السؤال التاسع بعد المئة حول مكر المأمون بالإمام الرضا

images

السُّؤالُ التَّاسعُ بعدَ المِئَةِ: كيف مَكَرَ المأمونُ محاولاً التَّقرُّبَ من الإمامِ الرِّضا (ع)؟

الجوابُ التَّاسعُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
هذه القصَّةُ التي سأورِدُها فيها عِبرةٌ ومغزى، هي تَتحدَّثُ عن مَكرِ بني العبَّاسِ الذين حَاولوا أن يَستقطِبوا النَّاسَ من خلالِ إغراءِ الأئمَّةِ (ع) بالمناصِبِ مقابلَ أن يَمدحوهُم ويُزَكُّوا حُكمَهم أمامَ النَّاسِ، نظرًا لثقةِ النَّاسِ بأهلِ البيتِ (ع) ويقينِهم. وهذا مشابهٌ في هذا الأيَّامِ لِمَن يحاولُ استِرضَاءنا وتَقريبَنا وإغراءَنا بالمناصِبِ حتَّى نَشهدَ بهِ أمامَ النَّاسِ ونُحَسِّنَ صورَتَهُ ونُعطيهِ موثوقيَّةً اجتماعيَّةً لارتباطِ اسمِهِ باسمِنا، لكنَّنا لا نُجبِرُ أنفُسَنا على فعلٍ لا نريدُهُ، أو خيارٍ لا نقتنعُ به.
هذا الفعلُ قامَ بهِ الشِّيعةُ الـمُقَصِّرَةُ يومَ حاولوا التَّقرُّبَ من العلويِّينَ من خلالِ مؤلِّفهم البادياني النَّيسابوري، الذي أَغْرَى- بتوجيهٍ من سادَتِهِ- بعضَ ضِعافِ النُّفوسِ الـمُتَشَـيِّعينَ على التَّوقيعِ على كتابِهِ مقابلَ مبالغَ ماليَةٍ ومناصِبَ قد وُعِدوا بها في المجتمعِ العلويِّ بعدَ احتِضانِهِ من قبلِ الشِّيعةِ ضمنَ مشروعِ التَّشيُّعِ الذي كانَ مرسومًا بدقَّةٍ، فوقَّعوا وسُطِرَتْ أسماؤهم على كتابه الموسومِ (العلويون.. أتباع أهل البيت) كشهادةٍ منهم على صدقِ حديثِهِ وأمانةِ نقلِهِ، رغمَ كلِّ الدَّسائسِ التي أَوْرَدَها في الكتابِ لِخَلْخَلَةِ المعارفِ العلويَّةِ بينَ مَدْحٍ ودَسٍّ، ولو أنَّهم قرؤوا وانتَهجوا نهجَ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) لَمَا باعُوا ذِمَمَهم للـمُقَصِّرَةِ.
وهذه هي الرِّوايةُ التي تُعلِّمُنا كيفَ لا نَتَنازلُ عن مَبَادئِنا حتَّى لو أدَّى رَفَضُنا إلى إقصَائِنا، فالإقصاءُ خَيرٌ مِن السُّلطَةِ مع شَهَادةِ الزُّورِ.

وردَ عن ياسرِ الخادمِ والرَّيان بن الصلت أنَّهما قالا: لَمَّا انقَضَى أمرُ الأمينِ المخلوعِ واستَوَى الأمرُ للمأمونِ كَتَبَ إلى الإمامِ الرِّضا (ع) يَستَقْدِمُهُ إلى خراسان، فاعتَلَّ عليه الإمامُ (ع) بِعِلَلٍ (أي احْتَجَّ بالمرضِ)، فلم يَزَلِ المأمونُ يُكاتِبُهُ في ذلكَ حتَّى عَلِمَ الإمامُ أنَّه لن يَكُفَّ عنهُ، فَخَرَجَ (ع) إليهِ.
كتبَ إليهِ المأمونُ: لا تَأخُذْ على طريقِ الجبلِ وقُمٍّ، وخُذْ على طريقِ البَصرةِ والأهوازِ وفارسَ، حتَّى وَافَى مَرُو، فَعَرَضَ عليهِ المأمونُ أن يَتَقَلَّدَ الأمرَ والخلافةَ، فَأبَى الإمامُ الرِّضا (ع).

توضيح: كان هذا مَكرًا من المأمونِ اللَّعينِ ظَنًّا منهُ أنَّهُ سُيغريهِ بمنصبِ الحُكْم، وهذا يَدُلُّ على نفوسِ بني العبَّاسِ الشًّيطانيَّةِ التي كانت تَأبَى الاعترافَ بِفَضلِ آلِ محمَّد (ص) وعِصمَتِهِم ورِفْعَتِهم.

قال المأمون: فولايةُ العَهْدِ؟

توضيح: كان يحاولُ أن يُفاوِضَهُ لأجلِ اجتِذَابِهِ.

فقال (ع): على شروطٍ أَسْأَلُكَها.

توضيح: ما كانَ للإمامِ (ع) شروطٌ إنَّما هو مِن مبدأ التَّعجيزِ للمأمونِ اللَّعينِ لِيُؤكِّدَ له أنَّ المناصِبَ الدُّنيويَّةَ لا تَعني لأئمَّةِ الحقِّ شيئًا.

قال المأمونُ له: سَلْ ما شِئْتَ. فكتبَ الإمامُ الرِّضا (ع): إنِّي داخلٌ في ولايةِ العَهْدِ على أن لا آمُرَ ولا أَنْهَى ولا أُفتِي ولا أَقْضِي ولا أُوَلِّي ولا أَعْزل ولا أغيِّرَ شيئًا ممَّا هو قائمٌ. فأجابَهُ المأمونُ إلى ذلكَ كُلِّهِ.

توضيح: كانت شروطُ الإمامِ (ع) تَبدو في ظاهرِ الأمرِ على أنَّها تَنَصُّلٌ من الـمَهَامِ التي كانت على عاتقِ أهلِ البيتِ (ع)، ولكنَّهُ في الحقيقةِ لم يَكُنْ لِيَرضَى أن يكونَ مُفْتِيًا لِحُكْمِ بَني العبَّاس، ولا مُشَرِّعًا في دَولَتِهم، ولا قَاضيًا يَقضِي بالحقِّ في دولةِ الباطلِ، ولا مُتَدَخِّلاً في شؤونِ التَّوليَةِ والعَزْلِ للولاةِ حتَّى لا يَتَوَهَّمَ النَّاسُ أنَّ كلَّ أمرٍ ظالمٍ مَصدَرُهُ الإمامُ الرِّضا (ع)، أو صَادرٌ عن المأمونِ اللَّعينِ بتَزْكِيَةٍ منهُ. ولكنَّ المأمونَ اللَّعينَ لم يَفهَمْ ما أرادَهُ الإمامُ (ع)، ولم يَنْفَعْهُ مَكرُهُ في مواجهةِ عَظمةِ ورِفعَةِ الإمامِ (ع).

يتابعُ رَاوي الرِّوايةِ قائلاً: فلمَّا حَضَرَ العيدُ بَعَثَ المأمونُ إلى الإمامِ الرِّضا (ع) يَسألُهُ أن يَرْكَبَ ويَحضُرَ العيدَ ويُصَلِّي ويَخطبَ، فَبَعَثَ إليهِ (ع): قد عَلِمْتَ ما كان بيني وبينكَ من الشُّروطِ في دخولِ هذا الأمرِ. فَبَعَثَ إليهِ المأمونُ: إنَّما أريدُ بذلكَ أن تَطمَئِنَّ قلوبُ النَّاسِ ويَعرِفُوا فَضْلَكَ.

توضيح: هنا تَتَّضِحُ غايةُ المأمونِ اللَّعينِ من تَقريبِ الإمامِ الرِّضا (ع)، فهي ليسَتْ مَحبَّةً لَهُ، بل واجهةً لَهُ أمامَ النَّاسِ لِيَظهَرَ أنَّهُ مُحِبٌّ لأهلِ البيتِ (ع) ومُلتَزِمٌ بهَدْيهم.

فلم يَزَلْ (ع) يَرفُضُ والمأمونُ يُلِحُّ عليهِ، فقال (ع): إنْ أَعْفَيتَنِي من الحُضُورِ فهو أحبُّ إليَّ، وإنْ لم تُعفِنِي خَرَجْتُ كما خَرَجَ رسولُ اللهِ (ص) وأميرُ المؤمنينَ (م).

توضيح: هنا يُعَلِّمُنَا الإمامُ الرِّضا (ع) عدمَ مُحَاباةِ أعداءِ الحقِّ، وإنَّهُ وإنْ أَصَرُّوا على استِرْضَائِنا لابدَّ أن نَتَمَسَّكَ بمَبَادِئِنا دونَ تَنَازُلاتٍ.

فقالَ المأمونُ: اخرُجْ كيفَ شِئتَ. وأَمَرَ المأمونُ القُوَّادَ والنَّاسَ أن يُبَكِّرُوا إلى بابِهِ.
فَقَعَدَ النَّاسُ للإمامِ الرِّضا (ع) في الطُّرقاتِ والسُّطوحِ، الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبيانُ، واجتمعَ القُوَّادُ والجُنْدُ على بابهِ (ع) فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ تَعَمَّمَ بعَمَامَةٍ بيضاءَ من قُطنٍ، ألقَى طَرَفًا منها على صَدرِهِ وطَرَفًا بين كَتِفَيهِ وتَشَمَّرَ، ثم قالَ لجميعِ موَاليهِ: افعَلُوا مثلَ ما فَعَلْتُ. ثمَّ أَخَذَ بيَدِهِ عُكَّازًا ثمَّ خَرَجَ ونحنُ بين يديهِ وهو حافٍ قد شَمَّرَ سَرَاويلَهُ إلى نصفِ السَّاقِ وعليهِ ثيابٌ مُشَمَّرَةٌ، فلَمَّا مَشَى ومَشَينا بين يديهِ رَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ وكَبَّرَ أربعَ تكبيراتٍ، فَخُيِّلَ إلينا أنَّ السَّماءَ والحيطانَ تُجاوبُهُ، والقُوَّادُ والنَّاسُ على البابِ قد تَهَيَّؤوا ولَبِسُوا السِّلاحَ وتَزَيَّنوا بأحسَنِ الزِّينَةِ، فلمَّا طَلَعْنا عليهم بهذهِ الصُّورَةِ وطَلَعَ الرِّضا (ع) وَقَفَ على البابِ وقفةً، ثمَّ قالَ: (اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ على ما هَدَانا، اللهُ أكبرُ على ما رَزَقَنا من بَهيمَةِ الأنعَامِ، والحمدُ للهِ على ما أَبْلانا).
قال ياسر: فَتَزَعْزَعَتْ مَرُو بالبُكاءِ والضَّجيجِ والصِّياحِ لَمَّا نَظَرُوا إلى الإمامِ الرِّضا (ع) وسَقَطَ القُوَّادُ عن دَوَابِّهم وَرَمَوا بخِفَافِهم لَمَّا رَأَوا الإمامَ (ع) حافيًا، وكان يَمشِي ويَقِفُ في كلِّ عَشرِ خطواتٍ ويُكَبِّرُ ثلاثَ مرَّاتٍ. فَخُيِّلَ إلينا أنَّ السَّماءَ والأرضَ والجبالَ تُجاوبُهُ، وصَارَتْ مَرُو ضَجَّةً واحدةً من البكاءِ.
وبَلَغَ المأمونُ ذلكَ فقالَ لَهُ الفضلُ بن سَهل ذو الرِّيَاسَتَين: إنْ بَلَغَ الرِّضَا الـمُصَلَّى على هذا السَّبيلِ افْتَتَنَ به النَّاسُ، والرَّأيُ أن تَسأَلَهُ أن يَرجِعَ.
فَبَعَثَ إليهِ المأمونُ فَسَألَهُ الرُّجوعَ فَدَعَا الإمامُ الرِّضَا (ع) بِخُفِّهِ فَلَبِسَهُ وَرَكِبَ وَرَجِعَ.

توضيح: هنا اكتشَفَ المأمونُ اللَّعينُ أنَّ خَدِيعَتَهُ لم تَنْطَلِ على الإمامِ الرِّضا (ع)، وأنَّ كلَّ إغرَاءَاتِهِ لا تَنفَعُ، والإمامُ الرِّضا (ع) خَرَجَ بالنَّاسِ وقالَ كلمةَ الحقِّ كما يجبُ أن تُقالَ، ولم يكُنْ مُمَثِّلاً للمأمونِ، بل كانَ مُمَثِّلاً لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ (ص) ونهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ عليٍّ (م)، فأخافَ هذا عَدُوَّ الحقِّ فَطَلَبَ منهُ الرُّجوعَ. وكان رجوعُ الإمامِ الرِّضا (ع) إشارةً للنَّاسِ على أنَّ المأمونَ اللَّعينَ قد أظهَرَ مَحَبَّتَهُ الزَّائفَةَ لأهلِ البيتِ، ولكنَّهُ في الحقيقةِ كان يُريدُ تَحقيقَ غاياتٍ شَخصيَّةٍ، إلاَّ أنَّ الإمامَ (ع) لا يَسمحُ له بتَحقيقِ غَايتِهِ، وهذا كَشَفَ عن زيفِ هذهِ المحبَّةِ، وأكَّدَ أنَّ العدوَّ لا يُغيِّرُ مِن عَدَاوَتِهِ حلاوةُ لِسَانِهِ ولا مَعسولُ كَلامِهِ، ومثالُ ذلكَ: هل غيَّرَتْ مُرَاسَلاتُ الشِّيعَةِ المَعسُولَةِ لمشائخِ العلويِّينَ مِن مَوقِفِهم مِن سَيِّدنا أبي شُعَيب محمَّد بن نُصَير (ع)، أم ظَلُّوا يَعْتَبِرونَهُ خَارجًا عن الدِّينِ كَمَا أَوْعَزَ لهم أسيادُهُم الطُّوسي والقمِّي والحِلِّي والكِشِّي و….؟
وهكذا فإنَّ الشِّيعةَ المُقَصِّرَةَ في هذهِ الأيَّامُ مَهما أَظْهَرُوا من المحبَّةِ الزَّائفَةِ لنا، فإنَّ الغايةَ ليسَتْ الاعترافَ بفَضْلِنا كَعَلويِّينَ نُصَيريِّينَ، لأنَّهم لن يَتَنازَلوا لنا عن اغتصابِ تَمثيلِ مَرجعيَّةِ أهلِ البيتِ (ع) كما لم يَتنازَلِ المأمونُ اللَّعينُ عن السُّلطَةِ، ولكنَّهم يُريدونَ أن يَضَعُونا تحتَ جنَاحِهم كما أرادَ أن يَفعلَ المأمونُ اللَّعينُ مع الإمامِ الرِّضا (ع) فَفَشِلَ وسَيَفْشَلُونَ.
وهذا ينطبقُ على محاولاتِ الطَّوائفِ الأخرى عموماً والشِّيعةِ المُقَصِّرَةِ خصوصاً لِمَحوِنا نحنُ خاصَّةُ الإمامِ الرِّضا (ع).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

اترك رد