القائد الخالد كان يقرأ القادم في كتاب مفتوح

501

القائد الخالد كان يقرأ القادم في كتاب مفتوح

بقلم: د . بهجت سليمان

[ لقاء في عام 2000 مع ” د . أسامة الباز ” مدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية ]

في منتصف عام 2000 وبعد التحاق القائد الخالد حافظ الأسد بالرفيق الأعلى ، بفترة قصيرة .
كان الدكتور ” أسامة الباز ” وكيل وزارة الخارجية المصرية ” ومدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية ” أسامة الباز ” بزيارة إلى دمشق..

وقد أعلمني السيد ” علي عبد الكريم ” مديرعام وكالة سانا ” الجديد حينئذ ، ومدير مكتب سانا السابق في ” القاهرة ” بوجود الدكتور الباز مع زوجته في دمشق ، فدعوتهما للعشاء مع السيد علي عبد الكريم وزوجته ، في مطعم ” الدوار ” بفندق ” الشام ” بدمشق …

وخلال العشاء ، روى لي الدكتور الباز ، الرواية التالية :

في منتصف عام 1987 وقبيل نهاية الحرب العراقية – الإيرانية ، كلفني الرئيس حسني مبارك ، بنقل رسالة للرئيس حافظ الأسد .. وكانت تباشير عودة العلاقات بين سورية ومصر ، في ذروتها ..
وبعد أن انتهيت من نقل رسالة الرئيس مبارك للرئيس الأسد ، قلت للرئيس الأسد : سيادة الرئيس ، هناك سؤال يشغلني دائماً ، فهل تسمح لي بتوجيهه لسيادتكم ؟
فأجابه الرئيس الأسد : أسأل ما تريد ياأسامة.

فقلت له : سيادة الرئيس الأسد ، من المعروف عنك شخصياً ، مدى وطنيتك وعمق عروبتك.. ولكن ما يحيّرني ، منذ سنوات ، هو كيف يمكن لرجل قائد عروبي مثلكم ، أن يقف مع الفرس ضد العرب ، في الحرب العراقية – الإيرانية ؟

فابتسم الرئيس الأسد وقال لي : ياأسامة ، وهل تعتقد بأنه لو كانت الحرب حقاً ، عربية – فارسية ، ولو بنسبة واحد بالمئة .. هل كان يمكن لي أن أقف إلاّ في الجانب العربي ؟!
هذه الحرب ، ياأسامة ، لا علاقة للعرب ولا للعروبة بها ، بل هي حرب شخصية ل ” صدام حسين ” على حساب العرب والعروبة ، وضد ثورة إيرانية وليدة ، انتقلت بإيران من خانة التبعية ل ” إسرائيل ” إلى خانة العداء لها .

وفور الإنتهاء الذي بات وشيكاً من هذه الحرب ، سوف يعمل ” صدام ” على تشكيل ” مجلس تعاون ” شبيه بمجلس التعاون الخليجي ، وقد يسميه ” مجلس تعاون عربي ” لكي يكون غطاءً له ، من أجل الإستمرار بالحرب ، ولكن على جبهة ثانية ، هذه المرة .

فقلت له : أيّ جبهة ثانية ، ياسيادة الرئيس ؟

فأجابني : جبهة الخليج العربي ، وقد يبدأ بالكويت .

حينئذ – حسب قول الدكتور الباز – قلت بيني وبين نفسي ” ِضيعانك ياحافظ الأسد ، لأن ذلك لا يمكن ورودُهُ في عَقْلٍ سليمِ التفكير ” !!
وانتهى لقائي مع الرئيس الأسد ، وأنا أفكّر أثناء عودتي إلى القاهرة ، بكيف يمكن التفكير باحتمال قيام ” صدام حسين ” بغزو الخليج ، وهي الدول التي وقفت معه ومَوّلت حربه ودعمته بكل ما تستطيع طيلة فترة الحرب مع إيران !!!!

وبعد ثلاث سنوات ، وفي الخامس والعشرين من تموز عام 1990 ، كلّفني الرئيس مبارك ، بحمل رسالة للرئيس ” صدام حسين ” ينقل له فيها تخوّف ” الكويت ” من احتمال قيام العراق بشن حرب عليها ..
فأجابني الرئيس ” صدام ” : هذه أوهام في عقول الكويتيين ..
وهم الذين يتَعَدّون على العراق ، و يسرقون نفطه في المنطقة الحدودية المشتركة ..
و سَلِّمْلي علي سيادة الرئيس مبارك ، وطَمْئِنْهُ بأنه لا وجود لدينا في العراق ، لأيّ شيء من تلك الأوهام .
وفور عودتي للقاهرة ، نقلْتُ جوابه للرئيس مبارك .

وبعد ذلك بأسبوع واحد فقط ، وبعد منتصف ليلة الواحد من آب ، وفي الساعة الواحدة من صبيحة الثاني من آب ، جرى إعلامنا في مصر ، بأن الجيش العراقي في طريقه إلى الكويت ، وهو على وشك احتلالها ..

وأكملَ الدكتور ” أسامة الباز ” حديثه لي بقوله : لم يخطر لي في تلك اللحظة ، إلاّ الرئيس حافظ الأسد وما قاله لي منذ ثلاث سنوات ، عندما استهجنْتُ قوله ذاك .. وقلت لنفسي – كما يقول الباز – :

( ياسبحان الله ، واللهِ ، كأنّ حافظ الأسد كان يقرأُ في كتابٍ مفتوح .. وكُلّ ما قاله قد حدث ، مما لم نكن نراه جميعاً . )

اترك رد