أرشيف التصنيف: سؤال وجواب

السؤال السابع عشر حول الإساءة لنسبِ أمير المؤمنين

images

السُّؤالُ السَّابع عشر: لماذا اتَّهموا أبا طالب بالكفرِ والشِّركِ؟ وما هي الغايةُ من الإساءةِ للأنسابِ عندَ الحاقدين؟

الجواب السَّابع عشر بإذن الله:

إنَّ أئمَّةَ الباطلِ انتهجوا عبرَ الزَّمنِ- وما زالوا- أسلوبَ الذَّمِّ للأشخاصِ والطَّعنِ الأنسابِ والأعراضِ لغاياتٍ شخصيَّةٍ وقَبَليَّةٍ ومذهبيَّةٍ وعشائريَّةٍ، وقَلَبوا الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا دونَ أيِّ دليلٍ، وهكذا التبسَ على الضُّعفاءِ ما كانوا يجهلونَ، ولحقوا بأولئكَ الكاذبينَ.

فاليهودُ طَعَنوا بطهارة مريمَ العذراء (ع) وشكَّكوا بنورانيَّةِ المسيحِ (ع) لإبطالِ الرِّسالةِ المسيحيَّةِ، لكنَّها استمرَّت رغمًا عن كذبِهم وافتراءاتِهم.

والنَّصارى طَعَنوا بعدَ صعودِ سيِّدنا المسيحِ (ع) بسيِّدنا شمعون الصَّفا، وهو أوَّلُ تلميذٍ للمسيحِ (ع) واسمُهُ في الإنجيلِ (سِمْعَان) ومُلَقَّبٌ بـ(بُطْرُس)، وغايتُهُم في طَعنِهم وتشكيكِهم به إبطالُ الوصايةِ له، وهناكَ الكثيرُ من التَّحريفِ الواقعِ في الإنجيلِ يُثبِتُ حقدَهم على الوصيِّ، ومن ذلكَ قولُ سيِّدنا المسيحِ (ع) له: (أنتَ الصَّخرةُ وعليكَ أَبني كنيستي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا). فكيفَ بقائل هذا الكلامِ العظيمِ أن يقولَ لِبُطْرُسَ: (اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ، أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ) فانظروا افتراءَهم على المسيحِ والصَّفا لإبطالِ الوصايةِ الحقِّ!؟

وجاءَ الإسلامُ برسالةِ سيِّدنا محمَّدٍ (ع) ووصايةِ مولانا علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، ولم يستطعِ أعداؤهُ أن يَنالوا من شخصيَّةِ الإمامِ علي، فهو فارسُ العربِ وأخو رسولِ اللهِ تربيةً وابنُ عمِّهِ وصهرُهُ وخليفتُهُ وبابُ مدينةِ العلمِ والإيمانُ كلُّهُ وميزانُ الحقِّ والصِّدِّيقُ الأكبرُ والفاروقُ الأعظمُ، ولو عدَّدْنا صفاتِهِ لا تكفينا آلافُ الصَّفحاتِ، فكيفَ يستطيعونَ أن ينالوا منهُ!؟
لكنْ بعدَ انتهاءِ زمنِ الخلافةِ الرَّاشديَّةِ جاءَ المنافقُ معاويةُ ابنُ المشركِ أبي سفيان وآكلةِ الأكبادِ هند بنت عُتبة، والذي تصوِّرُهُ السُّنَّةُ على أنَّهُ أميرُ مؤمنينَ ابنُ مسلمٍ ومسلمةٍ!!!، وأعلنَ على المآذنِ مسبَّةَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وبقيَتْ سُنَّتُهُ الفاسقةُ جاريةً لألفِ شهرٍ، حتَّى جاءَ عمر بن عبد العزيز فأوقَفَها خجلاً حينَ لم يستطعْ نهجُ السُّبابِ والشَّتمِ والطَّعنِ أن يخفيَ مناقبَ أمير المؤمنينَ الهاشميِّ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ ويُحِلَّ مَحَلَّها مناقبًا وهميَّةِ لبني أميَّةَ.
فكانَ البديلُ هو طعنُهم بإيمان سيِّدنا أبي طالب عبد مناف بن عبد المطَّلب (ع)، ففبرَكوا الأحاديثَ المكذوبةَ كالحديثِ الموضوعِ المشبوهِ الواردِ في صحيحِ مسلم: (أهونُ أهلِ النَّارِ عذابًا أبو طالب، وهو مُنتَعِلٌ بِنَعليْنِ يغلي منهما دماغُهُ)!! وكلُّ ذلك ليحاولوا إثباتَ أنَّهُ ماتَ مشركًا في الوقتِ الذي ماتَ فيهِ أبو سفيان مسلمًا!!
كيفَ ينسبونَ للرَّسولِ (ص) ذلكَ الحديثَ وأمثالَهُ وأبو طالب هو الذي وقفَ بشدَّةٍ مع الرَّسولِ (ص) في وجهِ عتوِّ قريشَ، ولو كان أبو طالب مصرًّا على الكفرِ والشِّركِ كما زعمتِ السُّنَّةُ، فكيف يشجِّعُ أبناءَهُ على أن يسيروا في خطٍّ مضادٍّ لخطِّهِ؟! لكنَّ أبو طالب (ع) تَسَتَّرَ في إسلامِهِ لِيَتَسَنَّى له الدَّفاعُ عن الرَّسول (ص), ولِيُبْعِدَ عنهُ التُّهمةَ في دِفاعِهِ, حتى أنَّهُ قيل للإمامِ الصَّادق (ع): يزعمونَ أنَّ أبا طالب كان كافرًا, فقال: كيفَ يكون كافرًا وقد قال: (ألَم تَعْلَموا أنَّا وجدْنا محمَّدًا ….. نبيًّا كموسى خُطََّ في أولِّ الكُتُب).
ورغمَ دفاعِ الشِّيعةِ عن سيِّدنا أبي طالب (ع) إلاَّ أنَّهم ساروا على طريقِ السُّنَّةِ في الطعنِ والقذفِ فحاولوا النَّيلَ من الصَّحابةِ المقرَّبينَ لأهل بيتِ رسولِ اللهِ (ع) واتَّهموهم بما ليس فيهم وافترَوا عليهم الأكاذيبَ والأقاويلَ الرَّديئةَ، فلم يَسْلَمْ من لسانِهم لا مَن انتجَبَهُ أميرُ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ ولا مَن اختبرَهُ ولا مَن شرَّفَهُ الصَّادقُ (ع) ولا مَن جعلَهُ العسكريُّ (ع) حجَّةً، فامتلأتْ كتبُ الشِّيعةِ حقدًا وافتراءً لسيِّدنا أبي شعيب محمَّد بن نُصير، وطعنوا بسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي حينَ لم يستطيعوا مجاراتِهِ بالعلمِ والعرفانِ، وتابعَ من انتهجَ نهجَهم بالطَّعنِ بالأنسابِ والانتماءِ حتى وصلوا بالأمسِ للطَّعنِ بسيِّدنا الميمونِ الطَّبرانيِّ، واليومَ يَطعنُ بنسبِ وشرفِ كلِّ مدافعٍ عن نهجِ الحقِّ أمثالُ أولئكَ الكاذبينَ من أشباهِ العلماءِ المدَّعينَ، ولكنَّ كلَّ مكرِهم لن ينفعَ لقوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس عشر عن خلق آدم على صورته

images

السُّؤال السَّادس عشر: هل يجوزُ الأخذُ بقولِ رسول اللهِ (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ)؟

الجواب السَّادس عشر بإذن الله:

لقد ضاعَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ في قولِ الرَّسولِ (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ)، فأهلُ السُّنَّةِ جعلوا للهِ يدًا ورجلاً وجلوسًا على كرسيٍّ مفسِّرينَ الآياتِ القرآنيَّةِ بشكلٍ حرفيٍّ، وفهموا من الحديثِ أنَّ صورةَ وجهِ الإنسانِ على صورةِ وجهِ الرَّحمن!! وقد أضافَ أبو هريرةَ لهذا الحديثِ إضافةً مشبوهةً فقال نقلاً عن رسولِ اللهِ (ص): (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدمَ على صورتِهِ طولُهُ ستُّونَ ذراعًا)!! وأهلُ الشِّيعةِ يظنُّونَ أنَّ اللهَ خلقَ على مثالِهِم متذرِّعينَ بقولِهم: (إنَّ رسولَ اللهِ مرَّ برجلينِ يتسابَّانِ، فسمعَ أحدهما يقولُ لصاحبِهِ: قبَّحَ اللهُ وجهَكَ ووجهَ مَن يشبهُكَ، فقال الرَّسول له: يا عبدَ اللهِ، لا تقلْ هذا لأخيكَ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ آدمَ على صورتِهِ؛ يعني على صورةِ أخيكَ)!! وفي مَن يظنُّ هذه الظُّنونَ وقعَ قولُهُ تعالى: (مَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

إنَّ آياتِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى تظهرُ جليَّةً للعِيانِ دونَ تشبيهٍ بخلقِهِ ولا إنكارٍ لوجودِهِ، فالمشبِّهونَ المجسِّمونَ أثبتوا أنَّ صفاتِ الصُّورةِ المحسوسةِ مشتركةٌ بين الإنسانِ واللهِ كصفاتِ السَّمعِ والبصرِ والوجهِ واليدينِ، وأنَّها حقيقةٌ لكُنْهِ الإلهِ، وظنُّوا أنَّ له يدًا ورجلاً ووجهًا وأصابعَ وضحكًا وغضبًا وغير ذلك دونَ أن يعلموا كيفيَّةَ ذلكَ حين قرؤوا قوله تعالى: (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ)، (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ)، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، حتَّى أنَّ ابن تيميَّةَ أكَّدَ على ثبوتِ الوجهِ والصُّورةِ للهِ. أمَّا المعطِّلونَ فأنكروا الآياتِ البيِّناتِ وجحدوها وعطَّلوا وجودَها لأنَّهم كما قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ).

وتراهُم بعدَ إنكارِهم للهِ أو شركِهم به يتَّهمونَ الآخرين ظلمًا وعدوانًا، من خلالِ ضلالِهم وغِيِّهم وعدوانيَّتِهم وعتوِّهِم واستكبارِهم، وتراهُم ينسبونَ إلى اللهِ خلطًا وجهلاً صفاتِ المخلوقينَ من عجزٍ وضعفٍ ووهنٍ وولادةٍ وموتٍ وقتلٍ بحسبِ ما تصوّرُهُ أوهامُهم المنحرفةُ، ثمَّ يتَّهمونَنا بعبادةِ الأشخاصِ!؟

وهنا نسائلُهم علنًا: هل للهِ صورةٌ قبلَ خلقِ آدمَ حتى خلقَهُ على مثالِها؟ وهل اختفَتِ الصُّورةُ بعدَ خلقِ آدمَ أو تلاشَتْ؟ ومَن هو آدمُ ها هنا؟

إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ الخالصةَ تقومُ على الإقرارِ بالآياتِ المحسوسةِ والمعقولةِ التي عَرفناها وشَهِدْناها لأنَّها أسبابُ الارتقاءِ إلى الغايةِ، وليست الغايةَ بحدِّ ذاتِها لقوله تعالى: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ)، وهو لم يقلْ: (فَلْيَرْتَقُوا للْأَسْبَابِ)، لأنَّ المعطِّلينَ أنكروا الأسبابَ مُطلقًا فَتَاهوا وكانوا ممَّن قالَ تعالى فيهم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)، أمَّا المشبِّهونَ فجعلوا الأسبابَ غايتَهم الكبرى، وجميعهم توقَّفوا عند ربِّهم ذي اليدِ والرِّجلِ والوجهِ والحواسِّ، والذي تعرَّضَ للصَّلبِ أو القتلِ أو الذَّبحِ، ولم يدركوا أنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ سبحانَهُ لا تبلغُ كنهَهُ العقولُ ولا تحدِّدُهُ الظُّنون.

فالإلهُ عزَّ شأنُهُ لا يمكنُ للعقولِ البشريَّةِ أن تدركَ قدرتَهُ اللامحدودةَ، ولا للأبصارِ الشَّاخصةِ أن تَثبُتَ لنورِهِ السَّاطعِ، فكيف لها أن تتوهَّمَ كنهَ ذاتِهِ، أو أن تجعلَهُ خاضعًا لصورةٍ في ذاتِه، أو هيئةٍ أو كيفيَّةٍ أو ماهيَّةٍ، وسيِّدنا المسيحُ (ع) يقول: (أعترفُ بك إلهَنا الأحدَ الذي ليسَ لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لكَ من نهايةٍ، ولا شَبَهَ لكَ بين البشرِ).

وهنا نقولُ: ليسَ للهِ صورةٌ في القِدَمِ حتَّى يخلقَ آدمَ على مثالِها، ولا يُعقَلُ أن يخلقَ اللهُ آدمَ على مثالِ صورةِ رجلٍ جاءَ بعدَهُ في الوجودِ، وهنا سقطوا في التَّفسير، لأنَّ الهاءَ في (صورتِهِ) راجعةٌ لآدمَ (ع)، لأنَّ الحديثَ يردُّ على الذينَ حاولوا أن يساووا بين اللهِ وآدمَ في الصِّفةِ والماهيَّةِ، فردَّ عليهم بأنَّ آدمَ أولاً مخلوقٌ واللهُ هو الخالقُ له، وهذا أوَّلُ فرقٍ، وأنَّ الصُّورةَ الآدميَّةَ حقيقةٌ له لا للهِ، لذلكَ قالَ: (على صورتِهِ)؛ أي على صورةِ آدمَ الخاصَّةِ بهِ، والدَّلالةُ في ذلكَ هي إثباتُ الكيفيَّةِ والماهيَّةِ للنَّبيِّ العظيمِ، وأمَّا الرَّبُّ المعبودُ فلا يقعُ تحت الكيفيَّةِ والماهيَّةِ والتَّصويرِ جلَّ المصوِّرُ عن التَّجسيمِ والتَّجسيدِ، وعزَّ مَن كَيَّفَ الكيفَ وخلقَ الماهيَّةَ وأبدَعَ الوجودَ، بدليل ما وردَ عن الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا يُقالُ له: أينَ؟ لأنَّهُ أيَّنَ الأينيَّةَ، ولا يقالُ له: كيفَ؟ لأنَّهُ كيَّفَ الكيفيَّةَ، ولا يقالُ: ما هو؟ لأنَّه خلقَ الماهيَّةَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس عشر عن معاني الهبطة في القرآن

images

السؤال الخامس عشر: في السُّؤالِ الماضي ذكرتُمْ حول موضوعِ آدمَ وحوَّاءَ والهبوطِ من الجنَّة بأنَّ الخطابَ الإلهي بقوله: (اهبطا) كان للمؤمنينَ والكافرين، فهل هذا يعني أنَّ الكافرينَ كانوا مع المؤمنينَ في الجنَّة؟

الجواب الخامس عشر بإذن الله:

وردَت الهبطةُ في القرآنِ الكريمِ في مواضع مختلفةٍ وبمعانٍ مختلفةٍ، وهنا لابدَّ من التعريجِ عليها لنفهمَ بالضَّبطِ ما هو المقصودُ.

شرحنا في الإجابةِ السَّابقةِ قوله تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، وقلنا في موردِ الإجابةِ أنَّ الفعلَ لم يختصَّ بآدمَ وحوَّاء كشخصينِ، بل شملَ المؤمنينَ والكافرينَ جميعًا لأنَّهما كانا معًا أثناءَ الإشهادِ.

وما يؤكِّدُ أنَّهم مجموعٌ وليسوا اثنين فقط ما وردَ في موضعٍ آخرَ في القرآن الكريم من قوله تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وقوله: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، وقوله: (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وهذا يعني أنَّ صيغةَ الجمعِ تدلُّ على أنَّهم كانوا أكثرَ من اثنين.

قد يتساءلَ أحدٌ: هل من المعقولِ أن يكونَ المقصودُ: آدم وحوَّاء وإبليس، فيصيرونَ ثلاثة!؟

نجيبُهُ: وهل يُعقَلُ أن يكونَ إبليسُ في الجنَّةِ؟ وإن كان في الجنَّةِ فلماذا لا يكونُ الكافرونَ في الجنَّةِ وهم أقلُّ خبثًا منهُ؟

وهل يُعقَلُ أن يكونَ إبليسُ من أهلِ الجنَّةِ فعَصَى ربَّهُ فأخرجهُ منها؟

أن يكونَ إبليس من أهلِ الجنَّةِ فهذا يعني أنَّهُ كانَ من الملائكةِ كما تظنُّ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، لكنَّهُ بمخالفَتِهِ خرجَ من عُدَّتِهم!! ولكنَّ القرآنَ الكريمَ لم يذكرْ في كلِّ آياتِهِ أنَّ إبليسَ كان من الملائكةِ، بل كانَ مع الملائكةِ، وكان دومًا استثناؤهُ استثناءَ فعلٍ كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، واستثناءَ جنسٍ لأنَّهُ ليسَ من الملائكةِ بل كما قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ).

فمِنْ أينَ هبطَ إبليسُ إذن؟ ومن أينَ هبطَ المؤمنونَ والكافرونَ؟ وهل الهبوطُ هو هبوطٌ مكانيٌّ من الأعلى إلى الأدنى؟ أم أنَّهُ هبوطٌ من نوعٍ آخر؟

لقد أخطأتِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ زَعَموا أنَّ نبيَّنا آدمَ المعصومَ (ع) هبطَ من الجنَّةِ إلى الأرضِ بخطيئةٍ وبمعصيةٍ معاذَ الله!! لكنَّ نهجَنا العلويَّ يصحِّحُ لهم معنى هذه الهبطةِ، فهبطتُهُ كانت بإرسالِهِ للبشرِ لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)، وذلكَ لهدايتِهم لمعرفةِ ربِّهم رسولاً من اللهِ نذيرًا وبشيرًا، وقد مَثَّلناها بالهبطةِ النَّبويَّةِ بدليل قوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فالهبوطُ للأنبياءِ يعني إرسالَهم بالرِّسالةِ التي هي السَّلامُ والبركاتُ على النَّبيِّينَ والمرسلينَ وأتباعِهم المؤمنين، وهي الإنذارُ والتَّحذيرُ للأممِ الأخرى المخالفةِ الكافرةِ.

أمَّا آدمُ المزاجيُّ فهبطَتُهُ يدلُّ عليها قولُهُ تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)، فالهبطةُ لم تكن من السَّماءِ إلى الأرضِ، بل هبطةُ حالِ الآدميِّينَ من النِّعمةِ إلى البلاءِ بسبب الشَّكِّ والتَّحيُّرِ والتَّردُّدِ والعصيانِ، فمَن كانوا من المؤمنينَ المقصِّرينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، ومن كانوا من الكافرينَ المنكرينَ بَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ.

وهذا يعني أنَّ التَّحذيرَ والتَّخويفَ والأمرَ والنَّهي عن الأكلِ من الشَّجرةِ لم يكن لنبيِّنا آدمَ المصومِ (ع)، بل كانَ لآدمَ المزاجيِّ البشريِّ، الذي كان مُنعَمًا عليهِ بمعرفةِ باريهِ في قولهِ تعالى: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، فالسَّكنُ في الجنَّةِ ليسَ سكنًا مادِّيًا لأنَّهم لم يكونوا أجسادًا بشريَّةً مادِّيَّةً، ولا مكانَ للموادِّ في عالمِ السَّماءِ.

وهذا يعني أنَّ السَّكنَ من السَّكينةِ بمعرفةِ باري البريَّةِ، وهو ما أرادَهُ سيِّدُنا المسيحُ بقوله: (لا يمكنُكَ أن تَرَاهُ وتَعرِفَهُ على الأرضِ تمامَ المعرفةِ، ولكنَّكَ سَتَراهُ في مملكتِهِ إلى الأبدِ حيثُ يكونُ قوامُ سَعادَتِنا ومَجدِنا)، وأنَّ الأكلَ هو من شجرةِ المعارفِ الرَّبَّانيَّةِ التَّوحيديَّةِ التي هي غذاءُ الموحِّدينَ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)، وأمَّا الشَّجرةُ فهي شجرةُ الشَّكِّ والشِّركِ والإنكارِ التي هي أكلُ المُشبِّهينَ والمعطِّلينَ، ووجودُ الشَّجرةِ في الجنَّةِ ها هنا مثالٌ على الامتزاجِ القائمِ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ بدليلِ قوله تعالى: (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً)، كما أنَّهُ مثالٌ على الفرقِ الخفيِّ بين التَّوحيدِ من جهةٍ والشِّركِ والإنكارِ من جهةٍ أخرى، حتَّى لا يكادَ المرءُ يفرِّقُ بينَهما لشدَّةِ الخفاءِ بدليلِ قولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الخفيُّ، فإنَّ الشِّركَ أخفى من دبيبِ النَّملِ على الصَّفا في الليلةِ الظَّلماءِ).

أمَّا آدمُ العاصي الذَّميمُ فهو إبليسُ الذي هبطَ من هذهِ المعرفةِ صاغرًا مذمومًا مدحورًا لأنَّهُ أنكرَ وردَّ على الباري أمرَهُ، وقاسَ برأيهِ حينَ رفضَ السُّجودَ، فقال له تعالى: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)، وهذا الهبوطُ ليسَ هبوطًا مكانيًّا من السَّماءِ، إذ لم يكنْ في الجنَّةِ السَّماويَّةِ فهبطَ إلى الجحيمِ الأرضيِّ، لكنَّ الهبوطَ هو هبوطٌ حاليٌّ، إذ عُرِضَتِ المعرفةُ عليهِ كما عُرِضَتْ على الملائكةِ وكما عُرِضتْ على البشرِ، لكنَّهُ أنكرَ فهلَكَ ولُعِنَ وخرجَ منها صاغرًا لا يعودُ إليها أبدًا لقولهِ تعالى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ).

قد يتساءلُ متسائلٌ: كيفَ تساوى الملائكةُ وإبليس والبشر في المعرفةِ؟

الجواب: هم لم يتساوَوا في المعرفةِ، لكنَّ الإشهادَ كان واحدًا للجميعِ دونَ استثناءٍ لكي لا يحتجَّ محتجٌّ فيقول: (ربِّ ما أشهَدْتَني، ولو أشهَدْتَني لَشَهِدْتُ لك)، فقطعَ اللهُ عليهم الطَّريقَ وعرضَ الشَّهادةَ عليهم جميعًا لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، فمَن أقرَّ كان من المؤمنين بقيادةِ نبيِّنا آدم الجليلِ المعصومِ (ع)، ومَن أنكرَ كانَ من الكافرينِ المُنقادينَ لإبليسَ اللعينِ، وهو العدلُ الإلهيُّ التَّامُّ المعبَّرُ عنه في قوله تعالى: (لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الرابع عشر عن آدم وحواء والهبوط من الجنة

images

السُّؤال الرَّابعُ عشر: التَّوبةُ حصلَتْ قبلَ الهبطةِ، وقد قَبِلَها اللهُ سبحانَهُ من آدَمَ (ع) في قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) والسُّؤال: لِمَ كانت الهبطةُ طالما قُبِلَتْ التَّوبةُ؟

الجوابُ الرَّابعُ عشر بإذن الله:

إنَّ هذا السُّؤالَ مهمٌّ جدًّا، وسنناقشُهُ من عدَّةِ جوانبَ:

الجانبُ الأوَّلُ: يعتقدُ السُّنَّةُ بمعتقدِ التَّوراةِ المتداوَلةِ بأنَّ حوَّاءَ هي أصلُ الإغواءِ، وأنَّها كانت وسيلةَ الشَّيطانِ لإقناعِ آدمَ، يعني أنَّ آدمَ توقَّفَ وتحيَّرَ؛ أي شَكَّ، فسيطرَ الشَّيطانُ على حوَّاءَ، التي دفعَتْ آدمَ إلى أكلِ التُّفَّاحةِ، كما هو الحالُ في بعضِ الرِّجالِ حيثُ تسيطرُ عليهم نساؤهم في كثيرٍ من الحالاتِ ويُغوينَّهم ويُغريَنَّهم، وبالتَّالي فالمسؤوليَّةُ في خروجِ آدمَ من الجنَّةِ، هي مسؤوليَّةُ حوَّاء وليست مسؤوليَّةَ آدمَ!!
أمَّا الشِّيعةُ فمنهم مَن يزعمُ أنَّ آدمَ وحوَّاءَ كانا خاضعَانِ لإبليسَ معًا، وشريكانِ في العصيانِ والاستسلامِ وطاعةِ الشَّيطانِ!! ومنهم من يزعمُ أنَّ آدمَ يحملُ مسؤوليَّةَ ما حصلَ دونَ حوَّاء، وقد انطلقَ من خلالِ الضَّعفِ البشريِّ!!
وهنا نتساءلُ: ما الفرقُ بينَ اتِّهامِهم لسيِّدنا آدمَ (ع) بخضوعِهِ لإغواءِ حوَّاء (ع)، واتِّهامِهم لسيِّدنا محمَّد (ص) بخضوعِهِ لإغواءِ بعضِ أزواجِهِ كما تقولُ روايات صحيح البخاري ومسلم؟

الجانبُ الثَّاني: يَروي السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ إبليسَ استطاعَ أن يُوسوِسَ لآدمَ وحوَّاء ليدفَعَهُما إلى الانحرافِ عمَّا نهاهُما اللهُ عنهُ من الأكلِ من الشَّجرةِ، لأنَّ إبليسَ حملَ الحقدَ على آدمَ وذرَّيَّتِهِ منذ أمرَهُ اللهُ أن يسجدَ له مع الملائكةِ!! ومع أنَّ اللهَ سبحانَهُ قد حذَّرَ آدمَ وحوَّاءَ من إبليسَ بقوله: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، إلاَّ أنَّ إبليسَ خطَّطَ لآدمَ وحوَّاءَ لِيَعيشا في نطاقِ الأحلامِ الورديَّةِ التي تخاطبُ مشاعرَهُما وأحاسيسَهُما لِيَنسَيا تحذيرَ اللهِ لهما!! وعندما ألقى الأمنياتِ بالحياةِ الخالدةِ في ذِهنَيهما، ولم تكنْ لديهما تجربةٌ في هذا المجالِ، سَمِعَا منه ذلكَ كلَّهُ، وبذلكَ أنساهُما التَّحذيرَ الإلهيَّ!!
هل من المعقولِ أن تكونَ لإبليسَ سلطةٌ على آدمَ نبيِّ اللهِ المعصومِ؟
هل يجوزُ أن يكونَ هذا النَّبيُّ المعظَّمُ بشرًا وقد أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ له؟ فهل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟
إن كانَ الإنسانُ حينَ يدخلُ الجنَّةَ بعدَ يومِ القيامةِ لا ينحرفُ عن أمرِ ربِّهِ بل يبقى عبدًا طائعًا عابدًا مهلِّلاً لله، فهل ينحرفُ النَّبيُّ وهو أوَّلُ خلقِ اللهِ وأقربُهُ إليه؟
كيفَ عرفَ إبليسُ أنَّ آدمَ وحوَّاءَ سيهبطان للأرضِ وسيتكاثرانِ وستكون لهما ذرِّيَّةٌ، وأنَّهُ سيحقدُ عليهما وعلى ذرِّيَتِهما؟
إذا كانَ النَّبيُّ آدم (ع) قد خالفَ اللهَ وهو في الجنَّةِ يراهُ ويسمعُهُ، فما الذي يضمنُ أنَّهُ لن يخالفَهُ على الأرضِ؟ أفليسَ مَن يعصي ربَّهُ في السَّماءِ يعصيهِ في الأرضِ؟
هذه التَّساؤلاتُ تقتضي أن تكونَ رواياتُهم عن آدمَ وحوَّاءَ ساقطةً وغيرُ مأخوذٍ بها، لأنَّ النَّبيَّ آدمَ معصومٌ عصمةً تكوينيَّةً لا يجوزُ فيها الخللُ ولا الزَّللُ.

الجانبُ الثَّالث: وهو يتعلَّقُ بعصمةِ سيِّدنا آدم (ع)، حيث أنَّ السُّنَّةَ لا يعصمونَ آدمَ إطلاقًا ويعتبرونَهُ كأيِّ بشريٍّ منَّا، أمَّا الشِّيعةُ فقد التفُّوا كعادَتِهم على الموضوعِ حيث زَعَموا أنَّ آدمَ لم يكنْ نبيًّا عندما كانَ في الجنَّةِ ليخضعَ موقعُهُ لمسألةِ العصمةِ، وبالتَّالي لا يكونُ هناك محذورٌ من ارتكابِ آدمَ للمعصيةِ في الجنَّةِ، وقالوا: لو افترضنا أنَّهُ كانَ نبيًّا فالأنبياءُ بشرٌ، وقد يخضعونَ لبعضِ نقاطِ الضَّعفِ الذَّاتيَّةِ التي قد تنطلقُ من خلال بشريَّتِهم!! وهكذا تساوى السُّنَّةُ والشِّيعةُ في نظرتِهم للأنبياءِ.
وهنا نتساءلُ: مَن يخطئُ ويخضعُ لنقاطِ الضَّعفِ هل هو مؤتَمَنٌ على تبليغِ الرِّسالةِ السَّماويَّةِ؟

أقول:

إنَّه لَمِنَ المخجلِ أن يتبنَّى الإنسانُ المؤمنُ العاقلُ هذه الرِّوايات والمعتقداتِ التي تُسيءِ إلى اللهِ وأنبيائِهِ ورسلِهِ، لأنَّ هذه الرِّواياتِ تصوِّرُهم بالمظهرِ الذي لا يليقُ بالأنبياءِ المعصومينَ (ع)، وقد صدقَ في قائليها قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي)، وبذلكَ علينا أن نفرِّقَ بين ثلاثةٍ أنواعٍ من الآدامِ:

الأول: هو نبيُّنا آدمُ الجليلُ المعصومُ الذي لا يخطئُ ولا يعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الملائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قدرًا ورتبةً، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).

الثاني: هو آدمُ العاصي الذَّميمُ الذي عصى ربَّهُ وتجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).

الثالث: هو آدمُ المزاجيُّ الذي لم يُذكَرْ لا بالذَّمِّ ولا بالحمدِ إلاَّ بفعلِهِ، وهو آدمُ الإنسانُ الذي خلقَهُ اللهُ ليعرفَهُ ويعبُدَهُ، فأمرَهُ ونهاهُ وأرشدَهُ وأرسلَ له الأنبياءَ مبشِّرينَ، وهو المقصودُ في قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)، وهم الأنفسُ قبلَ أن تلبسَ الأبدانَ البشريَّةَ فعرَضَ اللهُ عليهم جنَّةَ معرفتِهِ ليسكنوا فيها طائعينَ ويأكلوا من رغدِ الولايةِ والإقرارِ، ولا يقربوا من شجرةِ الإنكارِ التي سيغويهِم فيها إبليس الذي توعَّدَ بغوايَتِهم، لأنَّ الغوايةَ لا تقعُ على الأنبياءِ بل على البشرِ لقوله تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ومَن وقعتِ الغوايةُ عليهم هم المقصودونَ في قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)، وهي الخطيئةُ، ولكنَّ اللهَ أخذَ على الأنفسِ الميثاقَ في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، لذلك فإنَّ المؤمنينَ عائدونَ إلى موطنِهم الأصليِّ بعدَ ارتقائهم من عالمِ الغوايةِ إلى عالمِ الهدايةِ لذلك قال تعالى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)، وهذا الارتقاءُ لا يكونُ إلاَّ بالخضوعِ للتجربةِ والتَّدريبِ وجهادِ النَّفسِ ولابدَّ أنَّهُ حاصلٌ لقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وهذا لا يكونُ في عالمِ السَّماءِ بل في عالمِ الأرضِ لذلك وجبَ الهبوطُ لآدمَ المزاجيِّ حتَّى تحصلَ التَّوبةُ فقال تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وهم المؤمنونَ والكافرونَ وليس آدمَ وحوَّاء لأنَّ آدمَ وحوَّاء لم يكونا عدوَّينِ لا في السَّماءِ ولا في الأرضِ، ولو كان الخطابُ لاثنينِ لقالَ: (بعضكُما لبعضٍ)، لكنَّهُ قالَ: (بعضُكم لبعضٍ) ليدلَّ أنَّ العددَ يفوقُ الاثنينِ وهم كلُّ الأنفسِ التي كانت في الذَّرِّ، ولكنَّهُ ثنَّى بلفظِ (اهبطَا) ليشملَ المؤمنينَ والكافرينَ لأنَّهما كانا معًا أثناءَ الإشهادِ لتكونَ الحجَّةُ على الجميعِ فيقرَّ مَن يقرُّ وينكرَ مَن ينكرَ، ووعدَهم بأنَّهُ سيرسلُ لهم الأنبياءَ والمرسلين فقال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)، وهم المؤمنونَ لأنَّ طينَتَهم الطَّيِّبَةَ جُبلَتْ على الإقرارِ، وأردَفَ تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، وهم الكافرونَ لأنَّ طينتَهم الخبيثةَ جُبِلَتْ على الإنكارِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث عشر عن الآيات والنظر

images

السُّؤال الثالث عشر: هل الآياتُ التي يُبيِّنُها اللهُ منظورةٌ بالعين أم معقولةٌ بالقلب؟

الجواب الثالث عشر بإذن اللهِ:

يقول تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، فكلُّ آياتٍ يُبيِّنُها اللهُ تعالى إظهارًا لا إخفاءً، فيتفكَّرُ أهلُ العلمِ في آياتِهِ المبينةِ لقوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً)، وأمَّا أهلُ الجهلِ فيُنكرونَها ويكذِّبونها لأنَّ طينتَهم الشَّيطانيَّةَ مجبولةٌ على الإنكار، وقد قالَ تعالى فيهم: (فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ).
والفرقُ بينَ أهلِ العلمِ وأهلِ الجهلِ كالفرقِ بينَ البصيرِ المُبصرِ بالنُّورِ والأعمى المَعميِّ بالظَّلامِ، ولذلك يقـول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ)، ويقصدُ بالأعمى الحيوانَ البشريَّ الَّذي أظلَمَتْ نفسُهُ فلا يكادُ يقرُّ بشيءٍ من آياتِ اللهِ حتى لو رآها، وبالبصيرِ الإنسانَ المهتدي لمعرفةِ النُّورِ المُبينِ والإقرارِ به لقوله تعالى: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فهل يستويان!؟
إنَّ مَن يساوي بينَ الأعمى والبصيرِ هو المنافقُ الذي لا يمكنُ أن يُؤمَنَ جانبُهُ لأنَّهُ يجمعُ النَّقيضينِ إرضاءً للهِ والشيطانِ، وهذا لا يجوزُ لأنَّ الصِّراطَ المستقيمَ لا يتجزَّأ، وقد قال مولانا الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا يجتمعُ حبُّنا وحبِّ عدوِّنا في جوفِ إنسانٍ)، والإنسانُ هو الذي أنِسَ بمعرفةِ اللهِ كسيِّدنا موسى الذي آنسَ من جانبِ الطُّورِ نارًا فأقرَّ للهِ الذي لا إلهَ إلا هو، فلم يعبدِ النَّارَ تَشبيهًا ولم ينكرْها تعطيلاً.

إنَّ السُّنَّةَ والشِّيعةَ يعطِّلونَ عمليَّةَ النَّظرِ والإبصارِ بالعينِ، ويظنُّونَ أنَّ الرُّؤيةَ للآياتِ هي رؤيةٌ قلبيَّةٌ، وأنَّ النَّظرَ المذكورَ في كتابِ اللهِ هو النَّظرُ بالعقلِ!! ولكنَّ هذا الظَّنَّ فيهِ إثمٌ عظيمٌ لقوله تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ)، فالنَّظرُ هنا يكونُ بالعينِ، لأنَّ اللهَ أظهرَ الآياتِ عِيانًا وأرسلَ النُّذُرَ مبشِّرينَ بيانًا، وهم موجودونَ لا يضرُّهم ألَّا يؤمنَ بهم من جَهِلَهم، لكنَّهم بالنِّسبةِ لأهلِ العلمِ مُعايَنونَ مشهودونَ مسموعونَ، لقول سيِّدنا المسيح (ع): (طُوبى لأنقياءِ النُّفوسِ لأنَّهم يُعاينونَ اللهَ)، ومنه ما قالهُ رسولُ الله (ص) لأميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنَّك تسمعُ ما أسمعُ، وتَرى ما أرى).
ومن كلام أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّه قال: (مَنْ تفكَّرَ أبصرَ)، لأنَّ التَّفكُّرَ دليلُ العلمِ لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، ولاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ)، أمَّا ذكرُهُ للإبصارِ فيُثبتُ الرؤيَةَ، لأنَّ الإبصارَ دليلُ المعرفةِ والشُّهودِ بدليل ما جاءَ عن سيِّدنا المسيح (ع) أنَّه قال: (لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) فقالَ له أحدُهم: (يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا)، فأجابَهم: (أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟)، فأهلُ الجهلِ والإنكارِ يتوقَّفونَ في مرحلةِ يظنُّونَ أنَّها مرحلةُ التَّفكُّرِ ولا يتجاوزونَها لأنَّها بالحقيقةِ مرحلةُ التَّوهُّمِ لقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، أمَّا أهلُ العلمِ والإقرارِ فيتفكَّرونَ ويعانونَ آياتِهِ ويتكلَّمونَ بالتَّوحيدِ الحقِّ فيسلكونَ الصِّراطَ المستقيمَ في العبادةِ لقوله كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (التَّفَكُّرُ في آلاءِ اللهِ نِعْمَ العبادةِ)، لأنَّ العبادةَ ليست محصورةً في حركاتِ الأجسادِ القشريَّةِ كالقيامِ والقعودِ ودفعِ الأموالِ للجمعيَّاتِ والامتناعِ عن الطَّعامِ والشَّرابِ، بل العبادةُ هي التَّدبُّرُ في الصَّلاةِ والارتقاءُ في الصِّيامِ والتَّطهُّرُ بالزَّكاةِ والبلوغُ في الحجِّ، وهذا لا يكونُ إلاَّ بالتَّفكُّرِ عندَ إقامةِ هذهِ الفرائضِ، فإنْ كانَ مقيمُها جاهلاً منكرًا فهو كاذبٌ مُبعَدٌ عن رحمةِ الله لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ الذي يَذهبُ لِيُصلِّي بدونِ تَدَبُّرٍ فكأنَّهُ يَستهزئُ باللهِ).

ومن المهمِّ في الختامِ أن نذكِّرَ بقولِهِ تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وما هذه التَّثنيةُ إلاَّ لإثباتِ أنَّ العبادةَ الصَّادقةَ لا تتجزَّأُ، فالمؤمنُ يُعايِنُ الآياتِ السَّماويَّةَ والأرضيَّةَ دونَ إنكارِ أيٍّ منها لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (التَّصديقُ بملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ عبادةُ المُخلِصِينَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد