التوحيد الخالص

hesham

التوحيد الخالص

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

———————–

 

لمَّا رأى النَّاسُ موقعَ العلماءِ شبهَ فارغٍ، ألقَوا بأنفسِهم بين أيدي مَن نَصَّبَ نفسَهُ لَهُ، وإنْ لم يَكُنْ من أهلِهِ، فَضَلُّوا طريقَهم وَصَاروا يَجرُونَ وراءَ كلِّ صارخٍ، وسلَّمُوا أمورَ دينِهم للجاهلينَ، وصارَ جمهورُ النَّاسِ ألعوبةً بأيدي اللاَّعبين، فاتَّسَعَ نطاقُ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ، وتلاطَمَت أمواجُ الافتراءِ، وتصدَّرَ المنابرَ قومٌ لا أمانةَ لهم ولا دينَ يَردَعُهم ولا عَهدَ لهم بالصِّدقِ، فَحَدَّثُوا النَّاسَ بالأكاذيبِ، ونَمَّقُوا وزَوَّرُوا، وَوَضَعوا الأحاديثَ كيفما شاءَتْ رَغباتُهم، إرضاءً لباطلٍ لا يَرعى للصِّدقِ حُرمةً، ولا يَرَى للدِّينِ قيمةً، فَدَرَجَ بعضُ النَّاسِ على ذلكَ وتَلَقَّوا تلكَ العناوين بلا تَمحيصٍ ولا تَتَبُّعٍ، فَوَقَع عليهم قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

فاللهُ لا يقبلُ عملَ أيِّ عاملٍ بدونِ التَّوحيدِ الخالصِ، فالتَّوحيدُ مَقصَدُ كافَّةِ الأنبياءِ والرُّسلِ، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ (ص): (الشِّركُ في أمَّتِي أخفَى من دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المِسحِ الأسوَدِ)، ولمَّا كانَ الشِّركُ بهذا الخَفَاءِ فالتَّوحيدُ أخفى وأخفى، إذْ ليسَ الشِّركُ فقط هو اتِّخاذُ الأصنامِ آلهةً دونَ اللهِ، وإنَّما الشِّركُ الخَفِيُّ هو ذاكَ الشِّركُ الذي يَتَّخِذُ فيه الـمُشَبِّهُ السِّماتِ والحدودَ والماهيَّاتِ والأفعالَ حقيقةً للذَّاتِ المقدَّسَةِ، وهذا الشِّركُ الخفيُّ الذي لا يَنفعُ معه عَمَلٌ لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فاتِّخاذُ الأندادِ آلهةً دونَ اللهِ هو الشِّركُ الخفيُّ، سواءَ كانت هذهِ الأندادُ سِمَاتٍ أو حدودًا أو تخاطيطَ أو رسومًا أو أفعالاً، فالشِّركُ هو اتِّخاذُ سِمَةٍ ثابتةٍ متأصِّلَةٍ وجعلُها جوهرًا للذَّاتِ المقدَّسَةِ، قبلَ الخلقِ أو بَعدَهُ، بل الحقُّ هو أنَّ هذهِ السِّماتِ والأفعالَ والماهيَّاتِ تقعُ على الخلقِ لا على ذاتِ الخالقِ المقدَّسَةِ، لذلك يجبُ أن نتوجَّهَ للهِ حنفاءَ غيرَ مشركينَ، أي أن نَنفيَ عنه سبحانَهُ الشِّركَ بالسِّماتِ والأفعالِ والماهيَّاتِ، فالتَّوحيدُ الخالصُ يكونُ بإفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن هذهِ السِّماتِ والماهيَّاتِ والأفعالِ الوجوديَّةِ العقليَّةِ والحسِّيَّةِ، فحقيقةُ التَّوحيدِ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسَةِ بالأحديَّةِ، وتَخَلُّصِهِ مِن سِمَتِهِ وَحَدِّهِ ونَعتِهِ وفِعلِهِ، وأنَّها سماتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وجوديَّةٌ مُقتَرِنَةٌ بوجودِهِ المُعايَنِ من ناحيةِ خَلقِهِ فقط، وأمَّا من حَيثُهُ سبحانَهُ فلا حقيقةَ لها.

فالوجودُ ثلاثةٌ، مُمْتَنِعٌ وَمُمكِنٌ وَوَاجِبُ الوجودِ، فالمُمتَنِعُ هو ما لا يَجوزُ، فلا يَجوزُ أن تكونَ موجودًا قبلَ وجودِ روحِكَ، كذلكَ لا يمكنُ أن تكونَ السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ موجودةً قبلَ الخلقِ. والوجودُ الممكنُ أن تأتي بعدَ روحِكَ، كذلك تأتي السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ لِتَدُلَّ على وجودِ وتجلِّي الذَّاتِ المقدَّسَةِ، وليسَتِ السِّمَةُ أو الفعلُ الدَّالُّ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ هو الذَّاتُ المقدَّسَةُ، بل هي أدِلَّةٌ وجوديَّةٌ ولطائفُ عقليَّةٌ أبداها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا بعبادِهِ للهدايةِ والاسترشادِ إليه.

فالعبادةُ تكونُ بحقيقةِ المعرفةِ لا بالتَّوهُّمِ، لأنَّ التَّوهُّمَ لِمَن يَعبدونَ مواقعَ السِّماتِ والماهيَّاتِ، وهم الذين زَعَمُوا بِظَنِّهم أنَّ الماهيَّاتِ- التي هي أصلاً عَرَضٌ للوجودِ- والسِّماتِ الوجوديَّةَ حقيقةٌ لذاتِهِ المقدَّسَةِ.

أمَّا نحن الذين نَصَرَنا اللهُ بِقُدرَتِهِ وتَفضَّلَ علينا بمعرفتِهِ وكرَّمَنا بتوحيدِهِ وَجَعَلنا من أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ الخصيبيِّ فَدَلالَتُنا لا تكونُ إلاَّ لِمُعايَنٍ موجودٍ، وَعِبَادَتُنا لا تكون إلاَّ لِذَاتِهِ المقدَّسَةِ الـمُنفردَةِ عن سِمَاتِ وماهيَّاتِ وأفعالِ الوجودِ. ولا نَعبدُ سماتِهِ ولا بيوتَهُ ولا أفعالَهُ ولا حدودَهُ ولا نُشرِكُ به شيئًا، إذ لا تَصحُّ العبادَةُ للسِّماتِ ولا للماهيَّاتِ وإلاَّ تَعدَّدَتِ الآلهَةُ وعَمَّ الشِّركُ والإشراكُ.

وهذا ما ابتلَى اللهُ بهِ عبادَهُ في قوله: (إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ فالنَّهرُ مثالٌ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ الذي يُبدِي السِّماتِ والحدودَ المحسوسةَ والأفعالَ المعقولةَ، (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)؛ أي مَنِ اعتقدَ بكاملِ الاعتقادِ أنَّ الذَّاتَ المقدَّسةَ هي سِمَاتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وأفعالٌ فليسَ مِن أهلِ التَّوحيدِ، (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ أي مَن أثبتَ السِّماتِ والحدودَ والأفعالَ لدلالةٍ وجوديَّةٍ فقط لإبطالِ التَّعطيلِ (كغُرفَةٍ) ولم يعتقدْ أنَّها حقيقةٌ للذَّاتِ المقدَّسَةِ، بل أفرَدَها عنها لإبطالِ التَّشبيهِ (لم يَطْعَمْهُ) كانَ من أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ.

فَذَاتُ واجبِ الوجودِ المقدَّسةُ يجبُ ألاَّ تكونَ جسمًا ولا رسمًا ولا نعتًا ولا سمةً ولا ماهيَّةً ولا فعلاً ولا عَرَضًا ولا جوهرًا، فالوجودُ بأسرِهِ جواهرُ وأعراضٌ ما خَلا الذَّاتَ المقدَّسَةَ، تَعَالى مَن ليسَ بِجَوهرٍ يَقبَلُ الأضَّدادَ فَيَتَغَيَّرَ، ولا بِعَرَضٍ فَيَسبِقَ وجودَهُ الجوهر.

اترك رد