السؤال الثاني والسبعون حول آدم الذي سجدت له الملائكة

images

السُّؤال الثَّاني والسَّبعون: هل كانَ آدمُ الذي سَجَدَتْ له الملائكةُ هو أبو البشر؟

 

الجواب الثَّاني والسَّبعون بإذن الله:

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم (ع) تلكَ المعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمَّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الملائكةُ بالسُّجودِ، فَلِمَنْ يَرمزُ اللهُ بآدمَ؟ أهو بَشَرٌ أم نَبِيٌّ؟ أم هو رمزٌ آخرُ أَجَلُّ وأعلى؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الملائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم (ع) والملائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ آدمَ صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم ُيذكر هنا الاسمَ الصريحَ لسيِّدنا آدم (ع)، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الملائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، المؤمنُ والكافرُ، المُوحِّدُ والمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يوجدَ الشَّرُّ من الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ المشركُ من المُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الموحِّدُ من المشركِ، والمُحِقُّ من المُبطِلِ، وأساسُ هذه المعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم (ع)، وسيِّدُنا آدم (ع) مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهاية، فسيِّدُنا آدم (ع) لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أم في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

 

أخي السَّائل:

سيِّدُنا آدم (ع) لا يدخلُ في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ المخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجوهرِ المخلوقِ، سواءَ كانَ بشرًا أو ملاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ المخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أم العكسُ؟ وهل هيكلُ الملاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أم العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ.

ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لماذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟ لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فسجدتم إلا إبليس) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ المُخَاطَبَ من بدايةِ الآيةِ كانَ كافَّةَ الخَلقِ، من مؤمنٍ وكافرٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالملائكةِ، وهم من عِدَادِ المُخاطَبين، وليسوا جميعَ المُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسجدوا) ولم يكن: (اعبدوا)، وكان الجوابُ: (فسجدوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ تكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ المصنوعِ من الطِّينِ؟ هل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ هل يسجدُ الملائكةُ للبشرِ؟ لا.

إذن: سيِّدُنا آدم (ع) أجلُّ من البشرِ ومن الملائكةِ، وتَجِبُ له الطَّاعةُ والتَّكريمُ، لا العبادةُ، فلو جازَتْ له العبادةُ لَكُنَّا قد أشرَكنا آدمَ باللهِ، معاذَ اللهِ، لكنَّ العبادةَ للهِ الذي أظهرَ سيِّدنا آدم (ع) من دونِ سابقِ مَثيلٍ له، أظهرهُ من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لِيَدُلَّ على أنَّه القادرُ أن يقولَ للشَّيءِ: (كُنْ فَيَكُون). فسيِّدُنا آدم (ع) هنا إذن ليس مخلوقًا، لكنَّهُ المَثَلُ الذي قَصَدَهُ تعالى في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ سيِّدنا آدم (ع) من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ للجسدِ الظَّاهرِ، ظَنًّا منه أنَّ هذه الأسماءَ والصِّفاتِ الظَّاهرةَ ماهيَّةٌ للحقيقةِ الباطنةِ، وبقيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ المَثَلِ والمَمثولِ، والصِّفةِ والموصوفِ، والاسمِ والمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من المشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد