السؤال الخامس والتسعون حول قصة موسى والخضر

images

السُّؤالُ الخامسُ والتِّسعونَ: هل العالمُ الذي رافَقَهُ موسى هو الخضر؟ وَمَا هو المُراد من قصَّةِ موسى والخضر؟ وما هي العبرةُ منها؟

 

الجوابُ الخامسُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

يقول تعالى في كتابه العزيز: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، ومن قصصِ القرآنِ التي حَمَلَتِ الكثيرَ من المعاني قصَّةُ سيِّدنا موسى كليمِ اللهِ والخضرِ (ع)، الذي يعرِفُهُ أهلُ الشَّرائعِ جميعِها، فهو عندَ الإسلامِ (العبدُ الصَّالحُ)، وعندَ المسيحيَّةِ (مار جرجس)، وذكرَ أميرُ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّ اسمهُ (تاليَّا)، وهو الذي قال الإمامُ الصَّادقُ (ع) فيه: (إنَّ الخضرَ كانَ مُرسَلاً بَعَثَهُ اللهُ إلى قومه، فَدَعاهُم إلى توحيدِهِ، والإقرارِ بأنبيائِهِ ورُسُلِهِ وكتبِهِ، وكانت آيتُهُ أنَّهُ كانَ لا يجلسُ على خشبةٍ يابسةٍ ولا أرضٍ بيضاءَ إلاَّ اهتزَّتْ خَضَارًا، وإنَّما سُمِّيَ الخضرَ لذلكَ، وكانَ اسمُهُ بَلِيَّا بن مَلكان بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح آتيناهُ رحمةً من عندنا هيَ الوحيُ والنُّبُوَّة، وعلَّمناهُ من لَدُنَّا علمًا)، أي بمَا يَختَصُّ بنا من العلمِ وهو علمُ الغيوبِ.

وَمَا قصَّةُ سيِّدنا موسى (ع) مع سيِّدنا الخضرِ (ع) إلاَّ لتعليمِ الإنسانِ ألاَّ تبلغَ نفسُهُ الكِبرَ والغرورَ فيظنَّ أنَّهُ علمَ كلَّ شيءٍ، عَدَا عن التَّفاصيلِ التي تحملُ في طيَّاتِها علمًا كثيرًا لا يُطاقُ حَملُهُ على الكثيرينَ.

 

أخبَرَ سيِّدُنا مُوسَى (ع) سيِّدَنا يوشع (ع) أن يَتَزَوَّدَ لِطَلَبِ ذلكَ الرَّجلِ حيث قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً)، وكانت علامتُهُ للوصولِ إلى مَجمَعِ البحرين أن يحملَ حوتًا، فإذا انتعشَ وحَيَا دلَّهُ على وصولِهِ.

فَحَمَلا حوتًا وَسَارَا ومَرَّا بالعالمِ الذي لم يَعرِفهُ موسى (ع)، فقام يُصلِّي، وأخرجَ يوشعُ (ع) الحوتَ ووضَعَهُ على حَجَرٍ، وَحَيَا، فأفلَتَ من يَدِهِ ودخلَ البحرَ، وأظهرَ يوشعُ (ع) أنَّهُ نَسِيَ أن يُخبِرَ موسى (ع) بذلكَ، فَتَرَكا العالمَ على الصَّخرةِ ومشيَا من ذلك الموضعِ، وبعدَ أن غادَراه أخبرَ يوشعُ (ع) موسى (ع) عن أمرِ الحوتِ، كما قال تعالى: (وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، وقد كانَ في ذلكَ علامةً لمعرفةِ ذلكَ العالِمِ، فَعَادا يبحثانِ عنه.

وقد وردَ أنَّ موسى ويوشع (ع) قد رَجعَا فَوَجدَا الحوتَ قد خَرَّ في البحرِ، فاقتَصَّا الأثرَ حتى أتَيَا صاحبَهُما في جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، إمَّا مُتَّكِئًا أو جالسًا، فَسَلَّمَ عليهِ موسى (ع)، فَعَجِبَ من السَّلام، إذْ كانَ بأرضٍ ليسَ فيها سلامٌ، وقال: مَن أنتَ؟ فأجابَهُ: أنا مُوسى بنُ عمرانَ الذي كَلَّمَهُ اللهُ تَكليمًا. فقالَ: وما حاجَتُك؟ قال: جئتُ لِتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمْتَ رُشدًا لقولهِ تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)؛ يعني: أريدُ أن أصحبَكَ وأخدمَكَ على أن تُرشِدَني إلى علمِكَ وهو اعترافٌ من سيِّدنا موسى (ع) بمقامِ ومنزلةِ سيِّدنا الخضرِ (ع) في العلمِ، فقال الخضرُ (ع): (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)؛ يعني: إنِّي وُكِّلتُ بأمرٍ لا تُطيقُه، فلا استطاعةَ لكَ ولا صَبرًا على ما لم تُحِطْ به اختبارًا وفهمًا، فقال موسى الكليمُ (ع): (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)، فقالَ له الخضرُ (ع): (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً).

فالرُّشدُ الذي ذُكِرَ في الآيةِ، هو الاهتداءُ إلى إصلاحِ النَّفسِ بِتَنْحِيَتِها عن الرَّذائلِ وَتَحْلِيَتِها بالخصائلِ، ويُعَبَّرُ عنه بتهذيبِ الأخلاقِ، وقد أجادَ سيِّدنا موسى (ع) في الطَّلبِ، حيثُ تَنَزَّلَ عن مَقامِهِ العالي إلى مَقامِ المُحتاجِ الفقيرِ، وأبرَزَ الطَّلبَ والسُّؤالَ بصورةِ الاستفهامِ، وفي هذا تعليمٌ للعبادِ كيفَ ينبغي لِمَنْ أرادَ العلمَ والإرادةَ أن يطلُبَها من العالمِ والشَّيخِ، وتنبيهٌ للمؤمنِ، وإنْ كانَ ذا فضائلَ كثيرةٍ، فلا ينبغي أن يتأفَّفَ عن التَّعَلُّمِ، بل يَنبغي أن يَطلبَ ما افتَقَدَهُ مِمَّنْ يعلمُ أنَّ المفقودَ عندَه، وإنْ كانَ الذي عندَهُ المفقودُ أدنَى منهُ، فلا يَنظُرْ إلى دونِ رُتبَتِهِ، بل يَرى نفسَهُ من حيثُ جَهلُهُ المفقودُ أدنَى منهُ، وأنَّهُ محتاجٌ إليهِ، فَيَتَضَرَّع عندَهُ.

وقد قال سيِّدنا الخضرُ (ع) تَتميمًا لعزمِ موسى الكليمِ (ع) وتثبيتًا لقدومِهِ وتَكميلاً لِتَضَرُّعِهِ واستعدادِه، وتمهيدًا لأخْذِ الميثاقِ الأكيدِ عنه: (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)، وذلكَ لأنَّ الخضرَ (ع) قد وُكِّلَ بأمرٍ لا يُطيقُهُ موسى (ع)، فموسى (ع) وُكِّلَ بعلمِ الكثرةِ وحفظِ المراتبِ والنَّظرِ إلى الظَّواهرِ وحفظِ الحقوقِ وإيصالِها إلى أهلِها، وإجراءِ أحكامِ القالبِ وحدودِهِ، وذلكَ أمرٌ عظيمٌ قَلَّما يَتَحَمَّلُهُ الرُّسلُ، إلا مَنِ اجتَبَاهُ اللهُ للرِّسالةِ، واسْتَكْمَلَهُ في مقامِ الكثرَةِ، مع كَمَالِهِ في التَّوحيدِ كسيِّدنا موسى (ع)، وإنْ كانَ غير مُطَّلِعٍ على بعضِ أسرارِ التوحيدِ وغرائبِه. أمَّا الخضرُ (ع) فقد وُكِّلَ بأمرِ الولايةِ وأسرارِها، وبغرائبِ التَّوحيدِ، ومَنْ كانَ حافظًا لأوضاعِ الشريعةِ وأحكامِ الكثرةِ، غيرَ محيطٍ بغرائبِ الولايةِ والتَّوحيدِ، لا يُمكِنُهُ تَحَمُّلُ ما يَظهرُ من الغرائبِ من صاحبِ الأسرارِ.

 

في هذهِ القصَّةِ تعليمٌ للمرءِ أن يُداومَ على التَّعلُّمِ، والتَّوجيبِ للمعلِّمِ الذي يُلقي إليهِ معرفةَ اللهِ تعالى، التي فيها نجاتُهُ، وألا يُعجَبَ المرءُ بِعِلمِهِ لقوله تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، وألاَّ يُبادِرَ إلى إنكارِ ما لَم يعرِفْهُ وتكذيبِ ما يَسمَعُهُ، فَلَعَلَّ فيهِ سرًّا لا يعلمُهُ.

وقد أرادَ سيِّدُنا الخضرُ (ع) ممَّا أظهرَهُ تعليمَ السُّلوكِ إلى الله، فأوَّلُ مراتبِ السُّلوكِ هو السَّيرُ من الخلقِ إلى الحقِّ، وذلكَ يحتاجُ إلى خرابِ البدنِ حتَّى يَتخلَّصَ من سُلطانِ الشَّيطانِ، ويُسَلِّمَ لقِوَى العقلِ، وبالمعنى التَّوحيديِّ: إنَّ السُّلوكَ إلى معرفةِ اللهِ هو معرفةُ توحيدِهِ، إذ سُئِلَ الإمامُ الحسين (ع): ما رأسُ العلمِ؟ فقالَ: (معرفةُ اللهِ حقَّ معرفَتِه). قيل: وما حَقُّ معرِفَتِه؟ فقال: (أن تعرِفَهُ بلا مِثالٍ ولا شبيهٍ ولا نِدٍّ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد