Press "Enter" to skip to content

السؤال الرابع والثمانون حول زيارة مقامات الأولياء الصالحين والتبرك بها

 

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والثَّمانون: ما هو مبرِّرُ زيارتكُم لقبورِ شيوخِكم؟ أليسَ تقبيلُها من أنواعِ الشِّركِ؟ فلماذا تقومونَ بذلك وقد نَهَى الرَّسولُ عن ذلك؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ هذا اتِّهام صريحٌ موجَّهٌ إلينا لذلكَ لابدَّ من الإيضاحِ أوَّلاً أنَّ النَّهيَ عن زيارةِ الـمَقاماتِ والـمَزاراتِ كانَ مِن دَأبِ أعداءِ رسولِ اللهِ (ص)؟!

إذْ وَرَدَ في الخبرِ أنَّ مروانَ بن الحكم أقبلَ يومًا فَوَجَدَ رَجُلاً وَاضِعًا وَجهَـهُ على القبرِ، فأقبَلَ عليهِ وأخذَ بِرَقَبَتِهِ ثم قالَ: هل تَدري ما تَصنَعُ؟ فإذا هو الصَّحابـيُّ الجليلُ أبو أيُّوب الأنصاري، فقالَ: نَعم إنِّي لم آتِ الحَجَرَ، إنَّما جِئْتُ لأُسَلِّمَ على رسولِ اللهِ (ص).

فَتَبَرُّكُنا بالمقاماتِ والمزاراتِ كَتَبَرُّكِ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ بمقامِ رسولِ اللهِ (ص). ونحنُ في تَبَرُّكِنا بالمقاماتِ والمزاراتِ نَقتدي برسولِ اللهِ (ص) عندما كان يقفُ عندَ الحَجرِ الأسودِ ويُقبِّلُهُ، فهذا التَّبَرُّكُ ليسَ عبادةً للحجرِ، إنَّما هو احترامٌ للأرواحِ الطَّاهرةِ، وتعظيمٌ لِشَعائِرِ اللهِ، وقد قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب)، شَأنُهُ شَأنُ تَقبـيلِ غِلافِ المصحفِ الكريمِ والكتبِ السَّماويَّةِ، إلاَّ إذا كانَ أحدٌ يَذهبُ إلى أنَّ تقبـيلَنا للمصحفِ كفرٌ وإلحادٌ!!

وبِعَرْضِ المسألةِ على كتابِ اللهِ نَستَذكِرُ قوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيراً)، إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرًا). فهذهِ الآيةُ صريحةٌ تؤكِّدُ أنَّ النَّبيَّ يعقوب (ع) كان مفتقرًا للهِ عندما تبرَّكَ بقميصِ الوصيِّ يوسفَ (ع)، وهذا من التَّعليمِ الرَّفيعِ للتَّبَرُّكِ بمقاماتِ ومَزاراتِ الأولياءِ الصَّالحين.

وهذا يؤكِّدُ أنَّ إقامةَ الدُّعاءِ عندَ المقاماتِ والمزاراتِ والتَّبرُّكَ بها مُسْتَحَبٌّ ومُقْتَرِنٌ بِالثَّوابِ، وهو نوعٌ من تعظيمِ شعائرِ اللهِ، والكتابُ الكريمُ يُصَـرِّحُ بِجَوَازِ ذلكَ، من خلالِ عدَّةِ أدلَّةٍ:

  • الدَّليلُ الأوَّلُ: السَّادَةُ العِظَامُ أصحابِ الكهفِ الذينَ وردَ ذِكْرُهم في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، فَجَعَلَ المَوضِعَ مَزارًا، وهذا المزارُ صارَ ذا كرامةٍ وَشَرَفٍ بسببِ وُجُودِهِم، إذ قال تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا).

  • الدَّليلُ الثَّاني: مقامُ سيِّدِنا إبراهيم الخليلِ (ع) الذي وَجَبَ الدُّعاءُ عِندَهُ لقوله سبحانَهُ: (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، فإذا كانَ الأمــرُ كذلـكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقامِ سيِّدنا إبراهيمَ الخليلَ (ع)، ألا يَنبغي أن يكونَ كذلكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقَامَاتِ الرُّسُلِ والسَّادةِ المؤمنينَ الـمُتَّقينَ، وقد قالَ تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ)؟!

  • الدَّليلُ الثَّالث: البيوتُ المرفوعةُ في قوله تعالى: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ): فليسَ الـمُرَادُ من البيوتِ هو الجوامعُ فقط، بل هي الأماكنُ التي يُذكَرُ فيها اسمُ اللِه تعالى كالمقاماتِ والمزاراتِ. وهذا الرَّفعُ له مَعنيان:

  • الأوَّل: أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الماديُّ الذي يَتحقَّقُ بإرساءِ القواعدِ والبناءِ، كما قال سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعيلُ)، وهذا يَدُلُّ بكلِّ وضوحٍ على جَوَازِ تَشييدِ المقاماتِ وتَعميرِها.

  • والثَّاني أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الحقيقيُّ، كما قال عزَّ وجلَّ: (وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا)؛ أي مَنَحْنَاهُ مكانةً عاليةً من خلالِ التَّكريمِ والتَّشريفِ والـمَدَدِ. وهذا يَدُلُّ على تَكريمِها وَتَبجيلِها وَصِيَانَتِها وَتَطهيرِها مِمَّا لا يَليقُ بشأنِها.

ولابدَّ من التَّذكيرِ بقولِ الإمامِ علي الهادي (ع) الواردِ في كتابِ تحفِ العقولِ عن آلِ الرَّسولِ (ص): (إنَّ للهِ بِقَاعـًا مَحمـودَةً يُحِبُّ أن يُدْعَى فيها فَيَسْــتَجِـيبَ لِمَنْ دَعَاهُ)، وهذا يعني أنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ في بُقعَةٍ لامَسَتْ أحدَ الأئمَّةِ أو الأنبياءِ أو الرُّسُلِ (ع) أو الأولياءِ الصَّالحينَ (ق) فأصبحَتْ مَزارًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

Be First to Comment

اترك رد