السؤال السابع والسبعون عن الفرق بين النبي والرسول

images

السُّؤال السَّابعُ والسَّبعون: هل هناكَ فرقٌ بين النَّبيِّ والرَّسول؟

الجوابُ السَّابعُ والسَّبعون بإذنِ اللهِ:

إنَّنا كعلويِّين نختلفُ في رُؤيَتنا للفرقِ بينَ النَّبيِّ والرَّسولِ عن كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ على حَدٍّ سواء، رغمَ أنَّ كلاًّ منَ الأنبياءِ والرُّسلِ مخصوصونِ بالعصمةِ، وقد أُمِرنا باتِّباعِهم في قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ)، وبطاعةِ أمرِهم ونَهيهم لقوله جلَّ جلالُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، لأنَّ كلاًّ منهم مبعوثٌ بالحقِّ من قِبَلِ اللهِ سبحانَهُ بمهمَّةٍ ورسالةٍ لقوله سبحانَه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ)، ولكنَّ هناكَ فرقًا بينَ المَقامَين أنكرَهُ البعضُ، وقَلَبَهُ البعضُ الآخرُ لاشتِباهِهم وجَهلِهم حيثُ زَعَمُوا (أنَّ الرَّسولَ أجَلُّ من النَّبيِّ، وأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ وليسَ كلُّ نبيٍّ رسولٌ)!!!

نحنُ نردُّ عليهم من الذِّكرِ الحكيمِ، فلو كانَ الرَّسولُ أجَلُّ من النَّبيِّ لَمَا خَصَّ اللهُ تعالى النَّبيَّ بالصَّلاةِ عليهِ في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، لأنَّ هذه الصَّلاةَ هي تشريفٌ خَصَّهُ اللهُ به لأنَّهُ أقرَبُ الخلقِ إليه وأرفَعُهم منزلةً عندَهُ.

ولو صَحَّ زعمُهم بأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ لَجَازَ أن يكونَ سيِّدنا جبريلُ (ع) نبيًّا باعتبارِهِ سُمِّيَ رسولاً في قوله جَلَّ من قائلٍ: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً)، ولكنْ لا يجوزُ اعتبارُ جبريلَ (ع) نبيًّا أسوةً بالأنبياءِ الذينَ سُمُّوا رُسُلاً كسيِدنا موسى (ع) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وسيِّدنا عيسى ومحمَّد (ع) في قوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)، فجازَ لهؤلاءِ الأنبياءِ أن يُسَمَّوا رسلاً أيضًا كما في قوله سبحانه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً).

ولابدَّ من الانتباهِ إلى أنَّهُ قَدَّمَ كلمةَ (رسولاً) على كلمةِ (نبيًّا) في الآيات السَّابقةِ لأنَّ كلمةَ الرَّسولِ دَلَّتْ على أنَّهُ مُبَلِّغٌ للرِّسالةِ، وكلمةَ النَّبيِّ دَلَّت على مقامِ النُّبوَّةِ المُمَيَّزِ عن مقامِ الرِّسالةِ، فهو جَلَّ وعلا قد سمَّى الأنبياءَ رُسُلاً، ولكنَّهُ لم يُسَمِّ كلَّ الرُّسُلِ أنبياء، فَوَجَبَ أن يكونَ القولُ الصَّحيحُ: (إنَّ كلَّ نبيٍّ رسولٌ، ولكنْ ليسَ كلُّ رسولٍ نبيٌّ).

فالأنبياءُ هُم رُسُلٌ كما ذكرنا أعلاهُ، ولكنَّ الرُّسُلَ درجاتٌ مختلفةٌ لقوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، منهم مَن لم تُحَدَّد درجتُهُ كما في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)، وهذه الآية تنفي مزاعمَهم بأنَّ (الرَّسولَ أُوحيَ إليه بديانةٍ وشريعةٍ جديدةٍ)!! وأنَّ (النَّبيَّ بُعِثَ لتقريرِ شَرعِ مَن قبلَهُ مِن الرُّسُلِ)!! لأنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ على الأنبياءِ بالدِّينِ والتَّشريعِ لقوله جلَّ جلالُهُ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً)، ثمَّ أرسلَ الرُّسُلَ للتَّصديقِ وإحقاقِ الحقِّ لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ).

ومن الرُّسُلِ جبريلُ الرُّوحُ القُدُسُ في قوله سبحانه: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)، ومنهم مَن كان مِن الملائكةِ في قوله جلَّ من قائلٍ: (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ)، وهؤلاء جميعًا ليسوا أنبياء، ولكنَّهم حُجَجٌ ظاهرةٌ على النَّاسِ لقوله سبحانه: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)، والحجَّةُ لا تنقطعُ بدوامِ الدُّنيا لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اللَّهُمَّ إنَّكَ لا تُخلي الأرضَ مِن حُجَّةٍ لَكَ عَلى خَلقِكَ، ظاهرٌ مَوجودٌ، أو خَافٍ مَغْمُورٌ لِكَي لا تُبطِلَ حُجَّتَكَ)، وقولِ الإمام الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

من خلالِ ما ذُكِرَ يتأكَّدُ لنا أنَّ الرِّسالةَ لم تُختَمْ بختمِ النُّبوَّةِ كما زعمَ ابن تيميَّةَ بقوله المفتون: (خَتمُ النُّبوَّةِ يستلزِمُ ختمَ الرِّسالةِ)، فالنبوَّةُ خُتِمَتْ بسيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقولِهِ (ص) حينَ سُئلَ: هذا الأمرُ بعدَكَ لنا أم لِمَنْ؟ فقال: (الأمرُ بَعدي لِمَن هو مني بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بَعدي)، فلا شريعةَ يُدعى إليها بعدَ الشَّريعةِ المحمَّديَّةِ حتَّى ظهورِ القائمِ.

ولكنَّ الرِّسالةَ باقيةٌ أبدَ الدَّهرِ لقوله تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، وهم الموصوفون بقوله سبحانه: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)، فَمهمَّتُهم التَّبليغُ لقولهِ : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقولِهِ: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، والبلاغُ المُبينُ هو تبليغُ الولايةِ الحقِّ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وهذا البلاغُ قائمٌ على الدَّوامِ لا ينقضي حتَّى مجيءِ القائمِ المُنتَظرِ (ع) فَيُحقَّ الحقَّ ويقيمَ الميزانَ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد