ميزان اليقين.. أصله ونشأته

hesham

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

قليلٌ من النَّاسِ هم القدوةُ الحسنةُ في التَّوحيدِ، فإذا انضمَّ إلى ذلك كونُ القدوةِ الحسنةِ سلالةُ بيتِ النُّبوَّةِ وأحفادُ شرفِ الرِّسالةِ، الجبالُ الشَّامخةُ الذين يُقتَفَى أثرُهم وُتَّبَعُ مَنهَجُهُم، ويَستضيءُ الجيلُ بسيرَتِهم، كانت النتيجةُ أفكارًا خلاَّقةً للبشريَّةِ جمعاء.

والموضوعُ الذي تمَّ اختيارُ الكلامِ فيه، تَشغلُ مسائلُهُ النَّاسَ منذُ زمنٍ طويلٍ، وخاصَّةً في هذا الزَّمنِ الذي أصبحَ فيه أغلبُ النَّاسِ على غيرِ بصيرةٍ، وبغفلةٍ جعلتهُم يسيرونَ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ودعاةً بألسِنَتِهم فقط.

فَمَا هي المبادئُ الكبرى والشُّروطُ الرَّئيسةُ لِصِحَّةِ الاعتقادِ والالتزامِ كما قالَ سُبحانَهُ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؟

أليسَ القرآنُ هو الميزانُ بين الخالقِ والمخلوقِ؟

يقول تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)؛ فقوله: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) يشيرُ إلى الإفراطِ الذي يُلزِمُ الجورَ والفسادَ، وهم أصحابُ النَّظريَّةِ الصِّفاتيَّةِ السَّفسطائيَّةِ أهلُ التَّشبيهِ، أمَّا قوله: (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) فيشيرُ إلى تفريطِ أهلِ التَّعطيلِ أصحابِ النَّظريَّةِ العدميَّةِ، لذلكَ جاءَ الأمرُ الإلهيُّ بالوسطيَّةِ والاعتدالِ في قولِ الله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ).

فَمَا هو أصلُ الميزانِ؟ وهل الكفَّتَين هما أصلُ الميزانِ؟

لا، فأصلُ الميزانِ التَّقويمُ الثَّابتُ القائمُ بذاتِهِ، والكفَّتَانِ مُضافَتَانِ لِعِلَّةِ الخلقِ والحاجةِ للعدلِ، والكفَّتان لم تُعَلَّقَا على الميزانِ قبل الإيجادِ، إنَّما بعدَ الإيجادِ. فَعِندما احتاجَ النَّاسُ للوزنِ، تَمَّ تَعليقُهُما، كذلكَ حينَ احتاجَ المخلوقُ إلى معرفةِ الحقِّ الجوهريِّ تَجَلَّى لَهُ فأبدَى الكتابَينِ المَمثولَينِ بالكفَّتَينِ وهما الكتابُ المَرقومُ وكتابُ الأبرارِ المعبَّرُ عنهما معًا بالكتابِ المسطورِ لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ).

إنَّ مبدأَ أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ كالميزانِ لهُ كفَّتانِ هما الإثباتُ والإفرادُ، وهما مُتلازِمَانِ، فلا يَجوزُ الإثباتُ دونَ إفرادٍ، ولا الإفرادُ دونَ إثباتٍ، لأنَّ الإثباتَ دونَ إفرادٍ تشبيهٌ وإشراكٌ كعبادةِ الأصنامِ لقولِ الإمام الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ)، والإفرادُ دونَ إثباتٍ تعطيلٌ وإنكارٌ كعبادةِ العدمِ، فإذا سبقَ لكَ الإقرارُ بالكتابِ المسطورِ وَجَبَ عليكَ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن سِمَاتِ وحدودِ الكتابِ المسطورِ، فالدَّلالةُ للكتابِ المسطورِ إثباتٌ للتَّجلِّي، ثمَّ الإفرادُ عن التَّجسيمِ والتَّحديدِ والتَّخطيطِ للوصولِ الى حقيقةِ العبادةِ.

لكنَّ المشبِّهينَ وإخوانَهم المُنكِرين حَادوا عن طريقِ الحقِّ، فَمِنهم مَن أنكرَ مُعاينَةَ عالمِ الحسِّ للكتابِ المرقومِ بِقَولِهم الباطلِ: (إنَّ الكتابَ المرقومَ مُخصَّصٌ لعالمِ العقلِ فقط)، فلم يُميِّزُوا بين النَّحرِ والبَترِ في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، فكلمةُ (كوثر) تدلُّ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ، وهي دلالةٌ على الكتابِ المسطورِ، وقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) دعوةٌ للإقرارِ بالكتابِ المسطورِ، ومِن ثمَّ إفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ بقوله: (وَانْحَرْ)، فالنَّحرُ هو نفيُ السِّماتِ والحدودِ عن الذَّاتِ المقدَّسةِ وهذا هو الإفرادُ، والإفرادُ ليس إنكارَ الكتابِ المسطورِ، لأنَّ المُنكِرَ هو الأبترُ الذي لم يُقِر أصلاً بوجودِ الكتابِ المسطورِ، فَبَعضهم أبتَرُ من جهةِ إنكارِهِ لوجودِ كتابِ الأبرارِ المُماثِلِ لعالمِ الحسِّ، وبَعضُهم مُنكِرٌ لوجودِ الكتابِ المرقومِ المُماثِلِ لعالمِ العقلِ، وهؤلاء المُنكِرونَ ينطبقُ عليهم قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

وهناكَ الكثيرُ من الأقوالِ والدَّلائلِ على إثباتِ المعايَنَةِ للكتابِ المسطورِ، فَكَما ثَبَتَ وجودُ الأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ السَّماويَّةِ في السَّماءِ ثَبَتَ وجودُ الكتابِ المسطورِ لهم على مِثَالِهم كَصُورِهم (كسِماتِهم) العقليَّةِ يَرَاها أهلُ سَمَاواتِهِ وأرضِهِ ويَعرفُها العارفونَ ويُنكِرُها الجاحدونَ، فالحقُّ الجوهريُّ وإنْ بَدَا للأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ الحسِّيَّةِ بِسِمَتَينِ فهو صاحبُ الحَضرَةِ الأحديَّةِ الذي لا يتغيَّرُ ولا يَحولُ ولا يزولُ ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ ولا يُشبِهُ شيئًا ولا تُضرَبُ به الأمثالُ وليسَ هو مِن قِبَلِ الهيئاتِ والأفلاكِ والأجناسِ، وإنَّما تَجَلَّى لهم رحمةً ولُطفًا من غيرِ حلولٍ ولا اتِّحادٍ ولا مُمَازجَةٍ، فالمعاينُ لوجودِ الذَّاتِ المقدَّسةِ كالنَّاظرِ في الماءِ يُعاينُ نظيرَ سِمَاتِهِ وَحُدودِهِ، وهذا دليلٌ على وجودِ واجبِ الوجودِ في سماواتِهِ وأرضِهِ لِتَكونَ حجَّتُهُ تامَّةً وبالغةً، فَمَنْ وَزَنَ بميزانِ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ وأقرَّ وآمنَ إثباتًا وإفرادًا نَجَا، ومَن خالفَ ميزانَنا العلويَّ فَشَبَّهَ أو أنكَرَ وقعَ بالرَّدَى.

اترك رد