمَيلِ بن زياد: (إنَّ هذهِ القُلوبَ أوعِيَةٌ فَخَيرُها أوعاها)، وقد قالَ تَعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ), فَبِقَدرِ صَفاءِ القُلوبِ لِلمُؤمِنينَ تُقبَلُ الاستِنارَةُ وَالمَعارِفُ الإلهِيَّةُ وَالعُلومُ الرَّبَّانِيَّةُ فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُزيلُ عَن قَلبِ المُؤمِنِ الرَّانَ وَيَهديهِ إلى الطَّريقِ القَويمِ وَالصِّراطِ المُستَقيمِ بِالبُرهانِ القاطِعِ وَالدَّليلِ السَّاطِعِ، أمَّا الكافِرُ وَالمُشرِكُ الذي شَبِعَ مِنَ البَحرِ المالِحِ الأجاجِ الذي لا تَقبَلُهُ إلاَّ القَلوبُ المُنكَرةُ لِلحَقيقةِ، وَإن اطَّلَعَتْ على سِرِّ الإيمانِ تُؤَوِّلُهُ وَتُحَرِّفُهُ إلى غَيرِ مَوقِعِهِ, لأنَّ هَذِهِ القُلوبَ مَريضَةٌ مَحجوبَةٌ بِالشَّكِّ وَالشِّركِ وَالرِّيبِ لا يَستَقِرُّ بِها تَلويحٌ وَلا تَصريحٌ, خالِيَةٌ مِن تَوحيدِ اللهِ، فهي لا تَنتَفِعُ بِالمَواعِظِ، إذ غَلَبَت عَليها الشَّقاوَةُ وَالغَباوَةُ.

فالباري سبحانَهُ مرجَ البحرينِ وأظهرَ المَثَلَ دليلاً على الممثولِ في قوله تعالى في سورة الرَّحمن: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ)، وقد وردَ في شرحِ الآيةِ قول أمير المؤمنين الإمام علي كرَّم الله وجهه: (يا سلمان ويا جندب، أنا محمَّد ومحمَّد أنا، وأنا من محمَّدٍ ومحمَّدٌ منِّي ، قال الله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ)، كما وردَ في معنى الآيةِ قولُ الإمام جعفر الصادق (ع): (عليٌّ وفاطمةُ بحرانِ عميقانِ لا يبغي أحدُهما على صاحبِهِ، والبرزخُ رسول الله، وقوله: ” يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ” الحسن والحسين).

فالتقاءُ البحرينِ توحيديًّا يكونُ من حيثُ شهادةُ المؤمنِ على أنَّ الابنَ عينُ الآبِ إثباتًا، لكنَّ الآبَ غيرُ الابنِ تحقيقًا، بدليلِ قولِ سيدنا المسيح (ع): (أنا والآبُ واحدٌ، ولكنْ هوَ أعظمُ مِنَ الكلِّ)، وهذا التَّوحيدُ يمثِّلُ عدمَ البغي لأنَّ ميزانَ الحقِّ يتَّصفُ بالعدلِ لا بالبغي، لكنَّ الكافِرَ نسبَ البغيَ للميزانِ لأنَّهُ أنكرَ الآبَ بعد أن رأى الابنَ، وَكذلكَ المُشرِكُ فعلَ لأنَّهُ زعمَ أنَّ الابنَ ماهِيَّةٌ للآبِ، فَمَثَلُهما كَمَثَلِ النَّباتِ اليابِسِ مَهما أجرَيتَ عَلَيهِ مِنَ الماءِ العَذبِ لا يَنتَفِعُ بِهِ, وهُوَ كَالهَباءِ المَنثورِ الَّذي تَذروهُ الرِّياحُ, لأنَّهما لَم يَسمَعا قولَ سيِّدنا المسيح (ع): (لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Be First to Comment

اترك رد