أرشيف التصنيف: سؤال وجواب

السؤال الثالث حول سيدنا موسى وقتله للكافر

images

السُّؤالُ الثَّالث: كيف قتلَ موسى (ع) رجلًا بغيرِ حقٍّ وهو نبيُّ اللهِ؟

الجوابُ الثَّالثُ بإذنِ اللهِ:

وردت شبهةُ القتلِ في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ).

السُّنَّةُ يعتبرونَ أنَّ الأنبياءَ (ع) معصومونَ عن الكبائرِ، أمَّا الصَّغائرُ فغيرُ معصومينَ عنها، وهنا قالوا: كيفَ يقتلُ موسى (ع) نفسًا؟ وبرَّروها بأنَّه قتلَهُ بالخطأ ولا يؤاخَذُ به، وبما أنَّه يُشَرَّعُ الاستغفارُ من الخطأ فإنَّهُ استغفرَ ربَّهُ!!

والشِّيعةُ اعتبروا أنَّ القتالَ بين القبطيِّ والإسرائيليِّ هو الذي من عملِ الشَّيطانِ، فظلمَ موسى نفسَهُ واختارَ ما لم يكن في مصلحتِهِ فلا يأثمُ بفعلِ القتلِ؟

 

أيُّها الإخوة:

لابدَّ من القولِ أنَّهُ من حيث ظاهرِ القصَّةِ لا تثريبَ على سيِّدنا موسى (ع) في قتلِ القبطيِّ لسببينِ:

الأوَّل: أنَّه تدخَّلَ لنصرةِ مؤمنٍ مُستَضعَفٍ استغاثَهُ من يدِ كافرٍ متجبِّرٍ.

الثاني: أنَّ موسى (ع) لم يقصدْ قتلَهُ وإنَّما قصدَ رَدعَهُ فمَاتَ، فلا تَعَمُّدَ ههنا، وبالتالي لا تناقضَ مع عصمتِهِ الشَّريفةِ.

ولعلَّ الإشكالَ نشأ في عقولِ النَّاسِ بسببِ الرِّوايةِ التَّوراتيَّةِ التي تُظهرُ سيِّدنا موسى (ع) في صورةِ القاتلِ المتعمِّدِ المتربِّصِ الذي استطلعَ الأجواءَ ثم أقدَمَ على جريمتِهِ: (وَحَدَثَ فِي تِلْكَ لأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيّاً يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيّاً مِنْ إِخْوَتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ فَقَتَلَ لْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ)!!

أمَّا الرِّوايةُ القرآنيَّةُ فلم تقلْ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) قتلَهُ كي لا يَشتكلَ المعنى، بل قال تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)، وهذهِ أوَّلُ مرَّةٍ في التَّاريخِ يتمُّ فيها الإشارةُ إلى هذا التَّفريقِ بين القتلِ العمدِ والقتلِ الخطأ، فالقرآنُ العظيمُ هو أوَّلُ مَن فرَّقَ بين هذهِ الحالاتِ، ولم يَسبقْهُ أيُّ نظامٍ قانونيٍّ في العالمِ في بيانِ هذا التَّشريعِ العادلِ، وهذا كلُّه لا يقعُ بسيِّدنا موسى (ع) لأنَّه نبيٌّ معصومٌ، ولكنَّ هذا على سبيل التَّعليم لنا، لكي ننصرَ إخواننا المؤمنينَ ضدَّ مَن يعاديهم ويتعدَّى عليهم وعلى حرماتِهم.

ولأنَّ نهجَنا العلويَّ كما قلنا يَتعالى عن المادِّيَّاتِ المحسوساتِ يجب أن نفهمَ أنَّ المدينةَ هي مدينةُ العلمِ والتوحيدِ لقولِ رسولِ الله (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها)، وجاءَ موسى (ع) ليبلِّغَ أهلَها الغافلينَ عن معرفةِ اللهِ ليهديَهم سواءَ السَّبيلِ، فانقسَموا إلى رَجُلَينِ الأول آمَن به والآخر عاداهُ، لكنَّ العدوَّ لن يواجهَ النَّبيَّ لعدمِ استطاعتِهِ لإيذائِهِ، لذلك فإنَّهُ سيواجهُ المؤمنينَ به من أتباعِهِ وهو قتالُهم والتَّعدِّي عليهم كما حدثَ في بداياتِ الدَّعوةِ المحمَّديَّةِ من تعذيبٍ وتنكيلٍ بالمؤمنينَ على يدِ مشركي قريش، فاستغاثوا بالنَّبيٍّ (ص) فأغاثَهم بالهجرةِ ونصرَهم ربُّهم ببدرٍ، وهكذا استغاثَ المؤمنُ بموسى (ع) فأغاثَهُ بالوكزِ ونصرَهُ بالقضاءِ على عدوِّهِ، حيث جاءَ في الإنجيل: (موسى قتلَ النَّاسَ لِيُبيدَ عبادةَ الأصنامِ ولِيُبقيَ على عبادةِ الإلهِ الحقيقيِّ)، ولهذا قال سيِّدنا المسيحُ (ع) لتلاميذِهِ: (كلُّ ما ينطبقُ على كتابِ موسى فهو حقٌّ فاقبلوهُ).

وعمل الشَّيطانِ ليسَ هو القتالُ الدَّائرُ بينَهما كما فهمَ الشِّيعةُ من تأويلِ الأئمَّةِ (ع)، بل هو فعلُ الكافرِ وقتالُهُ للمؤمنِ، أي عملُهُ لأنَّ الكافرَ بربِّ موسى (ع) هو الشَّيطانُ العدوُّ المضلُّ المبينُ، وفعلُهُ قتالُ المؤمنِ، لذلك فإنَّ القضاءَ عليه هو وعدُ اللهِ بنصرِ المؤمنينَ على الكافرين وهو القائلُ: (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

واستغفارُهُ إنَّما هو على سبيلِ التَّعليمِ لنا نحن البشرُ بالاستغفارِ والإنابة، أمَّا الانبياءُ (ع) فلا يقعُ عليهم الظلمُ لذلكَ أردفَ بعدَها بقوله: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)، وهو التعليمُ أنَّنا يجبُ أن نثبتَ على طريقِ الحقِّ مهما كانت عواقبُ الأمورِ، وألَّا نهادنَ أو نسايرَ أو ندعمَ المجرمينَ الذينَ يتطاولون على اللهِ ورسلِهِ وأوليائِهِ وإلا ظلمنا أنفسَنا وخسرنا خسرانًا مبينًا.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني حول الزكاة والصدقة

images

السُّؤال الثَّاني: ما هو مفهومُ الزَّكاةِ التي وردَتْ في القرآنِ الكريمِ؟ ومَن يَستَحِقُّها؟ وبماذا تختلفُ عن الصَّدقَةِ؟

الجوابُ الثَّاني بإذنِ اللهِ:

أجمعَ رجالُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ على أنَّ الزَّكاةَ والصَّدقةَ محصورتانِ بالمالِ، واتَّفَقوا على أنَّ الزَّكاةَ فريضةٌ والصَّدقةَ نافلةٌ!! ولكنَّهم اختلفوا في التَّفريق بينهما، فرجالُ السُّنَّةِ استشهدوا بآيةِ الصَّدقاتِ على الزَّكاةِ، واعتبروا الصَّدقةَ أعمَّ من الزَّكاةِ وشاملةً لها، فكلُّ زكاةٍ صدقةٌ وليس كلُّ صدقةٍ زكاةٌ!! أمَّا الشِّيعةُ فاختلفوا معهم بالخمسِ حيثُ أنَّ السُّنَّةَ ألغَوا الخُمْسَ بينما الشِّيعةُ يؤكِّدونَ على الخمسِ ويعتبرونَهُ حقَّ اللهِ في المغانمِ.

بالنسبةِ للصَّدقاتِ عندَنا هي ما يُقدَّمُ مِن معروفٍ سواءَ كان مالًا أو مساعدةً أو عملًا صالحًا، وقد ذكرَها تعالى في آيةِ الصَّدقاتِ بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
فالصَّدقةُ عندنا فريضةٌ ومخصَّصَةٌ كما وردَ في الآيةِ، وليست نافلةً كما تقولُ مراجعُ الشِّيعةِ، ولا يجوزُ أن تُعطى لغيرِ المذكورينَ في الآيةِ كما تقولُ مراجعُ السُّنَّةِ، حيث قالوا: يجوزُ إعطاؤها للغنيِّ والقويِّ المكتَسِبِ، والسَّببُ أنَّهم خلَطُوا بين مفهومِ الزَّكاةِ والصَّدقةِ.
كما تقولُ مراجعُ السُّنَّةِ أنَّهُ يجوزُ إعطاءُ الصَّدقةِ للكفَّارِ والمشركينَ مستشهدينَ بقوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، حيث اعتبروا أنَّ الأسيرَ في دارِ الإسلامِ لا يكونُ إلا مشركًا، وبالطَّبعِ فإنَّ فهمَهُم لهذا خاطئٌ لأنَّهُ مخالفٌ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (المُتَصَدِّقُ على أعدائِنا كالسَّارقِ في حَرَمِ اللهِ ورسولِهِ).

أمَّا بالنسبةِ للزَّكاةِ فهي ركنٌ من أركانِ الإسلامِ يجبُ أداؤها، لكنَّ المشكلةَ كيفَ يكونُ أداؤها، فمصادرُ السُّنَّةِ تقولُ: هي إخراجُ قَدْرٍ مخصوصٍ من مالٍ مخصوصٍ كالذَّهبِ والفضَّةِ وسائرِ النُّقودِ الورقيَّةِ والأنعامِ وغيرها بشروطٍ مخصوصةٍ يُصرَفُ لجهاتٍ مخصوصةٍ. كما أنَّ مصادرَ الشَّيعةِ ذكرَتْ أنَّهُ كلَّما قُرِنَتِ الزَّكاةُ بالصَّلاةِ في كلامِ اللهِ وكلامِ رسولِهِ قُصِدَ منها مُطلقَ حَقِّ اللهِ في المالِ!! والذي منه: حَقُّهُ فيما بلغَ النِّصابُ من النَّقدين- أي الذَّهب والفضَّة- والأنعامِ والغلَّاتِ أي الصَّدقاتِ الواجبةِ!!
ما يُميِّزنا عن البقيَّةِ كعلويِّينَ أنَّنا نرتقي بمفهومِنا للزَّكاةِ عن المادَّةِ والمالِ إلى درجةٍ أعلى، فقد قُرِنَتْ فريضةُ الزَّكاةِ بفريضةِ الصَّلاةِ في سِتٍّ وعشرينَ آيةٍ من كتابِهِ الكريمِ، فما هو سِرُّ ذلكَ؟
لو كانت الزَّكاةُ مرتبطةً بالحَولِ أو مرتبطةً بالفطرِ كما يقولونَ لكانَ القرآنُ الكريمُ قد رَبَطَها بشهرِ رمضانَ مثلًا، لكنَّها مرتبطةٌ بالصَّلاةِ، وهي خمسُ صلواتٍ يوميَّةٍ مفروضةٍ على كلِّ المسلمينَ، ليُعطِيَها المعنى الأكبرَ المرتبطَ بالصَّلاةِ.
فالزَّكاةُ كالصَّلاةِ لها رسمٌ ماديٌّ وحقيقةٌ عقليَّةٌ، والمنطقُ يقولُ أنَّه لابدَّ أن تكونَ الزَّكاةُ المبذولةُ من غيرِ العالمِ إلى العالمِ عينيَّةً ماديَّةً وفقَ استطاعتِهِ المعبَّرِ عنها بالمقدارِ المخصَّصِ كحدٍّ أدنىِ، حيث سئل الإمام الصادق (ع): كم تجبُ الزَّكاةُ من المالِ؟ فقال: (أمَّا الظَّاهرةُ ففي الألفِ خمسةٌ وعشرونَ، وأمَّا الباطنةُ فلا تستأثِرْ على أخيكَ بما هو أحوجُ إليهِ منكَ).
وهي ليسَتْ أجرًا لهُ على عملِهِ، وبالتالي لا يجوزُ أن تكونَ مصدرًا لثراءِ البعضِ، بل تُعطَى للمستحقِّينَ، حيث قالَ الإمام الصادق (ع): (لا يَحلُّ أن تُدفَعَ الزَّكاةُ إلاَّ لأهلِ الولايةِ)، ولا يجوزُ أن تُعطى للكفارِ والمشركينَ مثلُها مثلُ الصَّدقَةِ لقولِ الإمام علي كرّمَ اللهُ وجهَهُ:
لا تَصْنَعِ المعروفَ في سَاقطٍ … فَذَاكَ صُنْعٌ ساقِطٌ ضائعُ
أمَّا الزَّكاةُ من العالمِ إلى غيرِ العالمِ فهي زكاةُ العلمِ لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (زكاةُ العلمِ بذلُهُ لمستحقِّيهِ)، والمستحقُّونَ هم أهلُهُ المقرُّونَ، وهو معنى قول الرَّسولِ (ص): (جَنِّبوا مساجدَكم بَيعَكُم وشِراءَكم وخُصُوماتِكم.. زَكُّوا أموالَكُمْ تُقْبَلُ صلاتُكُم).

وفي الحقيقةِ، إذا كانتِ الصَّلاةُ عبارةً عن الاتِّصالِ بالتَّوجُّهِ إلى وجهِ الحقِّ، والانقطاعِ عمَّا سواهُ كليًّا، فإنَّ الزَّكاةَ عبارةٌ عن تزكيةِ العبدِ من يقينِ وجودِهِ، وهو الإخلاصُ الذي ذكرَهُ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (الحقَّ أقولُ لكم: لَعَمْرُ اللهِ إنَّ المرائينَ يصلُّونَ كثيرًا في كلِّ أنحاءِ المدينةِ ليَنظُرَهم الجمهورُ ويَعُدَّهُم قدِّيسينَ، ولكنَّ قلوبَهم ممتلئةٌ شرًّا، فهم ليسوا على جِدٍّ فيما يطلبونَ، فمِن الضروريِّ أن تكونَ مخلصًا في صلاتِكَ إذا أحبَبْتَ أن يَقبلَها اللهُ).
لذلكَ أمرَ اللهُ عبادَهُ المؤمنينَ بإقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وجعلَ إيتاءَ الزَّكاةِ بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ فَرْضًا لازِمًا دلالةً على وجوبِ الإفرادِ بعدَ الإثباتِ اجتنابًا للوقوعِ بالشِّركِ لقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.
الدكتور: أحمد أديب أحمد

السؤال الأول حول الجدال في الدين

images

السَّؤالُ الأوَّل: هل يجوزُ الجِدَالُ في الدِّين؟

الجوابُ الأوَّلُ بإذنِ اللهِ:

يقولُ الله تعالى في كتابِهِ العزيز: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ).

نجدُ الكثيرَ من عامَّةِ النَّاسِ لا يلتزمونَ خَطَّ التَّقوى الذي غايتُهُ إرضاءُ اللهِ، لكنَّهم يَلتزمونَ تَقليدًا وهميًّا مخافةَ الأهلِ والمجتمعِ، فَنَراهُم يَرتادونَ الجوامعَ إرضاءً لِجيرانِهم، وَيَصومونَ إرضاءً لأهلِهم، وَيَمتنعونَ عن المحارمِ خوفًا من كلامِ النَّاسِ، ويتَّهمونَنا بعدمِ إقامةِ الصَّلاةِ أو صيامِ شهرِ رمضانَ أو حَجِّ البيتِ مباهاةً وَرِياءً أمامَنا، يُشبِهونَ مَن ذَكرَهم سيِّدُنا المسيح (ع) بقوله: (مِن خارجَ تَظهَرونَ للنَّاسِ أبرارًا، ولكنَّكم مِن داخلَ مَشحونونَ رِياءً وَإثمًا).

وإذا ما دَعوناهُم للجدالِ بالعلمِ والكتابِ امتثالًا لقولِهِ تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، يمتنعونَ عن مُواجهَتِنا الجادَّةِ، لكنَّهم يتحرَّكونَ مِن خلالِ أهوائِهم العصبيَّةِ ضِدَّنا، فلا يَركنونَ إلى قاعدةٍ علميَّةٍ، أو إلى انفتاحٍ فكريٍّ، لأنَّهم لا يُواجهونَ أنفسَهم بأخطائِهم وأخطاءِ سَادَاتِهم وَزُعمائِهم وَشُيوخِهم المُعظَّمينَ فقد (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله)، وكلُّ ما هنالكَ أنَّهم يَنتهزونَ الفرصةَ السَّانحةَ للانقضاضِ علينا واتِّهامِنا وَتَخويننا وإخراجِنا عن الإسلامِ!!

لذلكَ نَجدُ الجِدَالَ على نوعين: جِدَالٌ شخصيٌّ وجِدَالٌ فكريٌّ.

فَمنهم مَن يَدخُلُ معَنا في جِدَالٍ ولكنَّهُ لا يَملكُ الدَّلائلَ العلميَّةَ والنُّصوصَ الدِّينيَّةَ التي تُتيحُ لهُ فرصةَ الدُّخولِ في الجِدَالِ المُفيدِ المؤيَّدِ بالحجَّةِ والبرهانِ، فلا يكونُ الموقفُ مواجهةَ فِكرٍ لِفِكرٍ، بل موقفَ شخصٍ ضدَّ شخصٍ آخرَ، وَيَتحوَّلُ الجدالُ إلى جِدَالٍ شخصيٍّ يُؤدِّي إلى المُهاتراتِ.

وهذهِ هي مشكلةُ الكثيرينَ ممَّن يَتَّخذونَ مَوقفًا دونَ فكرٍ، وَيَدخلونَ في الجِدَالِ دونَ امتلاكِ أدواتٍ فكريَّةٍ وعلميَّةٍ، فتكونُ النَّتيجةُ إثارةَ الجَلَبَةِ والشَّغَبِ، واستثارةَ العواطفِ والعصبيَّاتِ لا أكثرَ، وَيَتمثَّلُ هؤلاءُ بالهَمَجِ الرُّعاعِ الذينَ يُقَلِّدونَ شيوخَهم في مواقِفهم وأفكارِهم، مِن دونِ أن يَفهَموا حقيقَتَها وخلفيَّاتِها وَنَتائجَها الإيجابيَّةَ والسَّلبيَّةَ، ويدافعونَ عن الأفكارِ المنحرفةِ بحماسٍ يفوقُ حماسَ أصحابِها، فَيَستخدمونَ أساليبَ الاتِّهامِ الرَّخيصِ والمسبَّاتِ والشَّتائمِ والتَّنابذِ بالألقابِ التي قد تُؤدِّي إلى التَّقاتُلِ والتَّنازعِ فَيُعيقونَ تَطوُّرَ المجتمعِ بفعلِ تيَّارِ الجهلِ والفوضى الذي يَصطنعونَهُ.

أمَّا مَن يَتَّبعونَ علماءَ السُّوءِ الذين يعملونَ على إبعادِ النَّاسِ عن طريقِ الخيرِ، فإنَّهم يُجَمِّدونَ تفكيرَهم لِيَتَّبعوا الأفكارَ المنحرفةَ لِسَادَتِهم دونَ وعيٍ، وَيَتحرَّكوا عندها لتحقيقِ مخطَّطاتِ الشَّرِّ والضَّلالِ فينطبقَ عليهم قولُهُ تعالى: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَّرِيدٍ)، وكذلك قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ) أي اتَّخَذَهُ مُرشِدًا وسيِّدًا له (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) لأنَّه أغمضَ عينيهِ وأغلقَ أذنيهِ وجمَّدَ دماغَهُ وصارَ خاضعًا بكليَّتِهِ لشيطانِهِ الذي سوفَ (وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)، وهو نهايةُ طريقِ الضَّلالِ والانحرافِ.

وعندَ قراءةِ أسلوبِ المجادلِ الأعمى، نلاحظُ أنَّه يتميَّزُ بصفتين:

الأولى: افتقادُهُ إلى العقلِ الذي يفتحُ أمامَهُ أبوابَ استقبالِ نورِ العلمِ.

والثّانية: اتِّباعُهُ الشَّيطانَ الخبيثَ الذي يريدُ للإنسانِ أن يتحرَّكَ في طريقِ الشَّرِّ، وأن يبتعدَ عن طريقِ الخيرِ.

هنا نفهمُ أنَّ لِعِلمِ التَّوحيدِ أهميَّةً أساسيَّةً في حياتنا، وفي تطوُّرِ المجتمعِ الفكريِّ والعمليِّ، والتّأكيدُ عليه يمكنُ أن يؤدِّي إلى إيضاحِ الاختلافاتِ العقائديَّةِ من موقعِ التَّنوُّعِ المذهبيِّ لا من موقعِ التَّعصُّبِ الأعمى، وبذلكَ يمكنُ أن يكونَ الجدالُ الفكريُّ طريقًا لإيضاحِ الحقِّ وقد قالَ الإمام الصَّادقُ (ع): (بَيِّنُوا للنَّاسِ الهُدَى الذي أنتم عليهِ، وَبَيِّنُوا لَهُم ضَلالَهُم الذي هُمْ عليهِ، وَبَاهِلُوهُم في الإمامِ عليٍّ”.

لذا يجبُ تأكيدُ ضرورةِ الانطلاقِ من مبدأ الاقتناعِ الفكريِّ بِمَن نَقتدي بهم، لا مِن مبدأ التَّقليدِ الأعمى الذي يَتمسَّكُ به كثيرٌ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ، ولا سيَّما في المسائلِ الدِّينيَّةِ المُختَلَفِ عليها كالعصمةِ والغلوِّ والتَّوحيدِ وغيرها، ما يَجعلُ المؤمنَ بِمَأمَنٍ من الوقوعِ تحتَ سيطرةِ المُنحرفينَ عن الصِّراطِ المستقيمِ، أو في قبضةِ التَّضليلِ والأوهامِ الذي مارسَهُ التَّكفيريُّونَ القدماءُ بحقِّ سادَةِ العلويَّةِ الطَّاهرين.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد