Press "Enter" to skip to content

الوجود المطلق – نفحات فلسفتنا الخصيبية من عبق فيلسوفنا العظيم العماد الغساني

hesham

الوجود المطلق – نفحات فلسفتنا الخصيبية من عبق فيلسوفنا العظيم العماد الغساني (ق)
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
===========

فيلسوفُنَا العظيمُ أحمد بن جابر بن أبي العَريضِ العِمَادِ الغسَّانيِّ، هو سيِّدُنا الجليلُ أحمد بقرفيص عليهِ سلامُ اللهِ. والحديثُ عن فلسفتِهِ أمرٌ من الصَّعبِ الـمُستَصْعَبِ، فهو حديثٌ عن فلسفةٍ ربَّانيَّةٍ، ومعارفَ يقينيَّةٍ، ومهما ذَكرْنا من تعدُّدِ علومِهِ ومعارفِهِ الفلسفيَّةِ فإنَّنا نعجزُ عن حصرِ مَنَاقِبِهِ، لأنَّهُ مدرسةٌ في إهابِ مَرجِعٍ، والمرجِعُ لكلِّ سائلٍ.
عندما نستعرضُ فلسفةَ سيِّدنا العمادِ الغسَّانيِّ يبدو لنا أنَّنا نستعرضُ لوحةً صوريَّةً مشرقةً من صورِ الفلسفةِ القرآنيَّة، والتي تنيرُ الأرجاءَ وتُرخي الأضواءَ على عظيمٍ من عظماءِ الفكرِ الفلسفيِّ التَّوحيديِّ الفريدِ. فنحنُ نتحدَّثُ عن عبقريٍّ من عباقرةِ الأصولِ الرَّبَّانيَّةِ والفلسفاتِ العِرفانيَّةِ، الطَّامِحَةِ بالمجدِ والعِبْرَاتِ والعِظاتِ لتكونَ آخِذَةً كلَّ ذي روحٍ نَقيٍّ وقولٍ رَضِيٍّ وخُلُقٍّ نَبَويٍّ إلى الطَّريقِ السَّويِّ.
لقد كانَ التَّوحيدُ الخالِصُ مِن أهمِّ مَا دَعَا إليهِ وكتبَ عنه فيلسوفُنا العمادُ الغسَّانيُّ، فقد اتَّخَذَ القرآنَ الكريمَ مُنْطَلَقًا لِفَلسَفَتِهِ الفريدَةِ، فهناكَ آياتٌ مُحكَمَاتٌ نَطَقَتْ بالتَّوحيدِ الخالصِ ونفي الشَّريكِ، فَمِن ذلكَ قولُ اللهِ سبحانَهُ: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وهنا يُؤكِّدُ سبحانَهُ وتعالى على أنَّ التَّعدُّدَ الاسميَّ والصِّفاتيَّ والفعليَّ والشَّيئيَّ سيُؤدِّي إلى الفسادِ والتَّنازُعِ، فاللهُ أحدٌ في ذاتِهِ لا قسيمَ له، وواحِدٌ في صِفَاتِهِ، وواحدٌ في أفعالِهِ، وذلكَ هو التَّوحيدُ، لذلك نجدُ فيلسوفَنا العمادَ الغسَّانيَّ يَدعو إلى إثباتِ الوحدةِ المُطلَقَةِ للباري عزَّ وجَلَّ، ونفي الوحدةِ العَديدَةِ الـمُوجِبَةِ للكثرَةِ العدديَّةِ.
فقد تَحَدَّثَ فيلسوفُنا العمادُ الغسَّانيُّ عن الوجودِ الـمُطلَقِ للباري عَزَّ وجَلَّ بقولِهِ: (الوجودُ الـمُطلَقُ واجبٌ للباري خاصَّةً، ولِغَيرِهِ مُمكِنٌ، فكانَتْ صِفَتُهُ حالةَ الوجوبِ من غيرِ تقديرِ حصولِ الممكِنِ).
واذا كانَ الوجودُ هو المشكلةُ التي تعترضُ الفلاسفةَ، فإنَّ فيلسوفَنا العظيمَ قسَّم ذلكَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: مُمتَنِعٌ، ومُمكِنٌ، وواجبُ الوجوبِ لذاتِهِ. فمثلاً: إنَّ اتِّصافَ الولدِ بالوجودِ قبلَ أبيه مُمتَنِعٌ، وبعدَهُ مُمكِنٌ، وكذلكَ وجودُ السِّماتِ والحدودِ والماهيَّاتِ و… قبلَ الخَلقِ مُمتَنِعٌ، وبعدَ الخَلقِ مُمكِنٌ، لذلكَ يقولُ فيلسوفُنا العظيمُ: (إنَّهُ كانَ وحدَهُ قبلَ تكوينِ خَلقِهِ، فحينَ حَصَلَ الـمُمكِنُ، صارَ الممكنُ واجبًا بهِ، وحَصَلَتْ له إمكانيَّتُهُ بقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
أمَّا الباري عَزَّ وجَلَّ فهو واجبُ الوجودِ لِذَاتِهِ لأنَّهُ حقَّقَ مُستلزَماتِ وجوبِ وجودِهِ لذاتِهِ، والتي هي:
– ألاَّ يكونَ عَرَضًا: لأنَّ العَرَضَ يتعلَّقُ بالجسمِ.
– ألاَّ يكونَ جسمًا: لأنَّ كلَّ جسمٍ ينقسمُ بالكميَّةِ.
– ألاَّ يكونَ مُرَكَّبًا: لأنَّ التَّركيبَ يَفتقِرُ إلى الأجزاءِ.
– ألاَّ يَتَغيَّرَ: لأنَّ التَّغيُّرَ حُدوثٌ، وكلُّ حادِثٍ مُفتَقِرٍ إلى سَبَبٍ.
– ألاَّ يُقالَ لَهُ جَوهَرٌ: لأنَّ الجوهرَ هو الـمُمكِنُ الوجودِ القَابِلُ للصِّفاتِ.
فالذَّاتُ المقدَّسةُ لا يقعُ عليها التَّبعيضُ لقولِ أميرِ المؤمنينَ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (وَلا تَنَالُهُ التَّجزِئَةُ والتَّبعيضُ)، لأنَّ في التَّبعيضِ عُدُولاً عن الحقِّ لقولِ الإمام عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام: (مَن بَعَّضَهُ فقدْ عَدَلَ بِهِ)، والعُدُولُ لا يَجوزُ لقول الإمام: (أشهَدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشَيءٍ مِن خَلقِكَ فقد عَدَلَ بكَ، والعادِلُ بكَ كافرٌ).
اللهمَّ ثبِّتِ المؤمنينَ على توحيدِكَ وتفريدِكَ وتنزيهكَ يا ربَّ العرشِ العظيم.

Be First to Comment

اترك رد