Press "Enter" to skip to content

السؤال الثلاثون بعد المئة حول درجات الإيمان

السؤال الثلاثون بعد المئة حول درجات الإيمان

السُّؤالُ الثَّلاثونَ بعدَ المِئَةِ: ما هو شرحُ حديثِ الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ الواردِ في ختامِ الجوابِ السَّابقِ؟

الجوابُ الثَّلاثونَ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
قيلَ للإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: إنَّ للإيمانِ درجاتٌ يَتَفاضَلُ المؤمنونَ فيها عندَ اللهِ.
قال: نعم.
قيلَ: صِفْهُ لنا حتَّى نَفهَمَهُ.
قال الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ: (إنَّ اللهَ سَبَّقَ بينَ المؤمنينَ كما يُسَبَّقُ بينَ الخيلِ يومَ الرِّهانِ، ثمَّ فَضَّلَهُم بدَرَجاتِهم في السَّبقِ إليهِ، فَجَعَلَ كلَّ امرِئٍ منهم على دَرجَةِ سَبقِهِ، لا يَنقُصُهُ فيها من حَقِّهِ ولا يَتَقَدَّمُ مَسبوقٌ سَابقًا ولا مَفضولٌ فاضِلاً، تَفَاضَل لذلكَ أوائِلُ هذهِ الأمَّةِ وأواخِرُها، ولو لم يَكُنْ للسَّابقِ إلى الإيمانِ فَضْلٌ على الـمَسبوقِ إذًا لَلَحِقَ آخرُ هذهِ الأمَّةِ أوَّلَها، نَعَمْ ولَتَقَدَّمُوهم إذ لم يَكُنْ لِمَنْ سَبَقَ إلى الإيمانِ الفَضْلُ على مَن أبطأ عنهُ، ولكنْ بدَرَجاتِ الإيمانِ قَدَّمَ اللهُ السَّابقينَ، وبالإبطاءِ عن الإيمانِ أخَّرَ اللهُ الـمُقَصِّرينَ، لأنَّنا نَجِدُ من المؤمنينَ من الـمُقَصِّرينَ مَن هوَ أكثرُ عَمَلاً مِن السَّابقينَ وأكثرُهُم صَلاةً وصومًا وحجًّا وزكاةً وجهادًا وإنفاقًا، ولو لم يَكُنْ سَبْقٌ يُفضَّلُ به المؤمنونَ بَعضَهُم بعضًا عندَ اللهِ لَكَانَ الـمُقَصِّرونَ بكثرَةِ العَمَلِ مُقَدَّمِينَ على السَّابقينَ، ولكنْ أبَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أن يُدرِكَ آخرُ دَرجاتِ الإيمانِ أوَّلَها، ويُقدَّمَ فيها من أَخَّرَ اللهُ أو يُؤَخَّرَ فيها مَن قَدَّمَ اللهُ).
توضيح: فاللهُ تعالى دَعَا الخلقَ إلى نفسِهِ والإقرارِ برُبوبيَّتِهِ في الذَّرِّ الأوَّل بدليلِ قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، وقد سُئلَ الإمامُ الباقرُ علينا سلامُهُ عن الآيةِ فقال: (أخرجَ ذُرِّيَّةَ آدمَ إلى يومِ القيامةِ فَخَرَجُوا كالذَّرِّ فَعَرَّفَهُم وأرَاهُم نفسَهُ ولولا ذلكَ لم يَعرِفْ أحدٌ رَبَّهُ)، وهنا تسابَقوا إلى الإقرارِ فسارَعَتِ الملائكةُ بالإجابةِ، ثمَّ تلاها أهلُ الإيمانِ، فمَن سارعَ بالإجابَةِ اعتُبِرَ سابِقًا وصُنِّفَ من الأوائلِ، ومَن تأخَّرَ عنهم اعتُبِرَ مُقَصِّرًا وصُنِّفَ من الآخِرينَ، وحصلَ كلٌّ منهم على درجتِهِ لقوله تعالى: (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).

قيل: أخبرْنا عَمَّا نَدَبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المؤمنينَ إليهِ منَ الاستباقِ إلى الإيمانِ.
فقال الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ: قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، وقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)، وقال: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ) فَبَدَأ بالمهاجرينَ الأوَّلينَ على دَرجةِ سَبقِهم، ثم ثَنَّى بالأنصارِ ثمَّ ثَلَّثَ بالتَّابعينَ لهم بإحسانٍ، فَوَضَعَ كلَّ قَومٍ على قَدرِ دَرَجَاتِهم وَمَنَازِلِهم عندَهُ، ثمَّ ذَكَرَ مَا فَضَّلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بهِ أولياءَهُ بعضَهم على بعضٍ، فقال عزَّ وَجَلَّ: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، وقال: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ)، وقال: (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)، وقال: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ)، وقال: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)، وقال: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ)، وقال: (وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً)، وقال: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)، وقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ)، وقال: (وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ)، وقال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)، فهذا ذِكرُ درجاتِ الإيمانِ عندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
توضيح: كلُّ مؤمنٍ له درجَتُهُ التي نالَها مِن سَبقِهِ، قد ثَبَّتَها اللهُ وفضَّلَهُ بها على الـمَسبوقِ، وهذا أمرٌ جَرَى عندَ الدَّعوةِ والإجابةِ، فهو تعالى الـمُرَتِّبُ للمؤمنينَ في درجاتٍ، وليسَ للبشرِ أيُّ حُكمٍ في التَّرتيبِ كما يقومُ اليوم كثيرٌ من المقصِّرينَ بالحُكمِ والتَّفضيلِ بين المؤمنين وإعطائهِم درجاتٍ وأولويَّاتٍ وأسبقيَّاتٍ حسبَ ما يَرَونَ من مَظَاهِرِهم، وهذا لا يجوزُ لقولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (لا تَحكموا حسبَ الظَّاهرِ ولكن احكُموا حُكمًا عادلاً).
إنَّ درجاتِ الإيمانِ لا علاقةَ لها بمَا نراهُ من أفعالٍ وتصرُّفاتٍ قد توهِمُنا أنَّ فلانًا أسبقُ من فلانٍ بسببِ ما نراهُ من عملِهِ الظَّاهرِ في الحياةِ الدُّنيا والتزامِهِ بالفرائضِ والأحكامِ، وقد يكونُ هذا الـمُلتَزِمُ مُقصِّرًا في الإجابَةِ ومتأخِّرًا عمَّن نقارِنُهُ به ونُفضِّلُهُ عليه، فهذا مجرَّدُ حُكمٍ ظاهرٍ على الأمورِ وهو قياسٌ حُذِّرْنا منه كما أسلَفنا في بداية الحديثِ.
وما هذا الاختلافُ الظَّاهرُ إلاَّ امتحانٌ من اللهِ تعالى للمؤمنينَ في هذه الدُّنيا ليتطَهَّرُوا ويرتقوا ويعودُوا إلى ما كانوا عليهِ، حيثُ جاءَ عن الإمامِ الباقرِ علينا سلامُهُ أنَّهُ قال: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أخرَجَ ذُرِّيَّةَ آدمَ مِن ظهرِهِ لِيَأخُذَ عليهم المِيثاقَ بالرُّبوبيَّةِ لَهُ وبالنُّبوَّةِ لكلِّ نبيٍّ، ثمَّ قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لآدمَ: (انظرْ ماذا تَرَى)؟ فنظرَ آدمُ إلى ذُرِّيَّتِهِ وهُمْ ذَرٌّ قد مَلَؤوا السَّماءَ، فقال آدم: يا رَبِّ ما أكثرَ ذُرَّيَّتِي ولأمرٍ ما خَلَقْتَهُم؟ فمَا تريدُ منهم بأخذِكَ الميثاقَ عليهم؟
توضيح: هذا يؤكِّدُ العدالةَ الإلهيَّةَ بأنَّ اللهَ تعالى لم يمنعْ أحدًا من الحضورِ في ذلكَ اليومِ لتَثبُتَ الحجَّةُ على جميعِ الخَلقِ.

قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يَعبدُونَني لا يُشرِكونَ بي شيئًا ويُؤمنونَ برُسُلي ويَتَّبِعُونَهم). قال آدم: يا رَبِّ فَمَا لي أرَى بعضَ الذَّرِّ أعظمُ مِن بَعضٍ وبَعضَهم له نورٌ كثيرٌ وبعضَهم له نورٌ قليلٌ وبعضَهم ليسَ له نورٌ؟
توضيح: هذا دليلٌ على ما شرحناهُ من موضوعِ السَّبقِ في الإجابةِ، فكلَّما كانتِ الإجابةُ أسرعُ، كانَ النُّورُ أعظمُ.

فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (كذلك خَلَقْتُهُم لأبْلُوَهم في كلِّ حالاتِهم). قال آدم: يا رَبِّ فتأذَنُ لي في الكلامِ فأتكلَّمُ؟ قال اللهُ عزَّ وَجَلَّ: (تكلَّم فإنَّ روحَكَ من روحِي وطَبيعَتَكَ خلافُ كَينونَتِي).
توضيح: قوله تعالى: (روحَكَ من روحِي) إشارةٌ إلى مصدَرِ النَّبيِّ آدمَ (ع)، وقوله: (طَبيعَتَكَ خلافُ كَينونَتِي) إشارةٌ إلى أنَّ إفرادِ الحقِّ عن أن يكونَ من جنسِ النَّبيِّ أو ماهيَّتِهِ.

قال آدم: يا رَبِّ فلَو كنتَ خَلَقْتَهُم على قَدْرٍ واحدٍ وطبيعةٍ واحدةٍ وألوانٍ واحدةٍ وأعمارٍ واحدةٍ وأرزاقٍ سواءَ لم يَبْغِ بَعضُهم على بعضٍ ولم يكنْ بينهم تَحَاسُدٌ ولا تَبَاغُضٌ ولا اختلافٌ في شيءٍ من الأشياءِ. قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يا آدمُ، بعِلْمِي خالفْتُ بينَ خَلقِهِم وبمَشيئَتِي يَمضِي فيهم أمرِي، خلقتُ الجنَّةَ لِمَن أطاعَني وعَبَدَنِي منهم واتَّبَعَ رُسُلِي ولا أُبَالي، وخلقتُ النَّارَ لِمَن كَفَرَ بي وعَصَانِي ولم يَتَّبِعْ رُسُلِي ولا أُبَالي، وخَلَقْتُكَ وخلقتُ ذُرِّيَّتَكَ من غيرِ فاقةٍ بي إليكَ وإليهم، وبعِلمِيَ النَّافذِ فيهم خالفتُ بينَ صُوَرِهم وأجسامِهم وألوانِهم وأعمارِهم وأرزاقِهم وطاعَتِهم ومَعصِيَتِهم، فجعلتُ منهم الشَّقِيَّ والسَّعيدَ والبَصيرَ والأعمى والقصيرَ والطَّويلَ والجميلَ والذَّميمَ والعالِمَ والجاهلَ والغنيَّ والفقيرَ والـمُطيعَ والعاصيَ والصَّحيحَ والسَّقيمَ ومَن بهِ الزَّمانَةُ ومَن لا عاهةَ بهِ، فينظُرَ الصَّحيحُ إلى الذي بهِ العاهَةُ فيَحمِدَنِي على عَافِيَتِهِ، وينظرَ الذي بهِ العاهةُ إلى الصَّحيحِ فيَدعونِي ويَسألُني أن أُعافِيه ويَصبِرَ على بَلائِي فأُثيبُهُ جَزيلَ عَطَائِي، ويَنظُرَ الغنيُّ إلى الفقيرِ فيَحمِدَنِي ويشكُرَني، ويَنظُرَ الفقيرُ إلى الغنيِّ فيَدعونِي ويَسألُنِي، ويَنظُرَ المؤمنُ إلى الكافرِ فيَحمِدَني على مَا هَدَيتُهُ، فلذلكَ خلقتُهُم لأبلوَهُم في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ وفيما أعافيهم وفيما أَبتَلِيهم وفيما أُعطِيهم وفيما أَمنَعُهُم وأنا المَلِكُ القادِرُ، ولي أن أُمضِيَ جميعَ ما قَدَّرْتُ على ما دَبَّرْتُ، ولي أن أغيِّرَ من ذلكَ ما شِئتُ إلى ما شِئتُ وأُقدِّمَ من ذلكَ ما أخَّرْتُ وأؤَخِّرَ من ذلكَ مَا قدَّمْتُ، وأنا الفَعَّالُ لِمَا أريدُ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

Be First to Comment

اترك رد