الشر وعلاقته بالسحر والشعوذة

mini-logo

الشر وعلاقته بالسحر والشعوذة

الكاتب: بسام جابر أحمد
==============

بالرَّغم مِن أنَّها مسألةٌ ليسَتْ بحاجةٍ إلى إقامةِ الدَّليلِ على صِحَّتِها وَضرورَتها، إلا أنَّنا نُضطرُّ إلى التَّحدُّثِ عنها في هذا الزَّمنِ الذي خُلِطَتْ فيه معاني التَّبرُّكِ بكراماتِ المتَّقينَ مع السِّحرِ والشَّعوذةِ لأتباعِ الشَّياطينِ.

لابد قبل البدء بهذا الموضوع من التعريج على ازدياد السِّحرِ والشَّعوذةِ من خلال السيطرة على عقول البسطاء والعامة من الناس، بعدَ أن كانت مقتصرةً على ساحرٍ في منطقة، ودجالٍ في أخرى، وأصبحَ الناسُ مهووسونَ بالحاج فلان على محطة أولى، والشيخ فلان في منطقة ثانية، وذاك الذي شفي من مرضٍ مستعصٍ بالعلاج الفلاني في منطقة ثالثة، فيقولون: هذا يعالجُ بالعسل والقرآن، وهذا صدقت نبوءته، وذاكَ يعرفُ الغيبَ ويكشف المستور، فسبحانَ اللهِ! كأنَّ هؤلاءِ يريدونَ أن يثبتوا الحجةَ على السَّادة المؤمنين المكرَّمين من قبل الله سبحانه تعالى.

وأستغربُ كلَّ الغرابةِ من هذا الذي ادعى المكاشفة أمام البسطاء، وبدأ يغمضُ عينيه ليبحرَ في عالم الغيب ويقولَ لهذا الإنسان البسيط الغافل: (ابنتكَ متعبةٌ منذ سنوات، ومنذ أن كانت في بطنِ أمها، وهذا بسبب كتابة على عظم حيوان موجودٍ في بئر على سبيل المثال، فاجمع كذا وكذا واقرأ كذا وكذا فتشفى).

هذه هي لعبة الدعاية القذرة عند المحتالين، والتي تهدف إلى تسطيحِ الفكرِ، وتهميش درجةِ الوعي إلى حد كبير، ونذكِّرُ هؤلاء بقوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ).

من هذا المنطلق وجبَ علينا أن نعيَ مزاعمَ وأكاذيبَ وحيلَ أهلِ السحر والشعوذة.

إنَّ أثرَ السحرِ والشَّعوذةِ بَيِّنٌ في البلادِ التي يَكْثُرُ فيها ضُعَفَاءُ العقولِ المُنْهَمِكُونَ في المَعَاصِي، لأنَّ النفوس الكافرة تتحرك بجهلها، كما تتحرَّكُ النفوسُ المؤمنة بعقلها، ومحالٌ في منطق العقل أن يكون الله قد أبدعَ شرًّا محضًا، لكنَّ عدمَ قبولِ الخيرِ الإلهيِّ أدَّى لوجودِ الشَّرِّ.

والشَّرُّ وجودٌ طارئٌ وليدُ الخطيئةِ، والخطيئةُ وليدةُ الجهلِ، وقد وردَ عن الإمام الصادقِ (ع) قوله: (إنَّ إبليسَ هو الجهل، ومنه خُلِقَ الشكُّ والحيرةُ والمعصيةُ والظلمةُ، لأنَّهُ ظلمَ نفسَه، فهو بحالِه ليس فيه شيءٌ من النورِ والعلمِ، بل مظلمٌ لا يخرج عن الظلمةِ والإنكارِ والجحودِ والكفرِ، ولا يرجعُ ولا يطيعُ إلى أبد الآبدينَ ودهرِ الدّاهرينَ)، وفي موضعٍ آخرَ: (خلقَ الشكَّ من التوقُّفِ، وخلقَ النارَ من الشكِّ، وخلقَ إبليسَ وذُرِّيتَه من النارِ في الأظلّةِ والأشباحِ، وخلقَ أبدانَهم من الطينِ)، فبيّنَ الصادقُ (ع) أنَّ إبليسَ خُلِقَ من النارِ فهي عِلَّتُه، وعلَّةُ النارِ الشكُّ، وعلّةُ الشكِّ الجهلُ، بدليل قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، فاللهُ أمرَ الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وقال: أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار تأكل الطين، فحينَ ذلكَ أخرجَهُ من رحمته، وهي نار الشكِّ والجهل والمعصية، وعلى هذا نقولُ: إنَّ إبليسَ أصلُ كلِّ شرٍّ وظُلمةٍ، وينبوعُ كلِّ شكٍّ وحيرةٍ وكفرٍ، وقد سمِّيَ إبليس لأنه أبلسَ بكفره وشرِّه وعدم فعل الخير.

والكافر يُنقَلُ إلى دركات جهنم، وذلك بعد أن يُنكِرَ جميعَ حقوق الله تعالى ويجحدها ويكفر بها، ويقيم جميع وجوه الباطل ويُقِرُّها ويَعمَلُ بها، فَيُرَكَّبُ في سائر أصناف السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ)، فإذا حلَّ في كلِّ سلسلةٍ يكرُّ فيه سبعين مرة، ولا يعود أبدًا إلى أحسن تقويمِ لقول الإمام الصادق (ع): (الكافر إذا رُكِّبَ في المسوخية لا يركَّبُ في صورة الإنسانية أبدًا).

وقد وردت الآيات الكثيرة التي تؤكد تكرار عذاب الكافرين منها قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ)، فالجلود التي يبدلها هي أنواع العذاب.

وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)، وقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ)، وهو التنقل في طبقات جهنم.

ومثله قوله تعالى: (قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً، أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يريد الذهب والفضة والحديد والحجر الصلد والخشب اليابس والجوهر الذي يخرط.

إن الإنسان واقعٌ ما بين عالم الشياطين والجن وعالم الملائكة. فالشياطين ذكرت في كتاب الله في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، والنزغ هو الإزعاجُ وأوَّلُ الوسوسةِ، أي نَالَكَ من الشيطانِ وسوسةٌ في القلب، كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، ومعنى تخبَّطه الشيطان أي مَسَّهُ بأذى.

وفي قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) ارتباط بقول رسول الله (ص): (لولا أنَّ الشياطين يحومونَ على قلوب بني آدم لأرادوا النَّظرَ إلى ملكوت السموات).

عدا عن أنه جاء في الإصحاح السابع عشر من إنجيل متى: جاءَ رجلٌ قد صُرِعَ ابنُهُ إلى تلاميذِ المسيحِ فلم يقدِروا أن يُشفوهُ، فأتَوا به للمسيحِ فأخرجَ منهُ الشيطانَ، فأقبلَ التلاميذُ إلى يسوع وقالوا: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال: لعدمِ إيمانكم، فالحقَّ أقول لكم: لو كان لكم إيمانٌ مثلَ حبَّةِ خردلٍ لَكنتم تقولون لهذا الجبلِ انتقلْ من هنا إلى هناك فينتقلُ.

وقد يسمى الشيطان قريناً كما في قوله تعالى: (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا)، وقوله تعالى: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) حيث جاء في تفسير الصافي: قرينُهُ هو الشيطانُ الموكَلُ عليه.

أما الجن فقد اختلف العلماء في أصلهم، فمنهم منا قال: الجنُّ ولدُ الجان وليسوا شياطين ويدخلون الجنة. ومنهم من قال- وهو الأصح-: مِنَ الجن المؤمنُ والكافر كما الإنس.

كما وردَ في اللغةِ: جَنَّ الشيءَ أي سَتَرَهُ، وفي الاصطلاحِ أنَّ الجن هم النفوس المفارقة للأبدان بحسب الخير والشر لذلكَ هما صنفان، وقالت بوجودهم الكتب السماوية والأنبياء، وسُمُّوا بالجنِّ من الاختفاء والمُساترة عن الأبصار، لذلك سمِّيَ الطفلُ في رحم أمه جنينًا؛ أي مُتَوَارٍ في بطنِ أمِّهِ.

وقد أوضحت فلاسفةُ العلويَّة أنَّ الصِّنفَ الأولَ منهم هم الجن المحمودون الذين أرسلَ اللهُ تعالى إليهم رسوله بالهدى ودين الحق، لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي (ليعرفونِ)، وهم الذين جنوا العلم واقتبسوا النور، وأما الصنف الثاني منهم فهم الجن المذمومونَ، وهم كل شيطانٍ رجيمٍ سواءَ كانَ إنسيًا أو جنيًا لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ)، فمثلما ترى شياطينَ الإنس منهمكين في معاصي الشركِ والتَّعطيلِ، ترى شياطينَ الجنِّ في أماكن الخراب والفلوات والنجاسات والحمامات والمزابل والقمامات والمقابر وشيوخٍ تقترنُ بهم الشياطينُ كالذينَ ذكرناهم في بدايةِ الحديثِ وأمثالهم من الذين ذكرهم تعالى بقوله: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).

وعلى هذا فالسِّحْرُ من الصِّنفِ الثاني صناعةٌ وتسخيرٌ وَسُرْعَةٌ وَخِفَّةٌ، لأنَّهُ تَخييلٌ وتَضْليلٌ وليسَ لَهُ وَاقِعٌ وَحَقيقةٌ، وهو فِعْلٌ يُؤَثِّرُ في عَالَمِ الطَّبْعِ تأثيرًا خارجيًا بِسَبَبِ القوَى الطّبيعيَّةِ، وهو مُسْتَمَدٌّ من الجنِّ المذمومِ والأرواحِ الخبيثةِ. ومن أساليبه المرفوضةِ قرآنيًا الاستحضارُ والتَّنْجِيمُ والكَهَانَةُ والحيلَةُ، وَكُلُّهُمْ خِداعٌ وَتَمْويهٌ لا حقيقةَ لَهَا، فالاستِحْضَارُ هو تَلْبيسُ الرُّوحِ بِبَدَنِ صَبِيٍّ أو امرأةٍ وَكَشْفِ الغَائِبِ على لِسَانِهِ، كما يحصلُ هذه الأيام بحجة كشف سرقة معينة أو البحث عن غرض ضائع أو ما شابه ذلك، أما الكَهَانَةُ فهي علمُ الشيطان، وهي عَمَلٌ يوجِبُ طاعَةَ القرينِ لَهُ لِيَأتوهُ بالأخبارِ، وتَحْدُثُ في وجوهٍ عِدَّةٍ لا داعي لذكرها بالتفصيل.

واللهُ بَعَثَ إبراهيمَ وَمُوسَى وبقية الأنبياءِ والرسلِ مُبْطِلاً لِمقَالَتِهمِ بدليل قول الإمام الصادق (ع): (كَثُرَت السَّحَرَةُ بَعْدَ نوحٍ فَبَعَثَ الله مَلَكَين لإبطالِ سِحْرِهِم ورَدِّ كَيْدِهِمْ فَتَلَقَّى النَّبيُّ إدريسُ هذا العلم منهما وأدَّاهُ إلى عبادِ الله لِيُبْطِلوا السِّحرَ ونَهَاهُم أن يَسْحَروا بِهِ النَّاسَ).

اترك رد