Press "Enter" to skip to content

سورية وانقلاب الصراع

سورية وانقلاب الصراع

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

=========

أضحت سورية تقلب الصراع.. وما زال الجيش السوري يخط معالم النصر في هذا الصراع التي يتطور يوماً بعد يوم، بقفزات نوعية لم يحسب لها أحد حساباً في السابق. فنيران الصراع المشتعلة في الشمال السوري لم تكن يوماً من الأيام لا في حسبان تركيا ولا في حسبان (قسد)، ولا في حسبان أمريكا أيضاً.
لقد فعلت أمريكا فعلتها ورمت- كعادتها- كل الأدوات والدمى التي تحركها، دون أي حساب إنساني أو أخلاقي، فبحار من الدم الجاري، وآلاف من الجدران المدمرة لا تعني لأمريكا إلا أنها أدوات للاحتراق، ما يعنيها فقط هو أن تحقق مصالحها، حتى لو اقتتل جميع العالم وجرت أنهار الدم، وهي تتفرج بمتعة المجرم الذي لا يلطخ أيديه مباشرة بالدماء، بل يحرك أدواته لتقتتل فيما بينها وتشعل الصراع تلو الصراع.
واليوم تخلت من جهة أولى عن تركيا التي لا تعرف أتتقدم أم تتراجع، بل ولوّحت بالعقوبات الاقتصادية لها، وذلك لابتزازها، فعلى تركيا أن تدفع ثمن الدعم الأمريكي لها لتسع سنوات خلت، فتركيا كالسعودية كغيرها لا تعني لأمريكا إلا أنها كوَّة صرافة ودجاجة تبيض ذهباً.
أما عن (قسد) فليست إلا أداة غبية بيد أمريكا، وعدتها بوعودها الكاذبة، وجمَّلت لها المستقبل، لتُفاجأ اليوم بالتخلي عنها في أحلك الظروف، وترميها كالفريسة بيد تركيا الحاقدة، ليشتعل الصراع التركي الكردي من جديد، ويغير مجرى الحرب في المنطقة.
علماً أن (قسد) لا تعني الأكراد السوريين فقط، بل هي عبارة عن مزيج من الأكراد الانفصاليين السوريين والعراقيين والأتراك وبعض من أعراب الجزيرة الذين حلموا بمصالح مادية وأرادوا أن يستثمروا هذا الصراع فوقعوا فريسة الطمع والخيانة لوطنهم.
في ظل هذا التوتر الحاصل في الشمال كانت سورية الأسد المستفيد الأكبر من هذا الصراع، فما لم يكن بالحسبان تحقق، والجيش يبسط يوماً بعد يوم سيطرته على الحدود الشمالية والمدن والقرى السورية، وقوات سورية الديمقراطية (قسد) تستسلم مجبرة وتعطي مناطقها للجيش السوري، رغم أنه لا ثقة بها لأنها لم تتخلَّ عن حلم الانفصال، وهذا ما تعبر عنه بعض تصريحات مسؤوليها، إلا أن هذا لن ينفع، لأن الدولة السورية باتت تفهم تكتيك الظروف والاستفادة منها، وكيف تقتنص فرص النصر الذهبية، ولهذا لم تترك (قسد) تحت نير النيران التركية دون التدخل السريع، ليس من أجل (قسد) بل من أجل وحدة الأراضي السورية التي قلنا مراراً وتكراراً أنه من غير المسموح لها أن تتقسم.
فالدخول السوري كان مفاجئًا للجميع، والانتصارات السورية المتلاحقة كانت أكثر مفاجأة لهم.
ويبقى توجيه الشكر لروسيا التي كان موقفها ممتازاً بدعمها المتواصل لسورية الأسد، وخاصة بالفيتو الذي رفعته في مجلس الأمن، لأن العالم اعتاد على الوجه المسالم والمتفادي لكل الصراعات واللجوء إلى الحلول السياسية الواهية، ولكن الأمور قد تغيرت، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ولو أن مجلس الأمن أدان تركيا، دون أي تغيير على الأرض لكانت تركيا اليوم على حدود حلب وتدمر، ولكن الصراع السوري التركي القائم أعطى لتركيا حجمها وقزَّمها أمام الرأي العام، وأظهر وحشيتها وإجرامها الإخونجي، ليبدأ العد العكسي لتقهقر أعداء سورية الأسد.
أما إيران فيبدو أنها لم تتعلم بعد من هذه الحرب، وما يؤكد ذلك موقفها المتراخي من الأحداث الأخيرة، فالجمع بين حماس والإخوان لحرب إسرائيل أصبح غير ممكن، وهو من أنواع الجمود السياسي الذي لابد لإيران أن تتخلص منه.
ويبقى الصراع في الشمال السوري الحدث الأكبر في ظل توترات الشرق الأوسط التي تشتعل تحت الرماد، فاللعبة في سورية أكبر من تركيا ودول الخليج وإيران وأدواتهم، حتى أنها أكبر من الولايات المتحدة وروسيا، لأن سورية تحدد تحولات الشرق الأوسط، واللهب قد توسع من دون إيديولوجيات واستراتيجيات، فكل الدمى ضائعة ولا أحد يدري إلى أين يمضي الشرق الأوسط، حتى الدول التي تظن أنها تتقن إدارة اللعبة وقعت في الدوامة والحيرة، فالأدوات تضرب بعضها البعض، والولايات المتحدة لم تعد المتحكمة بكل المسارات، فتارة تتقدم خطوة وأخرى تتأخر خطوة، وتارة تشعل حرباً وأخرى تسعى لتسوية، لأن مراكز القوى مشتتة، إذ لا وجود لاستراتيجيات بعيدة المدى، بل لتحالفات متصدعة وتناقضات كبيرة، وسيناريوهات متقلبة متبدلة بأوقات قصيرة، وكل هذه العشوائية الدولية لم تخدم سوى الحسابات السورية فقط.
فالسعودية لا تدري أتقترب من روسيا أم لا بعد حادثة أرامكو، وحكام الخليج بحالة ضياع، كما دونكيشوت تركيا مضطرب، وهو يتفادى بكل الوسائل الصدام مع الجيش السوري، فالكل دخلوا من البوابة الأمريكية وتُركوا في منتصف الطريق، مع العلم أن الزيارات الروسية للسعودية والإمارات لا تعدو كونها زيارات تكتيكية لا تؤثر على العلاقة الروسية السورية، ولا على دعمها العسكري والسياسي لها.
فالتحليلات السياسية أصبحت ضرباً من التوقعات، لأن الباحثين السياسيين لا يفهمون التحولات الجارية، ولكن القول الفصل:
إن سورية الأسد هي المستفيد الأكبر اليوم من جميع الأحداث الجارية، فلا يتوقعنَّ أحد أن تصبح سورية الأسد هيكلية إيرانية أو هيكلية روسية لأن تاريخ سورية الأسد مختلف، وقد بدأت تقطف ثمار النصر القادم، وهو ما وعد به وبشَّر القائد الخالد العظيم الاستثنائي (حافظ الأسد) المعلم الأول للحرب والسياسة بقوله: (إن النتائج مهمة ولكن المهم أولاً هو أساليب الممارسة والسلوك، فعندما نقاتل بشرف، ونقاتل حتى الشهادة، وعندما لا يستطيع العدو أن يتقدم شبراً إلا على أجسادنا، فلا نكون إطلاقاً قد خسرنا المعركة، ومهما تكن نتيجة المعركة فنحن الذين نربحها).

osama

Be First to Comment

اترك رد