باحث علوي سوري: الغلو هو أن تجعل الأنبياءَ والرسلَ والأئمَّةَ بشراً خطَّائين

ahmad

باحث علوي سوري:

الغلو هو أن تجعل الأنبياءَ والرسلَ والأئمَّةَ بشراً خطَّائين

================

 

تَسْتَوقِفُنا في كثيرٍ من الأحيانِ بعضُ المفاهيمِ الخاطئةِ، بل والمُجحِفَةِ، بحقِّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع)، وهناكَ أسئلةٌ تتبادرُ للذِّهنِ: هل الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ بَشَرٌ كسائرِ البَشَرِ فيما يَرجِعُ الى شُؤونِهم الطَّبيعيَّةِ البشريَّةِ، يأكلونَ ويشربونَ، ويتزوَّجونَ ويتناسلونَ ككلِّ البشرِ!؟ وهل يُعَدُّ هذا من كمالِ بشريَّتِهم؟ وهل اختصاصُ اللهِ لهم بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ والولايةِ والعصمةِ والإمامةِ لا يُخرِجُهم عن حَدِّ بشريَّتِهم!؟

من جهةٍ ثانيةٍ: هل العلويُّونَ هم غلاةٌ لأنَّهم يُنَزِّهونَ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ عن الحالاتِ البشريَّةِ!؟ وهل تَنزيهُهُم لهم عن البشريَّةِ يعني تأليهَهُم!؟

 

للإجابةِ عن هذهِ التَّساؤلاتِ كانَ لموقعِ مصر تايمز هذا الحوارُ الصَّريحُ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: أستغربُ كلَّ الغرابةِ ممَّن يعتقدُ أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) بشرٌ مثلُنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأنَّهم فقط عبادٌ مكرَّمُونَ كالأولياءِ الصَّالحينَ من نخبةِ البشرِ اختَّصُهم اللهُ تعالى بلطفِهِ وكرامتِهِ وَحَبَاهُم بالولايةِ…!!

 

وتابعَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ قائلاً: لقد سقطَ الحشويَّونَ والمقصِّرونَ في هذا الاعتقادِ، خاصَّةً أنَّهم احتجُّوا بأحاديثَ مزوَّرةٍ ملفَّقةٍ لإثباتِ شُبهَتِهم بحقِّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، الذين أظهرُوا الحالاتِ البشريَّةَ تعليمًا ولطفًا وتأنيسًا وتفهيمًا، لأنَّ الإنسانَ لن يفهمَ عن النُّورِ إذا كلَّمَهُ، ولا يفهمُ إلا عن جنسِهِ، فَوَجَبَ أن يكلِّمَ الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ المعصومونَ (ع) البشرَ من صورةٍ تشاكلُهم وَتُماثِلُهم، لكنَّ العاقلَ يفهم أنَّ ما أظهروهُ من مشاكلةٍ ومماثلةٍ لنا لا يَنفي المقامَ المحمودَ التكوينيَّ لهم، والذي يَخضعُ لولايَتِه كلُّ ما في هذا الكونِ، وهذا المقامُ لا يبلغُهُ حتى الملائكةُ المقرَّبون بدليلِ قول رسولِ اللهِ (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ)، وقول الأئمَّةِ (ع): (إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يبلغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ). فلا شُبهَةَ في ولايَة الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع) على المخلوقينَ لِكَونِهِم السَّببُ في الخلقِ، ولم يدَّعِ أحدٌ أنَّ هناكَ خالقًا من دونِ اللهِ لقوله تعالى: (ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).

 

ولدى استفسارِنا عن وصفِ القرآنِ الكريمِ للأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ بأنَّهم بشرٌ أجاب الدكتور أحمد: إنَّ إطلاقَ لفظِ (البشر) عليهم مَجَازٌ لا حقيقةٌ، إذ لمَّا كانَ الموجودُ على الأرضِ بشرًا، أرسلَ اللهُ سبحانه وتعالى الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمةَ مبشِّرينَ ومنذِرينَ يَراهم البشرُ بشرًا مثلَهم على هيئتِهم وَصِفَتِهم البشريَّةِ وهم يَجِلُّون عن ذلكَ، بدليلِ قوله تعالى: (إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم يُوحَى إليَّ)، فقد قال: (إنما أنا بشرٌ مثلكم) ولم يقل: (منكم) والفرقُ كبيرٌ بين الكلمتين (مثلكم- منكم)، ثم أتبَعَها تنزيهًا لهم عن البشريَّةِ بقوله: (يوحى إليَّ) فما تفسيرُ ذلك؟

لقد قال الإمام الصادقُ (ع): (إنَّا معاشِرَ الأنبياءِ والأوصياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نخرجُ من الأرحامِ لأنَّنا نورُ اللهِ الذي لا تنالُهُ الأدناسُ)، فأنوارُ اللهِ في الأرضِ لا يَليقُ بهم فعلُ البشرِ من التَّزاوجِ والولادةِ والمخاضِ والعِصيانِ والغوايةِ والغضبِ والخوفِ والسَّهوِ والنَّقصِ والقتلِ والصلبِ، والقولُ والخطابُ بالنهي والزَّجر والتأنيب والتَّوبيخ لا يَليقُ بهم، إنَّما يقعُ هذا القولُ بِمَن هو مركَّبٌ من الطَّبائِعِ الأربعةِ من البشرِ، لذلك لا يجوزُ إثباتُ العصيانِ والغوايةِ على الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، لأنَّ الغوايةَ هي التَّوقُّفُ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وهذا لا يقعُ في الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومين (ع)، لأنَّ عصمَتُهم ذاتيَّةٌ وشموليَّةٌ، ولا تقعُ عليهم أيَّةٌ من الحالاتِ البشريَّةِ التي ذكرنا، فمثلُ هذهِ الحالاتِ المذكورةِ في المُتَشَابِهِ من الآياتِ لا تليقُ بهم، بل بعَالَمِ البشرِ، كقوله تعالى: (وعصى آدمُ ربَّهُ فَغَوَى)، وقوله جلَّ جلاله: (لِيَغفرَ لك اللهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّر)، وقوله سبحانه: (لَئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكونَنَّ من الخاسرين).

 

وحول مَن يقول أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) كانوا مجتهدينَ كبقيَّةِ البشرِ المجتهدينَ الذينَ قد يخطِئونَ ويصيبونَ، قال الباحثُ العلويُّ السُّوريُّ: مَن زعمَ ذلك فقد غَالى بهم، وهنا جاءَ تحذيرِ مولانا الصَّادق (ع) من أهل الغلوِّ حين قال: (إن الغلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، فَمَن أثبتَ على اللهِ ما لا يليقُ بهِ فقد غالى به، فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، وهو إفراطٌ وتفريط؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، لذلك فإنَّ عقيدَتنا العلوية الإسلاميَّة ليست غلوًّا ولا تسفيهًا، بل هي وسطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا). ولَطالما اتَّهمَ المسلمون النَّصارى بأنَّهم أهلُ غلوٍّ وتسفيهٍ، لأنَّهم أنكروا وصايةَ سيِّدنا شمعون الصَّفا عليهم بعدَ سيدنا المسيح (ع)، وَرَفعوا سيدَنا المسيحَ (ع) إلى درجةِ الألوهيَّةِ، كما فعلَ المقصِّرةُ والحشويَّةُ والمنخنقةُ عندما رفعوا الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) إلى درجة الألوهيَّةِ.

إنَّ مَن اعتبروا أنَّ المسيحَ هو اللهُ، ما قَدَروا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ، ولكنَّهم كفروا لأنَّهم عَبَدُوا المسيحَ من دونِ اللهِ، وجعلوا المُرسِلَ من جنسِ الرَّسولِ، ولم يفهموا قول سيِّدنا المسيح (ع): (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ). وأمَّا مَن اعتَبَروا أنَّ المسيحَ ابنُ اللهِ، فقد أشركوا لأنَّهم اعتبروا بأنَّهُ قديمٌ من قديمٍ، وأنَّ ذاتَ الأبِ والابنِ مشتركةٌ، وتناسَوا قولَ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ)، وتعامَوا عن تنزيهِهِ لباريهِ في قوله: (المجدُ للهِ في العُلا)، ومَن كان المجدُ له لا يشبهُ شيئًا ولا يشبهُهُ شيءٌ لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إن اللهَ لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهُهُ شيءٌ). وجميعُهم أفرَطُوا بتسليمِهم للمسيحِ (ع) ورفعوهُ إلى درجةِ الألوهيَّةِ، وما كانَ ذلكَ طاعةً للمسيحِ، بل لإفسادِ دعوَتِهِ للولايةِ، وأثبتوا ذلكَ من خلالِ التَّناقضِ والتَّفريطِ بالمسيحِ (ع)، فأثبَتوا عليه الصَّلبَ، ولكنَّ اللهَ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ).

ولأنَّ القرآنَ الكريمَ يتحدَّثُ عن كلِّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع)، ولا يختصُّ واحدًا دون الآخرِ، ففيهِ من الرَّمزِ ما يجعلهُ دائمًا أبدًا، فهل تساءلَ أحدٌ لماذا قال تعالى: (وما قتلوه)، مع أن فعلَ الصَّلبِ هو الواقعُ بسيِّدنا المسيح (ع)، فَبِمَن وقعَ فعِلُ القتلِ!؟

وزنًا بوزنٍ وقسطًا بقسطٍ: إنَّ الغلاةَ هم مَن أفرَطُوا وَرَفعوا الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) إلى مقامِ ربِّ العالمين، ثمَّ ظلموهُم وفرَّطوا بهم عندما زَعَمُوا أنَّهم قُتِلوا على يدِ الأمويِّين والعبَّاسيِّين. فالأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ (ع) لم يُقتَلوا، بل شُبِّهَ لهم، فإذا كانَ المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا ولَيْسَ بِمَيِّتٍ ويَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا ولَيْسَ بِبَالٍ)، فكيفَ يموتُ الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ؟

وَنَفَى الباحثُ العلويُّ السُّوريُّ أن يكونَ هذا التَّنزيهُ تأليهًا لهم حيثُ قال: إنَّ تَعظيمَنا وَتَوقيرَنا وإجلالَنا للأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع) عن القتلِ والصَّلبِ والحالاتِ البشريَّةِ ليسَ تأليهًا لهم كما زَعَمَتِ المقصِّرةُ والمنخنقةُ والحشويَّةُ، أو أرادَتْ التَّرويجَ لهذا الاتِّهامِ لنا نحنُ العلويِّين، بل هم استحقُّوا تعظيمَنا لهم لأنَّهم نورُ اللهِ، والنورُ ليسَ مركَّبًا من الطَّبائعِ الأربعةِ، وذلك بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيحِ (ع): (مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ)، وقد سُئلَ الإمامُ الباقرُ (ع) عن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) فقال: (النُّورُ؛ واللهِ نورُ الأئمَّةِ من آلِ محمَّد إلى يومِ القيامةِ، وهم واللهِ نورُ اللهِ الذي أُنْزِلَ، وهم واللهِ نورُ اللهِ في السَّماواتِ وفي الأرضِ).

 

 

المصدر: مصر تايمز

اترك رد