السؤال المئة حول نظرية الشرك الشيئية

images

السُّؤالُ المئةُ: اللهُ تعالى وَصَفَ نفسَهُ بالشَّيءِ، وبنفسِ الوقتِ نزَّهَ نفسَهُ عن الشَّيئيَّةِ. فما تأويلُ ذلكَ؟

الجوابُ المئةُ بإذنِ اللهِ:
يقول تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
إنَّ محاولاتِ تحريفِ الكتبِ السَّماويَّةِ والأحاديثِ النَّبويَّةِ وأحاديثِ الأئمَّةِ (ع) لم تتوقَّفْ يومًا، بل تَعَدَّى الأمرُ ذلكَ إلى تحريفِ أقوالِ السَّادةِ الثِّقاةِ الذين قالوا عن الحقِّ: (لا يُقال له شَيءٌ، ولا يُمَثَّلُ به شَيءٌ، ولا تُضرَبُ له الأمثالُ، ولا بهِ)، فجُعلَتْ بعد التَّحريفِ: (لا يُقِلُّهُ شيءٌ)، لتكونَ حُجَّةً لجعلِ الشَّيءِ ماهيَّةً للحقِّ عزَّ وَجَلَّ!!
وقد احتجَّ أصحابُ نظريَّةِ الشِّركِ الشَّيئيَّةِ بقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، فهل هذا القولُ يُثبِتُ ماهيَّةَ الشَّيءِ على اللهِ وهو القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)؟ فلماذا لم يقل: (شَيْءٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وكلامُ القرآنِ دقيقٌ جدًّا؟
مِن هذهِ الآيةِ يمكنُ استنباطُ العبارةِ التَّوحيديَّةِ: (هو شـيءٌ لا كالأشياءِ)، ولها تأويلٌ توحيديٌّ يَتمثَّلُ بقولنا: (شيءٌ) إثباتًا للوجودِ وإسقاطًا لحَدِّ الإنكارِ والعدمِ، لئلاَّ يَحْتَجَّ أهلُ العدَمِ بالتَّوهُّمِ، ولفظُ (الشَّيء) هنا يُطلَقُ مَجَازًا لا حقيقةً لقولِ الإمام الرِّضا (ع): (قد يُطلَقُ على الحقِّ تعالى اسمُ الجوهرِ والجسمِ والذَّاتِ والشَّيءِ، وكلُّ ذلكَ على سبيلِ المَجَازِ والتَّقليدِ، لا على سبيلِ التَّوحيدِ والتَّجريدِ).
ولكنْ حتَّى لا يتبادرَ لِذِهنِ المريدينَ التَّشبيهُ نقولُ: (لا كالأشياءِ) تنزيهًا عن أقوالِ أهلِ التَّشبيهِ. فَعِبَارَةُ (شيء لا كالأشياء) توحيدٌ خالصٌ، وإسقاطٌ لِحَدَّي الإنكارِ والتَّشبيهِ.
ولو كانَ الشَّيءُ ماهيَّةً للهِ لكانَتْ كلُّ الأشياءِ مخلوقةً من هذا الشَّيءِ، وهذا يخالفُ قولَ الإمامِ الباقرِ (ع): (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ لا مِنْ شَيءٍ، فَمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ مِن شَيءٍ فقد كَفَرَ)، فهل الخالقُ كالمخلوقِ؟ وهل القديمُ كالـمُحدَثِ؟ وهل الرَّبُّ كالـمَربوبِ؟
أليسَ إثباتُ ماهيَّةِ الشَّيءِ للهِ هو تشبيهٌ لَهُ بالشَّيءِ، وكلُّ شيءٍ مخلوقٌ لا محالةَ، والإمامُ الصَّادقُ (ع) يقولُ: (مَن زعمَ أنَّ اللهَ في شيءٍ أو من شيءٍ أو على شيءٍ فقد أشركَ، ولو كانَ اللهُ عزَّ وجلَّ على شيءٍ لكانَ محمولاً، ولو كانَ اللهُ في شيءٍ لكانَ محصورًا، ولو كانَ اللهُ من شيءٍ لكانَ مُحدَثًا)، فهل يجوزُ أن يكونَ اللهُ مخلوقًا واللهُ يقولُ: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)!؟ فالشَّيءُ دائمًا مخلوقٌ.
حتَّى أنَّ كلَّ المقارناتِ بالأشياءِ خاطئةٌ وتشبيهيَّةٌ حيثُ قالَ رجلٌ بحضرةِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): اللهُ أكبرُ، فقالَ (ع): مِن أيِّ شَيءٍ؟ فقال الرَّجل: مِن كلِّ شَيءٍ. فقالَ (ع): لقد حَدَّدْتَهُ. فقال الرَّجلُ: ما أقولُ يا مولاي؟ فقال (ع): (قُلْ: اللهُ أكبرُ مِن أن يُوصَفَ).
فالإمامُ الصَّادقُ (ع) رَفَضَ أن يكونَ قولُ الرَّجلِ: اللهُ أكبرُ من كلِّ شَيءٍ كَيلا يَقرنَهُ ويُشبِّهَهُ بالأشياءِ، فكيفَ نُثبِتُ عليهِ إذن ماهيَّةَ الشَّيءِ وقد قال (ع): (إنَّ اللهَ لا يُشبِهُ شَيئًا ولا يُشبِهُهُ شيءٌ، وكلُّ ما وَقَعَ في الوهمِ فهو بِخِلافِهِ) تنزيهًا له عن الشَّيئيَّةِ.
فإذا احتجَّ أصحابُ نظريَّةِ الشِّركِ الشَّيئيَّةِ ليقولوا لنا: كيف نَعرفُهُ إن لم يكنٍ شيئًا؟ نُذكِّرُهم بالقولِ المأثورِ عن علمائِنا: (لا يُعرَفُ الشَّيءُ إلاَّ بِما فَوقَهُ، أرفَعُ ما فينا العَقلُ، والحقُّ تَعالى فَوقَ العَقلِ)، وهذا يعني كما قالَ أميرُ المؤمنين الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (به يُعرَف العقلُ لا بالعقلِ يُعرَفُ)، وهذا قول صريحٌ على أنَّ الشَّيءَ هو العقلُ، والحقُّ تعالى فَوقَهُ.
وإن قالوا: إذا نَفَينا عنه اسمَ شيءٍ فقد دخلَ في بابِ العَدَمِ!! نردُّ عليهم بأنَّ هذا القولَ لا يُلزِمُنا لأنَّنا نعتقدُ بالوجودِ وَنَنفي عنه الأعراضَ الـمُحدَثَةَ، وفي الحقيقةِ لا يَجوزُ أن يُقالَ له شيءٌ أو جسمٌ، لأنَّ الشَّيءَ فيه ضَعفٌ من خمسةِ أوجهٍ لأنَّه عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يقومُ بِنَفسِهِ.
وإن قالوا: هو شيءٌ ولكنَّهُ أزليٌّ وكلُّ الأشياءِ مخلوقةٌ، نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (هذهِ مقولَةُ مَن جَحَدُوا مُدَبِّرَ الأشياءِ).
والخلاصةُ: إنَّ اللهَ لا يُقالُ له شَيءٌ، ولا يُمَثَّلُ به شَيءٌ، ولا على شيءٍ ولا في شيءٍ ولا مِن شيءٍ، ولا يشبه شيئًا ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ، ولا تُضرَبُ له الأمثالُ، ولا بهِ، مُكَوِّنٌ ومُبدِعٌ ومُشِيءٌ، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد