الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني

hesham

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

ولد الفيلسوفُ العلويُّ العظيمُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني في مدينة طبرية سنة 358 هـ- 969 م، وإليها نِسبَتُه، والتقى الفيلسوفُ بالعالمِ العلويِّ العظيمِ أبي الحسين محمَّد بن علي الجِلِّي، ثم رحل إلى حلب سنة 376 هـ، ثم انتقل إلى اللاَّذقية والتفَّ حولَهُ مَن فيها من العلويِّين، واستمرَّ في دَعوتِهِ وإرشادِهِ وجهادِهِ العلويِّ حتَّى وفاته في اللاَّذقية عام 426 هـ- 1035 م، ودُفِنَ فيها.
أبو سعيد الميمون بن القاسم الطبراني عَلَمٌ من أعلام الفرقة العلويَّةِ النُّصيريَّة الخصيبيَّة، قادَ الفرقةَ العلويَّةَ بعد أستاذِهِ العالمِ محمَّد بن علي الجلِّيِّ بعد منتصفِ القرنِ الرَّابعِ للهجرةِ وأوائلِ القرنِ الخامسِ، جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، وكان مؤدَّبًا بآدابِ الإسلامِ مُمتَثِلًا لأوامرِ اللهِ ورسولِهِ وآلِ بيتِهِ الطَّاهرين، ومنتهيًا عن نواهيهم باعترافِ العلماءِ والفقهاءِ والسَّادةِ الثِّقاةِ القائمينَ على التَّنظيمِ مِمَّن جَاؤوا بعدَهُ وكان لهم دورٌ جهاديٌّ أو فقهيٌّ أو عقائديٌّ حتَّى لُقِبَّ بالشَّيخِ المجاهدِ، وكذلك لُقِّبَ بالفَقيهِ.
اعتمدَ فلسَفَتَهُ كلُّ فلاسفةِ وعلماءِ النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ حتى عَصرِنا هذا، كيفَ لا!؟ وهوَ العالمُ المجاهدُ الذي جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، المؤدَّبُ المنهيُّ عن محارمِ اللهِ، الذي واجَهَ المنحرفينَ الذين عَرفَوا الحقَّ وأنكروهُ، فقد قَمَعَ المشركينَ ونكَّسَ رأي المنافقين، واعترفَ بفضلِهِ مَن كانَ في عصرِهِ وبعدَهُ من المؤمنين، وله في التَّوحيدِ والعلمِ رتبةٌ لا يُنكِرُها إلاَّ مَن كان من حزبِ المنافقين والمارقين.
لقد كان السَّيِّدُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني ولا زال فيلسوفًا عارفًا، ومتكلِّمًا عالمًا، زاهدًا في الدنيا، صادقًا في الرِّواية، دأبُه تحصيلُ العلومِ الدينيَّةِ ونشرُ المعارفِ الربَّانيَّةِ، وهذا جهادٌ كبيرٌ وفضلٌ عظيمٌ له منذ أيَّامه حتَّى أيَّامنا هذه استحقَّ من خلالِهِ أن يكونَ خليفةً لأهل العصمةِ.
ففلسفتُهُ في التَّوحيدِ تشهدُ أنَّهُ عالمٌ عظيمٌ، وفقيهٌ كاملٌ، وحكيمٌ بارعٌ لبسَ من الصِّفاتِ الحسنَةِ أكملَها، ومن الفضائلِ العليا أعلاها، وبلغَ من التَّقوى عِزَّها، ومن الفضيلةِ مَجدَها، ومن العبادةِ قَلبَها، عرفَ الحقَّ وجاهدَ لإعلاءِ كلمتهِ، وردَّ حجَّةَ المُبطِلين المشبِّهينَ والمنكرين المعطِّلينَ في كلِّ زمان ومكان، حيث واجه أهلَ التَّعطيلِ في زمنه وردَّ عليهم مُبطِلًا دَعواهم فيما ذهبوا إليه واستوجبوا الانقسامَ والانفصالَ في أواخرِ حياتِهِ، فهوَ العارفُ بأسرارِ التَّأويلِ، المُطهَّرِ من رجسِ الأباطيل، المُتَرفِّعِ عن العقائدِ الباطلةِ المموَّهةِ بالتَّشبيهِ والتَّعطيلِ، فَمَن وقفَ على مضمونِ كلامهِ وعرفَ مكنونَ مُرامهِ، فازَ بالسَّهمِ المُعَلَّى، وبلغَ المقصدَ الأعلى.
وهناك الكثيرُ من الشَّهاداتِ التي أوردَها المؤرِّخونَ بحقِّهِ، ولكنَّنا نكتفي بالشَّهادةِ الكبرى، وهي تلكَ العلومُ والمعارفُ اللَّدنيَّة التي تركَها مسطورةً في مقالاتِهِ واحتجاجاتهِ، ولسنا نقبلُ شهادةً من أحدٍ بعد شهادةِ العالِمِ أبي الحسين محمد بن علي الجلِّيِّ حين قالَ في وصيَّتِهِ: (وصيَّتي إليكَ يا أخي، أسعدكَ اللهُ سعادةَ أهلَ الصَّفاءِ، ولا عَدَلَ بنا عن الحقِّ الذي ما فيه خفاء… واعلمْ أيُّها الأخُ المباركُ السَّعيدُ الموفَّقُ الرَّشيدِ…) إلى نهايةِ الوصيَّةِ البالغةِ ثبَّتنا اللهُ على ما فيها من معاني التَّوحيدِ ومباني الآدابِ. فالعالِمُ الجلِّيُّ صاحبُ الاستحقاقِ بالتَّأييدِ الإلهيِّ والتَّسديدِ الرَّبَّانيِّ لأنَّهُ كانَ من أفقهِ طلاَّبِ السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع).
وقد نالَ الفيلسوفُ الطَّبرانيُّ الحظوةَ الرَّفيعةَ عند العالمِ الجِلِّيِّ، وعايشَ الأحداثَ الجِسَامَ التي ألمَّتْ بالأمَّةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ في القرنِ الرابعِ والعقدَين الأوَّلَين من القرنِ الخامسِ الهجريِّ حيث كثرت الصِّراعاتُ المذهبيَّةُ بين أبناءِ الدِّين الإسلاميِّ.
وانطلاقًا من هذا الخُلُقِ النَّبيلِ والأدبِ الرَّفيعِ، ومن قوله تعالى: (وعبادُ الرَّحمنِ الذي يمشونَ على الأرضِ هونًا وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاما)، فإنَّ التُّهمةَ الموجَّهَةَ للسَّيِّدِ أبي سعيد على أنَّهُ حاخامٌ جاءَ لتخريبِ الإسلامِ كما زعمَ المغرضونَ، لَهِيَ أقلُّ شأنًا من الرَّدِّ عليها والوقوفِ عندها، وهذه تهمةٌ تُعبِّرُ عن أصولِ ومعدنِ مَن أطلَقَها من المُتشيِّعينَ الجُدُدِ لَعَنَهم اللهُ، فقد تعرَّضَ السَّيِّدُ الميمون سرورُ بن القاسم الطَّبرانيِّ الهمذانيِّ لأشرسِ حملةِ تشويهٍ في هذهِ الأيامِ من قبلِ المنحرفينَ المتشيِّعينَ الجدُدِ المأجورين الذين تنتشرُ كتبُهم في الأسواقِ وعلى مواقعِ الإنترنيت المدسوسةِ التي تدَّعي العلويَّةَ ولا علاقةَ لنا بها لا هي ولا مَن يكتبُ بها، ومن هؤلاءِ المنحرفينَ الجدد: (فضل خاسكة وعبد الكريم جامع ومحمد علي إسبر) وغيرهم مِن الذين يجبُ التَّحذير منهم كيلا يظنَّ القارئُ أنَّهم علويُّون يمثِّلون العلويَّةَ الحقَّةَ.
ويجبُ علينا أنْ نصحِّحَ المسار امتثالًا لأوامرِ مولانا أمير المؤمنينِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (وأْمُرْ بالمعروف تكنْ من أهلهِ، وأنكرِ المنكرَ بيدكَ ولسانكَ، وباينْ مَنْ فَعَلهُ بجُهدِكَ)، وقوله: (أيُّها المؤمنونَ إنَّهُ من رأى عدوانًا يُعمَلُ بهِ، ومنكرًا يُدعى إليه فأنكَرَهُ بقلبهِ فقدْ سلمَ وبرئَ، ومَنْ أنكرهُ بلسانهِ فقد ًاجِرَ وهو أفضلُ من صاحبهِ، ومن أنكرهُ بالسَّيفِ لتكونَ كلمةَ اللهِ هي العليا وكلمة الظَّالمينَ هي السُّفلى فذلكَ الذي أصابَ سبيلَ الهدى وقامَ على الطَّريقِ ونوَّرَ في قلبهِ اليقين)، ورأفةً بالمُقصِّرينَ من أبناءِ هذه الفرقةِ لقولِهِ: (المسلمُ مرآةُ أخيه فإذا رأيتم من أخيكم هفوةً فلا تكونوا عليه إلبًا وأرشدوهُ وانصحوا له وترفَّقوا به)، فقد زاغتْ أبصارُهم وخدعتهم ضلالةُ أولئكَ الأفَّاكينَ الذين لا يقبلونَ العلمَ الإلهيَّ.
فادِّعاؤهم أنَّ السَّيِّدَ الطَّبرانيَّ يروي رواياتٍ إسرائيليَّةٍ لتثبيتِ تهمةِ أنَّهُ حاخامٌ هو ادِّعاءٌ كاذبٌ، وسيكتشفُ ذلكَ من يقفُ على ما وردَ في الأثرِ عن السَّيِّد أبي سعيدِ بقولِهِ: (ذمَّ اللهُ اليهودَ في القرآنِ في مائةٍ وثمانين موضعًا، والنَّصارى في ثمانين موضعًا….. فهذه الأفعالُ ونظائرها ممَّا يوجبُ ذمَّهُم، لأنَّها أسبابُ البعدِ عن اللهِ وعن طريقِ الحقِّ)، وقوله: (لا تجوزُ إمامةُ المسيحيُّ ولا الإسرائيليُّ بمسلمٍ ولو كان عالمًا لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).
واللاَّفتُ للنَّظرِ أنَّ السيد الطبرانيَ كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ من سيحيكُ هذه الأكاذيبَ الملفَّقَةَ، فدافعَ عن نفسهِ بقولِهِ: (وقلَّما يخلُصُ مؤلِّفُ كتابٍ من حسودٌ يحسدهُ، وباحثٍ عن خطيئةٍ يرصدُهُ، لأنَّ أهلَ الحسدِ يكتمونَ المحاسنَ ويبدونَ المساوئ جهرًا، وبهِ نستعيذُ ممَّن حسدَ ونستعين على من رصدَ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعمَ المولى ونعمَ النَّصير).
إنَّ السَّببَ في هذه الحملةِ هي الإحراجُ الذي سبَّبه لهم هذا المجاهدُ العظيم بتوحيدهِ الذي ينحدرُ عن الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ التي تُشكِّلُ صفعةً قاتلةً لِمَن يحاولونَ عَلَنًا التَّشكيكَ في هذهِ العقيدةِ، وسأدرِجُ من أقوالِ السيدِ الطبراني والعالم الجلي، وهما من أساطينِ العلومِ، ما فيه غذاءٌ للقلوبِ الصَّافيةِ وبلاءٌ للنُّفوسِ المريضةِ بداءِ الجهالةِ لقولِهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ).
فالسيدُ الطَّبراني من أكبرِ الدَّاعينَ إلى الإسلامِ دعوةَ حقٍّ، لقوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)، حيث يقول السيدُ الطَّبراني: (إنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ دَعَوا إلى دينِ الإسلامِ… وَقَدْ شَهِدَ القرآنُ المجيدُ بأنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ، وأن المؤمنينَ الذين كانوا في زمنِ نوح وإبراهيم ويعقوب ولوط وموسى وسليمان وعيسى مسلمون… وَصَحَّ وَثَبَتَ أنَّ الإسلامَ هو الإقرارُ… والإيمانَ هو التَّصديقُ بهِ بحقيقةِ المعرفةِ، وإنِ اختَلَفَتِ الشَّرائعُ في التَّحريمِ والتَّحليلِ، ففي الحقيقةِ غيرُ مختلفةٍ لأنَّ الأنبياءَ أشاروا إلى ربٍّ واحدٍ، ليسَ بينهم في عبادةِ ربِّهم اختلافٌ ولا فرقٌ).
والأنبياءُ عندَ السيدِ الطَّبراني معصومونَ عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً عن كلِّ ما وردَ بالذَّمِّ والوعدِ والوعيدِ والزَّجرِ والتهديدِ في القرآنِ الكريمِ، كقوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، فالمخاطبةُ بالمعصيةِ، والأكلِ من الشجرةِ، والمخالفةِ والهبوطِ من الجنَّةِ ببني البشر لائقةٌ، وعليهم عائدةٌ، وهم المعنيُّونَ بها، وما هذا التأويلُ إلاَّ ممَّا تعلَّمَهُ من السيد الخصيبي (ع) الذي وردَ عنهُ في الأثرِ أنَّ مَن عَقِلَ عن مَولاهُ، وَعَرَفَ حقيقةَ التَّنزيلِ والتأويلِ لم يَنسُبْ هذه الآياتِ ونظائرَها إلى الأنبياءِ.
وكيفَ لا يكونُ النبيُّ معصومًا عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً وقد قال تعالى له: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، فهو الدَّاعي بالسِّرِّ والجهرِ إلى توحيدِهِ، وهو الشَّاهدُ والنَّذيرُ لقولِهِ تعالى: (هذا نَذيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى) أرادَ به أنَّهُ هو الـمُنذِرُ الأولُ والآخِرُ.
والمتمعِّنُ في توحيدِ السيد الطَّبراني والعالمِ الجلِّي يلحَظُ أنَّهما نَهَلا علومَهُما من الحضرةِ العلويَّةِ والنَّبعِ المحمَّديِّ والسَّلسالِ الإماميِّ، وفي أقوالِهِما أكبرُ الإثباتِ على أنَّهما كانا على نهجِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، والرسول وآلِهِ البَرَرَةِ (ع)، فقد توجَّهَا بالعبادةِ إلى الإلهِ الأحدِ الفردِ الصَّمد سماءً وأرضًا لقوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ في الأثرِ عن السيد الطَّبراني قوله: (إنَّ الـمُلكَ لا يجوزُ أن يَملِكَهُ وَيُدبِّرَهُ إلا واحدٌ، ولو جازَ أن يكونا اثنينِ أحدُهما في السَّماءِ والآخرُ في الأرضِ لَفَسَدَ الـمُلكُ وَبَطُلَتِ الحكمةُ)، ولذلكَ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، وهذهِ الآياتُ كما قال السيد الطَّبراني: (تشيرُ إلى أنَّ الإيمانَ لا يكونُ إلا بإشراقِ نورٍ إلهيٍّ يفيضُ على الأكوانِ، فَتُقَادُ منه النُّفوسُ الصافيةُ المستعدَّةُ لقبولِ قولِ المنادي الذي هو الدَّاعي من مكانٍ قريبٍ، فَيُشرِقُ عنه التَّصديقُ الخالصُ من الارتياب).
وهذا كمالُ الإيمانِ واتِّباعُ البيانِ في الفقهِ العلويِّ، فمِن صفةِ الحكيمِ أن لا يَعبُدَ إلا موجودًا، لأنَّ مَن غابَ فلا يُعاين، يُوشِكُ أن لا يكونَ شيئًا، وقد أكَّدَ السيد الطَّبراني أنَّ اللهَ لو لم يَدعُ إلى نفسِهِ لما صحَّ الوجودُ ولا أقامَ الحجَّةَ على الخلقِ، وإنَّما كانَ ذلكَ ليُؤخَذَ بآدابِهِ وآثارِهِ، ولكنَّهُ عزَّ وجلَّ امتحنَ العالمَ ليؤمنَ به مَن يؤمنُ، ويكفرَ به مَن يكفرُ.
وهذا الإثباتُ والإقرارُ هو جوهرُ المعرفةِ التي اعتقدَ بها العالمُ الجلِّيُّ، وما هذا الاعتقادُ إلا اتِّباعٌ ويقينٌ بمقالةِ المعصومين، فهذه المعرفةُ وهذا التوحيدُ لا يكونان إلاَّ عندَ الاولياءِ البالغينَ المعرفةَ لذلكَ وردَ عن السيد الطَّبراني أنَّ الحقَّ سبحانَهُ وعظُمَ شأنُهُ، أوجدَ خَلقَهُ نفسَهُ، وَدَلَّهُمْ على ذاتِهِ، فَنَاجاهُمْ خطابًا واضحًا، وَنُطقًا بيِّنًا، وَعِيَانًا وَوُجُودًا، فَدَعاهُم إلى ربوبيَّتِهِ والإقرارِ بوحدانيَّتِهِ، فأقرَّ مَن أقرَّ باختيارِهِ، وأنكرَ مَن أنكرَ باختيارِهِ.
وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنَّهُ يدلُّ على عقيدةٍ صحيحةٍ وإيمانٍ عظيمٍ لا يصلُهُ إلا مَن ثَبتَ على الصِّراطِ المستقيم، وهذا التَّوحيدُ له شروطٌ معرفيَّةٌ يجبُ فهمُها، تتلخَّصُ في قولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (مَن وَصَفَهُ فقد شبَّهَهُ، وَمَن لم يَصِفْهُ فقد نَفَى وجودَهُ)، لأنَّهُ سبحانَهُ وتعالى (جلَّتْ ذاتُهُ وعَلَتْ، وعنِ الصِّفاتِ امتَنَعَتْ) وهذا هو الحقُّ الذي أوضحَهُ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام بقوله في إحدى خطبِ نَهج البلاغة: (مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ)، وقوله في خطبةٍ أخرى: (مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، ولا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، ولا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ).
والتَّشبيهُ هنا يقتضي الشِّركَ لقول الإمامِ الرَّضا (ع): (مَن شبَّهَ اللهَ تعالى بخلقِهِ فهو مشركٌ)، وهذا ما كانَ واضحًا في قولِهِ (ع): (إنَّما وقعَ الشَّبهُ في الأجناسِ، وليسَ هو من جنسِهم)، فقيل له: أَوَ يخلقُ خلقًا يستترُ به فيتكلَّم منه؟- إشارةً إلى قولِ الحلوليِّينَ- فأجاب (ع): (هذا ما لا يمكنُ أن يحوِّلَ نفسَهُ عن هيئَتِهِ)، ولكنَّهُ سبحانَهُ أتاهم من حيثُ يعرفون.
فاللهُ تعالى كما قال السيد الطَّبراني: (كان قبل الوقتِ لا منعوتًا ولا موصوفًا ولا مُسَمًّى… كانَ ولا مكانَ يُقصَدُ منهُ إليهِ، ولا نعتَ موجود، ولا وقتَ محدود، ولا أجَلَ ممدود)، وحينَ سُئلَ الإمامُ الرِّضا (ع): هل خلا المسمِّي من اسم وقتًا ما؟ أجاب: (أجل قبلَ الوقتِ كانَ ليسَ بمحسوسٍ ولا مدروكٍ ولا يُدرِكُهُ العقلُ ولا يَخطرُ على الفكرِ)، واللهُ لا يقعُ عليه اسمٌ ولا صفةٌ ولا حدٌّ، لذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام شعرًا:
كيفيَّةُ المرءِ ليسَ المرءُ يدركُها… فكيفَ كيفيَّةُ الجبَّارِ في القدمِ
العجزُ عن دركِ الدَّرَّاكِ إدراكُ… والبحثُ في سرِّ ذاتِ اللهِ إشراكُ
وهو معنى قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فليسَ يُدرِكُهُ الخَلقُ إدراكَ إحاطةٍ، ولكنَّهُ يدركُ أبصارَ الخلائقِ جميعًا من غيرِ فَواتِ شيءٍ منها، ولا يَغرُبُ عليهِ كَونُها، لأنَّهُ مُكوِّنُها ومكوِّنُ كَيانِها, ومكوِّنُ المكانِ لها.
وهنا نفهم معنى قول السيد الطَّبراني: (فتقدَّسَ مَن هو دليلُ الأدلَّةِ على وجودِهِ، وهادي الهداةِ إلى توحيدِهِ، تاهَ مَن زعمَ أنَّهُ بغيرِهِ عرفَهُ، وضلَّ مَن بصفاتِ نفسِهِ وصَفَهُ، جلَّ مَنِ القدرةُ صِفَتُهُ والمشيئةُ فطرَتُهُ، عزَّ عن المساواةِ لخلقِهِ وبريَّتِهِ) ، ولذلك كان السيد الطَّبراني يحذِّرُ من الخطأ في التَّوحيدِ عندما أوردَ قول الإمام الصادق (ع): (مَن زعمَ أنَّ ما رآهُ بعضًا فقد بعَّضَ اللهَ)، إذ (به تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبه يُعرفُ العقلُ لا بالعقلِ يُعرَف) كما قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، فالتَّوهُّمُ لا يجري على الإلهِ لقولِ الإمام الصادق (ع): (كلُّ ما توهَّمتَ وخطرَ في بالك شيءٌ فالأزلُ أعلى منه).

ومن هنا يمكن القول: إذا كانَ علم الحقائق من أعظمِ أمَّهاتِ الإيمانِ وأصولهِ، فإنَّ أشرفَ تحقيقٍ في هذا المرام ما جاءَ في فلسفةِ الفيلسوفِ العلويِّ العظيمِ أبي سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني، ففلسفته قرَّةُ عيونِ الكرامِ، ومعدنُ الجواهرِ في رياضِ الجنانِ، ونهجُ البيانِ لتفهُّمِ معاني القرآنِ، والكلامُ الواضحُ والدَّليلُ اللاَّئحُ في الحقِّ والبرهانِ، والسِّرُّ المصونُ على مرِّ الزَّمانِ، إذ هي رواياتُ العالم الجلِّيِّ عن السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع)، وهي قواعدٌ يقتدي بها العالمُ ويستضيءُ بنورها الإمامُ الحاكمُ، ولا يقفُ عليها جاهلٌ ولا ظالمٌ، لأنَّها بحاجةٍ إلى فهم المعاني، والغوصِ في حقيقةِ المباني، لكثرةِ ما فيها من الجواهرِ النَّفيسةِ والأسرارِ العويصةِ، فصريرُ أقلامِ العلماءِ يخرقُ الحجبَ، وينتهي إلى ما بين يدي اللهِ.
وقد كانَ قولُ الحقِّ واجبًا أدَّاهُ السيد الطبراني بكلِّ أمانةٍ، امتثالًا لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (وما أخذ اللهُ عهدًا على الجُهُّالِ أنْ يتعلَّموا إلاَّ وأخذَ على العلماءِ سبعينَ عهدًا أنْ يُعلِّموا)، فالعالمُ هو الدَّاعي للحقِّ لقولهِ تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به)، ولكنَّ النَّاسَ في أيامنا ابتعدوا عن هذا القانونِ الخصيبيِّ الرَّفيعِ، وهمَّشوا وجودَهُ، فضاعت الحقائقُ النَّاظمةُ للعلاقاتِ الدينيَّةِ وتفكَّكَ البنيانُ المرصوصُ.
ولو أنَّهم انتهجوا نهجه والتزموا ما فيه من التَّعاليمِ لما كانَ الوضعُ قد آلَ لِمَا هو عليه الآنَ من الانحرافِ والابتعادِ عن الدِّينِ والزُّهدِ فيهِ، ولمَا وجدَ المغرضونَ المرتدُّونَ الفرصةَ سانحةً ليفسدوا في الدِّين كما قال تعالى: (والذين ينقضونَ عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقهِ ويقطعونَ ما أمرَ اللهُ بهِ أنْ يوصلَ ويُفسدونَ في الأرضِ أولئك لهم اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ).

اترك رد