أرشيف التصنيف: النهج العلوي

باحث ديني علوي: لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهرياً

ahmad

باحث ديني علوي:

لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهرياً

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أكَّدَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ السُّوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد أنَّ العلويينَ مسلمون محمَّديُّون جعفريُّون نُصَيريُّون خَصِيبيُّون، مُعتبرًا أنَّه (لا خلافَ بينَ كلِّ هذهِ التَّسمياتِ، إلاَّ أنَّ الملامةَ تقعُ على المُسيئينَ الذين يحاولونَ التَّفرقةَ بين تسميةِ الجعفريَّةِ من جهةِ والنُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ من حيث الجوهرُ).

بعدَ حربٍ طويلةٍ ومحاولاتٍ كثيرةٍ لإخراجِ العلويِّينَ عن الدِّينِ الإسلاميِّ، فُتحَتْ فسحةُ أملٍ لهم في عام 1952 حيثُ تَمَّ الاعترافُ بالعلويِّينَ في سوريَّة وسُمِحَ لهم أن يمارسوا شعائرَ الدِّينِ الإسلاميِّ في المساجدِ، وأُطلِقَتْ عليهم تسميةُ (المذهبِ الجعفريِّ)، لكنْ بقيَتْ التُّهمَةُ القديمةُ تلاحِقُهم بأنَّهم لا يقيمونَ الشَّعائرَ الدِّينيَّةَ، وبقيَ هناك الكثيرُ من الغموضِ يُحيطُ بمعتقداتِهم، خاصَّةً مع تمسُّكِ معظمِ علمائِهم بتسميةِ النُّصيريَّةِ التي يعتبرُها بعضُ المنظِّرينَ الحديثينَ تُهمةً أُطلقَتْ عليهم لتكفيرِهم، حول هذه التَّساؤلاتِ أجرينا هذا الحوارَ مع الباحثِ الدينيِّ العلويِّ الدكتور أحمد أديب أحمد وهو أستاذٌ أكاديميٌّ في جامعةِ تشرين باللاذقيَّة، وهذا نص الحوار:

 

وكالة مهر للأنباء: لماذا يُتَّهَمُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ بأنَّهم لا يُقيمونَ الشَّعائرَ الدِّينيَّةَ كالوضوءِ والصَّلاةِ والصِّيامِ.. إلخ؟

د. أحمد: يقول تعالى في كتابه العزيز: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، فَمِئَاتٌ من السِّنينِ يَفترونَ على المسلمينَ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ الخَصيبيِّينَ كذبًا وَزُورًا وبُهتانًا لِيُخرِجوهم عن الدِّينِ وَيَضعوهُم في زمرةِ الكافرينَ، لِيُبيحُوا تطبيقَ فَتوى ابنِ تيميَّةَ بقتلِ النُّصيريَّةِ وأنَّ قتلَهم أوجبُ من قتلِ اليهودِ والنَّصارى!! ليسَ لأنَّنا لا نُقيمُ الشَّعائرَ الدِّينيَّةَ، بل على العكسِ نحنُ نُقيمُها التزامًا لا تقليدًا، ونعطي الحريَّةَ الكاملةَ لأبنائِنا في إقامَتِها أو لا، فلا نفرضُ على أبنائِنا بقوَّةِ السَّيفِ أن يصلُّوا ويَصومُوا كما تفعلُ الوهابيَّةُ وداعشُ وجبهةُ النُّصرةِ، ولا نُرَغِّبُهُم بالعطايا لكي يمارسُوا عبادَتَهم وَيَجتمِعوا في الحوزاتِ، بل نؤسِّسُ شبابَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ فكريًّا ليُقبِلوا على إقامةِ الشَّعائرِ الدِّينيَّةِ شكرًا للهِ وواجبًا حقًّا، لا رغبةً بالثَّوابِ ولا رهبةً من العذابِ، امتثالاً لقولِ الإمامِ الحسينِ (ع): (إنَّ رجالاً عَبَدُوا اللهَ رغبةً فتلكَ عبادةُ التُّجارِ، وإنَّ رجالاً عَبَدُوا اللهَ رهبَةً فتلكَ عبادةُ العبيدِ، وإنَّ رجالاً عَبَدُوا اللهَ شكرًا فتلكَ عبادةُ الأحرارِ وهي أفضلُ العبادةِ).

 

وكالة مهر للأنباء: هل هذا يعني أنَّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ لهم بواطنُ يَعتمدونَها غير الشَّريعةِ الظاهريَّةِ؟

د. أحمد: ليسَ الأمرُ إلى ما ذهبتَ نحوَهُ بالمعنى السَّطحيِّ للكلامِ، لكنَّنا نفهمُ معاني الشَّريعةِ الدِّينيَّةِ الظاهريَّةِ، ونُقيمُها بطرائقَ إسلاميَّةٍ وحقائقَ إيمانيَّةٍ، أي إنَّنا نطبِّقُ الحركاتِ المحسوسةَ مع معرفتِنا بالحقائقِ العقليَّةِ، وهذا ما يُميِّزُنا عن غيرِنا لأن مَن عَمِلَ بالشَّريعةِ ولم يعلمِ الحقيقةَ حَبِطَ عملُهُ، إذ هو عملٌ بلا علمٍ ولا فائدةَ منه، لذلك جاءَ قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ الذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ملعونونَ لأنهم عَمِلُوا بصورةِ الشَّرعِ ولم يعرفوا معناهُ). فالشَّريعةُ الظَّاهريَّةُ مثالُ الجسدِ، والحقائقُ الباطنيَّةُ مثالُ الرُّوحِ، والإنسانُ من جسدٍ وروحٍ، والجسدُ لا يَحيى ولا يقومُ إلا بالرُّوحِ، ومن دونِ مَدَدِها لا تقومُ له قائمةٌ، لذلك فإنَّ هناكَ فرقًا شاسعًا بين الرُّوحِ والجسدِ، وبما أنَّ الجسدَ لا يساوي الرُّوحَ، فلا يجوزُ أن تكونَ عبادةُ الجسدِ مساويةً لعبادةِ الرُّوحِ، أمَا قرأتُم قولَ أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (كَمْ مِنْ صَائِمٍ مَا لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ والظَّمَأُ، وكَمْ مِنْ قَائِمٍ مَا لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ والْعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الأكْيَاسِ وإِفْطَارُهُمْ).

 

وكالة مهر للأنباء: لماذا يتَّهمونَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ أنَّهم لا يقيمونَ الصَّلاةَ بحجَّةِ أنَّهم يضمنونَ دخولَهم إلى الجنَّةِ؟

د. أحمد: أستغربُ كيف يحكمُونَ على طائفةٍ كاملةٍ من غيرِ بيِّنةٍ!! يقول تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، والصَّلواتُ خمسةٌ (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)، ونحنُ نُقيمها جميعها، لكنَّ للصَّلاةِ شروطًا يجبُ أن تتحقَّقَ، أوَّلها الطَّهارةُ وهي أن تكونَ طاهرًا من نجاسةِ الحَدَثَينِ الأكبرِ والأصغرِ لقولِ أمير المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (مَنْ لا وضوءَ له لا صَلاةَ لَهُ)، فالطُّهورُ فريضةٌ، لكنَّنا لا نفهمُهُ فقطْ بمعناهُ السَّطحيِّ، فالطَّهورُ الحقيقيُّ ليس إزالةَ الأوساخِ بالماءِ فقط، لأنَّ النَّجاسةَ لا تَلحَقُ بالمؤمنِ بمجرَّدِ تعرُّضِ جسدِهِ لبعضِ الحالاتِ البشريَّةِ العارضةِ، فالمؤمنُ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ أي لا يَلحقُهُ شكٌّ في دينِهِ وعقيدَتِهِ لذلكَ فهو طاهرٌ منهم، وطهارَتُهُ الحقيقيَّةُ هي البراءُ من المشركينَ كما وردَ عن الأئمَّةِ (ع)، لأنَّ النَّجاسةَ هي الشِّركُ، لهذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ).

 

وكالة مهر للأنباء: وهل يتوجَّهُ العلويُّونَ إلى القِبلَةِ عند صلاتِهم؟ ولماذا يقولون أنَّهم يصلُّونَ مشيًا على الأقدامِ؟

د. أحمد: ما فائدةُ الصَّلاةِ بدون الاتِّصالِ والتَّوجُّهِ إلى وجهِ الحقِّ، والإقبالِ على اللهِ بالكلِّيَّةِ، والانقطاعِ عمَّا سواهُ كلِّيًّا؟ أودُّ أن أوضِّحَ أنَّ اللهَ ليس محصورًا بالكعبةِ ولا في أيِّ مكانٍ لقولِ الإمامَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (ولا كانَ في مَكانٍ فيجوزُ عليه الانتقالُ)، بدليلِ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) صلَّى أربعة عشر سنة متوجِّهًا إلى بيتِ المقدسِ قبلَ أن يُصَلِّيَ متوجِّهًا إلى الكعبةِ، فهل انتقلَ اللهُ من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ؟ بالطَّبع لا، فالمعاني العميقةُ للصَّلاةِ لا تزولُ بالتَّوجُّهِ لمكانٍ لأنَّ اللهَ هو المُتَجَلِّي في السَّمواتِ والأرضِ، لقوله تعالى: (وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ)، وقد ورد عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كان يصلِّي على ناقتِهِ وهو مُستقبِلٌ المدينةَ، فإن سُئلَ يقول قوله تعالى: (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)، وهي الصَّلاةُ التي نُقيمُها شَرعًا وَتَحقيقًا متوجِّهينَ إلى قِبلَةِ رسولِ اللهِ (ص) نفسِها لا إلى غيرها كما تفعلُ بعض الطَّوائفِ الأخرى، أما بالنِّسبةِ للمَشي الذي يتحدَّثونَ عنه فهو لا يَعدو كونَهُ ذِكرًا للهِ وتسبيحًا وتكبيرًا وتعظيمًا له لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).

 

وكالة مهر للأنباء: لماذا يقولون أنَّكم تقيمونَ صلاةً غير الصَّلاةِ الشَّرعيَّةِ؟ وهل تتحقَّقُ الصَّلاةُ بلا قيامٍ ولا قعودٍ ولا سجودٍ ولا تكبيرةِ إحرامٍ؟

د. أحمد: هذا محضُ افتراءٍ، فالصَّلاةُ لا تجوزُ بدونِ تكبيرةِ الإحرامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لكنَّنا نُشدِّدُ على فهمِ المعاني الحقيقيَّةِ لكلِّ فعلٍ نقومُ به حتى تكون عبادَتُنا مبنيَّةً على العقلِ كي لا نكونَ من الذينَ قال تعالى فيهم: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ)، ومن التَّعقُّلِ الذي نَرتقي إليه فَهمُنا لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (ليستِ الصَّلاةُ قيامَكَ وقعودَكَ، إنَّما الصَّلاةُ إخلاصُكَ، وأنْ تريدَ بها وجهَ اللهِ وحدَهُ)، وهذا يعني أنَّ الإخلاصَ الكاملَ للهِ يُعطي السُّجودَ المعنى الأمثلَ للإيمانِ لقولِ أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (كمالُ توحيِدِه الإخلاصُ لَهُ، وكمالُ الإخلاصِ له نفيُ الصِّفاتِ عنه)، ومِن التَّعقُّلِ التَّعبُّديِّ الذي نلتزمُهُ أنَّنا لا نَمرُّ على تكبيرةِ الإحرامِ جُزافًا، بل نَفهَمُ أنَّ القولَ: (الله أكبر) لا يعني أنَّه أكبرُ من كلِّ شيءٍ لأنَّ هذا الجوابَ قيلَ للإمامِ الصادقِ (ع) فأجابَ قائله: (لقد حَدَّدْتَهُ)، لكنَّنا نَرتقي بعبادَتِنا مكبِّرينَ اللهَ عن أن تُوصَفَ ذاتُهُ بِصِفَةٍ، أو تُسَمَّى باسمٍ، أو تُنعَتَ بِنَعتٍ من حَيثُها، فمفهوم تكبيرةِ الإحرامِ وفقَ نهجِنا العلويِّ هي تعظيمُ ذاتِ الباري وتنزيهُهَا عن كلِّ وهمٍ أو خاطرٍ أو فكرٍ.

 

وكالة مهر للأنباء: هل أفهم منكَ أنَّ التَّعاليمَ النُّصيريَّةَ تخالفُ المذهبَ الجعفريَّ رغمَ أنَّ العديدَ من شيوخِ العلويِّينَ يقولونَ أنَّهم جعفريُّونَ؟

د. أحمد: نحنُ مسلمونَ محمديُّونَ علويُّونَ جعفريُّونَ نصيريُّونَ خصيبيُّونَ، لا خلافَ بينَ كلِّ هذهِ التَّسمياتِ، إلاَّ أنَّ الملامةَ تقعُ على المسيئينَ الذين يحاولونَ التَّفرقةَ بين تسميةِ الجعفريَّةِ من جهةِ والنُّصيريَّةِ الخَصِيبيَّةِ من حيثُ الجوهرُ، فقد سَجَّلَتْ كتبُ التَّاريخِ جميعًا أنَّ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي قَضَى طفولتَهُ في التَّفقُّهِ والعلمِ والعبادةِ، وحفظَ القرآنَ الكريمَ وعمرُهُ أحدَ عشرَ عامًا، وَحَجَّ إلى بيتِ اللهِ، وأقامَ مدرستين في حلبَ وبغدادَ وكتبَ العديدِ من الكتبِ أشهرُها (الهداية الكبرى) الذي أهداهُ لسيفِ الدَّولةِ الحمدانيِّ، وانتقلَ ومقامُهُ في حلبَ يُعرَفُ بمقامِ الشَّيخ (البراق)، ويكفي هنا أن نستشهدَ بقولِ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون: (عقولُ الناسِ معروفةٌ في أطرافِ أقلامِهم وظاهرةٌ في حُسنِ اختيارهم)، وقد وردَ في الهدايةِ الكبرى أنَّهُ قيلَ للإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع): (يا سيِّدي، يقولون: إنَّ محمَّد بن نصير يقولُ فيكمُ العظائمَ وَأنَّكم أربابٌ، فعرِّفني يا سيدي ما عندَكَ في ذلك لأعملَ فيهِ). فأجاب (ع): (نحنُ أعلمُ بما يقولونَ، وما أنتَ عليهم بجبَّارٍ، واللهِ ما قالَ لهم إلا أنَّنا ربَّانيُّونَ لا أربابًا من دونِ الله، كيف يقولُ محمد بن نصير هذا وهو حجَّتي في الهدى كما كان سلمان حجَّةَ أمير المؤمنين؟)، وهذا يؤكِّدُ أنَّه لا فرقَ جوهريًّا بين الجعفريَّةِ والنُّصيريَّةِ لأنَّ سيِّدنا محمَّد بن نصير ما كان لِيَستقي علومَهُ إلاَّ مِن تعاليمِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فأحاديثُهُ هي عن عمر بن الفرات عن محمد بن المفضَّل عن المفضَّل بن عمر عن الإمام الصَّادق (ع). لكنَّ العقلاءَ لدينا لا يَستسيغونَ لفظَ (المذهب) لأنَّ وصفَ نهجِنا العلويِّ الجعفريِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ بالمذهبِ ينضوي على شبهةِ مساواةِ النَّهجِ الأصلِ بالمذاهبِ الفرعيَّةِ، والذين كان أئمَّتُهم تلاميذ في المدرسةِ الكبرى للإمامِ جعفر الصَّادق (ع)، ولا يجوزُ بحكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ أن تتمَّ هذهِ المساواةُ بين المعلِّمِ الأصلِ والتَّلاميذِ الفروعِ، فالمذاهبُ الفرعيَّةُ قد تحيدُ عن الصَّوابِ أحيانًا لأنَّها تعتمدُ على الاجتهادِ بالرَّأي والقياسِ، أمَّا النَّهجُ الأصلُ فهو ثابتٌ كالصِّراطِ المستقيمِ لأنَّهُ ارتبطَ بالأنبياءِ والرُّسلِ (ع) ولم يُذكَرْ في كتابِ اللهِ إلاَّ بالحمدِ في موقعٍ واحدٍ وهو قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).

 

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

لا مشكلة بالجمع بين المواطنة والطائفة

ahmad

لا مشكلة بالجمع بين المواطنة والطائفة

الدكتور أحمد أديب أحمد- باحث ديني

================

لا يوجد أي تعارض بين المواطنة والطائفة في الحقيقة، إلا أن اللاوعي عند كثير من أبناء المجتمع بسبب الجهل الديني هو المشكلة التي تؤزم الحالة الطائفية وتحولها إلى عصبية عمياء، خاصة في ظل تغييب الوعي والتوعية بمفهوم المواطنة والطائفة، فنجد أن المواطن لا يعرف حقوقه ولا واجباته في بلادنا، ونرى أن عدم توعيته بقبول الآخر كما هو، سوف يؤدي به إلى التعصب لطائفته باطناً ونكرانها ظاهراً، فيقع في ازدواجية الرياء والنفاق، وينتج لدينا مجتمع يكذب على نفسه ويتقوقع على ذاته منادياً باللاطائفية دون قناعة، فإن مورس عليه ضغط المواطنة امتلأ بالحقد والضغينة، وإن انفلت من قيد المواطنة انفجرت أحقاده الدفينة وعبر عن طائفيته اللاواعية بالأعمال الإرهابية الإجرامية كما نشهد حالياً في معظم المجتمعات العربية، لذلك كنت أنتقد دوماً مقولة: “طائفتي سوري” لأنها تكرس الطائفية وتنشر ثقافة الكذب على الذات، وكان الأجدى أن يقول قائلها: “طائفتي كذا وانتمائي سوري”، فكل سوري أخي في وطني حتى لو اختلفت طوائفنا، وله عليَّ حق احترامه وتقديره طالما بادلني الاحترام والتقدير ذاته.

 

فمفهوم الطائفة موجود أصلاً لم نخلقه حديثاً، وهو يشير إلى مجموعة من الأشخاص الذين اجتمعوا على نهج ديني معين كما أقر ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: “إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ”، وبما أن هناك تعدداً للمناهج فهذا يعني أن هناك تعدداً للطوائف فمنها المؤمنة ومنها الكافرة كما في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ”، والله بناءً على هذه الآية ينصر الطائفة المؤمنة التي آمنت به وبرسوله المرسل ودعاته الناطقين وأيدت نهج الحق، وهذا صراع قائم دائم لا يتوقف عبر مرور الزمن.

 

ولربما تتقاتل الطوائف المنتمية إلى شريعة واحدة لأسباب متعددة كما أخبر القرآن الكريم في قوله تعالى: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، وهذا الأمر الإلهي يقر إصلاح ذات البين بين المتقاتلين بشرط عدم مسايرة الظالم والإجحاف بحق المظلوم، بل وجبت مقاتلة الظالم والباغي ليعود لنهج الحق، وعندها يتم الصلح فيما بينهما ليتحقق القسط الإلهي، إذ لا يجوز أن يشمل الرضا الإلهي كلا الطرفين، ولو كان الإصلاح وفق المبدأ الشعبي: “كل مين ع دينو الله يعينو” لانتفى العدل الإلهي بسبب تحقق المساواة بين المظلوم والظالم، والمؤمن والكافر، وهذا لا يجوز بحكم المنطق والعقل.

 

أما المواطنة فهي المساواة بين جميع أفراد الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم واعتقاداتهم وعقائدهم وطوائفهم وأحزابهم وقومياتهم وأماكن إقامتهم، وهي مفهوم مدني لا علاقة له بالدين ولا بالشرائع، وهو يطبق في الدولة العلمانية التي لا تعتبر الدين والطائفة أساساً في توزيع المناصب والمسؤوليات.

لذا لا أرى أن هناك مشكلة بالجمع بين المواطنة والطائفة، فمن حق المواطن على دولته أن يكون مواطناً محترماً حاصلاً على حقوقه ومعتزاً بكرامته من خلال ما تؤمنه له دولته من حقوق معنوية ومادية ومعيشية، وعندما يكون متساوياً مع أبناء وطنه في نيل حقوقه فلا مشكلة لديه كمواطن في أن ينظر إلى كل المواطنين على أنهم إخوته في الوطن، وهذا لا يلغي اعتزازه بانتمائه الديني والتزامه بعبادته وإقامة طقوسه وعاداته وفقاً لتربيته وقناعاته مع وجوب احترام هذه العبادات والطقوس والعادات من قبل الآخرين حتى يبادلهم الاحترام نفسه، فلا ينتظرن مَن يحترمه إلا الاحترام مِن قبله، ولا ينتظرنَّ مَن ينتقص منه إلا الانتقاص له، كما يقول سيدنا المسيح “ع”: “لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم”. أما أن يسيء أبناء طائفة معينة لطائفة أخرى، ثم يعيِّرونهم ويلومونهم إذا بدر منهم رد فعل معين، فهذه الوقاحة بعينها، كما عرفها الفيلسوف جبران خليل جبران قائلاً: “الوقاحة هي أن تنسى فعلك، وتحاسبني على ردة فعلي”.

 

لذلك فإنني أجد أن المعيار لا يكون في أن ننفي وجود الطائفية ونكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، ولا يكون في أن نتنكر لطائفتنا ونستحي منها، بل أن نستحي من الظلم والنفاق والرياء لقول الإمام علي زين العابدين “ع”: “ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، لكن العصبية أن يرى شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين”، فمحبة القوم جائزة وواجبة، لكن التعصب للأشرار هو المرفوض لأنه التعصب الأعمى الذي يتمثل بتكفير الآخرين والدعوة لقتلهم.

 

وخلاصة القول: من حق كل شخص أن يعبد الله كما يشاء وبالطريقة التي يراها مناسبة لقوله تعالى: “ولكل وجهةٌ هو موليها فاستبقوا الخيرات” أي سارعوا إلى العمل الصالح وتسابقوا إلى نشر الخيرات، فمن آمن فليؤمن ومن كفر فليكفر فهذا شأنه، ولكن من يبغي على الآخر ويظلمه ويتجنى عليه ويشهر به فلينتظر رد الفعل المناسب لفعله، لأن من حق المظلوم أن يسترد حقه ولو بالقوة، أما إذا أراد أحدٌ أن يصون نفسه من الآخرين فليصن أولاً نفسه من أفعاله، لأن دفاع الآخر عن نفسه حق مشروع وواجب ديني ووطني أكده الرسول الأكرم “ص” بقوله: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”، والقوي يكون قوياً بانتمائه وعقيدته وثباته ومعرفته وعمله، وهو ما عبر عنه القائد الخالد العظيم حافظ الأسد بالتمسك بالقضية عندما قال: “نحن لن نضل الطريق، لأن لنا قضية نمسك بها، لأن لنا وطناً نحبه ونمسك به، أما أنتم فلا وطن لكم” وهم الضعفاء الذين لا يدافعون عن انتمائهم، والرجعيون الذين فقدوا أي اتصال بالحق، والخونة الذي رهنوا أنفسهم للباطل وتطاولوا على أهل الحق وآذوهم وحاربوهم كأمثال مَن يمضي بنشر الدعوات التبشيرية دونما أدنى حق لهم بتكفير الآخرين وتفويض أنفسهم لهدايتهم بالترهيب أو بالترغيب، ومنهم في هذا العصر الوهابيون والإخوان المجرمون والسلفيون…. إلخ.

 

المصدر: موقع زنوبيا الإخباري

تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر

ahmad

تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

تناولَ الباحثُ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد بعضَ الالتباساتِ حولَ فكرةِ ظهورِ المهديِّ المنتظرِ (عَجَّلَ اللهُ تعَالى فرجَهُ الشَّريفَ) ومبرِّرَاتِ قُدومِهِ في آخرِ الزَّمانِ مُشيرًا إلى أنَّ الذين يَدَّعونَ المهديَّ المنتظرَ ظاهرٌ أو سيظهرُ قريبًا كاذبون.

 

أكَّدَ الكاتبُ السُّوريُّ والباحثُ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ الدكتور أحمد أديب أحمد في حديثٍ خاصٍّ لوكالةِ مهر للأنباء أنَّ الادِّعاءاتِ والأكاذيبَ تكثرُ في زمنِ الفوضى، ومع انتشارِ الحروبِ والقتلِ والظُّلمِ وَمَشاهدِ الذَّبحِ والتَّمثيلِ التي تُمارسُها داعشُ وجبهةُ النُّصرةِ استنادًا إلى فتاوى التَّكفيرِ التي تَبنَّاها المتطرِّفونَ الوهابيُّونَ والإخوانُ المسلمونَ، نَسمَعُ بين الفَينةِ والأخرى مَن يدَّعي أنَّ ظهورَ المهديِّ المنتظرِ (ع) قد اقتربَ، ويبدأ التَّوقيتُ لِسَنَةٍ أو اثنتينِ أو ثلاثةٍ، وآخرُها مُدَّعٍ تركيٍّ ادَّعى أنَّ المهديَّ سيظهرُ بعدَ ثلاثِ سنواتٍ، عَدَا عن ادعاءاتٍ تأتي من أرضِ الحجازِ التي يحكمُها السُّعوديُّون، أو من إيرانَ أو باكستان أو سوريَّة أو غيرِها من البلدانِ التي ظهرَ فيها مَن يدَّعونَ أنَّهم رجالُ المهديِّ.

 

ولتوضيحِ الالتباسِ حولَ فكرةِ ظهورِ المهديِّ المنتظرِ ومبرِّراتِ قدومِهِ في آخرِ الزَّمانِ قال الباحثُ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ: خلقَ اللَّهُ الحياةَ لتكونَ مسرحَ ابتلاءٍ للإنسانِ عن طريقِ احتدامِ المعركةِ بين الخيرِ والشَّرِّ، وما دامَتِ الحياةُ دارَ امتحانٍ وميدانَ صراعٍ فقد منحَ اللَّهُ الإنسانَ حريَّتَهُ الكاملةَ في اختيارِ الجبهةِ التي يناضلُ ضمنَ خطوطِها في ميدانِ الحياةِ، وَدَعَاهُ للانضمامِ إلى جبهةِ الحقِّ ومقاومةِ إغراءاتِ الباطلِ وجحافلِ الشَّرِّ، لقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). وقد شاءَ اللَّهُ تعالى أن تكونَ المعركةُ أبديَّةً ترافقُ استمرارَ الإنسانِ في الحياةِ في جميعِ الأجيالِ، وكشفَتْ هذهِ المعركةُ الدَّائمةُ عن سقوطِ الأغلبيَّةِ السَّاحقةِ من النَّاسِ في وُحولِ الباطلِ، وَثُبوتِ أقليَّةٍ مؤمنةٍ صَمَدَتْ على مواقفِ الحقِّ لقوله تعالى: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). واختارَتْ مشيئةُ اللَّهِ الإمامِ المهديِّ المنتظرِ (ع) ليكونَ قائدَ المعركةِ النهائيَّةِ الحاسمةِ في ميدانِ الصِّراعِ بين الحقِّ والباطلِ آخرَ الزَّمانِ.

 

وَرَدًّا على مَن يُشَكِّكُ بظهورِ المهديِّ المنتظرِ في آخرِ الزَّمانِ قال الكاتبُ السُّوريُّ: يقول تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بأَفْواهِهِمْ)، فَنُورُ اللهِ هو الإمامُ المهديِّ المنتظرِ (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ)، وهذا إخبارٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ بأنَّ نورَهُ سوفَ يُتِمُّهُ على جميعِ العالمِ، ومن هذا القبيلِ قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُون)، فالمقصودُ من (الأرض) جميع الأرضِ، وحتَّى الآنَ لم يَرِثِ العبادُ الصَّالحونَ جميعَ الأرضِ، ولابدَّ وأن يتحقَّقَ هذا في المستقبلِ، ولن يتحقَّقَ إلاَّ على يَدِ الإمامِ المهديِّ المنتظرِ (ع) صاحبِ التَّغييرِ الشَّاملِ على مستوى الوجودِ.

 

وتساءلَ: طالما أنَّنا نقبلُ سيِّدنا نوح (ع) الذي ناهزَ ألفَ عامٍ على أقلِّ تقديرٍ، ونقبلُ بإحياءِ فِتيَةِ أهلِ الكهفِ بعدَ ثلاثمائةِ سنةٍ وتسعِ سنينَ لأنَّهم آمنوا بربِّهم فزادَهم اللهُ هدًى، فلماذا لا نقبلُ بفكرةِ ظهورِ الإمامِ المهديِّ المنتظرِ (ع) في آخرِ الزَّمانِ وهو من أهلِ البيتِ؛ أحدِ الثَّقَلَينِ المذكورينِ في حديثِ الرَّسولِ المشهورِ!؟ وأوردَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ أحمد بعضَ النُّصوصِ التي يمكنُ أن تُثبِتَ ظهورَ المهديِّ المنتظرِ (ع) حيث قالَ: لقد وَعَدَ اللهَ سبحانَهُ في آياتٍ كثيرةٍ مختلفةٍ في صِيَغِها لكنَّها متَّفقةٍ في معناها حيث قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه)، وقال: (كَتَبَ اللهُ لأغلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي)، وقال: (وَنُرِيْدُ أَنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اســتُضْـعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلهُمْ أئِمَّـةً وَنَجْعَلَـهُمُ الـوارِثِـينَ)، وهذا الوعدُ لا يمكنُ أن يتحقَّقَ إلاَّ على يدِ آخرِ الأئمَّةِ الإثني عشر (ع)، وهو مهديُّ هذهِ الأمَّةِ، حيث وردَ عن الصَّحابيِّ الجليلِ حذيفةُ بنُ اليمانِ وعن الصَّحابيِّ الجليلِ عبدُ اللهِ بنُ مسعود أنَّ رسولَ اللهِ (ص) قالَ: (لو لم يبقَ من الدُّنيا إلاَّ يومٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذلك اليومَ حتى يبعثَ فيه رَجلاً منِّي أو من أهلِ بيتي يملأُ الأرضَ قِسطًا وَعَدلاً كما مُلِئَتْ ظلمًا وجورًا)، فكلمةُ (يبعث) تعني المستقبلَ لا الماضي، وهي تدلُّ على ظهورِ المهديِّ المنتظرِ بأمرٍ إلهيٍّ، وهذا يعني أنَّه إمامٌ معصومٌ، ومثلُ هذا الإمامِ يكونُ من أئمَّتِنا لقولِ رسولِ اللهِ (ص) عنه: (القائمُ منَّا، بنا يُختمُ الدِّينُ كما بنا فُتِحَ). ومن الرِّواياتِ التي تَخُصُّ الإمامَ المهديَّ المنتظرَ (ع) قول الإمام جعفر الصادق (ع): (إذا قامَ القائمُ لا تَبقَى أرضٌ إلا نُودِيَ فيها بشهادةِ لا إلهَ إلا اللَّهَ وأن محمَّدًا رسولُ اللَّهِ)، فهو الذي ينشرُ الحقَّ في كلِّ أصقاعِ الأرضِ لقولِ الإمامِ محمَّد الباقر (ع): (القائمُ ورجالُهُ يُمَلِّكُهم اللَّهُ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، ويُظهِرُ الدِّينَ وَيُميتُ البدعَ والباطلَ)، وهو المؤيَّدُ من ربِّ العالمينَ بالقدرةِ والنَّصرِ لقولِ الإمامِ الحسنِ المجتبى (ع) : (يبعثُ اللَّهُ إمامًا في آخرِ الزَّمانِ، يؤيِّدُهُ بملائكةٍ ويعصمُ أنصارَهُ، وينصرُهُ بآياتِهِ، وَيُظهرُهُ على أهلِ الأرضِ حتى يُدينوا طَوعًا أو كَرهًا، يملأُ الأرضَ عدلاً وقِسطًا ونورًا وبرهانًا، يدينُ له عَرضُ البلادِ وطولُها، لا يَبقَى كافرٌ إلا آمَنَ، ولا طالحٌ إلا صَلُحَ، وَتَصطَلِحُ في مُلكِهِ السِّباعُ، وَتُخرِجُ الأرضُ نَبْتَها، وَتُنزِّلُ السَّماءُ بركتَها، وَتَظهَرُ له الكنوزُ).

 

وحولَ علاماتِ ظهورِ المهديِّ المنتظرِ التي تُخَبِّرُ عن مجيئهِ قالَ الدكتور أحمد لوكالةِ مهر للأنباء: هناكَ مجموعةُ رواياتٍ تشيرُ إلى حقيقةِ ظهورِ الإمامِ القائمِ المهديِّ المنتظرِ (ع)، فقد رويَ عن النَّبيِّ الكريمِ (ص): (يأتي قومٌ من قبلِ المَشرقِ ومعهم راياتٌ سودٌ، فيَسألونَ الخيرَ فلا يُعطونَهُ، فَيُقاتلونَ فيُنصرونَ، فيُعطَونَ ما سألوهُ، فلا يَقبلونَهُ حتى يَدفعوها إلى إمامٍ من أهلِ بيتي، فيَملؤها قِسطًا كما مُلئِتْ جورًا، فمَن أدركَ ذلك منكم فليأتِهم ولو حَبْوًا على الثَّلجِ). كما رويَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في علاماتِ ظهورِ الإمامِ المهديِّ المنتظرِ (ع): (لابُدَّ مِن رَجفاتٍ متلفاتٍ، وفِتَنٍ مُعكفاتٍ، وأمورٍ تَخرُّ لها الرِّقابُ، وتُجَزُّ فيها الثِّيابُ، وهَرجٌ في البِلادِ، ومَرجٌ بينَ العِبادِ، وشقاقٌ بينَ الأمراءِ، ونِفاقٌ بينَ العُلَماءِ، وخوفٌ حتَّى ييأسَ الوالِدُ مِن وَلَدهِ، وأمورٌ مُنكَرَة، وفِتَن آخرةِ الآخرَةِ). وأضافَ الدكتور أحمد: مِن علاماتِ ظهورِ الإمامِ المهديِّ المنتظرِ (ع) انتشارُ ظاهرةِ الدَّجَّالِ الأعورِ الذي يَستعملُ الباطلَ فيُغري أتباعَهُ، ويضلُّهم ويدَّعي الرُّبوبيَّةَ، وتتضمَّنُ أحاديثُهُ غرائبَ غيرَ مألوفةٍ تحيطُ بشخصيِّتَهِ وحركتِهِ وأفعالِهِ حيث قيلَ: (لا يَظهَرُ المَهدي حَتَّى يَظهَر قَبلَهُ سِتُّونَ مدَّعيًا كَذَّابًا يَدَّعونَ النبوَّة) من كلِّ المذاهبِ والطَّوائفِ. وكذلك من العلاماتِ الآياتُ السَّماويَّةُ كالنِّداءِ من السَّماءِ، ويسمَّى في الأحاديثِ الشَّريفةِ: (الصَّوت، والصَّيحة)، ومن أشهرِ أحاديثِ النِّداءِ ما وردَ عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) حين قيلَ له: إنَّ النَّاصبةَ يعيِّرونَنا ويقولونَ لنا: إنَّكم تزعمونَ أنَّ مُناديًا ينادي من السَّماءِ باسمِ صاحبِ الأمرِ! فقال (ع): (واللهِ إنَّ ذلكَ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ بَيِّنٌ حيثُ يقول: إنْ نَشَأْ نُنَزِّلُ عليهم من السَّماءِ آيةً فَظَلَّتْ أعناقُهم لها خاضِعين).

وحولَ سؤالِنا عن كيفيَّةِ التَّفريقِ ما بين المهديِّ المنتظرِ الحقيقيِّ (ع) وبينَ مَن يَدَّعونَ الآنَ أنَّهم رجالُهُ وأنَّه ظاهرٌ أو سيظهرُ قريبًا أوضحَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ أحمد: إنَّهم كاذبونَ بلا أدنى شَكٍّ، لأنَّ موعدَ ظهورِهِ مجهولٌ فقد سُئِلَ النَّبيُّ الكريمُ (ص): متى يَخرُجُ القائمُ؟ فقال: (مِثْلُهُ مثلُ السَّاعةِ لا يُجلِيها لِوَقْتِها إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ، لا تأتيكُمْ إلا بَغتةً)، أي ليسَ تُدرِكهُ النَّاسُ لأنَّها تَكونُ في غَفلَةٍ عَنهُ، لقولهِ تَعالى: (اقتَرَب للنَّاسِ حِسابُهم وهُم في غَفلَةٍ مُعرِضون). وإنَّ عدمَ إمكانيَّةِ تحديدِ الوقتِ لظهورِهِ يؤكِّدُها قوله تَعالى: (إنَّ الساعَةَ آتيَةٌ أكادُ أخفيها لِتَجزى كُلُّ نَفسٍ بِما تَسعى)، وقوله في نَفي تَحديدِ السَّاعَة: (يَسألونَكَ عَن السَّاعَة أيانَ مَرساها فيمَ أنتَ مِن ذِكراها إلى رَبِّكَ مُنتَهاها) أي إليهِ تَنتَهي السَّاعَة وهوَ ظهورُ المَهديِّ المنتظرِ (ع). ونحنُ العلويُّونَ نَنفي وَنُكذِّبُ أيَّ ادِّعاءٍ مِن ادِّعاءاتِ الكاذبينَ حولَ ظهورِ المهديِّ المنتظرِ (ع) مستندينَ إلى النَّصِّ القرآنيِّ والأحاديثِ النَّبويَّةِ والإماميَّةِ، وكذلك أحاديثِ السَّادةِ الثِّقاةِ وعلى رأسِهم سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي الذي قال في ديوانه المعروف:

لئَلَّا يُوَقَّتَ وَقْتٌ لهُ             وَمَنْ وَقَّتَ الوقتَ جَهلاً رَسب

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

باحث ديني علوي: لسنا فرعاً من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة

ahmad

باحث ديني علوي:

لسنا فرعاً من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة

أجرى الحوار: محمد مظهري

===============

أكَّدَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ أحمد أديب أحمد أنَّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ فرقةٌ مسلمةٌ محمديَّةٌ تعتقدُ بالتَّوحيدِ ولها رؤيةٌ فلسفيَّةٌ خاصَّةٌ ومتعاليةٌ عن المادِّيَّاتِ المحسوسةِ مشيرًا إلى أنَّ العلويَّةَ ليسَتْ فرعًا من الشِّيعةِ.

هناكَ الكثيرُ من المعلوماتِ المتضاربةِ وغيرِ المفهومةِ حولَ الطَّائفةِ العلويَّةِ المنتشرةِ في سوريَّة وتركيَّا وشمالِ لبنان، خاصَّةً وأنَّ معظمَ مَن تَناوَلَها عبرَ التَّاريخِ حاولَ التَّشهيرَ بها والطَّعنَ بأئمَّتِها، وإذا ما راجَعنا الكتبَ والمواقعَ التي تناوَلَتْ هذهِ الطَّائفةَ وَجَدناها متناقضةً من حيثُ المعلوماتُ التي وَرَدَتْ حولَها، وجميعُها معلوماتٌ غيرُ موثَّقةٍ، وأحيانًا تَخرجُ عن حدودِ المنطقِ والتَّصديقِ، وإذا ما تصفَّحْنا المواقعَ العلويَّةَ عبرَ الإنترنتِ وَجَدْنا أنَّ هذهِ المواقعَ تحاولُ تقديمَ العلويِّينَ كفرعٍ من الشِّيعةِ، وللحديثِ حولَ هذهِ الطَّائفةِ وتعاليمِها وعقائدِها كان لنا هذا الحوارُ الخاصُّ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد، وهو أستاذٌ جامعيٌّ في كليَّةِ الاقتصادِ بجامعةِ تشرين.

 

وكانت البدايةُ حولَ سَعي البعضِ لتقديمِ العلويِّينَ على أنَّهُم فرعٌ من الشِّيعةِ حيثُ قالَ الدكتور أحمد: ليسَ الأمرُ كذلكَ، فَمَن يزعمُ بأنَّنا فرعٌ من الشِّيعةِ إمَّا كاذبٌ أو غيرُ عارفٍ بنا، فقد جاءَ هذا الزَّعمُ لعدَّةِ أسبابٍ: أوَّلُها أنَّنا على نهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ والأئمَّةِ من بعدِهِ، وثانيها هو الاندماجُ الذي كان موجودًا في عصرِ الأئمَّةِ ما بينَ العوامِّ والخواصِّ وخواصِّ الخواصِّ، فَحَصَلَ الخلطُ لدى المؤرِّخينَ ولم يستطيعوا تمييزَ خواصِّ الخَواصِّ عن العوامِّ والخواصِّ، وثالثُها بروزُ الفتنِ والانحرافاتِ في العهدينِ الأمويِّ والعباسيِّ واللذين كانا من أصعبِ المراحلِ التي مَرَّ بها الإسلامُ فَتَمَّ تشويهُ معانيهِ وقلبُ تعاليمِهِ، لكنَّنا رغمَ قِلَّتِنا بَقينا محافظينَ على العهدِ والميثاقِ الذي فرضَهُ الأئمَّةُ على سادَتِنا من خاصَّةِ الخاصَّةِ، وبقينا نتمسَّكُ بالأصلِ الذي تَفَرَّعَتْ عنه الفِرَقُ الأخرى الشِّيعيَّةُ والإسماعيليَّةُ والزَّيديَّةُ والإسحاقيَّةُ و… إلخ.

 

وحولَ هذا الأصلِ الذي يتمسَّكُ به العلويُّونَ تساءَلنا إن كان هو الدِّيانَةُ الباطنيَّةُ التي يعتقدونَ بها، فأجابَ الدكتور أحمد: لا يوجدُ شيءٌ في المنطقِ الدِّينيِّ اسمُهُ (ديانةٌ باطنيَّةٌ) لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ) لكنَّ الاختلافَ واقعٌ بسببِ الجهلِ بالعلمِ الذي جاءَ، واتِّباعِ الفروعِ وتركِ الأصولِ لقولِهِ في نفسِ الآيةِ: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، فنحنُ لدينا رؤيَتُنا الفلسفيَّةُ الخاصَّةُ والمتعاليةُ عن المادِّيَّاتِ المحسوسةِ، والتي تعتمدُ على عبادةِ النَّفسِ الرُّوحانيَّةِ مع استعمالِ عبادةِ الجسدِ الجسمانيَّةِ امتثالاً لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (مَنِ استعملَ الظَّاهرَ وعرفَ الباطنَ فهو مؤمنٌ حقًّا)، فالظَّاهرُ هو ما نُمارسُهُ من التَّشريِع الذي أَتَى به نبيُّ اللهِ محمد صلواتُ اللهِ عليهِ وآلِهِ تنزيلاً، والباطنُ هو ما نعتقدُهُ من التَّوحيدِ الذي أوضحَهُ أمير المؤمنين كرَّم اللهُ وجهَهُ تأويلاً، وكلُّهُ موجودٌ في كتابِ اللهِ الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ (ص): (إنَّ القرآنَ أُنزِلَ على حرفٍ، لكلِّ آيةٍ منها ظاهرٌ وباطنٌ)، فالظَّاهرُ للعوامِّ والباطنُ للخواصِّ والحرفُ لخواصِّ الخواصِّ، فإنْ كانوا يُطلقونَ على هذا الحرفِ اسمَ (ديانةٍ باطنيَّةٍ) فنحنُ نَدعوهُ (سِرُّ اللهِ) الذي قال فيه الإمام جعفر الصَّادق (ع): (سِرُّ اللهِ مَبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهُم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم).

 

وحين تساءَلنا عن الفرقِ بين تسميةِ (سِرِّ اللهِ) وتسميةِ (ديانةٍ باطنيَّةٍ) أوضحَ الدكتور أحمد: إنَّ التَّسميةَ الخاطئةَ (ديانة باطنيَّة) تعني أنَّهُ دينٌ غيرُ دينِ الإسلامِ، واللهُ تعالى يقولُ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ)، ولكنَّ هذا السِّرَّ هو عبارةٌ عن حكمةٍ ربَّانيَّةٍ وعلومٍ توحيديَّةٍ وجواهرَ معرفيَّةٍ أُمِرْنا بالمحافظةِ عليها وصيانَتِها لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تُعطُوا الحكمةَ لغيرِ أهلِها فَتَظْلِمُوها، ولا تَمنَعُوها عن أهلِها فَتَظلِمُوهُمْ).

 

وحولَ أنَّ الغلوَّ في الإمامِ عليٍّ هو من أكبرِ المآخذِ على العلويِّين، وهو ما يعتبرُهُ المؤلِّفونَ جوهرَ الدِّيانةِ الباطنيَّةِ التي تُنسَبُ إليهم أوضحَ الدكتور أحمد قائلاً: يجبُ أن نفهمَ مَعنى الغلوِّ حتى نَرُدَّ على هذهِ التُّهمةِ، فالغلوُّ إفراطٌ وتفريطٌ ولا يُرَى المؤمنُ مُفْرِطًا ولا مُفَرِّطًا، فالغلوُّ وفقَ هذا التَّعريفِ يعني إثباتَ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، وليسَتْ عقيدَتُنا العلويَّةُ غُلُوًّا ولا تَسفيهًا امتثالاً لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (احذَرُوا على شبابِكُم من الغلاةِ لكي لا يُفسِدُوهُم، فإنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، ونحنُّ نقرُّ أنَّ الإمامَ عليًّا كرَّم اللهُ وجهَهُ كرَّم اللهُ وجهَهُ هو الوصيُّ، ولا نُنقِصُ من شأنِهِ لدرجةٍ دونَ الوصايةِ، وكذلكَ لا نرفعُ الأنبياءَ والرُّسلَ لدرجةِ الألوهيَّةِ، لكنَّ التُّهمةَ جاءَتْ لأنَّ المؤلِّفينَ لم يَفهموا إشارَتَنا حين قُلنا أنَّ الولايةَ أعلى من الرِّسالةِ امتثالاً لقوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ)، فَمَن سَاوى بين الولايةِ والرِّسالةِ كَمَنْ سَاوى بين اللهِ والنَّبيِّ، وهذا هو الغلوُّ الذي حَذَّرَنا منه علماؤنا وعلى رأسِهم سيِّدُنا محمدُ بنُ نُصَير وسيِّدنا الحسينُ بن حَمدان الخَصيبيُّ.

 

وحولَ محمَّد بن نُصير الذي اتَّهمَهُ الكثيرون بأنَّهُ أسَّسَ فرقةً من غلاةِ الشِّيعةِ سُمِّيَتْ بالنُّصيريَّةِ وقيلَ فيما بعدُ أنَّهم العلويُّونَ أنفسُهم أوضحَ الدكتور أحمد قائلاً: ما ذكرتُهُ يؤكِّدُ أنَّنا كنَّا خاصَّةَ الخاصَّةِ في أيَّام الأئمَّةِ، لكنَّ استمراريَّتَنا بعدَهم كانت عن طريقِ سيِّدنا محمد بن نصير الذي عاصرَ الإمامين علي الهادي والحسن العسكري والإمامَ محمد الحجة القائم (ع)، وقالَ فيه الإمام الحسن العسكري (ع): (محمَّد بن نُصَير حجَّتي على الخلقِ، خُذُوا كلَّ ما قالَ عنِّي فهو الصَّادق عنِّي)، ولهذا جاءَتْ تَسميَتُنا بالنُّصيريِّين نسبةً له، وهذا فخرٌ لنا لأنَّه كانَ من أشدِّ المحارِبينَ لمفهومِ الغلوِّ الذي وقعَ به كثيرٌ من العوامِّ حيثُ وردَ في أحدِ أقوالِهِ: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ).

 

وحولَ سببِ الاتِّهاماتِ لمحمَّد بن نُصُير علَّقَ الدكتور أحمد قائلاً: خيرُ الكلامِ ما قَلَّ وَدَلَّ في كتابِ الهدايةِ الكبرى لسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ حيثُ قال: حدَّثني محمد بن صالح عن علي بن حسان قال: دخلتُ على سيِّدي أبي الحسن صاحبِ العسكرِ فقلت له: جُعِلتُ فِداكَ عمَّن آخذُ معالمَ ديني، وبِمَن أهتدي إلى طريقِ الحقِّ؟ فقالَ الإمام (ع): (تأخذُ معالمَ دينِكَ عمَّنْ ترميهِ النَّاصبةُ بالرَّفضِ، وترميهِ المقصرةُ بالغلوِّ، وترميهِ الغاليةُ بالكُفرِ، وهو عند المرتفعةِ محسودٌ، فاطلبهُ فإنَّكَ تجدُ عندَهُ ما تريدُ من معالمِ دينِكَ، فالحقُّ هناك)، فقلتُ: فما وجدتُ هذه الصِّفةَ بغيرِ سيدنا أبي شعيبٍ محمد بن نصير، فعلمتُ أنَّ الإشارةَ إليهِ، فاتَّبّعتُهُ، فَهُديتُ للحقِّ.

 

وخِتامًا تساءَلنا مع الباحثِ الدِّيني أحمد إنْ كان اتجاهُهُ الدِّينيُّ يؤثِّر على موقفِهِ السِّياسيِّ من التَّحالفِ مع إيران كونَهُ من الجهةِ الإعلاميَّةِ محلِّلاً سياسيًّا وخبيرًا في الشُّؤونِ الاقتصاديَّةِ، خاصَّةً أنَّ كلامَهُ يمكنُ أن يؤدِّي إلى نوعٍ من الجَدَلِ في بعضِ الأوساطِ السياسيَّةِ والإعلاميَّةِ فأجابَ موضِّحًا: إنْ جازَ أن نصبحَ شيعةً بسببِ التَّحالفِ السِّياسيِّ بين سوريَّة وإيران، فالأوجبُ أن نصبحَ أرثوذكسًا بسببِ التَّحالفِ الأقوى بين سوريَّة وروسيا، أو أن يصبحَ حزبُ اللهِ علويًّا وفقَ هذا المقياسِ، هذا إن افترَضْنا أنَّ كلَّ السُّوريِّينَ علويِّين، وهذا أمرٌ غيرُ صحيحٍ، لذلك أقولُ: الصِّغارُ في السِّياسةِ والسَّطحيُّونَ في الفكرِ والمتعصِّبونَ دينيًّا هم الذين ســيتجادلونَ ويتأثَّرونَ ســلبًا، أما نحنُ فلا نَخلطُ بين الأوراقِ السياسيَّةِ والدِّينيَّةِ، فالتَّحالفاتُ السِّياسيَّةُ لها أبعادُها وطرقُها ومصالُحها المشتركةُ لتحقيقِ الصَّالحِ العامِ للشُّعوبِ السُّوريَّةِ والإيرانيَّةِ والرُّوسيَّةِ بكل طوائفِها ومذاهبِها، أمَّا الدِّينُ فهو للهِ، وكلُّ إنسانٍ له الحريَّةُ المطلقةُ أن يختارَ الطَّريقَ الذي يُوصِلُهُ إلى اللهِ، واللهُ لا تَحدُّهُ الأمكنةُ ولا تبلُغُهُ الطُّرقُ، لكن وكما قال يعقوب النَّبيُّ (ع) لأبنائِهِ: (يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ الله مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)، فنحنُ نَسعى إلى معرفةِ اللهِ وَتَوحيدِهِ وعبادتِهِ وفقَ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ الخاصِّ بنا، ولنا الحقُّ والحريَّةُ في ذلكَ كما لغيرنا الحريَّةُ في أن يعبدَ اللهَ كما يشاءُ كما قالَ تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ).

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

ahmad

العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

  • تحقيق: هيثم مزاحم

 

اللاذقيّة – قليلة هي المصادر الموثوقة التي تتحدّث عن المذهب العلويّ، وذلك لأنّ المعادين لهم يتّهمونهم بالباطنيّة والغلوّ، ويعدّونهم فرقة كافرة تدّعي الإسلام تقيّة لكنّها تبطّن الكفر، وهو ما يعتبره العلويّون افتراءات، بينما يحاول العلويّون والشيعة المؤيّدون لهم تصويرهم كشيعة إثني عشريّة يؤمنون بمذهب أهل بيت النبيّ، وهو أمر لا يعبّر في شكل كامل عن حقيقة العلويّين كفرقة مستقلّة تنتهج الطريق العرفانيّ والفلسفيّ والتأويل الباطنيّ للقرآن، ولا تكتفي بالتفسير الظاهريّ له.
قبل نحو شهر، نشرت وثيقة نسبت إلى مجموعة علويّة تميّزت بجرأة في الموضوع الدينيّ أكثر من جرأتها السياسيّة، إذ دعت إلى إنهاء التقيّة وشدّدت على استقلال العلويّة كإسلام ثالث، هو الإسلام العرفانيّ، واعتبرت أنّهم ليسوا من الإسلام السنّي النقليّ، الذي يعتمد على أحاديث النبي، ولا من الإسلام الشيعيّ الذي يعتمد على العقل في تفسير النصوص الدينية، مؤكّدة على التمايز عن الشيعة في المعتقدات والطقوس.

يقول الباحث الدينيّ العلويّ السوريّ أحمد أديب أحمد، في حديث خاصّ إلى “المونيتور”: “نهجنا العلويّ يتميّز عن المذاهب الأخرى بمفهوم العبادة التي تركّز على المعرفة والدراية، لا على التشريع والرواية، فنحن ندرك أنّ العبادة لا تتحقّق إلّا باقترانها بمعرفة الله”.

كما رفضت الوثيقة حديث الفرقة الناجية الذي يقول “تفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلا ملّةٌ واحدة”، إذ تدعي كل فرقة أنها الناجية، فتحتكر النجاة وتكفّر الفرق الأخرى. بينما تؤكد الوثيقة أن إيمان العلويّين بفكرة وجود الأخيار في كلّ الأديان والمذاهب. لكنّ أحمد يقول إنّ “لا أحداً يمكنه رفض فكرة الفرقة الناجية في حديث رسول الله، لكنّ الإيمان والنجاة وفق نهجنا لا يرتبطان بالانتماء الطائفيّ في شكل ضيّق، بل بالولاء الخالص، لذلك نقرّ بوجود رجال اختصّهم الله لإعلاء كلمته في أيّ مكان”.

ينتسب العلويّون إلى الإمام علي بن أبي طالب (599-661م)، ابن عم النبيّ محمّد وصهره، والخليفة الراشديّ الرابع. وقد عرفوا سابقاً بالنصيريّة نسبة إلى محمّد بن نصير (توفّي في عام 873م)، ويقولون إنّه أحد أصحاب الإمامين الهادي والعسكريّ، وإنّه “باب” الإمام المهديّ، بينما ينفي الشيعة ادّعاءهم.

نشأ المذهب العلويّ في العراق، ثمّ انتقل إلى حلب في سوريا في ظلّ حكم سيف الدولة الحمدانيّ الذي كان علويّاً ساعد على انتشار دعوة العلويّين، حيث كان يتبع أحد كبار علمائهم الحسين بن حمدان الخصيبي (874-961م)، مؤسّس طريقة ممارسة الإيمان العلويّ.

تعرّض العلويّون للاضطهاد على أيدي الدول الأمويّة والعبّاسيّة والمملوكيّة والعثمانيّة، التي نفّذت مجازر ضدّهم بعد احتلالها بلاد الشام في عام 1516م، ممّا جعلهم يفرّون إلى جبال اللاذقيّة بعد مجزرة حلب الكبرى حيث قتل الآلاف منهم.

وأعطت فتاوى الشيخ تقي الدين ابن تيمية (1263 –1328) التي كفّرت الشيعة والعلويّين والدروز والاسماعيليّين، المبرّر الدينيّ للسلطات المملوكيّة والعثمانيّة لتكفير العلويّين وقتلهم.

ترك هذا الاضطهاد بصماته على المجتمع العلويّ، فلجأ العلويّون إلى التقيّة في الممارسة الدينيّة وإلى الأفكار القوميّة واليساريّة والعلمانيّة في العمل السياسيّ والحزبيّ.

تقول الوثيقة المذكورة إنّ “الباطنيّة العلويّة ليست منهاج إيمان سريّ”، بل هي إيمان بالسرّ الإلهيّ، هي طريقة لإدراك حقيقة الأسرار المعجزيّة للخلق، وليس لإخفاء الاعتقاد الدينيّ. يرفض أحمد الدعوة لإنهاء التقيّة لأنّ الإمام علي قال: “صن دينك وعلمك الذي أودعناك، ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، واستعمل التقيّة في دينك، وإيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك”. ويوضح أنّ السريّة “لا تعني إخفاء تعاليمنا عن الآخرين، بل تخصّ علوماً لاهوتيّة وأسراراً معرفيّة يبلغها خصوصاً الذين نذروا نفوسهم لله، ففتح عليهم وأمدّهم بمعارف باطنيّة فحفظوها من الوقوع في أيدي المارقين فيحرّفوها”.

يأخذ المسلمون على العلويّين أنّهم يؤلّهون الإمام عليّ، وهو اتّهام ينفيه العلويّون.

يقول أحمد إنّ الإمام عليّ هو الوصيّ وإنّ محمّداً هو النبيّ، والوصل بينهما لا يمكن لأحد أن يحدّده لقول رسول الله: “أنا من علي وعليّ منّي”، لكن الفصل يتمثّل في قوله: “ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي”.

يقول باحث علويّ مقيم في اللاذقية، طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع لـ”المونيتور”، إنّه ليس هناك تأليه للإمام عليّ، وإنّ بعض العامّة العلويّين قد غالى في عليّ نتيجة الفهم الخطأ. ويضيف أنّ النظرة إلى محمّد وعليّ أبعد من النظرة التقليديّة، فهما تجلٍّ للخالق وجميع الرسل هم شخص واحد يظهر في أوقات مختلفة. فالرسالات ينابيع عدّة من مصدر واحد هو الله. ويكشف عن حصول بعض الخلافات بين العلويّين حول أمور فلسفيّة، ثمّ صار تقارب أكثر مع الشيعة الإثني عشريّة مع الشيخ سليمان الأحمد، مشيراً إلى بعض المشتركات مع الشيعة في العقائد الأساسيّة) التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، ويوم الحساب)، وبعض الاختلافات نتيجة البعد الفلسفيّ والصوفيّ لدى العلويّين.

يرفض أحمد فكرة أنّ الأنبياء هم شخص واحد ويقول: “الأنبياء في نهجنا ليسوا أشخاصاً بشريّين، بل هم أنوار الله”.

يؤمن العلويّون بتنزيه الله بكلّيته وتجلّياته، ويقول أحمد إنّ رؤية العلويّين لله تعبّر عنها آية النور القرآنية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..﴾، ورؤيتهم للتوحيد تعبّر عنها سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

قالت الوثيقة إنّ العلويّين يؤمنون بتفسير باطنيّ لنصوص القرآن وليس بنصوص موازية له، مقرّة بأنّ العلويّين استقوا من باقي الأديان التوحيديّة (اليهوديّة والمسيحيّة)، وأنّ ذلك مصدر اكتمال وغنى لها. ويوضح أحمد ذلك بأنّ “للقرآن وجوهاً ظاهرة وباطنة نأخذ بها جميعاً”.

وعن الاستقاء من الديانات الأخرى، يقول أحمد إنّها “محاولة لتشويه نهجنا العلويّ واتّهامنا بإدخال الإسرائيليّات إلى معتقدنا وهذا محض افتراء، لكنّنا نؤمن بكلام موسى وعيسى وسليمان وداوود وكلّ الأنبياء، ونستشهد بأقوالهم ونلتزم بتعاليمهم، كالتزامنا بكلام الرسول وأهل بيته”.

يأخذ المسلمون على العلويّين إيمانهم بالتقمّص الذي يعتبرونه مخالفاً للإسلام. لكنّ أحمد يوضح أنّ “التقمّص لا يعني انتقالاً عشوائيّاً للنفس بين جسد وآخر من دون ترتيب، بل هو حقيقة دينيّة وعلميّة لدينا الكثير من الأدلّة عليها، وهذا لا يتنافى مع مبدأ الجزاء يوم القيامة ولا ينفي وجود الجنّة والنار، لأنّ العدل الإلهيّ يقتضي أنّ لا أحد منّا يستطيع أن يحقّق ذاته الكاملة، وأن يصفّي نفسه من شوائبها، في حياة واحدة، فبعد الوفاة تجزّى كلّ نفس بما قدّمت، وعند قيام الساعة، تكون الجنّة مأوى للمؤمنين، والنار مثوى للكافرين”.

خلاصة القول، مهما كانت عقيدة العلويين ومهما كانت خلافاتهم العقائدية مع السنة والشيعة، ينبغي احترام هذه الاختلافات وقبول العلويين كمسلمين كما يعتبرون أنفسهم، حتى لو كانت لهم رؤيتهم الخاصة للإسلام وتأويلهم الخاص للقرآن.

 

المصدر: موقع المونيتور الأمريكي