الروح والنفس والجسم

mini-logo

الروح والنفس والجسم
بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

إنَّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفسِ والجسمِ لم تَحْظَ بسعادةِ الصِّيانةِ عن الأيدي العابثةِ، ونكادُ لا نَعثرُ على إنسانٍ لا رأيَ لَهُ في هذه المسألةِ، وهذا لم يكنْ مجرَّدَ مصادفةٍ، بل هو أمرٌ يَنتهي إلى سببٍ عقائديٍّ.
إنَّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفسِ والجسمِ من المسائلِ التي يَتَعرَّضُ لها كلُّ إنسانٍ، وهي أنَّ الرُّوحَ موجودٌ مَرمُوزٌ غيرُ مَرئِيٍّ، ولِغَايَةٍ ما احْتَجَبَ تحتَ سِتَارِ الجسمِ، وَوُضِعَ على وَجهِها سِتَارُ الجسمِ، وليسَ الجسمُ سوى سِتَارٍ ظاهريٍّ، لكنَّ النَّفسَ هي التي تَقومُ بِتَصرُّفاتٍ ونشاطاتٍ من وراءِ هذا السِّتَارِ الخارجيِّ.
فالنَّفسُ مَسْكَنُ المِحَنِ والبَلايا، والرُّوحُ مَلِكٌ والجسم هو القَصْرُ المَلَكِيُّ، وقد يَهْتَمُ هذا الخيالُ بالقَصْرِ اهتمامًا بَالِغًا بينما يَتْرُكُ الرُّوحَ بدونِ اهتمامٍ، وقد نُقِلَ عن الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون في نظريَّتِهِ قولُهُ: (إنَّ الرُّوحَ جَوهرٌ قَديمٌ موجودٌ قبلَ وجودِ الجسم، يَنزِلُ عن مَقَامِهِ الشَّامِخِ ويَلِجُ في الجسم).
هذهِ هي الفكرةُ القائلةُ بانفصالِ الرُّوحِ عن الجسم جَوهَرِيًّا، وأنَّ علاقةَ أحدِهِما بالآخرِ اعتباريَّةٌ وعَرَضِيَّةٌ، كالَّراكِبِ وما يَركَبُهُ، وتوجدُ بينهما علاقةٌ جوهريَّةٌ وطبيعيَّةٌ تُوَحِّدُهُما في إطارِ جَوهَرٍ مُوَحَّدٍ.
كما جاءَ المعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس بعدَ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون بنفسِ نظريَّتِهِ هذهِ تجاهَ الرُّوحِ، فقالَ بانفِصَالِ الشُّؤونِ الرُّوحيَّةِ عن الشُّؤونِ الجسميَّةِ رغمَ وحدةِ الجسمِ والرُّوحِ.
إنَّ المعلِّمَ الأوَّلَ أرسططاليس تَوَجَّهَ إلى إثباتِ الوحدةِ بينَ الرُّوحِ والجسمِ، وعلى هذا بَنَى نظريَّتَهُ المعروفةَ: الصُّورة والمادَّة، بينما الفيلسوفُ العظيمُ أفلاطون قد تَبَنَّى الإثنينيَّةَ والانفصالَ بينهما.
فالمعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس يَرَى أنَّ العلاقةَ بين الرُّوحِ والجسمِ علاقةُ صورةٍ ومادَّةٍ، فنظريَّةُ الصُّورةِ والمادَّةِ التي أوجَدَها المعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس نفسُهُ هي أنَّ القوَّةَ العاقلةَ لِكَونِها قوَّةٌ مُجَرَّدَةٌ- صورةٌ- تكونُ مع المادَّةِ لا في المادَّةِ.
إنَّ فلسفةَ المعلِّمِ الأوَّلِ أرسططاليس تَرَى أنَّ الرُّوحَ حَادِثَةٌ، وهي في بدايةِ الأمرِ قوَّةٌ بِحَقٍّ، وتقومُ الرُّوحُ بإيصالِ معلوماتِها من القوَّةِ إلى الفعلِ، أمَّا الاثنينيَّةُ والانفصالُ بينَ الرُّوحِ والجسمِ فَتُوجَدُ في فلسفةِ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون، ومع ذلكَ فإنَّ هناكَ وِئَامًا واقعيًّا جوهريًّا بين الفلسفتين، تُبيِّنُهُ العلاقةُ الطَّبيعيَّةُ بين الرُّوحِ والجسمِ.
فهناكَ اختلافٌ ومُبَايَنَةٌ بين الرُّوحِ والجسمِ، ولكنَّ هناكَ رابطًا بينهما، فهذانِ المَوجودان المُتَغايرانِ قد وَصَلا إلى ذُروَةِ التَّباينِ ولكنَّهما تَحَقَّقَا في مَوجودٍ مُوَحَّدٍ، ومن هنا تأتي النَّفسِ لتكونَ من الأمورِ الفعليَّةِ، ولتُوضِّحَ العلاقةَ بين الرُّوحِ والجسمِ.
إنَّ البحثَ عن هذهِ المسألةِ خارجٌ عن نطاقِ البشرِ، فالبحثُ في حقيقةِ النَّفسِ والعلاقةِ بينها وبينَ الجسم، لم يصلْ إلى مرحلةٍ حاسمةٍ لِحَدِّ الآنِ، إلاَّ أنَّ الجهدَ المبذولَ في هذهِ المسألةِ من جَميعِ جِهَاتِها، وبالأخصِّ من جهةِ علمِ النَّفسِ والفيزيولوجيا وعلمِ الحياةِ، قد أسفرَ عن نتائجَ مُدهِشَةٍ وعظيمةٍ بالنِّسبةِ للعلاقةِ بينَ الرُّوحِ والجسمِ وماهيَّةِ الرُّوحِ، لا يمكنُ فَهمُها إلاَّ بالعروجِ لمفهومِ النَّفس الذي أوضحَهُ الإسلامُ وفلاسفتُهُ العظماء من العلويِّين.
فقد وردَ في فلسَفَتهم أنَّ العقولَ الفعّالةَ هي كلماتُ الله العُليا، والنّفوسَ المُدبِّرةَ هي كلماتُهُ الوُسطى، والنّفوسَ البشريّةَ هي كلماتهُ الدّنيا، وقد قالَ رسولُ اللهِ (ص): (أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامّاتِ من شرِّ ما خلقَ وذرأَ وبَرأَ) إشارةً إلى العقولِ الفَعَّالَةِ الكاملةِ التَّامَّةِ لا إلى النُّفوسِ والأجرَامِ.
ولنتساءَلَ قليلاً حولَ نشأةِ النَّفسِ، هذه المُعضلةُ التي أربَكَتْ جميعَ النَّاسِ، ولكنْ إذا كانَ الإنسانُ منذُ البدءِ قد سعَى لِوَعي وجودِهِ ومعرفةِ الحقيقةِ التي تُنظِّمُ هذا الوجودَ، وكانت معرفةُ النَّفسِ علَّةَ الوجودِ الإنسانيِّ على كوكبِ الأرضِ، أفلا تكونُ غايةَ هذا الوجودِ والقصدَ منهُ أيضًا، وقد قال أميرُ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكره السَّلامُ: (معرفةُ النَّفسِ أنفعُ المَعَارِفِ)؟
إنَّ حكمةَ اللهِ في خلقِ الرُّوحِ سرٌّ غامضٌ، فلا سبيلَ إلى الوقوفِ على حقيقتِها والوصولِ إلى معرفةِ كُنهِها. ولكنَّ لقضيَّةِ الإيجادِ حكمتانِ تَخُصَّانِ الخلقَ فَحَسْب: الأولى: هي نِعمةُ الوجودِ؛ أي نقلُ الخلقِ من حالةِ اللَّاوجوِد أو العدمِ إلى حالةِ الوجودِ. والثَّانيةُ: هي نِعمةُ المعرفةِ؛ أي أنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ ليُكرِّمَهم بمعرفةِ تجلّياتهِ سبحانه وتعالى.
فَمَا أكملَ الإنسانَ لو عَرفَ قدرَ نفسِهِ ومَلَكَ أمرَهُ وكَتَمَ سِرَّهُ ولم يتعدَّ طَورَهُ، ولَزِمَ مركزيَّةَ حقيقةِ الاعتدالِ، وتَحَقَّقَ بحقيقةِ الإطلاقِ في الجمعِ والكمالِ، فالخيرُ والشّرُّ حقيقةً راجعانِ إلى وجودِ الخلقِ كما قال تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ).
وقد حصلَ الاختلافُ في معرفةِ أوَّلِ ما يلزمُ الإنسانَ، فقومٌ قالوا: (أوَّلُ ما يَلزَمُ الإنسانَ مَعرفَةُ نَفسِهِ)، وقومٌ قالوا: (أوَّلُ ما يَلزمُ الإنسانَ معرفةُ رَبِّهِ)، مع أنَّهُ ليسَ بين القولَين مُنافاةٌ، لأنَّهم عَنَوا بالأوَّلِ من حيثُ التَّرتيبُ، وبالثَّاني من حيثُ الشَّرفُ والفَضلُ، فمعرفةُ اللهِ جلَّ جلالُهُ أعظمُ الأشياءِ وأجلُّ العلومِ وألطَفُها، وقد قالَ الحكماءُ: (مَن عَرفَ نفسَهُ تَأَلَّهَ)، فالتّوحيدُ يُحقِّقُ أنَّ اللهَ مُبْدِعُ الأحدِ وخالقُ الواحِدِ، فالأحَدُ حَدٌّ من حُدُودِهِ، والواحدُ عَبْدٌ من عَبيدِهِ.
إنَّ معرفةَ النَّفسِ إمَّا مُساويةٌ لمعرفةِ الرّبِّ أو أنَّها مقدِّمةٌ لها بنحوٍ تكون متِّصَلةً، فَمَا لم يَصِلِ الإنسانُ إلى مقامِ معرفةِ النَّفسِ لا يمكنُ أن يَصِلَ إلى مقامِ مَعرفةِ الرَّبِّ الذي هو من مقاماتِ التَّوحيدِ في الرُّبوبيَّةِ.
فمعرفةُ الرَّبِّ مبنيَّةٌ على أساسِ معرفةِ النَّفسِ، ولكنَّ معرفةَ النَّفسِ ليست بهذه السُّهولةِ، والنَّفسُ الإنسانيَّةُ لها مراتبُ لا حَدَّ لها ولا عَدَّ في عالمِ السُّلوكِ.
وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكره السَّلامُ: (المعرفةُ بالنَّفسِ أنفعُ الـمَعْرِفَتَين)، فالـمُرَادُ بالـمَعْرِفَتَين: المعرفةُ بالآياتِ الأنفسيَّةِ والمعرفةُ بالآياتِ الآفاقيَّةِ في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فالسَّيرُ الأنفُسِيُّ بعدَ السَّيرِ الآفَاقِيِّ، فَمَعرفةُ الآياتِ مُوصِلَةٌ إلى معرفةِ اللهِ، أي أنَّهُ للرِّوايَةِ معنًى آخرَ مُسْتَخْرَجٌ من نتائجِ الأبحاثِ الحقيقيَّةِ في علمِ النَّفسِ، وهو أنَّ النَّظرَ في الآياتِ الآفاقيَّةِ والمعرفةَ الحاصلةَ في ذلكَ نَظَرٌ فِكْرِيٌّ وعِلْمٌ حُصُوليٌّ، أي أنَّ المعرفةَ الـمُتَجِلِّيَةَ هي نَظَرٌ شُهُوديٌّ وَرُؤيةٌ حُضُوريَّةٌ.
ولكنَّ معرفةَ النَّفسِ تَتَحصَّلُ حينَ الوصولِ إلى مقامِ النَّفسِ الـمُطمَئِنَّةِ، وهي قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) وفي هذا المقامِ يأتي قولُ الرَّسولِ (ص): (أعرفُكُم بنفسِهِ أعرفُكُم بربِّهِ).

اترك رد