السؤال الخامس بعد المئة حول إيمان آباء الرسول (ص)

images

السُّؤالُ الخامسُ بعدَ المِئَةِ: يَزعُمُ المسيحيُّونَ أنَّ التَّاريخَ الإسلاميَّ المكتوبَ يقول: إنَّ سيِّدنا محمَّد (ص) وُلِدَ بعدَ وفاةِ عبدِ اللهِ بن عبد المطلب (ع) بأربعِ سنواتٍ، ولهذا يُشَرِّعُ السُّنَّةُ وفقَ فَتَاوى الجامعِ الأزهرِ جَوَازَ الحَمْلِ لأربعِ سنوات!! فمَتَى مَضَى سيِّدنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع)؟ وما هو ردُّنا على مَن يُكفِّرُ آباءَ الرَّسولِ (ص)؟

الجوابُ الخامسُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
هذا كذب وافتراءٌ وهو مِن ضمنِ التَّشويهاتِ التي أَدْخَلُوها ضمنَ كتبِ التَّاريخِ الـمُزَوَّرِ. ونحنُ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ نؤكِّدُ ما جاءَ عن سيِّدنا الخصيبيِّ نَضَّرَ اللهُ وَجهَهُ عن أهلِ البيتِ المعصومينَ في عِصْمَةِ الشَّجرةِ الـمُبَارَكَةِ التي أثمرَتْ ظهورَ سيِّدِنا محمَّد (ص) بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ.
وهنا لابدَّ أن نَذكُرَ في البداية سيِّدَنا عبدَ الـمُطَّلِبِ (ع) الذي كان سَيِّدَ قريش والـمُطَاعَ فيها، وكان صاحِبَ سِدانَةِ الكعبةِ، وهو الذي أعادَ إعمارَ البيتِ الحرامِ، وحفرَ بئرَ زَمزَمَ الذي كان مدفونًا لسنواتٍ حتَّى ضاعَ مكانُهُ بعدَ أن ألقى فيه آخرُ حاكم جُرهُميٍّ ظالمٍ كلَّ المجوهراتِ والأموالِ التي كانت في الكعبةِ، فَرَأى سيِّدنا عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) في المنامِ أنَّهُ وَجَدَ البئرَ وأُمِرَ بحفرِهِ، فحَفَرَها لِوَحدِهِ وأعادَ الجواهرَ إلى الكعبةِ، وعادَ ماءُ البئرِ من جديدٍ حتَّى اليوم، وهو الذي سمَّاه سِقَايَةَ الحَجِّ.
وهو الَّذي أَعَزَّ البيتَ الحرامَ حينَ ردَّ الفِيَلَةَ ومَلِكَ الحَبَشَةِ أَبرَهَة بن الصَّباحِ كما ذُكِرَ في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)، حين خَرَّتْ لهُ الفِيَلَةُ سُجَّدًا عندما أتى مَلِكُ الحَبَشَةِ لِهَدْمِ الكعبةِ، حيثُ وردَ في الهدايةِ الكبرى أنَّهُ لَمَّا صارَ أبرهةُ إليهِ ارتعَبَ منهُ وعَظُمَ في نَفسِهِ وكَبُرَ عليهِ، فقالَ لِمَن حَولَهُ: مَن هذا الرَّجلُ العَظيمُ؟ فقالوا: سَيِّدُ قريشَ وأفضَلُ بَني هاشمَ وأشرَفُ العَرَبِ نَفْسًا ونَسَبًا، وهو صاحبُ هذا البيتِ. فقالَ: اسألوهُ فيما جَاءَنا فَسَألوهُ فقال عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع): (جِئْتُ أسالُهُ رَدَّ ما أخَذَهُ واستَباحَهُ من أموالِنا ونِعَمِنا)، فتكبَّرَ أبرهَةُ ورفضَ فقالَ عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع): (يَرُدُّ عَلينا أموالَنا فإنَّ لهذهِ الكعبةِ ربًّا يَمنعُهُ منها)، فقال أبرهةُ: رُدُّوا عليهم أموالَهم حتَّى نَنظُرَ كيفَ رَبُّ هذه الكعبةِ يَمنَعُنا منها!؟ وأمرَ بالفِيلَةِ فَجُمِعَت وحَمَلُوا بها وقال لِسَاسَتِها: احمِلُوا على البيتِ فاجعَلُوهُ سَحيقًا. فلمَّا جَمَعَ الفِيَلَةَ وحَمَلُوا بها دَعَا عَلَيهم عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) فوَقَفت ولم تَدخُلِ الحَرَمَ، ودَعَا أبرهةُ بفيلٍ وحَمَلَهُ على البيتِ فلم يَدخُلِ البيتَ، ولم يَزالوا من غروبِ الشَّمسِ إلى طُلوعِ الفَجرِ يُريدونَ دخولَ الحَرَمِ فلم تَدخُلْ، فاتَّجَهَ أبرهةُ إلى خارجِ الحَرَمِ وأمَرَ بتحطيمِ كلِّ ما يلقاهُ، فلمَّا أسفَرَ الصُّبحُ أرسلَ اللهُ عليهم طَيرًا أبابيلَ تَرميهم بحِجارَةٍ من سِجِّيلٍ؛ يَعني كلُّ حَجَرٍ مُسَجَّلٌ عليهِ أي مَكتوبٌ عليه اسمُ صَاحبهِ الذي يُرمَى عليهِ فَيَقتُلُهُ، وكانَتِ الحِجارَةُ بحَجمِ العَدَسَةِ تَنزِلُ على أمِّ رأسِ صاحبِها فَتَشُكُّهُ فَتَخرُجُ من أَسْفَلِهِ، حتَّى صَارُوا باركينَ كَوَرقِ الزَّرعِ الذي جُعِلَ فوقَ بَعضِهِ كالعَصفِ المأكولِ.
وعلى الرُّغمِ من سيادةِ سيِّدِنا عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع) إلاَّ أنَّهُ كان وحيدًا في مواجهةِ قريش عَقَائِديًّا لأنَّهُ كان يدينُ بالحَنيفيَّةِ الإبراهيميَّةِ، لذلكَ نَذَرَ نذرًا مَفادُهُ: إنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ أولادٍ ذُكُورٍ أن يَذبَحَ عَاشِرَهُم في كَعبةِ البَيتِ الحَرامِ، وأنْ يُقَرِّبَهُ للهِ شُكرًا وَحَمْدًا على وِلادَتِهِم ذُكورًا عَشَرَةً، وهذا يتقارَبُ مع قُربانِ مولانا هابيل (م) في التَّقَرُّبِ إلى اللهِ بالأعَزِّ والأغلى، ومعَ الأمرِ الإلهيِّ في قولِهِ تعالى في قصَّةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ (ع): (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، وكانَ مقامُ عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع) كمَقامِ إبراهيم (ع)، ومقامُ عبدِ اللهِ (ع) كَمَقامِ إسماعيلَ (ع)، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ (ص): (أنا ابنُ الذَّبيحَين).
وكانَ ما كانَ من الفِدَاءِ في قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، حيثُ اجتَمَعَتْ قُريشُ وقالت له: يا عَظيمَنا وسَيِّدَنا لا تَذْبَحْ عبدَ اللهِ، وانْحَرْ عنهُ عَشرًا من النُّوقِ. فقال عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع): (لا أَفْعَلُ ذلكَ إلاَّ بقِدَاحٍ)، وهو من أنواعِ القُرعَةِ التي قالَ فيها سيِّدُنا سليمان الحكيم (ع): (القُرعَةُ تُبْطِلُ الخُصُوماتِ وتَفْصلُ بينَ الأقوياءِ، القُرْعَةُ تُلْقَى وَمِنَ الرَّبِّ حُكْمُها)، كما وردَ عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أيَّةُ قضيَّةٍ أصدقُ من جوابِ القرعةِ إذا فُـوِّضَ الأمرُ إلى الله لِقَولِهِ تعالى: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ)، فأحضرَ عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) عَشرًا من النُّوقِ وأقَامَها بإزَاءِ عبدِ اللهِ، وسَاهَمَ عليهما، فَخَرَجَتِ القِدَاحُ على عبدِ اللهِ، فأضافَ على العَشرِ عَشرًا، فَلَم يَزَلْ يُقادِحُ ويَزيدُ عَشرًا، ويَخرُجُ القِدَاحُ على عبدِ اللهِ إلى أن تَمَّتْ مِئَةُ ناقَةٍ، فَسَاهَم عليها وعليهِ فَخَرَجَتِ القِدَاحُ على النُّوقِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَتْ قُرَيشُ، فَنُحِرَتِ النُّوقُ، وتَقَرَّبَ للهِ بهَا.
وهنا لابدَّ أن ننوِّهَ أنَّ هذهِ الـمُسَاهَمَةَ تختلِفُ عن تلكَ التي ذكرناها في شرحِ قوله تعالى: (وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ)، لأنَّ الـمَذمومَ منها يَتَعَلَّقُ بما كانت تفعلُهُ قريش بالتَّوجُّهِ إلى الأصنامِ والتَّقرُّبِ إليها، أمَّا توجُّهُ سيِّدنا عبد المطَّلبِ (ع) فكانَ للهِ الأحَدِ، وهنا كانَ اسْتِقْسَامُهُ مَحمُودًا نِسبَةً لِقَرينةِ التَّوجُّهِ للحَقِّ، لأنَّ سيِّدنا عبد المطَّلبِ (ع) ما كانَ لِيَتَوَجَّهَ إلى عبادَةِ الأصنامِ لا هوَ ولا أيٌّ من آباءِ النَّبيِّ (ص)، حيثُ وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّ النَّبيَّ (ص) قالَ للإمامِ علي (م): (لم يكن عبدُ الـمُطَّلِبِ يلعبُ القِمَارَ، ولم يَعبُدِ الأصنامَ، وكانَ يقول: أنا على دينِ أبي إبراهيم)، كما وردَ أيضًا قولُ النَّبيِّ (ص): (لقد أجرى عبدُ الـمُطَّلِبِ خمسةَ سُنَنٍ في الجاهليَّةِ قد أقرَّها اللهُ في الإسلامِ) وهي: تحريمُ زواجِ الابنِ من زوجةِ أبيهِ، والخُمسُ، وسقايَةُ الحجِّ، ودِيَّةُ المقتولِ مئةُ ناقةٍ، وأشواطُ الطَّوافِ السَّبعةِ.
وفي هذا رَدَّ على أكثَرِ السُّنَّةِ التي حاولَتْ النَّيلَ من عبدِ الـمُطَّلِبِ وعبدِ اللهِ (ع) حيثُ اخْتَلَقَ مُسلِمُ في صحيحِهِ حديثًا منسوبًا كَذِبًا عن النَّبيِّ (ص) أنَّه قال لرجلٍ مجهولٍ لم يُذكَرْ حينَ سألَهُ: يا رسولَ اللهِ، أينَ أبي؟ قال: في النّارِ، فلمَّا قَفَى دَعَاهُ فقالََ: إنَّ أبي وأباكَ في النَّارِ!! كما أنَّ الـمُفتَري ابن كُثَير الذي تَطَاولَ على تفسيرِ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ تحدَّثَ عن أن عبدَ اللهِ وعبدَ الـمُطَّلِبِ من أهلِ النَّارِ بحجَّةِ أنَّهما لو بَقيُوا أحياءَ ودُعُوا إلى الإسلامِ لكَانوا رَفَضُوا!! مَعاذَ اللهِ.
فقد كانَ من فَضلِ سيِّدنا عبدِ اللهِ (ع) ما رُويَ من أنَّ أحبارَ الشَّامِ كانت عندَهم جُبَّةُ صوفٍ بيضاء، وكانت مَغموسَةً في دمِ يحيى بن زكريا (ع)، وأنَّهم وَجَدوا في كُتُبِهم: (إذا رأيتمُ الجُبَّةَ البيضاءَ والدَّمُ يَقطُرُ منها فاعلَمُوا أنَّ أبا المصطفى قد وُلِدَ في تلكَ الليلةِ)، فَقَدِموا بأجمَعِهم إلى الحَرَمِ وأرادُوا أن يَغتالوا عبدَ اللهِ (ع)، فَعَصَمَهُ اللهُ ولم يَستطيعوا تحقيقَ مُرادِهم.
وكانَ يأتيهِ في الرُّؤيا مُنادٍ: (سلامٌ عليكَ أيُّها الـمُستَودَعُ نورَ محمَّدٍ)، حتَّى أنَّهُ كانَ إذا جلسَ في موضعٍ يابسٍ اخْضَرَّ، وإذا جلسَ تحتَ شجرةٍ يابسٍة اخْضَرَّتْ، ولكنَّهُ لَزِمَ التَّقيَّةَ وَصَمَتَ حِرصًا على إكمالِ العِدَّةِ بظُهورِ سيِّدنا محمَّد (ص).
وكانَ حَمْلُ آمنة بنت وهب (ع)- وهي أفضلُ امرأةٍ في قريش نَسَبًا وموضِعًا- في أيَّامِ التَّشريقِ عندَ الجمرةِ الوُسطَى، وكانت في مَنزلِ سيِّدنا عبدِ اللهِ بن عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع)، وكانت قد سَمعَتْ في مَنامِها منادٍ يقول: (إنَّكِ حَمَلتِ بسَيِّدِ هذهِ الأمَّةِ، فإذا وقعَ بالأرضِ قولي: أُعيذُهُ بالواحدِ من شَرِّ كلِّ حاسدٍ، ثمَّ سَمِّيهِ محمَّدًا)، وكانت ترَى في الرُّؤيا نورًا يخرجُ منها يُريها قصورَ بصرى من أرضِ الشَّامِ.
ثمَّ ظهرَ النَّبيُّ (ص) مَولودًا من عبدِ اللهِ (ع) لتسعِ ليالٍ مَضَتْ من شهرِ ربيع الأوَّلِ في عامِ الفيلِ يومَ السَّبتِ عندَ طُلوُعِ الفجرِ قبلَ أن يُبعَثَ بأربعينَ سنةٍ ليَقومَ بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ، ويُظهِرَ الشَّريعةَ ويُقِيمَ الإسلامَ.
وظَهَرَتْ ولادَتُهُ في شِعْبِ كافِلِهِ أبي طالبٍ (ع) في الدَّارِ الذي صارَ مَسجِدًا يُصَلِّي النَّاسُ فيهِ.
ومَضَى سيِّدنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع) بالمدينةِ عندَ أخوالِهِ وهو (ص) ابنُ شَهرين كما وردَ عن سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) وليسَ كما زَعَمَتِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّهُ مَضَى أثناءَ الشَّهرِ الثَّاني من الحَملِ، ولهذا دلالةٌ لا يعرِفُها إلاَّ العارِفونَ.
ومَضَتْ أمُّهُ آمنةُ بنتُ وَهبٍ (ع) وهو (ص) ابنُ ثلاثِ سنين، ومَضَى سيِّدنا عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) وللنَّبيِّ (ص) نحوَ ثَمانِ سنينَ، وأظهرَ الزَّواجَ من خديجةَ بنت خويلد (ع) وهو ابنُ بضعٍ وعشرينَ سنةٍ، فكانَ لَهُ منها القاسمُ وعبدُ اللهِ والطَّاهرُ وزَينَبُ ورُقيَّةُ وأم كلثومٍ (وكانَ اسمُها آمنةُ) وسيِّدةُ نساءِ العالَمين فاطمةُ الزَّهراء (ع).
وبَقِيَ بِمَكَّةَ بعدَ مَبعَثِهِ ثلاثةَ عَشرَ سنَة، ثمَّ هاجرَ إلى المدينةِ وله ثلاثٌ وخمسونَ سنةً، وبقي بها عشرَ سِنينَ، ثم غابَ (ص) يومَ الاثنين في شهرِ ربيع الأوَّل ولَهُ ثلاثٌ وستُّونَ عامًا.

اترك رد