السؤال السادس والتسعون حول شرح مقاصد الخضر

images

السُّؤالُ السَّادسُ والتِّسعونَ: قد أجبتَ عن رحلةِ موسى مع الخضر، لكنَّكَ لم تشرحْ مقاصدَ ما قامَ به الخضر، فما هي الغايةُ من ذلكَ كلِّهِ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

أولاً- خرقُ السَّفينة:

قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) أي أنَّ سيِّدنا الخضر (ع) كسرَ ناحيةً من السَّفينةِ كأنَّهُ يريدُ إغراقَها بمَن فيها، فقَالَ له سيِّدنا موسى (ع) مستنكرًا: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً)، وكان سيِّدنا موسى (ع) هنا يدلُّ تعليمًا لنا على الإنسانِ الذي لا يَحتملُ ما يَرى أمامَهُ من عذابٍ وقهرٍ يجري على النَّاسِ فيتساءَلُ ويتذمَّرُ ويتَّهمُ اللهَ في عدالَتِهِ متسائلاً: (لماذا يفعلُ الرَّبُّ هذا بالنَّاسِ!؟)، إذ لا يتقبَّلُ فكرُهُ البشريُّ هذا القضاءَ الإلهيَّ فيُنكرُهُ على اللهِ كما أظهرَ سيِّدنا موسى (ع) أنَّهُ استنكرَ- في ظاهرِ الأمرِ- فِعلَ الخرقِ على سيِّدنا الخضر (ع)!!

هنا كانَ جوابُ سيِّدنا الخضر (ع): (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)؛ يشيرُ إلى أنَّهُ يعلمُ من العلمِ ما لا يعلمُهُ سيِّدنا موسى (ع)، وهنا نتذكَّرُ قولَه تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

وكان ردُّ سيِّدنا موسى (ع): (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) تذلُّلاً منه وتواضُعًا لسيِّدنا الخضر (ع)، وتعليمًا لنا على احترامِ العالِمِ وحُسنِ التَّسليمِ والقَبولِ.

وكانَ تأويلُ ذلكَ في قوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)؛ ومعناهُ أنَّ ملكًا غاصبًا كان يأخذُ السُّفنَ من البحرِ غصبًا فخرقَ سيِّدنا الخضرُ (ع) السَّفينةَ حفاظًا على أصحابِها المساكينِ مِن أن يُهلِكَهم الملكُ الغاصبُ فيَرَى السَّفينةَ مخروقةً فيتركَها، وليس عند سيِّدنا موسى (ع) عِلمُ ذلكَ.

وفي هذا إشارةٌ إلى التَّقيَّةِ التي أظهرَها الأئمَّةُ (ع) تسكيتًا للجهلةِ وأهلِ العمى حينَ كانوا يستنكرونَ اعتقادَ خاصَّةِ الخاصَّةِ، فيأتونَ للشَّكوى إلى الأئمَّةِ (ع)، فيُجيبُهم الأئمَّةُ بما يتحمَّلونَهُ اقتداءً بقولِ الرَّسولِ (ص): (إنَّا معاشرَ الأنبياءِ أُمِرْنا أن نُكَلِّمَ النَّاسَ بِقَدْرِ عُقُولِهم).

وهنا يَظهرُ للملكِ الغاصبِ عيبُ السَّفينةِ التي تحملُ النَّاسَ المساكين الذين أنِسوا بمعرفةِ اللهِ فَسَكَنُوا إلى رحمةِ اللهِ وَنَجَّاهُم من ظلمِ الملكِ الغاصبِ الذي أوصلَهُ عَمَاهُ وطغيانُهُ إلى مرحلةِ الشِّركِ الموسومِ بالظُّلمِ في قوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

ولِتَتحقَّقَ هذه السَّكينةُ كانَ لابدَّ من التَّقيَّةِ بخرقِ السَّفينةِ فيَنظر إليها الملكُ الغاصبُ فيرى فيها عَيبًا فيتجنَّبها، كما تتجنَّبُ النَّاصِبَةُ الإيمانَ بعلومِ الحقائقِ العلويَّةِ؛ وهي سفينةُ الولايةِ التي مَن ركبَ معرفَتَها نَجا، ومَن تخلَّفَ عنها غرقَ وهلكَ وهوى، لأنَّها بالنِّسبةِ إليهم مَخروقةٌ مُعابَةٌ، كما كانوا يَرونَ النَّقصَ والعجزَ والخطأ والنِّسيانَ لدى الأوصياءِ والأئمَّةِ والأنبياءِ (ع) فيُثبتونَهُ عليهم حقيقةً، وما هو إلاَّ علَّةٌ في عيونِهم ونقصٌ وعجزٌ ووهنٌ في إدراكِهم، حتَّى وصلوا بسببِ ضلالِهم وكفرِهم وشكِّهم إلى تعظيمِ الفحشاءِ والمنكرِ وإشراكهم بالذِّكرِ الحكيمِ في قوله تعالى: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)، وتفضيلِهم عليهِ في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).

وهذا الملكُ الغاصبُ سيظنُّ أنَّ أهلَ السَّفينةِ غارقونَ لا محالةَ بسفينَتِهم التي يَراها مخروقةً فَيَتركها، كما يظنُّ النَّواصبُ أنَّ أهلَ الحقِّ هالِكونَ بعقيدَتِهم التي يظنُّونَ فيها غلوًّا فيتجنَّبونَها، والحقيقةُ أنَّ نجاةَ أهلِ الحقِّ بتوحيدِهم الخالصِ كنجاةِ أهلِ السَّفينةِ، وليس في عقيدَتِهم شائبةٌ إلاَّ على سبيلِ الخرقِ لحمايةِ المؤمنينَ وتضليلِ الكافرينَ لقول تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

 

ثانيًا- قتلُ الغلام:

أمَّا بالنِّسبةِ للغلامِ المقتولِ في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً)، فسيِّدنا موسى (ع) جاءَ بشريعةٍ تحرِّمُ قتلَ النَّفسِ حينَ كان من وصاياهُ العشرة: (لا تقتُلْ)، ولم يكنْ يعلمُ أنَّ لذلكَ الغلامِ جناية، ولا رآهُ قد قتلَ أحدًا حتَّى يستوجبَ القتلَ، فرأى هذا الفعلَ مُنكَرًا لأنَّهُ لا يجوزُ قتلُ النَّفسِ إلاَّ بالنَّفسِ في قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).

هنا قال له سيِّدنا الخضر (ع): (أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، فقال سيِّدنا موسى (ع) تعليمًا على الحياءِ من العالمِ واعترافًا بمنزلَتِهِ واعتذارًا له: (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً).

وكانَ تأويلُ ذلكَ في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً)، وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ هذا الغلامُ لم يَقتُلْ فَقُتِلَ، وهذا مخالفٌ للقرآنِ الكريمِ، وهو قاصرٌ وهذا يعني أنَّها جريمةٌ يُحاسبُ عليها القانون!!!

هنا نقول: إنَّ تحريمَ القتلِ كان تحريمًا لقتلِ المؤمنِ لا الكافرِ بدليلِ قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً)، ولكنَّ هذا الغلامَ كان مطبوعًا بالكفرِ.

كما أنَّ فعلَ القتلِ هنا مجازيٌّ مثلُ قولِهِ تعالى: (فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) فالقتلُ هنا تطهيرٌ للنَّفسِ.

من هذا المنطلقِ فإنَّ قتلَ الغلامِ هو لَعنَتُهُ وإبعادُهُ من رحمةِ اللهِ التي هي معرفةُ الحقِّ، وذلكَ لأنَّهُ ليسَ من أهلِها منذُ البَدءِ، ومَن لم يكنُ من أهلِها لن يكونَ مهما مرَّتِ العصورُ، ولو أنَّه عرفَها بحقيقةِ المعرفةِ لَكَانَ سيَطغى ويتجبَّرُ ويسبِّبُ الأذى للمؤمنينَ الذينَ يعيشُ معهم، فهو كالمندسِّينَ الذينَ أرادَ اللهُ أن يكونوا بيننا اليومَ، لكنَّهُ أظهرَ عليهم علاماتٍ ذميمةً تكشفُ جواهرَهم الخبيثةَ لنحذَرَ إدخالَهم إلى بيتِنا، ونُبعِدَهم عن العبثِ بمَعرفتنا وحُرُماتِنا.

وهكذا كانَ من حكمةِ سيِّدنا الخضرِ (ع) أنْ أَبعدَهُ عن المعرفةِ لأنَّهُ ليسَ من أهلِها، كما حدثَ في قصَّةِ سيِّدنا نوح (ع) في قوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، ومثلُها اللَّعنةُ التي حصلَتْ على جعفر الكذَّابِ الذي لم يُقتَلْ جَسدًا، إنَّما قُتِلَ لعنةً تحذيرًا منه على لسانِ الأئمَّةِ (ع) كيلا يصدِّقَهُ النَّاسُ حين سَيدَّعي لنفسِهِ الإمامةَ فيَطغى على أهلِ الإيمانِ والولايةِ، فكانَ مقتولاً أي مقطوعَ السَّبيلِ إلى بلوغِ مآرِبِهِ.

 

ثالثًا- بناءُ الجدارِ:

أمَّا بالنِّسبةِ للجدارِ في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا)، فقال سيِّدنا موسى (ع) في نفسِهِ: عالِمٌ يطلبُ الصَّدقةَ وهو يقدرُ أن يحوِّلَ الجبلَ ذهبًا لِمَا عندَهُ من العلمِ والمقامِ!! ولا يقبلونَ منه ولا يُعطونَهُ شيئًا.. مُستعجبًا من ذلكَ!!

وهذا في حقيقةِ الأمرِ لا يختلفُ عن دعوةِ أمير المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لأصحابِهِ للقتالِ في قوله: (أَلا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً ونَهَاراً وسِرّاً وإِعْلاناً وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ)، وخذلانِ النَّاسِ له، وتوبيخِهِ إيَّاهُم بقوله: (فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ!)، علمًا أنَّهُ ما كانَ بحاجَتِهم لأنَّهُ كانَ يستطيعُ أن يقهرَ الباطلَ وينصرَ الحقَّ دونَ قتالٍ، وقد أشيرَ لهذا في أكثرِ من روايةٍ، ولكن تعليمًا للمؤمنينَ على أصولِ الجهادِ في سبيلِ الحقِّ، والدَّليلُ ما وردَ عن سيِّدنا المسيحِ (ع): (جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي، مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ)، فهل هذا الجوعُ والعطشُ والعري والمرضُ حادثٌ بسيِّدنا المسيح (ع)!! أم هو واقعٌ فينا ومردودٌ إلينا!؟

ثمَّ قال تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ)، وهنا ازدادَ عَجَبُ سيِّدنا موسى (ع)، فكيفَ طلبَ سيِّدنا الخضر (ع) طعامًا من أهلِ القريةِ فَبَخِلوا عليهِ ولم يَطعَموهُ، وأبَوا أن يُضَيِّفوهُ، ثمَّ أقامَ لهم الجدارَ من غير أجرٍ، وقال سيِّدنا موسى (ع): (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) مقابلَ بُخلِهم فقال سيِّدنا الخضر (ع): (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)، وهذا القولُ وأمثالُهُ تأديبٌ وتعليمٌ لنا أنْ نُسَلِّمَ للعالِمِ في كلِّ ما يأتي به من العلومِ والأفعالِ والأحكامِ، إنْ وافقَ الأفهامَ الضَّعيفةَ أو لم يوافِقْها، لأنَّ الكليمَ (ع) لم يكنْ مُعترضًا أو مُخالفًا في الحقيقةِ، إنَّما على سبيلِ التَّعليمِ والتَّأديبِ، لأنَّ ذلكَ فينا واقعٌ وإلينا راجعٌ.

وكان التَّأويلُ في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ)، فأهلُ القريةِ ظالمونَ، وهذا الغلامان صالحانِ من أهلِ المدينةِ، ولو أنَّ أهلَ القريةِ قد اكتشفوا هذا الكنزَ لسَرقوهُ وتهتَّكوا به وحَرَموا منهُ المؤمنينَ، ولَكانَ قد سادَ الظُّلمُ الدُّنيا وما فيها، لأنَّ هذا الكنزَ لم يكنُ كنزًا نقديًّا بل معرفيًّا بدليلِ ما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) عندما سئل عن هذا الكنزِ فقالَ: (أَمَا أنَّهُ ما كانَ ذهبًا ولا فضَّةً، وإنَّما كان أربعَ كلماتٍ: لا إلهَ إلاَّ أنا، مَن أيقَنَ بالموتِ لم يَضحَكْ سِنُّهُ، وَمَن أيقَنَ بالحسابِ لم يَفرَحْ قلبُهُ، وَمَن أيقَنَ بالقَدَرِ لم يَخْشَ إلاَّ اللهَ).

فكانَ الجدارُ الـمُقامُ بمثابةِ الحِصنِ الحَصينِ على الجوهرِ النَّفيسِ والكنزِ الثَّمينِ الـمُختَبِئِ تحتَهُ، والذي سيحصلُ عليهِ بَنوهُ من أهلِ المدينةِ حينَ يبلغونَ أشُدَّهم ويستحقُّونَ اقتناءَهُ.

ولابدَّ من إقامةِ الجدارِ ليقفَ عليهِ الأشرارُ، فيظنُّونَ أنَّ هذا الجدارَ هو الغايةُ التي أقامَها الوليُّ بصحبةِ النَّبيِّ، فيتمسَّكونَ بهِ اعتقادًا على أنَّهُ الحقيقةُ العُظمى، كما نجدُ المقصِّرَةَ يمارسونَ شعائرَ الحجِّ دونَ أن يفقَهوا معاني القِبلَةِ والقُبلةِ والتَّوجُّهِ، ويتعلَّقونَ بقبورِ الأئمَّةِ (ع) دونَ تنزيهِهم عن الحالاتِ البشريَّةِ التي لا تليقُ بحضرَتِهم النّورانيَّةِ.

ولابدَّ من التَّنويهِ على عدمِ الخلطِ بين القريةِ والمدينةِ ها هنا، فأهلُ القريةِ ظالمونَ، وكثيرًا ما وُصِفَتِ القريةُ بالظُّلمِ والكفرِ والعتوِّ، والغلامانِ المؤمنانِ لم يكونا منها بل من المدينةِ المحمودةِ، حتى أنَّه لا يُقالُ: (قريةٌ فاضلةٌ) بل (مدينةٌ فاضلةٌ) لذلك فإنَّه لا خلطَ ولا مزجَ بينهما، كما أنَّ الرَّسول (ص) أطلقَها على نفسِهِ بقوله: (أنا مَدينةُ العلمِ)، وقد كانَ اللهُ يرسلُ دائمًا أنبياءَهُ مِن المدينةِ لإنذارِ أهلِ القُرَى كما في قوله تعالى في سورة يس: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ)، ومَن جاءَ كان مِن المدينةِ في قوله في نفس السورة: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ).

أمَّا أهلُ الحقِّ العلويِّ فإنَّهم بالغونَ بمعرفتِهم أنَّ وراءَ هذه الجدرانِ التي نُصِبَتْ على أعينِ أهلِ القريةِ كنزًا ثمينًا من العلومِ والمعارفِ كما قالَ الإمام علي زين العابدين (ع): (إنِّي لأكْتُمُ مِنَ عِلمي جَواهِرَهُ… كَي لا يَرَى العِلمَ ذُو جَهلٍ فَيفتَنِنَا).

والوليُّ حينَ يقيمُ الجدارَ لا يطلبُ عليهِ أجرًا، تعليمًا لنا على أنَّ إقامةَ التَّقيَّةِ الدِّينيَّةِ ليسَ لها أجرٌ ولا ثوابٌ بل هي واجبةٌ لقولِ الإمامِ الرِّضا (ع): (التَّقيَّةُ في دارِ التَّقيَّةِ واجبَةٌ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

اترك رد