Press "Enter" to skip to content

السؤال الخامس والثمانون حول الزنى بين المؤمن والمقصر

images

السُّؤالُ الخامسُ والثَّمانون: هل الزِّنى يَقضي بالخروجِ من الإيمانِ ويحكمُ بالكفرِ على الزَّاني؟ ولماذا اقتضى التَّشريعُ أن يحتاج الحكم على الزاني إلى أربعةِ شهود بينما يكتفى بشاهدين فقط في غيرِ ذلكَ؟

 

الجوابُ الخامسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

يقولُ تعالى في كتابِهِ العزيزِ: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)، لأنَّ الزِّنى من الكبائرِ التي نَهَى اللهُ عنه وأمرَ باجتنابِها، ولكنَّ السُّؤال المطروحَ دقيقٌ أخطأت العامَّةُ في الحكمِ عليهِ نتيجةَ الخلطِ والتَّخليطِ.

لابدَّ في البدايةِ من التَّذكيرِ بقولِهِ تعالى: (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ)، وقد أمرَ اللهُ تعالى عبادَهُ باجتنابِ المعاصي ومنها بإيجازٍ ما وَرَدَ في سورةِ الإسراءِ: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)، (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى)، (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ)، (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ)، وهي جميعًا قد تلحَقُ بالمقصِّرينَ ويُحاسَبُونَ عليها لقولِهِ تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)، أمَّا ما يستوجبُ جهنَّمَ بلا رجعةٍ فهو الشِّركُ لقوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً).

فالزِّنى لا يُخرِجُ المسلمَ إلى حَدِّ الشِّركِ والكفرِ الذي يَستوجِبُ جهنَّمَ والخلودَ فيها لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الزِّنى واللَّهو ففاعلُ هذهِ الأفعالِ كلُّها مُفسِدٌ للإيمانِ، خارجٌ منه من جهةِ ركوبِهِ الكبيرة على هذهِ الجهةِ، غيرُ مشركٍ ولا كافرٍ ولا ضالٍّ، جاهلٌ على ما وصفناهُ من جهةِ الجهالةِ)، بل يُطبَّقُ على الزَّاني حَدُّ الزِّنى في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وذلكَ ليتوبَ عن ذَنبِهِ.

هذا يعني أنَّ المسلمَ المُقَصِّرَ قد يزني، ولكنَّ الزِّنى لا يُخرِجُه من الإسلامِ، بدليلِ قولِ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في نهجِ البلاغةِ: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ)، فلو أنَّهُ خرجَ إلى الكفرِ لَمَا صَلَّى عليهِ النَّبيُّ (ص)، وقد قالَ تعالى في سورة التَّوبة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)، وهم الذينَ تَخَلَّفوا عن الجهادِ معه.

أمَّا المؤمنُ البالغُ بالمعرفةِ فلا يَزني بعكسِ ما نَسَبَتْهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ لرسولِ الله (ص) من أنَّ المؤمنَ قد يزني!! فالزِّنى محرَّمٌ على المؤمنين لقولِهِ تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، أي لا يرتكبُهُ مؤمنٌ بالغٌ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إذا زَنَى الرَّجلُ أَخرَجَ اللهُ منهُ روحَ الإيمانِ)، فسُئِلَ إنْ كانَ المقصودُ بالرُّوحِ ما وردَ في قولِ اللهِ تَبَارك وَتَعالى: (وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ منهُ)؟ فقال (ع): نعم. وذلكَ لأنَّ الإيمانَ أعلى وأجلُّ من الإسلامِ.

والدَّليلُ على أنَّ الإيمانَ أعلى وأجلُّ من الإسلامِ هو قولُ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الإيمانُ أرفعُ من الإسلامِ بدرجةٍ، إنَّ الإيمانَ يشاركُ الإسلامَ في الظَّاهرِ، والإسلامُ لا يشاركُ الإيمانَ في الباطنِ، وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّـفَةِ)، ولذلك قال تعالى: (قَالَتِ الاْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ). فالمقصِّرُ لا يَعْدو كونَهُ مُسْلِمًا، أمَّا المؤمنُ فهو البالغُ في المعرفةِ بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الإسلامُ هو الظَّاهرُ الذي عليهِ النَّاسُ: شهادةُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ محمَّداً عبـدُهُ ورسولُهُ، وإقامةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ وَحَجُّ البيتِ وصيامُ شهرِ رمضانَ؛ فهذا الإسلامُ. والإيمانُ معرفةُ هذا الأمرِ مع هذا، فإنْ أقرَّ بها ولم يَعرِفْ هذا الأمرَ كان مسلماً وكان ضَالاًّ).

وهذا التَّفريقُ بينَ المقصِّرِ الذي قد يزني، والمؤمنِ العارفِ الذي لا يزني، هو ما يفسِّرُ روايةَ إبراهيمَ اللَّيثيِّ حين سألَ الإمامَ الباقر (ع) عن المُؤمنِ المُستَبصرِ: هل يزني؟ أجابَ: لا يزني أبداً. قالَ: هل يلوطُ؟ أجابَ: لا. قالَ: وهل يُذنِب؟ أجابَ (ع): (نعَم، إلاَّ أنَّهُ إذا أذنَبَ لا يَلحقُهُ من ذنْبِهِ شيءٌ لأنَّ المؤمنَ مُزِجَ بهِ من اللَّمَمِ)، وهو المذكورُ في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ).

وللإجابةِ على القسمِ الثَّاني من السُّؤالِ أقولُ: إنَّ الحكمَ على الزَّاني لا يثبت إلا بأربعة شُهَدَاء لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). حتَّى أنَّ سيِّدنا المسيح (ع) حينَ جاءَهُ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ بامْرَأَةٍ وقَالُوا لَهُ: (يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟)، قَالَ لَهُمْ: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ)، فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً، وَبَقِيَ وَحْدَهُ مع الْمَرْأَةِ فقَالَ لَهَا: (يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟)، فَقَالَتْ: لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ. فَقَالَ لَهَا (ع): (ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً).

وتفسيرُ الشُّهَدَاءِ الأربَعِ قد وردَ عن الإمام جعفر الصادق (ع)، حيث روي أن أبا حنيفة النَّعمانَ مؤسِّسَ المذهبِ الحنفيِّ سألَهُ: أيُّهما أشدُّ الزِّنَى أم القتلُ؟ قال (ع): القتلُ. قال أبو حنيفة: فما بالُ القتلِ جازَ فيه شاهدان، ولا يَجوزُ في الزِّنى إلاَّ أربعةٌ؟ فقال (ع): ما عندَكم فيه يا أبا حنيفة؟ قال: ما عندنا فيه إلاَّ حديثُ عمر، إنَّ اللهَ أجرَى في الشَّهادةِ كلمتينِ على العبادِ. فقال (ع): (ليسَ كذلكَ يا أبا حنيفةَ ولكنَّ الزِّنَى فيه حدَّانِ، ويجبُ أن يشهدَ كلُّ اثنينِ على واحدٍ، لأنَّ الرَّجلَ والمرأةَ جميعًا عليهما الحَدُّ، والقتلُ إنَّما يُقامُ الحَدُّ على القاتلِ ويُدفَعُ عن المَقتولِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

Be First to Comment

اترك رد