السؤال التاسع والثمانون حول المحكم والمتشابه

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والثَّمانونَ: هل القرآنُ الكريمُ مُحكَمٌ أم مُتَشَابِهٌ؟

الجوابُ التَّاسعُ والثَّمانونَ بإذنِ اللهِ:
الإحكامُ في اللُّغَةِ يعني الإتقانَ البالغَ، فلا خللَ فيه ولا شُبهةَ ولا إشكالَ. وفي الاصطلاحِ: يكونُ مُحْكَمًا ما عُرِفَ المُرَادُ منهُ بالضَّبطِ، فهوَ لا يَحتَمِلُ من التَّأويلِ إلاَّ وجهًا واحدًا، لأنَّهُ واضحُ الدَّلالةِ، لا يحتاجُ إلى بيانٍ آخرَ ليوضِّحَهُ.
أمَّا الاشتِبَاهُ في اللُّغةِ فمأخوذٌ من الشَّبَهِ، وهو التَّماثُلُ بين شَيئَينِ أو أكثر، ممَّا قد يؤدِّي إلى الشَّكِّ والحيرَةِ، ويُوقِعُ في الالتباسِ، فإذا قلنا: اشْتَبَهَ الأمرُ عليهِ، نعني أنَّ الأمرَ الْتَبَسَ عليهِ. وفي الاصطلاحِ: يكونُ مُتَشَابِهًا ما اسْتَأثَرَ بمعرفَتِهِ والدَّلالةِ عليه اللهُ والرَّسولُ والأئمَّةُ (ع)، فهو غيرُ واضحِ الدَّلالةِ، يَحتَمِلُ أكثرَ من وَجهٍ، ويحتاجُ إلى بيانٍ بِرَدِّهِ إلى المحكَمِ.
وهناكَ عدَّةُ وجوهٍ لابدَّ من مناقَشَتِها:
الوجهُ الأوَّلُ: كلُّ القرآنِ مُحكَمٌ: ونقصدُ به إحكامَ ألفاظِهِ وإتقانَها، وعدمَ وجودِ خللٍ فيهِ، لقوله تعالى: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
الوجهُ الثَّاني: كلُّ القرآنِ مُتشابِهٌ: ونقصدُ به أنَّ آياتِهِ متشابِهَةٌ في الحقِّ والصِّدقِ والإعجازِ والهدايةِ، لقوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ).
الوجهُ الثَّالثُ: بعضُ القرآنِ مُحكَمٌ وبعضُهُ مُتشابِهٌ: ونقصدُ به أنَّ الآياتِ المُحكَمَةَ هي أصلُ الكتابِ، وهي بمنزلةِ الأمِّ لَهُ، لا التباسَ فيها، أمَّا الآياتُ المتشابهةُ فتتشابَهُ على الضُّعفاءِ، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)، فَمَن رَدَّ المتشابِهَ إلى المحكَمِ الواضحِ فقد اهتَدَى.
ومثالٌ على المتشابِهِ قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، ويقابِلُهُ قوله تعالى كمثالٍ على المحكَمِ: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)، فالآيةُ المتشابِهَةُ ذكرَتْ أن رسولَ اللهِ (ص) بشرٌ مثلُنا، أمَّا الآيةُ المُحكَمَةُ فأكَّدَتْ أنَّه (ص) ليسَ أبًا لأحدٍ إذْ ليسَتِ الصِّفاتُ البشريَّةُ حقيقةً له.
إنَّ وُرُودَ المحكَمِ والمتشابِهِ في القرآنِ الكريمِ هو إعجازٌ بحدِّ ذاتِهِ، لأنَّ العربَ كانوا مشهورينَ بالبلاغةِ وحُسنِ البيانِ، وما يلحقُ ذلكَ من المَجَازِ والكِنايَةِ والاستعارةِ والإشارةِ والتَّلويحِ والتَّصويرِ، فجاءَ القرآنُ الكريمُ مُشتَمِلاً على كلِّ هذا بإعجازٍ يفوقُ ما جاءَ به الشُّعراءُ والبُلغاءُ، وهو مُعجِزُ المحكمِ، وعجزُ المتشابِهِ الذي يُرَدُّ إلى المحكمِ فيَعودَ مُعجِزًا بالمعنى بعدَ أن كانَ عجزًا باللفظِ.
ومن أمثلةِ ذلكَ أنَّهُ تعالى كَنَّى بالسَّيرِ في الأرضِ عن النَّظرِ في القرآنِ، لأنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) حين سُئِلَ عن قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) قالَ: (مَعنَاهُ أفَلَمْ يَنظُرُوا في القرآنِ).
كما أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كنَّى عن الحسنِ والحسينِ (ع) في قَسَمِهِ: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، وعن فاطمة الزَّهراء (ع) في قَسَمِهِ: (وَطُورِ سِينِينَ)، وعن سيِّدنا محمَّد (ص) في قَسَمِهِ: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ).
كما أنَّ الاستعاراتِ في القرآنِ كثيرةٌ نذكرُ منها قوله تعالى: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)، فالصِّراطُ لغةً اسمٌ للطَّريقِ، وهو هَهُنا كنايةٌ عن الدِّينِ، والتَّأويلُ في الصِّرَاطِ هو الطَّريقُ الـمَسلوكُ إلى الجَنَّةِ.
كما أنَّهُ تعالى شبَّهَ الأرضَ في الانخفاضِ بالفِراشِ، والسَّمَاءَ في الارتفاعِ بالبناءِ في قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء).
وفي قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) استعارةٌ عجيبةٌ تُبيِّنُ بياضَ الصَّباحِ من سوادِ اللَّيلِ، فالخَيطانِ هنا للـمَجازِ.

وقد أشارَ اللهُ تعالى في كتابِهِ إلى مُعجِزِ المحكمِ وعجزِ المتشابِهِ في قولِهِ: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) لأنَّهم عرفوا أنَّ القرآنَ الكريمَ محكمٌ وآمنوا بمُعجزِهِ وأقرُّوا به، ولم يشتبهِ عليهم العجزُ الظَّاهرُ بالآياتِ المتشابِهاتِ لأنَّهم ردُّوها إلى أصلِها، وآمنوا أنَّ القرآنَ الكريمَ وإنْ بَدَا بالمُعجزِ والعجزِ إلاَّ أنَّهُ مُعجزٌ بالحقيقةِ، وبهذا أدرَكوا أنَّهُ معجِزٌ إيمانًا وتسليمًا، (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) لأنَّهُ قد اشتَبَهَ عليهمِ الامرُ حينَ رأوا المتشابِهَ، وأنكروا أن يكونَ العجزُ عينَ المعجِزِ من ناحيةِ الجوهرِ، فقادَهم هذا إلى الشَّكِ والرَّيبِ ليُثبِتوا العجزَ دونَ المعجِزِ بقولِهم: إنَّ القرآنَ مُتشابِهٌ!! كمَن قالوا: إنَّ الرَّسولَ بَشَرٌ!! ويكفي للرَّدِّ عليهم ما قالَهُ الإمام الصَّادق (ع): (مَن تركَ الحقَّ مُحْكَمًا ابتُلِيَ بعبادةِ الباطلِ مُتشابهًا)، وهذا هو الوجهُ القرآنيُّ التَّوصيفيُّ لقضيَّةِ المحكمِ والمتشابهِ في فكرِنا العلويِّ.

وبالانتقالِ إلى الوجهِ التَّوحيديِّ للمحكَمِ والمتشابِهِ، نؤكِّدُ على الاستقامةِ في عقيدةِ الحقِّ لقولِ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إثباتُ بعضِ التَّشبيهِ يُوجِبُ الكلَّ، ولا يَستوجبُ كلَّ التَّوحيدِ ببعضِ النَّفي دونَ الكلِّ)؛ ومعنى هذا القول: أنَّ مَن أثبتَ بعضَ الصِّفاتِ كماهيَّةٍ للحقِّ كأنَّما أثبتَ جميعَ الصِّفاتِ كماهيَّةٍ الحقِّ، فالتَّوحيدُ الكاملُ لا يتحقَّقُ بالإفرادِ عن بعضِ الصِّفاتِ دونَ البعضِ الآخرِ، إنَّما يتحقَّقُ التَّوحيدُ بالإفرادِ عن كلِّ الصِّفاتِ بعدَ إثباتِ الوجودِ، لقولِ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا إخلاصَ مع التَّشبيهِ، ولا نَفيَ مع إثباتِ الصِّفاتِ، ولا تَجريدَ إلاَّ باستِقْصَاءِ النَّفي كلِّهِ)؛ أي: مَن شبَّهَ اللهَ بخلقِهِ لم يكنْ مُخلصًا في عِبَادَتِهِ، ومَن أثبتَ صفاتِ التَّجلي لم يكنْ من أصحابِ النَّفي العدميِّ الـمُنكِرينَ، ولن يَبْلُغَ التَّوحيدَ إلاَّ مَن أقامَ ميزانَهُ بالإثباتِ والإفرادِ دونَ تشبيهٍ ولا تعطيلٍ، وهذا لا يتحقَّقُ إلا بالتَّجريدِ الكاملِ، وهو يتحقَّقُ في قولِ سيدنا المسيح (ع): (أنا والآبُ واحدٌ، ولكنْ هوَ أعظمُ مِنَ الكلِّ)، فالوقوفُ عندَ العبارةِ الأولى اشتباهٌ وتشبيهٌ يؤدي إلى الشّركِ، واستكمالُ العبارةِ الثَّانيةِ إحكامٌ وتجريدٌ يؤدي إلى الإخلاصِ والتَّوحيدِ.
ومن أمثلةِ الآياتِ المتشابهاتِ قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، فَسَمَّى القرآنُ اللهَ باسمِ الشَّيءِ إثباتًا للوجودِ وإسقاطًا لحَدِّ الإنكارِ والعدمِ، لئلاَّ يَحْتَجَّ أهلُ العدَمِ بالتَّوهُّمِ، ثم نزَّهَهُ في موضعٍ آخرَ عن الشَّيئيَّةِ في قوله تعالى بالآياتِ المحكماتِ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، لأنَّ اسمَ الشَّيء لا يقعُ على الحقِّ إلا على سبيلِ الـمَجازِ لقولِ الإمامِ الرِّضا (ع): (كلُّ ما وَقَعَ عليهِ اسمُ شَيءٍ فهو خَلْقٌ)، وقولِهِ (ع): (قد يُطلَقُ على الحقِّ تعالى اسمُ الجوهرِ والجسمِ والذَّاتِ والشَّيءِ، وكلُّ ذلكَ على سبيلِ المَجَازِ والتَّقليدِ، لا على سبيلِ التَّوحيدِ والتَّجريدِ). فإنْ قالَ قائلٌ: إذا نفينا عنه اسمَ الشَّيءِ دَخَلَ في بابِ العَدَمِ!! قلنا له: إنَّ هذا القولَ لا يُلزِمُنا لأنَّنا نعتقدُ في الوجودِ وَنَنفي عنه الصِّفاتِ والأعراضَ، فلا يَجوزُ في الحقيقةِ أن يُقالَ له شيءٌ أو جسمٌ، والشَّيءُ فيه ضعفٌ من خمسةِ أوجهٍ لأنَّه عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يقومُ بِنَفسِهِ. وإنْ قالوا: هو شيءٌ أزَلِيٌّ وكلُّ الأشياءِ مَخلوقةٌ!! نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصادق (ع): (هذهِ مَقولَةُ مَن جَحَدُوا مُدَبِّرَ الأشياءِ).

وهذا رَدُّ واضحٌ على الشِّيعةِ القائلةِ: (صفاتُهُ عينُ ذاتِهِ)!! وعلى السُّنَّةِ التي زعَمَت بقولها: (آياتُ الصِّفاتِ مُحكَمَةٌ لكونِها صفاتُ اللهِ تعالى)!! فهل نجعلُ لذاتِ الحقِّ يَدًا كما في الآيات المتشابهاتِ: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)، و(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، أم نردُّ المتشابهَ إلى المُحكَمِ بعدَ الاستعانةِ بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (اليمينُ اليدُ، واليدُ القدرةُ والقوَّةُ)، ونعلمُ أنَّ الحقَّ تعالى منزَّهٌ عن جميعِ الأسماءِ والصِّفاتِ لقولهِ تعالى الـمُحكَمِ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
والخلاصةُ في فكرنا العلويِّ: إنَّ القرآنَ مُحكَمٌ ومتشابِهٌ، ونحنُ نردُّ المتشابِهَ إلى المحكمِ، ونؤمنُ بمُحكَمِهِ ومتشابِهِهِ، أمَّا رَبُّ القرآنِ فقد يُبدي المتشابِهَ والمحكمَ على سبيلِ إثباتِ الوجودِ، ولكنَّهُ في الحقيقةِ مُنزَّهُ تنزيهًا خالصًا عن المتشابِهِ والمحكمِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد