Press "Enter" to skip to content

السؤال الثامن والتسعون حول موضوع الرؤية

images

السُّؤال الثَّامنُ والتِّسعون: ماذا تعني رؤية اللهِ التي يتحدَّثُ عنها العلويُّونَ؟

 

الجوابُ الثَّامنُ والتِّسعون بإذنِ اللهِ:

إنَّ موضوعَ الرُّؤيةِ موضوعٌ شائكٌ تاهَ فيهِ البشرُ منذُ بدأتْ الكتبُ السَّماويَّةُ تتحدَّثُ عنهُ، لأنَّ البشرَ الضُّعفاءَ تمسَّكوا بالمحسوسِ وضيَّعوا المعقولَ، فَعَبَدوا الأصنامَ والنَّارَ والكواكبَ والأبشارَ والملائكةَ والرُّسلَ والأنبياءَ، وضيَّعوا الحقَّ.

ومن ثباتِ بطلانِ عقائدِهم المشبِّهةِ أنَّهم عَبَدوا الزَّائلَ وَتَركوا الباقي، وَعَبدوا الآنيَّ وَتَركوا الدَّائمَ، لأنَّ فكرَهم مَحدودٌ قاصرٌ عن فهمِ التَّوحيدِ.

يُمكننا أن نبدأ انطلاقًا من قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ اللهَ تَراهُ في مَملكَتِهِ إلى الأبدِ حيث يكونُ قوامُ سعادَتِنا ومَجدِنا).

فهل اللهُ المقصودُ هو المسيحُ ذاتُهُ؟ أو بتعبيرٍ آخر هل هو النَّبيُّ أيًّا كان النَّبيُّ المقصودُ؟

أم هو النُّورُ المتجلِّي لأهلِ البصائرِ يعرفونَهُ بدلائلِهِ وآياتِهِ، لأنَّهم يدركونَ أنَّهم لا يستطيعونَ رؤيةَ اللهِ كما هو بجلالِ عظمَتِهِ لقولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الْحَمْدُ لله الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ).

فالرُّؤيةُ تكونُ لنورِ تَجلِّيهِ على قدرِ أهلِ العزمِ والبصيرةِ، فمَن ارتقى في عزمِهِ عاينَ ذلكَ النُّورَ لا كما يعاينُهُ مَن هو أدنى منه، فالكلُّ مشتركونَ برؤيةِ النُّورِ الإلهيِّ لقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لكنْ كلٌّ يبصرُ من ذلكَ النُّورِ معرفةً حسبَ طاقتِهِ، وهذا النُّورُ هو الآياتُ والدَّلائلُ التي ذكرَها تعالى بقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ)، ولو لم تكنْ رؤيةُ الآياتِ شاملةً لانْتَفَتْ الحجَّةُ على الخَلقِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (ما عُرِفَ مَحفوظٌ وما جُهلَ منبوذٌ، فإذا شَكَّ المرءُ وارتابَ فيما يَرَى فهو فيما لا يَرَى أَشَكُّ وَأَريبْ).

ومن كلامٍ للإمامِ الرِّضا (ع) في مناظرةٍ جرَتْ بينَهُ وبين عمران الصَّابئ، قال عمران: يا مولاي زِدنِي. فقال له (ع): (إيَّاك وقولَ الجُهَّالِ أهلِ العَمَى والضَّلالِ الذين يَزعمونَ أنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقدَّسَ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والثَّوابِ والعقابِ وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للطَّاعةِ والرَّجاءِ، أوَلَم يَعلمِ الجُهَّالُ أنَّهُ إذا كان أهلاً للوجودِ لِخَلقِهِ في الآخرةِ فهو أهلٌ للوجودِ في الدُّنيا، ولو كانَ في وجودُ اللهِ نقصٌ واهتضامٌ في الدُّنيا لَكَانَ كذلكَ في الآخرةِ ولم يوجدْ سُبحانَهُ، ولكنَّ القومَ تَاهوا وَصُمُّوا وَعُمُوا عن الحقِّ من حيثُ لا يعلمونَ وذلكَ قولُهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ المُنزَلِ على نَبيِّهِ المُرسَلِ (ص): (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)؛ يعني: أعمى عن الحقائقِ الموجودةِ.

فاستِدْلالُنا يكونُ بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كلِّ هُدَى، على أنَّ الذي أظهرَ المعجزاتِ والآياتِ وأخبرَ في كتابِهِ العزيزِ بِعِلمِ ما كانَ وما هو كائنٌ، هو ربُّنا ربُّ الأرضِ والسَّماواتِ، وأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ إليه دَعَوا وبتوحيدِهِ نَطَقوا، وهو الذي وصفَ نفسَهُ بقولِهِ: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فالحياةُ دليلُ الوجودِ، وهو ضِدُّ العدمِ، لذلك كانت إشارةُ الأنبياءِ وأصحابِ الشَّرائعِ إلى إلهٍ موجودٍ يعرفونَهُ.

مِن هنا نؤكِّدُ أنَّ الدَّليلَ على وجودِ الإلهِ يبدأُ بكتابِ اللهِ تعالى الذي فيه تبيانُ كل شيءٍ كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، إشارةً إلى آياتِهِ التي هي دلائلُ وجودِهِ سبحانَهُ.

وكذلكَ نستدلُّ على وجودِ الإلهِ بأحاديثِ رسولِ الله (ص) وأحاديثِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الواردةِ عن طريقِ أهلِ الولاءِ من علماءِ نَهجِنا العَلويِّ، ولقد أشارَ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بقولِهِ: (فأمَّا أولياءُ الحَقِّ فَضِيَاؤهم فيها اليقينُ، وَدَليلُهُم سَمْتُ الهُدَى، وأمَّا أعْدَاءُ اللهِ فَدُعاؤهُم الضَّلالُ، وَدَليلُهُم العَمَى).

ولابدَّ من حُجَّةِ العقلِ التي قال فيها الإمامُ الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

وهذه الأدلَّةُ مقرونةٌ بحكمِ الضَّرورةِ بالولايةِ الصَّادقةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

وحتَّى ننفي التُّهمةَ الدَّائمةَ بأنَّ العبادةَ لجسدِ عليٍّ، نُورِدُ ما جاء عنه (ص) أنَّه قال يومًا لأصحابِهِ: (إنِّي مؤدبكم بآدابِ اللهِ ورسولِهِ، وهو أنِّي آمُرُكم ألاَّ يقومَ العبدُ إلاَّ لمولاهُ، والولدُ إلاَّ لوالدِهِ، والمتعلِّمُ إلاَّ لـمُعَلِّمِهِ، والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، والصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، واللهُ أمرَنا نحنُ معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ جلَّ اسمُهُ). فأقبلَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعدَ وقتٍ، فلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ (ص) قامَ لَهُ وقبَّلَ ما بينَ عينيهِ، فقالَ له أبو دُجانَةَ سمَّاكُ بن خرشنةَ الأنصاري رَضِيَ اللهُ عنهُ: (يا رسولَ اللهِ أنتَ السَّاعةَ تقولُ لنا: إنَّ اللهَ أمرَنا معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ، وأنتَ رَبَّيتَ عليًّا. وقلتَ: لا يقومُ الولدُ إلاَّ لوالدِهِ والمتعلِّمُ إلاَّ لمعلِّمِهِ والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، وأنت أعلمُ من عليٍّ، وعليٌّ عَلِمَ منكَ. وقلتَ: لا يقوم الصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، وقد رأيناكَ قُمتَ لِعَلِيٍّ وأنتَ أكبرُ منهُ؟)؛ وطبعاً كانَ هذا السُّؤالُ تعليمًا كي لا نقعَ بالغلوِّ الذي وقعَ بهِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ أسقطوا الرَّسولَ والأئمَّةَ (ع) من مقامِهم النُّورانيِّ وجعلوهم واقعينَ تحتَ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، وكانَ أبو دجانة يسألُ لِيُعلِّمنا أنَّ هذه التَّساؤلاتِ قد تصدرُ على سبيلِ القياسِ والتَّحيُّرِ عندما يتمُّ أخذُ الأحكامِ بشكلِها الحسِّيِّ الماديِّ، فكانَ جوابُ رسولِ اللهِ (ص) للدَّلالةِ على أنَّ الأمورَ لا تُقاسُ بالمقاييسِ الضَّيِّقةِ: (أنا قمتُ للنُّورِ الذي بين عَينيهِ)، وهذا النُّورُ هو نورُ الولايةِ التي جعلَها اللهُ شرطَ الإيمانِ في قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، فالولايةُ للهِ الحقِّ، ولكنْ لابدَّ للمؤمنِ من سبيلٍ لبلوغِها، فكانَ هذا السَّبيلُ هو النُّورُ الذي بين عيني أميرِ المؤمنينَ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

فرسولُ اللهِ (ص) رأى ذلكَ النُّورَ لا كما رآهُ أبو دجانة، ولا كما نراهُ نحنُ، فكلٌّ يبصِرُ من النُّورِ على حسبِ استطاعتِهِ، والإبصارُ هنا دليلُ المعرفةِ، لأنَّ الكافرينَ لا يبصرونَ رغمَ أنَّهم يرونَه أمامَهم إلاَّ أنهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

Be First to Comment

اترك رد