الموقنون بآيات الله

hesham

الموقنون بآيات الله
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
اعلمْ أيُّها المؤمنُ أيَّدَكَ اللهُ أنَّنا نستدلُّ على معرفةِ وجودِ واجبِ الوجودِ بالمعقولِ الرَّصينِ والمنقولِ المبينِ، اذْ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)؛ فمعرفةُ وجودِ واجبِ الوجودِ تَتحقَّقُ بما نَدَبَ القرآنُ المجيدُ إليهِ في أكثرَ من مَوضعٍ منهُ، كقوله تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، وقوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) أي معاينةُ الدَّلالاتِ على مقامِ واجبِ الوجودِ في الآفاقِ وهو عالمُ العقلِ، (وَفِي أَنفُسِهِمْ) وهو عالمُ الحِسِّ، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي حتَّى يَتَّضِحَ لهم أنَّ مَقامَ التَّمكينِ هو جَنَّةُ المؤمنين، ويَكفِينا استدلالُ الخليلِ (ع) بجنَّةِ القلبِ وجنَّةِ النَّفسِ وجنَّةِ العقلِ في الآيةِ الكريمةِ.
واعلمْ أيَّها المؤمنُ أنَّ السَّماواتِ والأرضَ مقاماتٌ لِعَالَمَي العقلِ والحسِّ، وأنَّ مَلكوتَها لَطائِفُهُم، وهي العقولُ والنُّفوسُ، والـمُعايِنُ لها يُعاينُ سَيرَهُ الذي تَتَغَيَّرُ سِمَاتُ وحدودُ وُجودِهِ بِتَغَيُّرِ سِمَاتِ وحدودِ الـمُعاينينَ لَهُ، لأنَّ سيرَ السَّالكِ من الأصغرِ إلى الأكبرِ، وهذا مِن لَطَائِفِ مَقامِ التَّمكينِ في تعليمِ وهدايةِ الطَّالبينَ.
واعلمْ أيُّها الطَّالبُ أنَّ مقامَ واجبِ الوجودِ على مثالِ العقولِ الفعَّالَةِ هو جنَّةُ العقلِ، وعلى مثالِ النُّفوسِ الـمُدَبِّرَةِ هو جَنَّةُ النَّفسِ، وعلى مثالِ الأجرامِ الـمُطمَئِنَّةِ هو جنَّةُ القلبِ، وهذا لا يعرفُهُ السَّالِكُ ما لَم يَعرِفْ مقامَ التَّمكينِ وآياتِهِ الثَّلاثَةِ في عالَمَي العَقلِ والحِسِّ.
فإذا فَهمْتَ أيُّها الطَّالبُ ما قُلنا عَلِمْتَ أنَّ سيرَ الخليلِ (ع) كان في عالَمِ الجسمانيَّاتِ، لا كما ظَنَّ بعضُ النَّاسِ من أنَّ سَيرَهُ في عالمِ الأجسامِ، وكانَ الخليلُ (ع) يشيرُ إلى جِنَانِ اللهِ وآياتِهِ الدَّالَّةِ عليهِ وجوديًّا، ولهذا يقولُ عندَ مُعايَنَةِ كلِّ جَنَّةٍ: (هَـذَا رَبِّي) إثباتًا وحقًّا وشهادةً بوجودِ واجبِ الوجودِ، وعندَ الإفرادِ يَنفي الأعراضَ والسِّماتِ ولا يَنفي ذاتَ واجبِ الوجودِ، ولهذا قال: (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) لأنَّ الأُفولَ للسِّماتِ والحدودِ، وكذلكَ قالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي) لأنَّ الهدايةَ ليست فقط بالشَّهادةِ، بل بالإخلاصِ والإفرادِ بعدَ الإثباتِ، فَمَن عاينَ وشَهِدَ ولم يَرْتَقِ لمرحلةِ الإفرادِ وقعَ بالتَّشبيهِ، ولذلكَ قال الخليلُ (ع): (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) أي انَّنا بَريئونَ مِن شِركِ الذين اعتقدُوا أنَّ السِّماتِ والحدودَ حقيقةٌ للذَّاتِ المُقدَّسَةِ، كما أنَّنا بريئونَ مِن الذين أنكَرُوا وجودَ مَقامِ التَّمكينِ وجِنَانِهِ الثَّلاثَةِ، فهؤلاء الـمُنكرونَ أنكروا الـمُعايَنَةَ وتَوجَّهُوا بِعِبَادَتِهم إلى الـمَجهولِ وَزَعَمُوا أنَّ الحقَّ الجوهريَّ لا يُمكنُ وجودُهُ ومُعَايَنَتُهُ وهؤلاءِ يَنطبِقُ عليهم قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
لذلكَ فإنَّ مَن عَايَنَ تلكَ الجِنَانَ فآمنَ وشَهِدَ ثمَّ أفرَدَ وأخلَصَ بعبادَتِهِ كُتِبَ عندَ اللهِ من الشَّاهدينَ والعابدينَ، وهذهِ صفةُ خَواصِّ الخواصِّ المُقرَّبينَ من الحقِّ سبحانَهُ وتعالى.

اترك رد