براءة سلمان الفارسي

mini-logo

براءة سلمان الفارسي

بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

منذُ أيَّام وقعَ بين يديَّ مقالٌ يؤذي المشاعرَ لِمَا فيهِ من التَّزويرِ والقوميَّةِ العرجاء التي يفكِّرُ بها البعض، وهو بعنوان: “خيانة سلمان الفارسي”!!

وفحوى المقال أنَّ “حشدًا من المتظاهرينَ الإيرانيِّينَ المحتجِّينَ على تدهورِ الأوضاعِ الاقتصاديَّةِ في إيران، أضرمَ النَّارَ في تمثالِ الفارسيِّ. وانتقدَ بعضُ النَّاشطينَ بشدَّةٍ دورَ الفارسيَّ في تاريخِ إيرانَ، معتبرينَ أنَّه خانَ الفرسَ باتِّباعِهِ الإسلامَ قبل 14 قرنا”!!

هناكَ من يستثمرُ النَّزعاتِ القوميَّةَ والعرقيَّةَ لتشويهِ التَّاريخِ وإحداثِ الفوضى، وهذا أمرٌ لا يمكنُ السُّكوتُ عنه، لأنَّ السُّكوتَ عنه يعني مساهمةً وقبولاً فيه، فلماذا لم تتَّخذِ السُّلطاتُ الدِّينيَّةُ والسِّياسيَّةُ موقفًا في مواجهةِ هذا الحدثِ، الذي لا يخصُّ الشِّيعةَ أو غيرهم، بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ عمومًا لأنَّ سيِّدنا سلمان الفارسي (ع) يُعتَبرُ عمودًا راسخًا من أعمدة الإسلامِ والإنسانيَّةِ جمعاء، رغمًا عن أنوفِ كلِّ الحاسدينَ له، وهو لا يخصُّ الفرسَ وحدَهم بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ والإنسانيَّةَ جمعاء.

حيث وردَ في الرِّواياتِ الصَّادقةِ أنَّ سيِّدنا سلمانَ دخلَ يومًا مجلسَ رسولِ اللهِ (ص)، فإذا هو غاصٌّ بوجوهِ الجُلَساء من قريشَ، فَتَخطَّاهم جميعًا وقعدَ في صدرِ المجلسِ، وتحرَّكتْ الغطرسةُ القريشيَّةُ في النُّفوس، فإذا بعضُهم يقول له: مَن أنتَ حتَّى تتخطَّانا؟ ويقولُ آخر: ما حَسَبُكَ وما نَسَبُكَ؟

فَعَلَتِ الابتسامةُ الطَّريَّةُ بالوداعةِ ثغرَ سلمانَ وقالَ بأناةٍ: (أنا ابنُ الإسلامِ، كنتُ عبدًا فأعتَقَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وَوَضيعًا فَرَفَعَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وفقيرًا فأغناني اللهُ بمحمَّدٍ، فهذا حَسَبِي وهذا نَسَبِي)، فقال سيِّدنا محمَّد (ص): (صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، مَن أرادَ أن ينظرَ إلى رجلٍ نُوِّرَ قلبُهُ بالإيمانِ فَلْيَنظرْ إلى سلمان).

فهذا سيِّدنا سلمان الفارسيُّ الذي لا يمكننا أن نسمحَ لأحدٍ أن يتجرَّأ عليه متمثِّلينَ بدفاعِ نبيِّ الرَّحمةِ عنه، ويكفيه قوله (ص): (أنا سابقُ العربِ إلى الجنَّةِ، وسلمانُ سابقُ الفرسِ إلى الجنَّةِ.. إنَّ الجنَّة لأكثرُ شوقًا إلى سلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ، وإنَّ الجنَّةَ لأكثرُ عشقًا لسلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ)، وهو الموسومُ بالمحمَّديِّ لقول الإمام الباقر (ع): (قولوا: سلمان المحمَّدي، ذلكَ رجلٌ منَّا أهل البيتِ).

ولكلِّ هذهِ القيمِ والرِّفعةِ التي يتَّصفُ بها كانَ يليقُ به وصفُ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السّلامُ بقولِهِ: (ذلكَ امرؤٌ منَّا أهل البيتِ، مَن لكم بمثلِ لقمانَ الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوَّلَ والعلمَ الآخرَ، وقرأ الكتابَ الأوَّلَ والكتابَ الآخرَ، وكان بحرًا لا يَنزِفُ).

ومَن كان بهذهِ المنزلةِ لابدَّ أن يعرفَ أنَّ أقوامًا من أصحابِ القوميَّات سيحاولون النَّيلَ من استقامَتِهِ فَرَدَّ عليهم بقوله وكفاهُ ردًّا: (إنَّ النَّسَبَ لا يقدِّسُ أحدًا، إنَّما يقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ).

اترك رد