السؤال السادس والسبعون حول إبراهيم والأطيار الأربعة

images

السُّؤال السَّادس والسَّبعون: هل يُعقَلُ أن يَشُكَّ نبيُّ اللهِ إبراهيم (ع) في إيمانِهِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً).

 

الجوابُ السَّادس والسَّبعون بإذنِ الله:

إنَّ الخليلَ إبراهيمَ (ع) لَمَّا حَاجَّ النَّمرودَ في أنَّ رَبَّهُ هو الذي يُحيي ويُمِيتُ، سألَ اللهَ تعالى أن يُطْلِعَهُ على كيفيَّةِ إحياءِ المَوتى بقوله: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى)، ليكونَ على بصيرةٍ من احتجاجِهِ على النَّمرودِ اللَّعينِ، فأجابَه اللهُ تعالى بقولِهِ: (أَوَلَمْ تُؤْمِن)؛ يَعني: أوَلَمْ تُقِرَّ بأنِّي قادرٌ على ذلكَ، قالَ: (بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) برؤيةِ القدرةِ فَتَتمكَّن عندي، قال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)؛ أي فَخُذْ من الطَّيرِ أربعةً مختلفةَ الأجناسِ وانزَعْ أرياشَها ولُحُومَها وعِظامَها، واخلُطِ الجميعَ مع بعضِها واقسُمها أربعةَ أجزاءٍ، (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً)؛ أي على أربعةِ جبالٍ وأَبْقِ الرُّؤوسِ معكَ، (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً)؛ أي إنَّ تلكَ الأجزاءَ تَسعى إلى الرُّؤوسِ فَتَلتَحِمُ بها وتعودُ أحياءً، فأخذَ الخليلُ (ع) الأطيارَ الأربعةَ وفَعَلَ بِهِنَّ كما أمرَهُ ثم دَعَاهُنَّ أي ناداهُنَّ فَجِئْنَهُ سَعياً لِزَاماً والْتَحَمَتِ الأجسامُ بالرُّؤوسِ وَوَلجَتْ فيهم الأرواحُ حتى عُدْنَ أحياءً.

نحنُ العلويُّونَ نقولُ: إنَّ اللهَ لا يَفعلُ شَيئًا عَبَثًا، ولابدَّ لِنُطقِ الذِّكرِ الحكيمِ من سِرٍّ كريمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ، فَسَيِّدُنا إبراهيمُ (ع) ما شَكَّ في رَبِّهِ أبدًا، وإنَّما أرادَ الانتقالَ من مستوى الاستدلالِ المُعبَّرِ عنه بعلمِ اليقينِ، إلى مستوى العِيَانِ المُعَبَّرِ عنه بعينِ اليقينِ، ثمَّ الارتقاءَ إلى درجةِ التَّوحيدِ وهي حقُّ اليقينِ، وهذا حالُ المؤمنينَ دائمًا في سَعيهم إلى الكمالِ، لأنَّ الإيمانَ ثلاثةُ مَرَاتِبَ: علمُ اليقينِ ثمَّ عينُ اليقينِ ثمَّ حَقُّ اليقينِ وهو النَّعيمُ الأبديُّ لقوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).

وقد بَيَّنَ رسولُ اللهِ (ص) هذا المعنى حين زَعَمَ قَومٌ: شَكَّ إبراهيمُ ولم يَشُكَّ نَبيُّنا، فقال (ص): (نحنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم)، والنَّبيُّ (ص) لا يقعُ منه الشَّكُّ أبدًا وهو القائل: (لَا أَشُكّ وَلَا أَسْأَل)، فكانَ هذا من قبيلِ افتراضِ ما لا يُمكِنُ وقوعُهُ.

إنَّ اللهَ أرادَ بهذهِ الآيةِ التَّعريفَ بكيفيَّةِ التَّكوينِ الأوَّلِ، وأنَّهُ بعدَ أن كُوِّنَتِ القِوَى قامَ الفِكرُ بالسُّؤالِ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى) لِتَعرِفَ القِوَى كيفيَّةَ التَّكوينِ، فأجابَهُ الحقُّ بقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِن)، قال الفكرُ: (بَلَى) إنِّي مؤمنٌ ومُعتَرِفٌ، (وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) على يقينٍ في كيفيَّةِ التَّكوينِ، والمقصودُ بِهِ اطمئنانُ القِوَى، وتبيانًا لِفَضلِ الفكرِ على القِوَى، وتعريفًا للقِوَى بما أَمَدَّها به الفكرُ من النُّورِ الجوهريِّ الذي بِهِ الحياةُ الأبديَّةُ، ولِتَثْبُتَ عندها مَعرفةُ ما أعطاها من السُّموِّ والعظمةِ.

ثم قالَ له: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ)؛ أي أوجدِ الحِسَّ لِيَكونَ مع القِوَى في رُتبَةِ التَّكوينِ، ثم ادْعُ الحِسَّ إلى ما دَعَوتَ القِوَى فإنَّهُ يأتيكَ سَعيًا لِزَامًا غيرَ نَاكِلٍ ولا مُتأخِّرٍ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وَسَتَعْلَمُ القِوَى حِينَئذٍ أنَّها كُوِّنَتْ كالحِسِّ، وأنَّها دُعِيَتْ إلى ما دُعِيَ إليهِ الحِسُّ، ولِتَعْلَمَ وتَعرِفَ القِوَى بأنَّ الفِكْرَ مُحييها بالدَّعوةِ ومُمِدُّها بالإرادةِ، فكانَ المقصودُ بالأطيارِ هو الحِسُّ، وهو مرتبطٌ بالطَّبائعِ الأربعةِ لِذَا كان عَدَدُها أربعةً، وقد دُعِيَ الحِسُّ إلى ما دُعِيَتْ إليهِ القِوَى فأجابَ مُسرِعًا بغيرِ شَكٍّ ولا ارتيابٍ ولا تَوَهُّمٍ ولا تَوَقُّفٍ، وإنِّي المُوفِّق لَهُ بِسرعةِ الإجابةِ حتَّى صارَ الحِسُّ في درجةِ القوى ومعَها في المنزلةِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد