Press "Enter" to skip to content

السؤال الخامس والعشرون بعد المئة حول الشك في الولاية

images

السُّؤالُ الخامسُ والعشرون بعدَ المِئَةِ: ذكرتَ في الجوابِ السَّابقِ قصَّةَ رفعِ المصاحفِ يومَ صفِّين التي جعلتِ البعضَ يَشُكُّ بالإمام علي (م) ويَنشَقُّ عن ولايَتِهِ!! لماذا لم يُقاتلْ حتَّى النهايةِ ليَقضي على حكمِ معاويةَ بن أبي سفيانَ ويُعرَفَ الحقُّ من الباطلِ؟ ولو حدَثَ ذلكَ ألَن يكون سببًا في عدمِ وقوعِ حادثةِ كربلاء!!؟

الجوابُ الخامسُ والعشرون بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
يقولُ البعضُ: إنَّ الشَّكَّ الذي وقعَ بهم لا يعني تكفيرَهم من قِبَلِنا، فالشَّكُّ ضَعفٌ يقتضي الرِّفقَ والمُسامَحَةَ، وربَّما يعودونَ لِرُشدِهم بعدَ حينٍ طالما أنَّهم يوالونَ الأئمَّةَ والرَّسولَ (ع)!!
نقولُ لهم: نحنُ لا نُكفِّرُ أحدًا فاللهُ يَفصلُ بيننا يومَ القيامةِ لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، ولكنَّنا نَصِفُ أعمالَهم، ونَرُدُّ الشُّبهةَ، ونوضِّحُ الحقيقةَ الـمَخفيَّةَ، فالشَّاكُ خائنٌ، واللهُ تعالى ذمَّ الخائنينَ بقوله: (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)، وقوله: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ)؛ أي: فاطرَحْ عَهدَهم إذْ لا عَهدَ لهم، فهم نَقَضُوا العهدَ عندما اتَّهمونا بالكفرِ والغُلوِّ وأساؤوا لسَيِّدِ السَّادةِ محمَّد بن نُصَير (ع)، فما فَعَلهُ ابنُ تيميَّةَ شيخُ الإسلامِ عندَ السُّنَّةِ لا يختلفُ عمَّا فعلَهُ الطُّوسي شيخُ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ، وإنَّ أتباعَهُم اليومَ على نهجِهم وإن أظهَروا مكرًا ودهاءً لقوله تعالى: (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

وما يُثبِتُ أنَّ الشَّكَّ خيانةُ ما رُويَ أنَّه بينما كان مولانا أميرُ المؤمنينَ علي (م) يومَ النَّهروانِ جَالسًا إذْ جاءَ أحدُهم فقال: (السَّلامُ عليكَ يا عَلِيُّ). فَرَدَّ لَهُ: (وعليكَ السَّلامُ، مَا لَكَ ثَكِلَتْكَ أمُّكَ لم تُسَلِّمْ عَلَيَّ بإمرَةِ المُؤمنين؟). قال: (بَلَى سأُخبرُكَ عن ذلكَ، كنتُ إذ كنتَ على الحَقِّ بصفِّينَ، فلمَّا رُفِعَتِ المصاحفُ بَرِئْتُ منكَ وسَمَّيتُكَ مُشرِكًا، فأصبحتُ لا أدري إلى أينَ أصرِفُ وِلايَتي، واللهِ لَئِنْ أعرِفْ هُدَاكَ مِن ضَلالَتِكَ أحبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنيا ومَا فيها).
توضيح: انظرْ أخي القارئ كيفَ الْتَبَسَ عليهِ أمرُ رفعِ المصاحفِ الـمُتشابِهُ فأخذَ بهِ على ظاهرِهِ، ولم يفهَمْ أنَّهُ حجَّةٌ لِتَصفيةٍ جديدةٍ بينَ الـمُوَالِينَ حقيقةً والـمُتوالينَ ظاهرًا، كما فرَزَ الأئمَّةُ المعصومونَ علينا سلامُهُم أتباعَهم إلى خواصٍ وعوامٍ، وكما فرَزَ سيِّدنا الخصيبيُّ (ع) الإماميَّةَ الإثني عشريَّةَ إلى مُوَحِّدَةٍ ومُقَصِّرَةٍ.

قال له أمير المؤمنين (م): (ثَكِلَتْكَ أمُّكَ قِفْ منِّي قريباً أُرِيكَ عَلامَاتِ الهُدَى من عَلامَاتِ الضَّلالةِ). فَوَقَفَ الرَّجلُ قريبًا منهُ، فبَينَما هو كذلكَ إذْ أقبَلَ رجلٌ يَركُضُ حتَّى أتَى الإمامَ عليًّا (م) فقالَ: (يا أميرَ المؤمنينَ، أبشِرْ بالفَتحِ أقَرَّ اللهُ عَينَكَ، قَدْ واللهِ قُتِلَ القَومُ أجمَعونَ)، فقال له (م): (مِن دونِ النَّهرِ أو مِن خَلفِهِ؟)، قال: (بَل مِن دُونِهِ)، فقال (م): (كَذَبْتَ والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسمَةَ لا يَعبُرونَ أبدًا حتَّى يُقتَلوا)، فقال الرَّجلُ: (فازْدَدْتُ فيهِ بَصيرَةً)، فجاءَ آخَرُ يَركضُ على فرسٍ لَهُ فقالَ لَهُ مثلَ ذلكَ فَرَدَّ عليهِ أميرُ المؤمنينَ (م) مثلَ الذي رَدَّ على صاحبِهِ. قالَ الرَّجلُ الشَّاكُّ: (وهَمَمْتُ أن أحمِلَ على عَلِيٍّ فأفْلقَ هامَتَهُ بالسَّيفِ)، ثمَّ جاءَ فارسانِ يَركضانِ قد أَعْرَقَا فَرَسَيهِما فقالا: (ْأَقَرَّ اللهُ عَينَكَ يا أميرَ المؤمنينَ، أبشِرْ بالفَتحِ قد وَاللهِ قُتِلَ القومُ أجمعونَ). فقال (م): أَمِنْ خَلفِ النَّهرِ أو مِن دُونِهِ؟ قالا: (لا بل خَلفَهُ، إنَّهم لَمَّا اقْتَحَمُوا خَيلَهم النَّهروانِ وضَرَبَ الماءُ لباتَ خُيُولِهم رَجِعُوا فأُصِيبُوا)، فقال أمير المؤمنين (م): (صَدَقْتُما)، فَنَزَلَ الرَّجلُ عن فَرَسِهِ فأخذَ بيدِ أميرِ المؤمنينَ (م) وبرِجْلِهِ فَقَبَّلَهُما، فقالَ أميرُ المؤمنينَ (م): (هذهِ لَكَ آيَةٌ).
توضيح: أظهرَ له الآيةَ إثباتًا للحجَّةِ، ولم يُبَشِّرْهُ بالمغفرةِ أو السَّماحِ أو الإيمانِ، لأنَّ الذَّنبَ الذي لا يُغفَرُ هو البراءُ بعدَ الولاءِ، والشَّكُّ بعدَ اليقينِ، والشِّركُ بعدَ الإيمانِ.

وهذا الشَّكُّ بمولانا أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي (م) قادَ الشِّيعةَ لخُذلانِ الإمامِ الحسين علينا سلامه عندما دَعاهُم إلى قتالِ يزيد بن معاوية لعنه الله، فشكُّوا به وخذَلوهُ وعَصَوهُ وتركوهُ وانفضُّوا عنه فخاطَبهم علينا سلامُهُ موبِّخًا: (ألا فلعنةُ اللهِ على النَّاكثينَ الذينَ يَنقضونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها)، لأنَّ المؤمنينَ في اختبارٍ دائمٍ لا يفوزُ بهِ إلاَّ أصحابُ الولاءِ الحقيقيِّ، فكانت واقعةُ كربلاء من جهةٍ أولى عقابًا للمقصِّرَةِ على شَكِّهم وتخاذُلِهم، وحتَّى اليومَ يضربونَ أنفسَهم ندمًا، كما أنَّها كانت على النَّاصِبَةِ حُجَّةً لأنَّهم فَضَّلوا الولاءَ الأمويَّ على الولاءِ العلويِّ.

ولكنَّنا كعلويِّين نصيريِّين مُوحِّدين لم نَشُك ولا نشكُّ بأمير المؤمنين الإمام علي (م)، وما زِلنا محافظينَ على ولائِنا العلويِّ الصَّافي، ممَّا أعطانا الاستطاعةَ على فَهمِ أنَّ ما جَرَى بكربلاء من إجرامٍ أمويٍّ حاقدٍ على بني هاشم، ورَفعٍ للإمامِ الحسينِ علينا سلامه بالعنايةِ الإلهيَّةِ، هو أمرٌ لابدَّ أن يجري في سياقِ صراعِ الحقِّ ضدَّ الباطلِ، والذي ينتصرُ فيه الحقُّ دومًا لقوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).

فنحنُ لا نبرِّئُ يزيد بن معاوية لعنه الله من نوايا فعلِ القتلِ الذي أمرَ بهِ ضدَّ الإمامِ الحسين الشَّهيدِ علينا سلامُهُ كما يتَّهِمُنا البعضُ، ولا نُبرِّئُ قابيل لعنه الله من نوايا فعلِ القتلِ الذي قامَ بهِ ضدَّ الوصيِّ هابيل (م)، ولا نُبرِّئُ يهوذا الإسخريوطي لعنه الله من فعلِ الوشايةِ بالنَّبيِّ عيسى المسيح (ع) ابتغاءَ صَلبِهِ، ولا نُبرِّئُ النمرود لعنه الله من نوايا فعلِ الإحراقِ الذي قامَ بهِ ضدَّ رسولِ الولايةِ إبراهيم الخليل علينا سلامُهُ، ولكنْ خَسِئوا أن يَنالوا مُرادَهم بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامه: (مَن روَّعَ مؤمنًا بسلطانٍ ليُصيبَهُ منهُ بمَكروهٍ فلَم يُصِبْهُ فهو في النَّارِ، ممَن روَّعَ مؤمنًا بسلطانٍ ليُصيبَهُ منهُ بمَكروهٍ فأصابَهُ فهو مع فرعونَ وآلِ فرعون في جهنَّم)، فإذا كانَ هذا الحالُ مع المؤمنينَ، فكيفُ يكونُ الحالُ مع الأوصياءِ ورُسُلِ الولايةِ والأئمَّةِ والأنبياءِ!؟
إنَّ مَن لم يفهمْ بالتَّلويحِ لن يفهمَ بالتَّصريحِ، ونحنُ أهلُ التَّلويحِ في مكانِهِ والتَّصريحِ في مكانِهِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

Be First to Comment

اترك رد