السؤال التسعون حول نفي التجسيم

images

السُّؤالُ التِّسعون: هل تقصدُ النُّصيريَّةُ بتجلِّي اللهِ نزولَهُ في الأجسامِ؟

الجوابُ التِّسعون بإذنِ اللهِ:
إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ النُّصيريَّةَ الحقَّةَ حُورِبَتْ عبرَ العصورِ لأنَّها كانَتِ الرَّائدةَ في مواجهةِ أهلِ التَّجسيمِ والتَّعطيلِ، وبما أنَّ الأسئلةَ المشكِّكَةَ لا تَنتهي، فإنَّنا ملتزمونَ بالإجابةِ بشكلٍّ دوريٍّ عليها لإيضاحِ الحقيقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الصَّافيةِ.
لقد اختلطَ الأمرُ على السُّنَّةِ والشِّيعةِ فاتَّهمونا بأنَّ تجلِّي اللهِ عندَنا يعني حلولَهُ في الأجسامِ!! وهذا محالٌ. لكنَّ السَّطحيَّةَ التي اعتادَوا عليها في تناولِ الأمورِ الدِّينيَّةِ جَعَلَتهم لا يفقهونَ معنى التَّجلِّي، ولا يفهمونَ دلالاتِ السُّورِ العظيمةَ في القرآنِ الكريمِ، وكأنَّما وقعَ عليهم قولُهُ تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون).
إنَّ التَّجلِّي في فكرنا العلويِّ النُّصيريِّ هو للبُرهانِ على وجودِ الحقِّ تَعَالى من خلالِ الدَّليلِ العقليِّ والدَّليلِ الحسِّيِّ، وهكذا فإنَّ الدَّليلَ العقليَّ والدَّليلَ الحسِّيَّ يبرهِنانِ على وجودِ الحقِّ تعالى في حالِ التَّجلِّي لأهلِ العقلِ وأهلِ الحسِّ.
فالحقُّ تعالى لمَّا شاءَ تَكوينَ الشَّيءِ كوَّنَهُ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ثمَّ أرادَ الخلقَ فكانَ أمرُهُ مُطاعًا لقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ)، ثمَّ تَجَلَّى بنفسِهِ لأهلِ العقلِ ولأهلِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، عِلمًا أنَّه في حَقيقتِهِ لا يقعُ تحتَ العقلِ ولا الحسِّ، وهنا نؤكِّدُ على كلمةِ (بنفسِهِ) حتَّى لا يظنَّ القارئُ أنَّهُ تجلَّى بغيرِهِ فيقعَ في الحلولِ والتَّجسيمِ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فالتَّجلِّي إذنْ ليسَ حلولاً ولا تجسيمًا، إنمَّا هو دليلُ الوجودِ لقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
ونحنُ نُقِرُّ بوجودِ الحقِّ تَعَالى ونُصرِّحُ بالألفاظِ مع عِلْمِنا بقصورِها لقولِ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا)، فمعرفَتُنا لوجودِ الحقِّ وإفرادُنا لذاتِهِ عن كلِّ صِفَةٍ مُدرَكَةٍ وَجِهَةٍ مَحدودةٍ، تَجعلُنا نُخرِجُهُ عن الحَدَّينِ؛ حَدِّ التَّشبيهِ بِخَلقِهِ وحَدِّ الإنكارِ لِوجودِهِ، تَعَالى اللهُ عن حَدِّ التَّشبيهِ وَحَدِّ التَّعطيلِ، لأنَّ مَن لم يُخرِجْهُ عن الحَدَّينِ يكونُ قد أدرَكَهُ وَحَصَرَهُ وشَبَّهَهُ بِخَلقِهِ لا مَحالَةَ، فهل يُعقَلُ أنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ علينا بنعمةِ معرفةِ وجودِهِ أن نَجعلَهُ من جنسِ خَلقِهِ ونُشبِّهَهُ بهم ونَحصُرَهُ في الأجسامِ معاذَ اللهِ!!؟
نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نُنَزِّهُ الحقَّ تعالى في مُواجهَتِنا لأهلِ التَّجسيمِ، وقد وردَ عن الفيلسوفِ العارفِ ابنِ شُعبةَ الحرَّانيِّ قوله: (معرفةُ اللهِ في الأبدانِ كَعِبَادَةِ الأوثانِ). فَلمَّا وَصَمَهُ أهلُ التَّجسيمِ بالأمِّ والأبِ والأولادِ نزَّهناهُ كما نَزَّهَ نفسَهُ بقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، ولمَّا وَصَمُوهُ بالزَّوجةِ نزَّهناهُ كما قال في كتابِهِ: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً)، ولمَّا جَعَلوا له شريكًا نزَّهناهُ كما قالَ في كتابِهِ: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فلا يقعُ تحتَ التَّجسيمِ مَن كانَ ولا مكانَ ولا دهرَ ولا زمانَ ولا سكونَ ولا حركةَ ولا جوهرَ ولا عرضَ ولا حسَّ ولا جنسَ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لا يُوصَفُ بزمانٍ ولا مكانٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ، بل هو مُوجِدُ الزَّمانِ والمكانِ والحركةِ والسُّكونِ، تَعَالى اللهُ عمَّا يَقولون علوًّا كبيرًا).
ولا يقعُ تحتَ الحصرِ مَن لا يَسَعُهُ مكانٌ ولا يَحصُرُهُ زمانٌ ولا يَختَلِجُ بالأوهامِ ولا تُحَصِّلُهُ معرفةُ الأفهامِ، وقد سُئلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): هل يجوزُ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ في مكانٍ؟ فقال (ع): (سُبحانَ اللهِ وتَعَالى عن ذلكَ، إنَّه لو كانَ في مكانٍ لَكَانَ مُحْدَثًا، لأنَّ الكائنَ في مكانٍ محتاجٌ إلى المكانِ، والاحتياجُ من صِفَاتِ المُحدَثِ لا مِن صِفَاتِ القَديمِ).
ولا يقعُ تحتَ الإدراكِ مَن لا يَقَعُ عليهِ اسمُ شَيءٍ وليسَ لَهُ شَبيهٌ ولا نَظيرٌ ولا مَثيلٌ ولا عَديلٌ، حيث سُئلَ رسولُ اللهِ (ص): ما رأسُ العلمِ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (معرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ). قيل: وما مَعرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ؟ قال (ص): (تَعرِفهُ بلا مَثَلٍ ولا شَبَهٍ ولا نِدٍّ، وأنَّهُ واحدٌ أَحَدٌ ظاهرٌ باطنٌ أوَّلٌ آخِرٌ لا كُفوَ له ولا نظيرَ فَذلكَ حقُّ مَعرفَتِهِ).
فسبحانَ اللهِ الذي سَمَا عن مَبلَغِ أقوالِ الواصفين، وَعَلا عن نُطقِ أفواهِ العالِمِين، وَخَفِيَ عن أبصارِ النَّاظرين، فليسَتِ الأبصارُ له بِلاحِظَةٍ، ولا العيونُ له بِرَامِقَةٍ، أعظمُ وأَجَلُّ وأكبرُ مِن أيِّ دَليلٍ عقليٍّ أو حسِّيٍّ يَدلُّ إثباتًا على وجودِهِ، لا يُوصَفُ بِمَوصوفٍ ولا يُقاسُ بالحروفِ، ولا يَعلمُ ما هوْ إلاَّ هوْ، ليسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، ولا حَدٌّ فَتُضرَبُ بِهِ الأمثالُ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد