Press "Enter" to skip to content

السؤال الثامن بعد المئة حول عجز الخلفاء الثلاثة

images

السُّؤالُ الثَّامنُ بعدَ المِئَةِ: هل استطاعَ الخُلفاءُ الثَّلاثَةُ أن يدعوا إلى الإسلامِ دونَ الإمامِ عليٍّ (م)؟

الجوابُ الثَّامنُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
في هذه الرِّوايةِ التي سأطرَحُها دلالاتٌ كثيرةٌ وردَت في استحقاقِ الخلافةِ، وكيفَ أنَّ ذهابَها إلى غيرِ مَكانِها لا يُغَيِّرُ في جَوهرِ الأمرِ، فَجَوهرُ الولايةِ واحدٌ، حتَّى لو حاولوا اغتصابَ الخلافةِ أو أخذَها بالقوَّةِ، إلاَّ أنَّهُ محفوظٌ للإمام علي (م) لا يستطيعُ أحدٌ أن ينكرَهُ عليهم.
وَرَدَ عن سيِّدنا أبي سعيدٍ الخدريِّ (ع) أنَّهُ قالَ: كنتُ حاضرًا لمَّا هَلَكَ أبو بكر واستُخْلَفَ عُمَرَ، أقبلَ يهوديٌّ من عظماءِ يهودِ يَثرِبَ- وتزعُمُ يهودُ المدينةِ أنَّهُ أعلَمُ أهلِ زمانِهِ- حتَّى رُفِعَ إلى عُمَرَ، فقالَ له: يا عُمَرُ إنِّي جِئْتُكَ أريدُ الإسلامَ فإنْ أخبَرْتَني عمَّا أسألُكَ عنهُ فأنتَ أعلمُ أصحابِ محمَّد بالكتابِ والسُّنَّةِ وجميعِ ما أريدُ أن أسألَ عنهُ.
توضيح: لأنَّ مِن صِفَاتِ الإمامِ أن يكونَ أعلمَ النَّاسِ في زمانِهِ، والخليفةُ يَؤُمُّ المسلمينَ، وعليهِ أن يكونَ أعلمَ النَّاسِ بالكتابِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ لِيَقضيَ بين النَّاسِ بالحقِّ.
فقالَ له عُمَر: إنِّي لَسْتُ هناكَ (أي في الموقعِ الذي ذكرْتَهُ) لكنِّي أُرشِدُكَ إلى مَن هو أعلمُ أمَّتِنَا بالكتابِ والسُّنَّةِ وجميعِ ما قد تسألُ عنهُ وهو ذاكَ. فَأَوْمَأَ إلى الإمامِ عليٍّ (م).
توضيح: هذا اعترافٌ صَريحٌ وَوَاضحٌ بأنَّ الأعلمَ والأفقهَ والأقْضَى في علمِ الكتابِ والسُّنَّةِ هو الإمامُ علي (م)، وأنَّ عمرَ بن الخطَّابِ يَجهلُ الأمورَ، وكان يَقفُ حَائِرًا في القضايا حتَّى يَقضِي فيها الإمامُ علي (م)، ولكنَّ هذا لم يَمنَعْهُ منَ اعتلاءِ كرسيِّ الخلافةِ، ولا مِن تَسمِيَةِ نفسِهِ بالفاروقِ، عِلْمًا أنَّ النَّبيَّ الأكرمَ (ص) سَمَّى الإمامَ علي (م) بالفاروقِ الأعظَمِ.
هنا احْتَجَّ عليهِ اليهوديُّ فقال له: يا عُمَر إن كانَ هذا كما تَقولُ فَمَا لكَ ولِبَيعَةِ النَّاسِ وإنَّما ذاكَ أعْلَمُكُم!
فَزَجَرَهُ عُمَر. ثم إنَّ اليهوديَّ قامَ إلى الإمامِ عليٍّ (م) فقال له: أنتَ كما ذَكَرَ عُمَر؟
فقال الإمامُ: وما قالَ عُمَر؟
فأخبرَهُ. فقال الإمامُ: فإنْ كنتُ كما قَالَ؟
فقالَ اليهوديُّ: سألتُكَ عن أشياءٍ أريدُ أن أعلمَ هل يَعلَمُها أحدٌ مِنكُم فأعلمَ أنَّكُم في دَعواكُم أنّكم خيرُ الأممِ وأعلَمُها صادقونَ، وأدخلَ في دينِكُم الإسلام.
فقال أميرُ المؤمنينَ (م): نَعَم أنا كما ذَكَرَ لكَ عُمَر، سَلْ عَمَّا بَدَا لكَ أُخبِرُكَ بِهِ إن شاءَ الله.
قال اليهوديُّ: أخْبِرْنِي عن ثلاثٍ وثلاثٍ وواحدةٍ.
فقال له الإمامُ علي (م): ولِمَ لَمْ تَقُلْ: أخبرْنِي عن سَبعٍ؟
فقال له اليهوديُّ: إنًّكَ إنْ أَخْبَرْتَنِي بالثَّلاثِ، سَأَلْتُكَ عن البقيَّةِ وإلاَّ كَفَفْتُ، فإنْ أنتَ أَجَبْتَنِي في هذهِ السَّبعِ فأنتَ أَعْلَمُ مَن في الأرضِ وَأَوْلَى بالنَّاسِ.
فقال (م) له: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ.
قال اليهوديُّ: أخبرْنِي عن أوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ على وجهِ الأرضِ؟ وأوَّلِ شَجَرةٍ غُرِسَتْ على وجهِ الأرضِ؟ وأوَّلِ عَينٍ نَبَعَتْ على وجهِ الأرضِ؟
فأخبرَهُ أميرُ المؤمنينَ (م). ثمَّ قالَ لَهُ اليهوديُّ: أخبرْنِي عن هذهِ الأمَّةِ كم لها مِن إمامِ هُدَى؟ وأخبرْنِي عن محمَّدٍ أينَ مَنزِلُهُ في الجنَّةِ؟ وأخبرْنِي مَن مَعَهُ في الجَنَّةِ؟
فقال لَهُ أميرُ المؤمنينَ (م): إنَّ لِهَذِهِ الأمَّةِ اثنا عَشَر إمامِ هُدَى مِن ذُرِّيَّةِ نبيِّها وهم مِنِّي، وأمَّا مَنزِلُ نبيِّنَا في الجنَّةِ ففي أفضَلِهَا وأشرَفِهَا جنَّةِ عَدْنٍ، وأمَّا مَن مَعَهُ في منزلِهِ فيها فهؤلاء الإثنا عشرَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وأمُّهُمْ وأمُّ أُمِّهِم لا يُشرِكُهُمْ فيها أَحَدٌ.
توضيح: الذي سَينظُرُ إلى ظَاهرِ القَولِ سَيَتَعَجَّبُ كلَّ العَجَبِ، وسَيَتساءَلُ: هل مِن المعقولِ أن يكونَ سؤالُ اليهوديِّ بهذهِ السَّذاجةِ؟ وهل سيؤمِنُ من خلالِ هذه الأجوبةِ الـمُباشَرَةِ؟ ولماذا لم يَسألْ عن الواحدةِ بعدَ السِّتَّةِ؟
هكذا تغرقُ الشِّيعةُ المقصِّرَةُ في ظاهرِ القولِ دونَ التَّفكُّرِ في أَبْعَادِهِ الرَّمزيَّةِ، مِثلُهم مثلُ السُّنَّةِ الذينَ لا يتفكَّرونَ في حقائقِ أقوالِ النَّبيِّ والآياتِ. لكنَّنا كعلويِّينَ نُصيريِّينَ نفهمُ تمامًا أنَّ الغايةَ من هذهِ الرِّوايةِ لم تكنْ كما هو واردٌ فقط في ظاهرِ القولِ، بل جاءَتْ لتُثْبِتَ جهلَ المنافقينَ والمشركينَ والمنكرينَ بالآياتِ الثَّلاثةِ الأولى المرتبطةِ بالأرضِ، والآياتِ الثَّلاثةِ الثانيةِ المرتبطةِ بالسَّماءِ، أمَّا الواحدةُ المنفردَةُ، فالثَّلاثُ الأولى والثَّلاثُ الأخرى هم هيَ في الحَقيقةِ والجَوهرِ، فإنْ أجابَ عن ثلاثٍ وثلاثٍ فكأنَّما أجابَ عنها، ولكنَّها غيرُهم في الهيئَةِ والـمَظهَرِ لذلكَ اسْتَغْنَى عن السُّؤالِ عنها لانفِرَادِها وعَدَمِ القُدْرَةِ على الإدراكِ والإحاطَةِ بها.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

Be First to Comment

اترك رد