الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

hesham

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمثال لِلنَّاسِ). فَبِمَنْ ضَرَبَ اللهُ الأمثالَ؟ وما هو الفرقُ بين المَثَلِ والمَمثولِ؟
إن بدعَ الحلولِ والإنكارِ كانت ولا زالَتْ تستهدفُ حبلَ اللهِ العلويِّ المتينِ، لِتُوهِنَهُ وتُخْرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، لِتُبعِدَ النَّاسَ عن مبادئِ عَقيدَتِهم، وتُفَرِّقَهُم إلى آراءَ شتَّى.
لقد حاولَ المُشبِّهونَ تَحويرَ صميمِ العقيدةِ العلويَّةِ نتيجةَ انتحالِهم لأسلوبِ التَّحريفِ والتَّزييفِ، فوَقَعَ هؤلاء المشبِّهونَ كما سادَتُهم المتشيِّعونَ بالحلولِ في فهمِ الأمثالِ التي ضَرَبَها تعالى للنَّاس، حيث جَعَلُوا المثلَ حقيقةً للممثولِ، ولم يُفرِّقُوا بين المثلِ المضروبِ والغايةِ من ضَربِهِ.
ففي قصَّةِ سيِّدنا موسى (ع) وَقَعوا بالحلولِ، إذ رَفَعوا سيِّدَنا موسى (ع) من مقامِ الوجودِ الكاملِ الذي هو الفعلُ العاقلُ إلى واجبِ الوجودِ الذي له مقامُ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ. فما هذا الهراءُ الذي يَتَخبَّطونَ فيه؟
إنَّ قصَّةَ سيدنا موسى (ع) ومعجزاتِهِ كما وردَتْ في الذِّكرِ الحكيمِ أنَّ الله تعالى قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، فاليمينُ هنا اليدُ، واليدُ الفعلُ والقوَّةُ، وهذا الفعلُ والقوَّةُ تكوينيٌّ لموسى (ع)، لأنَّ كافَ الخطابِ راجعةٌ إليهِ، وهناك حكمةٌ ربَّانيَّةٌ، حيثُ أجاب سيدنا موسى (ع): (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فالعصا المباركةُ هي مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المماثِلَةِ للفعلِ العاقلِ، لذلكَ قالَ: (عَصَايَ)، ولم يقل: (عَصَا)، والدَّلالةُ بذلكَ إلى وجودِ واجبِ الوجودِ على قَدْرِ سيدنا موسى (ع)، ثم قال تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ثم قال: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى).
إنَّ سمةً الحيَّةِ هي سِمَةُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المتحرِّكَةِ، فالحيَّةُ إذنْ هي العصا من ناحيةِ الحقيقةِ، ولكنَّ العصا ليسَتْ حيَّةً من ناحيةِ الشَّكلِ، وهذا يماثلُ قولَ سيدنا المسيح (ع): (إنَّ الواحدَ هو الأحدُ ولكنَّ الأحدَ ليسَ واحدٌ)، لأنَّ السِّماتِ والحدودَ التي ظهرَتْ بالسَّعي تُماثِلُ السِّماتِ والحدودَ الموسويَّةَ، فَمَن جعلَ حقيقةَ العصا حيَّةً فقد أنكرَ المعجزَ الإلهيَّ وصارَ بذلكَ منكرًا لواجبِ الوجودِ، وَمَن قالَ بأنَّها بالحقيقةِ حيَّةٌ وَعَصا وقعَ بالتَّشبيهِ، وهو بذلكَ التَّشبيهِ يكون قد سَاوَى بين سيدنا موسى وَمَولاه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّهُ شِركٌ باللهِ، لقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).
أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الخالصِ فَيَعلمونَ أنَّ العصا لم تَبدُ كالحيَّةِ إلاَّ بعدَ الإلقاءِ وليسَ قبلَهُ، للدَّليلِ على أنَّ السِّماتِ والحدودَ لا تُطلَقُ عليهِ إلاَّ بعدَ إظهارِ الأفعالِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلاَّ بعدَ إظهارِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ المقدَّسَةِ.
أمَّا الحيَّةُ فإنَّها تَسعى، ولم يقل بأنَّ العصا هي التي تَسْعَى، لأنَّها كانت ساكنةً، فالحركةُ إذَنْ بعدَ السُّكونِ، لأنَّ الحركةَ مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، أمَّا السُّكونُ فهو رمزٌ إلى إفرادِ ذاتِ واجبِ الوجودِ.
ثمَّ عادَ الأمرُ الإلهيُّ يَصدُرُ: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فَوَضَع سيدنا موسى (ع) يَدَهُ في جَيبِهِ وأخرَجَها فإذا هي تتلألأ، فَفِعلُ الإدخالِ والإخراجِ ارتبطَ باليدِ، لأنَّ اليدَ دَلَّتْ على أنَّ الفعلَ والقوَّةَ حقيقةٌ تكوينيَّةٌ لسيدنا موسى (ع)، لِيَدُلَّ على مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ وإنْ أبْدَى أفعالاً تماثلُ الفعلَ الكاملَ، لكنَّها تَبقى أفعالٌ وجوديَّةٌ فقط.
وأظهَرَ سيِّدُنا موسى (ع) المعجزاتِ على الملأ باجتماعِهِ مع السَّحرَةِ أمامَ فرعونَ لَعَنَهُ اللهُ، لتكونَ الحجَّةُ الرَّبَّانيَّةُ تامَّةً وكاملةً لذلك أَسْلَمَ السَّحَرَةُ كما في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). وهنا لابدَّ من طَرحِ بعضِ التَّساؤلاتِ، فلماذا ألقَى السَّحرَةُ عِصِيَّهُم في البدايةِ ثمَّ ألقاها سيِّدُنا موسى (ع)؟ ولماذا عَمَلُهُم سِحرًا، بينما سُمِّيَ فعلُ سيِّدنا موسى معجزةً؟
لأنَّ أفعالَ السَّحرةِ كانت ناقصةً ولم تكتملْ فَعِصِيُّهُم تحوَّلَتْ إلى ثعابينَ لكنَّها لم تَرجعْ بعدَ ذلكَ إلى حالِها الأوَّلِ، أمَّا عَصَا سيِّدِنا موسى (ع) فقد تحوَّلَتْ بدايةً إلى حيَّةٍ، ثم تَلَقَّفَتْهُم، ثمَّ عادَتْ إلى حَالِها الأوَّلِ، وهذا له دلالةٌ إيمانيَّةٌ، فأهلُ التَّشبيهِ يَقفونَ عندَ مرحلةِ الإثباتِ ولا يَستطيعونَ تَجاوزَها، فَيُثبِتُونَ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ الحدودَ والسِّماتِ ثمَّ يَجعلونَها حقيقةً لها وهذا شركٌ باللهِ، لذلكَ فإنَّ توحيدَهُم خاطئٌ. أمَّا أهلُ الإيمانِ واليقينِ فَيُثبِتُونَ وجودَ الذَّاتِ المقدَّسَةِ في السَّماواتِ والأرضِ، ثم يُفرِدُونَ ذاتَ واجبِ الوجودِ عن جميعِ هذهِ السِّماتِ والحدودِ لِيَبلُغُوا بذلكَ درجةَ الإخلاصِ في التَّوحيدِ، وهذا مِثَالُهُ في القصَّةِ أنَّ العَصَا تَحَوَّلَتْ إلى حَيَّةٍ ثمَّ عَادَتْ إلى عَصَا.

اترك رد