الطرائق الوجودية في الفلسفة العلوية

hesham

الطرائق الوجودية في الفلسفة العلوية

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

القُرآنُ هَوَ الدَّليلُ إلى خيرِ سبيلٍ, فيهِ التَّفصيلُ والتَّحصيلُ, دليلُ المَعرِفَةِ لِمَن عَرف النِّسبةَ الوجودَيَّةَ, خاصَّةً في هَذا الزَّمانِ الذي كَثُرَت فيهِ الآراءُ والأهواءُ, فالنَّاسُ مُختَلِفو النَّزعاتِ مُتَبايِنُو الأغراضِ, لذا وَجَبَ علينا إزالَةُ الأباطِيلِ وإبعادُ الأضاليلِ مِن خِلالِ الامتِثالِ لِقولِ رسُولِ اللهِ (ص): (أفضلُ العِبادَةِ معرفتُهُ) فما علاقَةُ العِبادَةِ بمعرفةِ النِّسبةِ الوُجودِيَّةِ؟
إنَّ الإيمانَ بحضورِ النِّسبةِ الوُجودِيَّةِ هو الأصلُ في التَّحَقُّقِ لأنها ميزانُ الوجودِ, فَمُطلَقُ الوجودِ لَهُ حَدٌّ وجوبيٌّ ممنوعٌ وحَدٌّ وجوبيٌّ كَشْفِيٌ مُعبَّرٌ عنه بطَرائق وجوديَّةٍ مُتَعَدِّدةٍ تَقتَصِرُ على مماثلةِ أكوانِ الخَلائِقِ ونَظَراتِهِم لِهُ, حيث أنَّ الخلقَ يَصِفُ ويُسَمِّي عالمَ الحقيقةِ هذا بِمَرَاتِبَ مُتَنَوِّعَةٍ عائِدَةٍ للخَلقِ, لأنَّ عالمَ الحقيقةِ بِجَوهَرِهِ لا رَسمَ لَه ولا خَبَرَ عَنهُ, ولا هو أسماءٌ ولا صِفاتٌ ولا أفعالٌ، بل هوَ واجِبُ التَّنزيهِ بَعدَ إثباتِ وُجودِهِ لأنَّنَا غيرُ مُكَلَّفينَ مِنَ الله ِتَعالى بِمَعرِفَةِ جَوهَرِ واجِبِ الوُجودِ لأنَّ ذلكَ مُستَحيلٌ, ولا يَعلَمُ هَذا الكُنْهَ رسُولٌ ولا نَبِيٌّ ولا وَلِيٌّ ولا أحدٌ مِنَ المَوجوداتِ, لِقَولِ أميرِ المُؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (مَن تَفَكَّرَ في الذَّاتِ فقد ألحدَ وتَزَندَقَ).
وَمَن يَنظُرُ إلى وجودِ المقاماتِ الكلِّيَّةِ السَّماويَّةِ والأرضيَّةِ مِن حيثُ تَحديدُها وتَعيينُهَا فهوَ ناظِرٌ إلى الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعَالِ المُتَعَدِّدَةِ، لأنَّ تَعَدُّدَ المَقاماتِ راجِعٌ إلى تَعَدُّدِ صِفَاتِ عالمِ الحقيقةِ لا إلى جَوهَرِ واجِبِ الوُجودِ لِقَولِهِ تَعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا), ولِقولِ الإمامِ الصّادقِ (ص): (إنَّ الله َتَجَلَّى في الكَلامِ والكِتابِ ولكِنَّكُم لا تَفقَهونَ), فَكَيفَ تَجَلَّى اللهُ في الكَلام؟
إنَّ الكَلامَ هُوَ قيمةٌ تَوَاصُلِيَّةٌ بينَ الشُّعوبِ جميعًا لِقَولِهِ تَعَالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) فالحُرُوفُ تَنطِقُ بالتَّوحيدِ إثباتًا وتَنزِيهًا وتَنفي التَّشبيهَ والتَّعطيلَ, لأنَّ الحُروفَ فيهَا دلالاتٌ على الوَحدانِيَّةِ والانفِرادِ وقِيامِ الحَقِّ بالاستِغناءِ عَمَّا سَوَّاهُ مِن أسماءٍ وصفاتٍ وأفعالٍ لا كَمَا زَعَمَ المُشَبِّهونَ بِفَهمِهِم الخَاطِئ، حيثُ زَعَمُوا أن الحَقَّ الجوهريَّ جِسمٌ وشيءٌ بِجَوهَرِهِ, فَوَقَعُوا بالشِّركِ والتَّجسيمِ والقِياسِ ونَسوا قولَ أميرِ المُؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لا تَقيسوا بِالدِّينِ فَإنَّ أمرَ اللهِ لا يُقاسُ).
أمَّا أهلُ الإيمانِ الحَقيقِيِّ فيَعتَقِدونَ أنَّ الحَقَّ الجوهريَّ لَيسَ بداخِلٍ تحتَ الحُروفِ دُخولَ تشبيهٍ وحُلولٍ لأِنَّها آلَةٌ لِلنّطقِ وَالدَّلالَةِ؛ أي آلةٌ لِلوُجودِ وَالاستِدلالِ فَقَط, وَأنَّ الحَقَّ الجوهريَّ لَيسَ خارِجًا عَنِ الحُروفِ خُروجَ تَعطيلٍ وَإلحادٍ, وَهذا الاعتِقادُ الإيمانِيُّ مُستَنِدٌ لِقَولِ أميرِ المُؤمِنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لَيسَ في الأشياءِ بِوالِجٍ وَلا عَنها بِخارِجٍ), فالحُروفُ وَالأعدادُ إذَنْ مُختَلِفَةٌ وَمُتَبايِنَةٌ كَمِثالِ الأسماءِ الحُسنى الَّتي يُسَمَّى بِها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا وَإيناسًا بِخَلقِهِ في قَولِهِ تَعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوه بِهَا), حيثُ لَم يَقُلِ: (اللهُ الأسماءَ الحُسنى)، كما قالَ: (ادعوهُ) وَلَم يَقُلْ: (اعبُدوهُ أوِ اعلَموهُ).
وَقَد سُمِّيَ سيِّدنا المَسيحُ (ع) الكَلِمَةُ لِقَولِهِ تَعالى: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) فَاللهُ تَعالى كانَت أولى وَدائِعِهِ لِسَيِّدِنا عيسى (ع) التَّكوينُ, وَلَم يَستَودِعْهُ الغَيبَ، لِقَولِهِ تَعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)، وَقَولِ أميرِ المُؤمِنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (أشهَدُ أنَّ مَن ساواكَ بِشَيءٍ مِن خَلقِكَ فَقَد عَدَلَ بِكَ، وَالعادِلُ بِكَ كافِرٌ), فَالكَلِمَةُ مُؤَلَّفَةٌ مِن عِدَّةِ حُروفٍ مُتَنَوِّعَةٍ مُشتَقَّةٍ وَهِيَ إشارةٌ لحَقيقَةِ سيِّدنا المَسيحِ (ع) وهو النِّسبةُ الحقيقيَّةُ الجامعةُ، وَلَيسَت حَقيقَةً للآبِ سبحانَهُ، لأِنَّ الآبَ مُجَرَّدٌ بِذاتِهِ عَنِ الاشتِقاقِ وَالتَّحديدِ وَالتَّشبيهِ.
وقد سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): فَلَم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا؟ فقال (ع): (الكلامُ صفةٌ مُحدَثَةٌ وكانَ اللهُ ولا مُتَكَلِّمًا)؛ أي: هل الحقُّ الجوهريُّ قبلَ الخَلقِ صفةٌ وبعدَ الخلقِ صفةٌ؟ فنقول: تَنَزَّهَ في ذاتِهِ قبلَ الخلقِ عن الصِّفَةِ لأنَّ الصِّفاتِ هي نِسَبٌ مضافةٌ وليست جوهرًا للحقِّ الجوهريِّ، وأمَّا قولُهُ: (كانَ اللهُ ولا مُتَكَلِّمًا)؛ أي: كانَ اللهُ بلا صفةٍ، ثم وُصِفَ لِتَتمَّ معرفةُ وجودِهِ وليَستَدِلَّ الخلقُ عليهِ.

اترك رد