السؤال السابع والثمانون حول علاقة حزن يعقوب ببكاء الشيعة

images

السُّؤال السَّابعُ والثَّمانون: إنَّ الشِّيعة يحتجُّونَ أنَّ بكاءَهم على الحسينِ (ع) اقتداءٌ ببكاءِ يعقوبَ (ع) على يوسفَ (ع)، فهل مِن رابطٍ بينهما؟

 

الجوابُ السَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

هذا من الخلطِ والقياسِ الذي وقعَ بهِ الشِّيعةُ لتبريرِ وتغطيةِ تقصيرِهم بحقِّ الإمامِ الحسينِ (ع)، فلا يجوزُ اختلاقُ حوادثَ لم يردْ ذِكرُها في القرآنِ الكريمِ بشكلٍ صريحٍ، فهل وردَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) بكى على مولانا يوسف (ع)؟

إنَّ الآياتِ التي وردَتْ في هذا الموضوع حينَ أتَوا بخبرِ الذِّئبِ هي ردُّ سيِّدنا يعقوب (ع) بقوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، فلم يكنْ فِعلُهُ بكاءً بل صبرًا ورضى بقضاءِ اللهِ وأمرِهِ سبحانه.

وما كانَ اللهُ ليتركَ نبيَّهُ عرضَةً للبكاءِ والنَّحيبِ، لأنَّ النَّبيَّ يوحي إليهِ اللهُ بما لا يعلمُهُ مَن هو أدنى منه درجةً، ومن سياقِ آياتِ القرآنِ الكريمِ نجدُ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) كانَ يعلمُ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع)، وهذه هي التي عبَرَ عنها القرآنُ الكريمُ بأنَّها الحاجةُ في نفسِ يعقوب، ولكنَّهُ كانَ ينتظرُ الأمرَ الإلهيَّ بلقائِهِ، ولذلكَ جاءَ قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ) فهذه كانت وصيَّتُهُ لهم، وفيها الكثيرُ من الإشاراتِ التَّوحيديَّةِ الدَّالةِ على أنَّ الآياتِ والسِّماتِ والتَّجلِّياتِ لو تعدَّدَتْ وتنوَّعتْ فإنَّ المَقْصَدَ هو الحقُّ تعالى، لذلك قال تعالى: (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وهذه دعوةٌ نبويَّةٌ للتَّوحيدِ العلويِّ المتمثِّلِ بإثباتِ الـمَشاهِدِ أوَّلاً، وإفراد ذاتِ الحقِّ عن السِّماتِ الـمَشهودَةِ ثانيًا لأنَّها عائدةٌ إلى الشَّاهدينَ، وذاتُ الحقِّ أجلُّ وأعلى مما تَشهَدُهُ الأبصارُ والبصائرُ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)، وقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كلُّ ما خطرَ ببالكَ فاللهُ غيرُهُ).

وتحقَّقتْ نبوءةُ سيِّدنا يعقوب (ع) وهي الحاجةُ الـمَقضِيَّةُ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، فاللهُ عزَّ وجلَّ قَضَى حاجةَ سيِّدنا يعقوبَ (ع) أي أظهرَ صدقَ نبوءَتِهِ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع) من خلالِ هذا الأمرِ بالدُّخولِ من أبوابٍ متفرِّقةٍ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فلو أنَّهم دخلوا معًا لَمَا حصلَ هذا الأمر، ولكنَّ دخولَ سيِّدنا بنيامين (ع) من بابٍ لوحدِهِ كانَ سببًا لإيواءِ مولانا يوسفَ (ع) له وإخبارِهِ عن نفسِهِ، وهنا قُضِيَتْ حاجةُ سيِّدنا يعقوبُ (ع) وتحقَّقتْ نبوءَتُهُ، وهذا أكبرُ دليلِ على معرفتِهِ التي أوحاها اللهُ إليهِ، فلماذا البكاءُ الذي تصوِّرُهُ الشِّيعةُ نحيبًا على فقدِ مولانا يوسفَ (ع) حتَّى يصلَ إلى الاعتراضِ على أمرِ اللهِ سبحانَهُ معاذَ الله؟

حتَّى أنَّ الآيةَ التي يحتجُّونَ بها لم تَذْكُرِ البكاءَ إنَّما هي قوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، فأسَفُ سيِّدنا يعقوب (ع) هوَ استكانةٌ وإظهارٌ لخضوعِهِ لأمرِ اللهِ وعجزِهِ مع أنَّهُ يعلمُ بالوحي أمرَ وجودِ مولانا يوسفَ (ع)، بدليلِ قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، إلاَّ أنَّهُ مأمورٌ بالصَّمتِ الممثولِ ببياضِ العينينِ وهذا دلالةٌ على ارتقائهِ لأنَّ في بياضِهِما إشارة إلى اكتمالِ معرفتِهِ بربِّهِ، فلمَّا عرفَ ربَّهُ كَتَمَ أسرارَ الحزنِ الذي أظهرَهُ؛ أي كتمَ أمرَهُ تقيَّةً وهو قوله: (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مُتَّقٍ، إلى أنْ يشاءَ اللهُ فيُظهِرَ أمرَهُ، وإظهارُ الأمرِ كان في قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وكانت دلالةُ صدقِ نبوءَتِهِ بعودِةِ البصرِ إليهِ في قوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً)، وهو إشهارُ معرفةِ الحقِّ التي كانت مكتومةً فظهرتْ بالأمرِ الإلهي: (فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد ذكرنا في إجابةٍ سابقةٍ أنَّ غيابَ مولانا يوسف (ع) عن عَينَي سيِّدنا يعقوبَ (ع) عُبِّرَ عنه بالعمى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ بصيرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد