السؤال التاسع والتسعون حولَ يوم النوروز

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والتِّسعونَ: ما هو يومُ النَّوروز؟ وهل مِن دَلالاتٍ دينيَّةٍ فيهِ عندَ العلويَّةِ؟

الجوابُ التَّاسعُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:
يومُ النَّوروزِ هو بدايةُ السَّنةِ الجديدةِ حسبَ التَّقويمِ الفارسيِّ، حيث يحتفلُ فيهِ سكَّانُ إيران وكردستان وبلدانِ آسيا الوسطى كعيدِ لرأسِ السَّنةِ واحتفالٍ بقدومِ الرَّبيعِ وتجدُّدِ الطَّبيعةِ بعدَ انقضاءِ البردِ.
ويأتي في الرابع من نيسان من كلِّ عام عندَ الانقلابِ الصَّيفيِّ. وقد جاءَ عن الإمام الصَّادق (ع) قوله: (هو اليومُ الذي طلعَتْ فيه الشَّمسُ، وهبَّتْ فيه الرِّياحُ اللَّواقحُ، وخُلِقَتْ فيه زهرةُ الأرضِ، وهو اليومُ الذي أُخِذَ فيه العهدُ لأميرِ المؤمنينَ بغدير خمٍّ، وهو اليومُ الذي يَظهرُ فيه قائمُنا أهلُ البيتِ).
وَسُمِّيَ (نوروز) وهِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ تتألَّفُ من مَقطعين: (نور) وَ(روز) تَعنِي يوم، ومَعناهُ بالعَرَبِيَّةِ: يومُ النُّور، وفسَّرها البعضُ: اليوم الجديد.
حاولَ البعضُ ربطَ هذا اليوم بالدِّياناتِ السُّوريَّةِ القديمةِ الوثنيَّةِ من خلالِ ربطِهِ بتمجيد (عشتار) وصعودِ (بعل) من الجحيمِ إلى عالمِ النُّورِ والخلودِ!! وحاولَ البعضُ ربطَهُ بعبادةِ النَّارِ عندَ المجوسِ!! وهذا غيرُ صحيح عندنا.
حتَّى أنَّ البعضَ حاولوا اتِّهامَ الصَّحابيِّ الجليلِ سَلمَانِ الفَارِسِيّ (ع) بنقلِهِ من بلادِ فارس وإدخالِهِ للإسلامِ، علمًا أنَّ هذا فخرٌ لا عيبٌ، ولابدَّ من التَّذكيرِ في البدايةِ بقولِ رسُولِ اللهِ (ص): (سلمانُ منَّا أهلُ البيتِ)، فقيل له: أَمِنْ بني هاشم؟ فقال: (نَعم، مِن بني هاشم عَلِمَ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ).
إنَّنا كعلويِّينَ مُسلمين نتجاوزُ في نظرَتِنا الحدودَ الضَّيِّقةَ للشَّرائعِ والمذاهبِ والطَّوائفِ، ونسمو في معارفِنا للبحثِ عن الحقِّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وننطلقُ في فهمِنا للدِّينِ الحقِّ من كلامِ اللهِ وأقوالِ العترةِ الطَّاهرةِ، وهذا قانونٌ بالنِّسبةِ لنا شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.
ونحنُ نحتفلُ بيومِ النَّوروزِ لأنَّ الإسلامَ لم يعارضِ النَّوروزَ بل أيَّدَهُ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصادقِ (ع): (يوم نوروزٍ هو يومٌ يفضَّلُ على سائرِ الأيامِ كفضلي على سائرِ الخلقِ، وهو نورٌ لمَن عرفَهُ ورُوزٌ يجيرُ من سخطِ اللهِ وعذابِهِ، وهو اليومُ الذي تابَ فيه على آدمَ في قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وقوله (ع) لسيِّدنا الـمُعَلَّى بن خُنَيس: (إذا كانَ يومُ النَّوروزِ فاغتسِلْ، والبسْ أنظفَ ثيابِكَ، وتطيَّبْ بأطيبِ طيبِكَ)، فالغسلُ في الشَّرعِ هو طهارةُ الجسدِ من الجنابةِ، أمَّا في الحقيقةِ فطَّهارةُ النَّفسِ لا تكونُ إلا بمعرفةِ علومِ أهل البيت (ع).
ففي مثل هذا اليوم- كما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع)- أسجدَ اللهُ ملائكتَهُ لسيِّدنا آدم (ع)، وأخذَ المواثيقَ على العبادِ أن يعبدوهُ، ونزلَتِ النَّارُ الهائلةُ من السَّماءِ لتتقبَّلَ قربانَ مولانا هابيل (ع)، واستوَتْ سفينةُ سيِّدنا نوح (ع) على الجودي، وجعلَ اللهُ النَّار بَردًا وسَلامًا على خليلهِ إبراهيم (ع)، وعرجَ سيِّدنا محمَّد (ص) إلى السَّماء، وحملَ رسولُ اللهِ (ص) أميرَ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ على منكبيهِ حتى رمى أصنامَ قريش من فوقِ الكعبة فهشَّمَها.
وفي مثل هذا اليوم آنَسَ اللهُ سيِّدنا موسى (ع) من النَّارِ في قوله تعالى: (إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، ولمَّا أتاها كلَّمَهُ اللهُ منها دلالةً منه أنَّ العبادةَ لَهُ لا لغيرِهِ، أي أنَّ العبادةَ لمَن قال لموسى عندَ المناجاةِ: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فالعبادةُ للهِ بالإخلاصِ هيَ الدِّينُ الصَّحيحُ الَّذِي ما بعدَهُ لطالِبٍ مَطلَبٌ.
وفي مثل هَذا اليَوم اختَارَ سيِّدنا مُوسَى (ع) مِن قَومِهِ سَبعِين رَجُلاً لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، فأَخَذَتهُمُ الرَّجفَةُ وَمَاتُوا، فرَشَّ عَلَيهِمُ المَاءَ فأحيَاهُم بِرَشِّ المَاءِ.
وفي مثل هَذا اليَوم وردَ أنَّ قومًا من بني إسرائيلَ خَرَجوا من ديارِهم حذرَ الموتِ، وكانوا زُهاءَ ثلاثينَ ألفٍ، فأماتَهم اللهُ كموتةِ نفسٍ واحدةٍ، فَصَاروا رُفاتًا، ثمَّ مرَّ عليهم رسولُ اللهِ حزقيل (ع) وَنَاجى ربَّهُ في أمرِهم فأوحى اللهُ تعالى إليه ليأخذَ الماءَ وَيرُشَّهُ عليهم، فرَشَّ عليهم الماءَ فأحياهم اللهُ بأمــرِه، وهو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ).
وفي مثل هذا اليوم نصرَ اللهُ تعالى رسولَهُ وأمَّتَهُ على الأحزابِ في غزوةِ الخندقِ، وسمِّيَ يومَ الأحزابِ، ونزلَتِ الآية: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)، حتى أنَّ الصَّحابيَّ الجليلَ عبدَ اللهِ بن مسعود (ع) كان يقرأُ الآيةَ: (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَليِّ)، لأنَّ هذه الغزوةَ لم يحدثْ فيها قتالٌ بعدَ أن قتلَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ فارسَ المشركينَ عَمْرو بن ودٍّ العامري، وهزمَ أحزابَهم وهو ابنُ أربعةَ عشرَ عامًا، وفي هذه الحادثةِ قال النَّبي (ص): (برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كلِّهِ).
وقد حافَظْنا على استذكارِ ما يرتبطُ بهِ بدليلِ قول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّهُ يومٌ من أيَّامنا حَفَظَهُ الفرسُ وضيَّعتموهُ)، ولَطَالما كانَ الأمرُ حقًّا فإنَّ هذا لا يمنعُ من استذكارِهِ والاستفادةِ منه.
ففي يومِ النَّوروزِ أظهرَ اللهُ تعالى رسالةَ الحقِّ في بلادِ فارسَ قبل الإسلامِ، وبعثَ لهم مبشِّرينَ ومُنذِرينَ، لأنَّ اللهَ لم يحصرْ رسالاتِهِ للعربِ، إذْ لا يمنعُ رحمتَهُ عن أحدٍ، ولا يتركُ لأحدٍ حُجَّةً لكي يقول له: لم تَدْعُنَا ولو كنتَ دَعَوتَنَا لأجَبْنَاكَ!!
فاللهُ تعالى بعثَ في بلادِ فارسَ ملكًا اسمُهُ أزدشير بن بابك بن ساسان، وقد ظهرَ في أواخرِ القرنِ الثَّاني للميلادِ، وتُوِّجَ ملكًا وحيدًا لبلادِ فارسَ في الفترة 224-242 م، وتمَّ تَلقيبُهُ بملكِ ملوكِ إيران، وتميَّزَتْ دولتُهُ بتحقيقِ العدلِ والـمُثُلِ الأخلاقيَّةِ والمبادئِ الإنسانيَّةِ في تعاليمِها. وكان من المأثور عنه مبادئُهُ العادلةُ في المُلك حيثُ كانَ يقولُ: (سلطانٌ عادلٌ خيرٌ من مطرٍ وابلٍ). كما أنَّهُ كانَ يحذِّرُ من الانجرارِ وراءَ الدُّنيا، ومن أقوالِهِ في ذلك: (ولا تَركنُوا إلى هذهِ الدُّنيا فإنَّها لا تُبقي على أحدٍ، ولا تَتركوها بلا عملٍ فإنَّ الآخرةَ لا تُنال إلاَّ بها).
كما بعثَ اللهُ بعدَهُ الملكَ سابور بن أزدشير وكانَ على نفسِ النَّهجِ في العدلِ، ومِن تَعاليمِهِ في محاربةِ الفاسدين قوله: (انحطاطُ ألفٍ من العَلِيَّةِ، أحمدُ عاقبةً من ارتفاعِ واحدٍ من السَّفَلَةِ)، وذلكَ لِمَا في استلامِ الفاسدينِ للمناصبِ من كوارثَ قد تَعُمُّ البلادَ. كما أنَّ له من عظيمِ الحكمةِ قوله: (كلامُ العاقلِ كلُّهُ أمثالٌ، وكلامُ الجاهلِ كلُّه آمالٌ)، وهو يتلاقى مع قولهِ تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، وقولِ سيدنا المسيح (ع) حين سُئلَ: لماذا تكلِّمُهُم بالأمثالِ؟ فأجاب: (لأنَّهُ قد أعطيَ لكم أن تَعرفوا أسرارَ ملكوتِ السَّماواتِ، وأمَّا أولئكَ فلم يُعطَ، فإنَّ مَن له سيُعطى ويُزاد، وأما مَن ليس له فالذي عندَهُ سيُؤخذُ منه).
وامتثالاً لأوامرِ الأئمَّةِ (ع) في إقامةِ أعمالِ هذا اليومِ نصومُ هذا اليومَ ونُحييهِ بالصَّلاةِ والتَّذاكرِ بالعلومِ الدِّينيَّةِ لتُقبَلَ أعمالُنا بمقدارِ معارفِنا، امتثالاً لقولِ سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء (ع): (جعلَ اللهُ معرفَتَهُ تطهيرًا لكم من الشِّركِ، والصَّلاةَ تنزيهًا لكم عن الكِبرِ، والزَّكاةَ تزكيةً للنَّفسِ ونماءً في الرِّزقِ، والصِّيامَ تثبيتًا للإخلاصِ، والحجَّ تشييدًا للدِّين).
فحضورُ مجالسِ العلمِ لتعلُّمِ الآدابِ والعلومِ الدِّينيَّةِ وأصولِ الفقهِ إحياءٌ لأمرِ اللهِ وأنبيائِهِ وأئمَّتِهِ لقولِ الإمام الصَّادق (ع): (أحيوا أمرَنا، رَحِمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا)، فقيل: وكيف يُحيَى أمرُكُم؟ قال: (أن تتعلَّمُوا علومَنا وتعلِّموها لمُستحقِّيها، فإنَّ النَّاسَ لو عَلِمُوا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد