Press "Enter" to skip to content

السؤال الحادي والتسعون حول التقمص ويوم القيامة

images

السُّؤالُ الحادي والتِّسعون: ما هي حجَّتُكم لإثباتِ التَّقمُّصِ؟ وهل تؤمنُونَ بيومِ القيامةِ؟

الجوابُ الحادي والتِّسعون بإذنِ اللهِ:
يتَّهِمُنا كلٌّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ بأنَّنا لا نؤمنُ بيومِ القيامةِ على اعتبارِ أنَّنا نؤمنُ بالتَّقمُّصِ!! وذلكَ لقصورِ فَهمِهم لهذا المبدأ العظيمِ الدَّالِّ على العدلِ الإلهيِّ التَّامِّ في خَلقِهِ.
إنَّ التَّقَمُّصَ مصدرُهُ تَقَمَّصَ، أي لَبِسَ القميصَ، فهو خَلعُ الجسمِ القديمِ ولبسُ جسمٍ جديدٍ بإرادةٍ إلهيَّةٍ، كما يَستبدِلُ الإنسانُ ثيابَهُ الباليةَ بثيابٍ جديدةٍ.
وينطلقُ التَّقَمُّصُ من فكرةِ أنَّ ما هو موجودٌ يستحيلُ أن يَنقطِعَ عن الوجودِ، وما كانَ غيرَ موجودٍ لن يَبدأَ بالوجودِ، كما يقولُ المبدأُ العلميُّ: (لا شيءَ يَضيعُ ولا شَيءَ يُخلَقُ، كلُّ شيءٍ يتحوَّلُ)، وهذا المبدأُ حارَبَهُ المتأسلِمونَ على اعتبارِ أنَّهُ ينفي الإيجادَ من العَدَمِ، واتَّخذَهُ الملحدونَ بالمقابلِ ذريعةً لنفي وجودِ إلهٍ للكونِ!!
ولكنَّ الطَّرفين المتصارعَين لم ينتَبِها إلى أنَّ هناكَ مرحلتانِ في الإيجادِ:
المرحلةُ الأولى: هي مرحلةُ الإبداعِ، وهي مرحلةُ الإيجادِ من العَدَمِ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فالـمُبْدِعُ تعالى يُوجدُ الشَّيءَ لا مِن شيءٍ بدليلِ قولِ الإمامِ الباقرِ (ع): (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ لا مِنْ شَيءٍ، فَمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ مِن شَيءٍ فقد كَفَرَ).
المرحلةُ الثَّانيةُ: هي مرحلةُ الخَلقِ، فالخالقُ يوجدُ الشَّيءَ من الشَّيءِ، وذلكَ قوله تعالى: (قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
فالمبدأُ العلميُّ المذكورُ صحيحٌ لا يتنافى مع القوانينِ الإلهيَّةِ كما ظنَّ المتأسلِمونَ، ولا ينفي وجودَ الإلهِ كما ظنَّ الملحدونَ، لأنَّه لا ينطبقُ على المرحلةِ الأولى، وهي المرحلةُ السَّابقةُ لوجودِ المادَّةِ، بل على المرحلةِ الثَّانيةِ، أي في عالمِ الموادِّ، فالمادَّةُ في العالمِ المادِّيِّ لا تَضيعُ ولا تُخلَقُ، بل تتحوَّلُ من هيئةٍ إلى أخرى، وفي ذلكَ جاءَ قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، كدليلٍ على تبديلِ الأجسامِ المعبَّرِ عنه بالأرضِ غيرَ الأرضِ؛ أي الجسمِ بعدَ الجسم في حالة التَّقمصِ، والسَّماواتُ التي لم يَذكرْ لها تبديلاً كدليلٍ على وحدةِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي ستبرزُ للحسابِ أمامَ الواحدِ العظيمِ.
وفي هذا يقول الفيلسوفُ العظيمُ فيثاغورث: (بما أنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ لا تموتُ، يجبُ أن يكونَ لها وجودٌ قبلَ الولادةِ، وأن يكونَ لها وجودٌ بعدَ موتِ الجسمِ)، فالنَّفسُ الإنسانيَّةُ لا تأتي من العدمِ عندَ الولادةِ، ولا تغرقُ بعدَ الموتِ في عَطالةِ الانتظارِ غيرِ المجدي إلى يومِ القيامةِ، بل تنتقلُ من جسمٍ إلى جسمٍ آخرَ أثناءَ التَّقمُّصِ، وهكذا إلى أن يأتي يوم القيامةِ، فتبرزُ النَّفسُ الإنسانيَّةُ للحسابِ حاملةً معها كلَّ ما جَنَتْهُ في تَقَمُّصاتِها السَّابقةِ من حَسَناتٍ وسيِّئات لِتُوضَعَ في الميزانِ.
والسُّؤالُ الذي يطرحُ نفسه: هل ستَنبعِثُ العظامُ من القبورِ وهي رميمٌ لتكونَ جسمًا قائمًا للإنسانِ كي يُحاسَبَ؟ وإن كانَ كذلكَ فأيُّ جسمٍ سيتمُّ اختيارُهُ للحسابِ؟ وكأنَّما السُّؤالُ: أيُّ أرضٍ ستبرزُ للحسابِ أمامَ الواحدِ العظيمِ إن كانت الأرضُ تتبدَّلُ!!؟
يجبُ أن نتَّفقَ على أنَّ هناكَ خلقًا جديدًا لقولهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، فقوله: (كلَّ ممزَّقٍ) يدلُّ على تعدُّدِ عمليَّةِ التَّمزيقِ، أي تعدُّدِ الموتِ، وبالتَّالي تعدَّدِ الولاداتِ، وبالتالي تعدُّدِ الأجسامِ، وهذا يُثبِتُ التَّقمُّصَ، فالنَّفسُ الإنسانيَّةُ بعدَ الموتِ تَلِجُ مكانًا أَلِفَتْهُ وهو الحياة الدُّنيا من جديدٍ، وَتلزَمُ عَمَلاً عَرَفَتْهُ فَتُعَذَّبُ به لِشُؤمِهِ وتَنعَمُ به لِيُمْنِهِ.
أمَّا الخلقُ الجديدُ فهو يدلُّ على النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي ستقفُ أمامَ الواحدِ القهَّارِ، وقد أشارَ لذلكَ الفيلسوفُ العظيم سقراط بقوله: (إنَّ ثمَّةَ عالَمًا آخرَ تقومُ فيه حقائقُ الأشياءِ التي لا تُدرَكُ بحواسِنا إلاَّ ظِلالُها في هذا العالمِ، وذلكَ العالَمُ هو عالَمُ المُثُلِ والحقائقِ والأفكارِ المجرَّدَةِ).

أمَّا بالنِّسبةِ للغايةِ من التَّقمُّصِ فنقولُ:
إنَّ خَلْقَ الإنسانِ في كلِّ تَقَمُّصٍ يعني أنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ تَتَّخِذُ الجسمَ قميصًا جديدًا لها للاختبارِ والتَّجربةِ والعملِ، فالمؤمنُ تَسمو نفسُهُ وَتَرقى لتحقيقِ ذاتِها الكاملةِ، وبلوغِ صَفاءَها واكتمالَها، أمَّا الكافرُ فَيَتَرَدَّى في مَهَاوي الرَّدى، وهذا لا يَتحقَّقُ في قميصٍ واحدٍ بل في قمصان عديدةٍ، لذلكَ قال الفيلسوفُ الأعظمُ أرسططاليس: (النَّفسُ لا تَستغني عن الجسمِ).
فالأرضُ إذنْ دارُ امتحانٍ، وهي للمؤمنِ دارٌ للتَّمحيصِ والتَّكفيرِ عن الذُّنوبِ، وللعارفِ دارٌ للتَّرقِّي لِنَيلِ شرفِ الهدايةِ للصِّراطِ المستقيمِ، وفي كِلَيهِما عذابُ المكوثِ في هذا الجسمِ على الأرضِ، بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (استعلاءُ الإنسانِ في نفسِهِ يَهبطُ به في وادي الدُّموعِ)، ووادي الدُّموعِ هو الحياةُ الدُّنيا لقوله (ع): (يَصدُقُ على هذا العالمِ ما قالَ أبونا داودُ مِن أنَّهُ وادي الدُّموعِ)، وهو ما يؤيِّدُهُ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ)، وذلك بما فيها من العذابِ الأدنى للتَّخلُّصِ من الذُّنوبِ والآثامِ، والارتقاءِ إلى عالمِ الملكوتِ لقوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). وفي هذا يَشهدُ الإنسانُ في كلِّ موتٍ وولادةٍ القيامةَ الصُّغرى.
أمَّا القيامةُ الكبرى فهي في قولِهِ تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)، وفيها العذابُ الأكبرُ الذي أشارَ إليهِ اللهُ تعالى بقوله: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً، فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً، وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وتوقيتُ القيامةِ الكبرى لا يعلمُهُ إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ بدليلِ قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، كما أشارَ إلى ذلكَ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ).

وللمزيد حولَ مفهومِ التَّقمُّصِ يمكنُ العودةُ إلى كتابي: (نور الهداية لأهلِ الولاية) ففيهِ تفصيلٌ كاملٌ بالأدلَّةِ والشَّواهدِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

One Comment

اترك رد