أرشيف التصنيف: سؤال وجواب في الدين

السؤال الخامس والعشرون حول مفهوم الدولة الإسلامية

images

 

السُّؤال الخامس والعشرون: هل يؤيِّدُ العلويُّونَ مفهومَ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ على غرارِ إيران؟

 

الجواب الخامس والعشرون بإذن الله:

هناك فرقٌ بين مفهومِ الدَّولةِ والأمَّةِ، فالسُّنَّةُ سَعَوا لتحقيقِ مفهومِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ من خلالِ تجربتين: الأولى هي حكمُ الوهابيَّةِ، والثَّانيةُ هي حكمُ الإخوانِ المسلمين، وهذه تجاربُ فاشلةٌ لأنَّها قائمةٌ على الحروبِ والدَّمِ، فهي لا تعتمدُ التَّعاليمَ الإسلاميَّةَ المحمَّديَّةَ بقدرِ ما تعتمدُ تعاليمَ ابن تيميَّةَ ومحمد بن عبدِ الوهَّاب، وتطبِّقُ مفاهيمَ دولةِ بني أميَّةَ الطَّاغيةِ على الحقِّ.

أمَّا الشِّيعةُ فقد كرَّسوا مفهومَ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ من خلالِ تجربةِ إيران ما بعدَ الثَّورةِ الإسلاميَّةِ التي قادَها الإمامُ الخمينيُّ، لكنَّها اليومَ تجربةٌ فاشلةٌ لأنَّها لم تلتزم تعاليمَهُ بعدما دخلَتْ عليها نفاقاتُ السِّياسةِ والتي كان للإصلاحيِّين دورٌ كبيرٌ فيها، فأقصِيَ الكثيرُ من تعاليمِ الإمامِ الخمينيِ في مقابلِ تمريرِ مصالحَ سياسيَّة، وكمثالٍ على ذلك نتساءَل: لو كانَ الإمامُ الخميني حاضرًا هل كانَ ليَقبلَ هذا التَّقاربَ الإيرانيَّ التُّركيَّ، أو الإيرانيَّ الأمريكيَّ!؟

أجزمُ أنَّهُ لم يكن ليحدثَ ما يحدثُ، وهذا يقعُ على عاتقِ القيادةِ الدِّينيَّةِ الحاليَّةِ في أن تصحِّحَ المسارَ لإعادةِ نجاحِ مفهومِ الدَّولةِ بعيدًا عن اجتهاداتِ أهلِ السِّياسيَّةِ، ولأنَّ هذا شبهُ مستحيلٍ بدونِ وجودِ إمامٍ معصومٍ، فإنَّ مفهومَ الدَّولة الإسلاميَّةِ مفهومٌ غير ناجحٍ ولا يمكنُ تطبيقُهُ إلاَّ على النَّموذجِ الذي طرحَهُ الفيلسوفُ العظيمُ أفلاطون في جمهوريَّتِهِ أو النَّموذجِ الذي طرحَهُ الفيلسوفُ العظيمُ الفارابي في مدينتِهِ الفاضلةِ، وهذا مستحيلُ التَّحقيقِ على الأرضِ.

نحنُ كعلويِّينَ لا نتطلَّعُ لدولةٍ إسلاميَّةٍ لأنَّها لا يمكنُ أن تنجحَ بانتفاءِ العصمةِ عن الحاكمِ لها، عدا عن أنَّ الدَّولةَ لها مفهومٌ توسُّعيٌّ تبشيريٌّ لنشرِ الدَّعوةِ على عكسِ الأمَّةِ التي تحملُ مفاهيمَ الانتماءِ والولاءِ، ولهذا رفضَ المجاهدُ الشَّيخُ صالح العلي (ق) إقامةَ دولةٍ للعلويِّين، كما لم يلجأ القائد الخالد حافظ الأسد (ق) لتحويلِ سوريَّة إلى دولةٍ علويَّةٍ كما يحاولُ أعداؤها التَّرويج، فنحنُ نؤمنُ بمفهومِ أمَّةِ الحقِّ التي ذُكرتْ في القرآنِ الكريمِ بقولِهِ تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، فالأمَّةُ جاءت بمعنى الإمام في قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وجاءَت بمعنى الجماعةِ في قولِهِ: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، ولو كانوا قلَّةً على عكسِ مفهومِ الكثرةِ الذي تسعى له الدَّولة، فنحنُ لا نطمحُ لبناءِ دولةٍ إسلاميَّةٍ بمقدارِ ما نهدفُ لنكونَ أمَّةً صالحةً كما وصفَنا تعالى بقوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ولو قلَّ عددُنا لقولِ رسولِ اللهِ (ص) لرجلٍ سألَهُ عن جماعةِ أمَّتِهِ فقال: (جماعةُ أمَّتِي أهلُ الحقِّ وإنْ قلُّوا)، وهؤلاء هم المقبولونَ لقولِ سيِّدنا شمعونَ الصَّفا وصيِّ سيِّدنا المسيح (ع): (بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الرابع والعشرون حول عبارة: المسيح قام

images

السُّؤالُ الرَّابع والعشرونَ: ماذا تعني عبارة: (المسيح قام) التي يقولُها المسيحيُّونَ؟ ولماذا تستشهدون بكلامِ المسيح (ع) كثيرًا مع أنَّ الإنجيل محرَّف؟

 

الجوابُ الرَّابع والعشرون بإذن الله:

قال الإمام علي الرضا (ع): (إنَّما وقعَ الاختلافُ في هذا الإنجيلِ الذي في أيديكم اليومَ، ولو كانَ على العهدِ الأوَّلِ لم تختلفوا فيه، فلمَّا افتُقِدَ الإنجيلُ الأوَّلُ اجتمعتِ النَّصارى إلى عُلَمائِهم فقالوا لهم: قُتِلَ عيسى وافتقَدْنا الإنجيلَ، فَقَعَدَ لوقا ومرقس ويوحنَّا ومتَّى وَوَضَعُوا لكم هذه الأناجيلَ، وتمَّ اعتمادُها).

والحقيقةُ أنَّ الأناجيلَ الأربعةَ (مَتَّى- لُوقَا- يُوحَنَّا- مُرْقُسْ) لم تكنْ موجودةً في زَمَنِ الحَوَارييِّن، والحَوَارِيُّونَ هم الذين آمَنُوا بسيِّدنا المَسِيحِ (ع) بَعدَ إِظهَارِ المُعجِزَاتِ حيث قال تعالى: (قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، والحواريُّون جَمعُ حَوَارِيٍّ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِخُلُوصِهِم مِنَ العَيبِ وَالذَّنبِ وَإِخلاصِهِم للمَسِيحِ وَنَقَاءِ قُلُوبِهِم وَصَفَاءِ بَوَاطِنِهِم، وَقد ذَكَرَ الإِمَامُ علي الرِّضَا (ع): (أَمَّا الحَوَارِيُّونَ فَكَانُوا اثنَا عَشَرَ رَجُلاً) فَهُم أَنصَارُ اللهِ تَعَالَى أَوَّلاً، وَثَانيًا هُم مَن أَوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيهِم بِالإِيمَانِ قال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ).

لكن بعدَ ثلاثة قرون جاء مِنَ الجماعاتِ العيسَاوِيِّةِ ما يَزيدُ على ألفِ مَبعوثٍ بِمِئاتِ الرَّسائل من مُخْتَلَفِ أنحاءِ الأرضِ إلى مَجْمَعِ نيقية لأجلِ التَّدقيقِ، وهناكَ تَمَّ مِنْ قِبَلِ هَيئةٍ تَضُمُّ (318) شخصًا انتخاب كتابٍ سَمَّتْهُ الكنيسةُ بالعهدِ الجديدِ، بَعْدَ أن حُرِمَ العالَمُ المَسِيحيُّ من كتابٍ لهم (325) سنةً.

بالمقابل تَنَكَّرَتْ المسيحيةُ لإنجيلِ بَرْنابا الذي قَصَّ قِصَّةَ اشتباهِهم بسيِّدنا المسيحِ (ع)، وبَشَّرَ بنبوَّةِ سيِّدنا محمَّد (ص) التي أنكرها النَّصارى وحَذَفُوا كُلَّ عبارةٍ وَرَدَتْ في الأناجيلِ الأربعة دَالَّةً على نُبُوَّتِهِ.

نحنُ لا يمكنُ إلاَّ أن نؤمنَ بالإنجيلِ الذي قال تعالى فيه: (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ)، فالآيةُ تصفُ الإنجيلَ بأوصافٍ أربعةٍ: أَنَّهُ هُدَىً للنَّاسِ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وأَنَّهُ نُورٌ يُضِيءُ للنَّاسِ حَيَاتَهُم وَيُخرِجُهُم مِنَ الشِّركِ إِلَى التَّوحِيدِ، وأَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا وَرَدَ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ، وأَنَّهُ مَوعِظَةٌ للنَّاسِ كَافَّةً، وما يؤكِّدُ ذلكَ قولُ الإِمَامِ عَلِي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لَو ثُنِيَت لِيَ وِسَادَةٌ لَحَكَمتُ أَهلَ التَّورَاةِ بِتَورَاتِهِم وَأَهلَ الإِنجِيلِ بِإِنجِيلِهِم وَأَهلَ الفُرقَانِ بِفُرقَانِهِم).

وإذا كانت السُّنَّةُ والشِّيعةُ تأخذُ علينا استشهادَنا بكلامِ سيِّدنا المسيحِ (ع) بحجَّةِ أنَّهُ محرَّفٌ، وتأخذُ من ذلكَ ذريعةً لاتِّهامنا بأنَّ أصلَنا نصارى وأنَّ أخذنا معتقدَنا منهم وأنَّنا نحتفلُ بأعيادِهم وووإلخ!! فلماذا يستشهدونَ بكلامِ الرَّسولِ (ص) والأئمَّةِ (ع) علمًا أنَّ كثيرًا من الأقوالِ منسوبٌ لهم أو محرَّفٌ أيضًا وهو ما يُصنَّفُ من الإسرائيليَّاتِ الدَّاخلةِ في الإسلامِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ يلتزمُ بقولِهِ تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، ويَزِنُ بالقسطاسِ المستقيمِ كلَّ قولٍ يَرِدُهُ، فنحنُ نؤمنَ بكلِّ الأنبياءِ دونَ استثناءٍ، لذلكَ نستشهدُ بكلامِ سيِّدنا المسيح (ع) كما نستشهدُ بكلامِ سيِّدنا محمَّد كما نستشهدُ بكلامِ الأئمَّةِ المعصومين (ع) بعدَ تدقيقِهِ واعتمادِهِ من قِبَلِ علمائِنا الأفاضل، وما كانَ بعكسِ ذلكَ نردُّهُ التزامًا بأقوالِ أهلِ العصمةِ: (ردُّوا إلينا ولا تردُّوا علينا) لأنَّ فوقَ كلِّ ذي علمٍ عليم.

أمَّا بالنِّسبةِ لعبارةِ (المسيح قام)، فيتبادَلُها النَّصارى اليومَ دونَ أن يعرفوا معناها، فهم يظنُّونَ أنَّ المسيحَ (ع) قامَ من بينِ الأمواتِ بعدَ صلبِهِ والقصَّةُ معروفةٌ، لكنَّ هذا ينافي الواقعَ لأنَّنا نؤمنُ أنَّ المسيحَ لم يُصلَبْ بل شُبِّهَ لهم، ولكنَّ الدَّعوةَ المسيحيَّةَ مبنيَّةٌ على فكرةِ القيامةِ، وهي الظُّهورُ المسيحيُّ مع الإمام محمد الحجَّة القائم المُنتظر (ع)، فالقيامةُ لإحقاقِ الحقِّ وإرساءِ قواعدِ المحبَّةِ والسِّلمِ بالقوَّةِ والجبروتِ، لا كما يفهمونَ معنى المحبَّةِ والسِّلمِ باللُّيونةِ والضَّعفِ، ومن ذلكَ قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تظنُّوا أنِّي جئتُ لألقيَ سلامًا على الأرض، جئتُ لألقيَ نارًا على الأرض)، ولعلَّ نارَ الحقِّ ستُحرِقُ أعداءَ الحقِّ من الآنَ حتى يومِ القيامةِ، ونذكِّرُ بأنَّ العبارةَ الصَّحيحةَ: (سيقومُ المسيحُ كما قامَ حقًّا).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث والعشرون حول دور رجال الدين في مواجهة الفساد

images

 

السُّؤالُ الثَّالث والعشرون: ما هو دورُ رجالِ الدِّينِ في مواجهةِ الفسادِ؟

 

الجوابُ الثَّالث والعشرون بإذنِ اللهِ:

 

سَعَى الإسلامُ بأحكامِهِ إلى حمايةِ المجتمعِ ووقايتِهِ من العابثينَ بأمنِهِ واستقرارِهِ، ومن الّذينَ يتهدَّدونَهُ بالمسِّ بقيمِهِ وأخلاقهِ، فضمانُ تقدُّمِ المجتمعاتِ هو بِحِفظِ قيمِها وأخلاقِها وعدمِ المسِّ بها.

والتَّركيزُ على حمايةِ المجتمعِ بصونِ أركانهِ يبدأ بالتَّشديدِ على الوقايةِ بتعزيزِ مناعتِهِ، ومواجهةِ الفسادِ والانحرافِ.

وقد وصلنا إلى وقتٍ كَثُرَ الحديثُ فيه عن القتلِ والذَّبحِ والزِّنا والسَّرقةِ والسَّطو والخيانةِ وسلبِ أموالِ الدَّولةِ واستغلالِ المسؤولينَ لمناصبِهم حتَّى صارَتْ أخبارُ الفسادِ خبرًا كبقيَّةِ الأخبارِ، وأصبحَتْ توجدُ التَّبريراتُ لهذه الأفعالِ عندما يُبرَّرُ أو يُوجَّهُ الفسادُ ويصبحُ هو الواقعُ.

ومن هنا، جاءَ التَّوجيهُ الإلهيُّ حاسمًا في مواجهةِ الفسادِ والانحرافِ في قوله سبحانَهُ وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، فقد توعَّد بالعذابِ الأليمِ في الدُّنيا والآخرةِ الذين يحبُّونَ أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمَنوا، وهم القائمونَ على الفسادِ في البلادِ، لأنَّ فسادَهم وإفسادَهم كانَ سببًا في شيوعِ الفواحشِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، فهم المسؤولونَ عن شيوعِ الجريمةِ بأنواعِها، وهم المسؤولونَ بإفقارِهم للشَّعبِ عن شيوعِ الرَّشوةِ والسَّرقةِ والرَّذيلةِ والمتاجرةِ بالأجسادِ لتلبيةِ الحاجاتِ المادَّيَّةِ والفيزيولوجيَّةِ للنَّاس، وغيرِ ذلكَ من المسؤوليَّاتِ التي قصَّروا بها.

ولهذا يحثُّ نهجُنا العلويُّ على مواجهةِ الفسادِ وفضحِهِ اقتداءً بثوَّارِ الإسلامِ الحقيقيِّينَ الذين قدَّموا تضحياتِهم الجمَّةَ لإبطالِ فسادِ المُفسِدِينَ، في الوقتِ الذي كانت فيهِ رموزُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ مهادِنَةً للفسادِ باعتبارِ ذلكَ تقيَّةً برأيهم؟

فأينَ مواجهةُ الفسادِ عند المسلمينَ حين اغتُصِبَتِ الخلافةُ بعدَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص)، وحينَ سُرِقَتْ أموالُ بيتِ مالِ المسلمينِ في عهدِ عثمان بن عفان!!

وكم من النَّاكثينَ والمارقينَ والقاسطينَ ظَهروا حينَ حُشِدَتِ الجيوشُ لمحاربةِ الإمامِ علي كرَّمَ الله وجهَهُ، وحينَ تكالَبوا على الإمامِ الحسين (ع) ورجالِهِ تحت راياتِ معاويةَ ويزيد؟

وأينَ غابَتْ أصواتُهم حينَ استُشهِدَ الصَّحابةُ المقرَّبونَ كعمارِ بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري ومالك الأشتر وأويس القرني وغيرهم على يدِ رجال بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ؟

وأينَ المسلمينَ من الثَّائرِ الصَّادقِ ضدَّ الفسادِ سيِّدنا أبي ذر الغفاري الذي واجهَ فسادَ الخليفةِ الثَّالثِ فنُفِيَ إلى الرِّبدةِ وسُحِلَ جسدُهُ واستُشهِدَ في الصَّحراءِ!!!

وأينَ إسلامُ المسلمينَ في العصرِ الحديثِ حين نراهُم بكلِّ سقاطةٍ قد أشهروا سيوفَهم المسمومةَ في وجهِ (النِّظامِ النُّصيريِّ الكافرِ كما زعموا!!) فأرسَلوا داعشَ وجبهةَ النُّصرةِ ليقتلوا سوريَّةَ ويطهِّروها من (رجسِ النُّصيريَّةِ!!)، وزَعَموا أنَّ (العلويِّينَ النُّصيريِّينَ!!) حكموا البلادَ بالدِّيكتاتوريَّةِ والاستبدادِ في عهدِ القائدِ الخالدِ العظيمِ حافظ الأسد والقائدِ المؤمنِ الصَّامدِ بشار الأسد، اللَّذينَ هزَّا عروشَ الأمريكان والصَّهاينةِ والوهَّابيَّةِ، فلماذا وجدنا تآمرَ ملوكِ ورؤساءِ الخليجِ وتونس وفلسطين والأردن والمغرب، وتخاذُلَ رؤساءَ آخرينَ منهم في مصر والعراق وإيران؟ فهل معاييرُهم في مساندةِ الحقِّ هي معاييرُ طائفيَّةٌ!؟

وما هو وجهُ الشَّبهِ بين الإخوانيِّ خالد مشعل وعمرو بن العاص؟ وبين المصري عبد الفتاح السِّيسي الذي طابَتْ له مائدةُ ملكِ السَّعوديَّةِ وأبي هريرةَ الذي طابَتْ له مائدةُ معاوية؟ وكذلكَ الإيرانيُّ حسن روحاني الذي سارعَ لزيارةِ التُّركي أردوغان متجاهلاً حليفَهُ السُّوريَّ الأسدَ فكانَ كمَن نكثَ عهدَهُ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قتالِ النَّاكثينَ أصحابِ الجملِ فلم يَخذلوا الحقَّ ولم يَنصروا الباطلَ؟

والسُّؤال الذي قد يُطرَحُ: لماذا ساهمَ تَسَتُّرُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ عبرَ التَّاريخِ تحتَ مُسمَّى التَّقيَّةِ بتشجيعِ مَن ارتكَبُوا الموبقاتِ على القيامِ بها، بينما لو عَرَفوا أنَّهم سيُفضَحونَ لَتَراجَعوا عنها؟

إنَّ كلَّ رجلِ دينٍ يسكتُ عن الفسادِ ويخافُ من فضحِهِ تقرُّبًا للسُّلطةٍ أو خوفًا من الأمنِ فهو فاسدٌ بحدِّ ذاتِهِ، وهو كأولئكَ المتستِّرينَ على الفاسدينَ عبر التَّاريخِ حتى اليوم، وكأنَّهُ لم يقرأ قولَ القائدِ الخالدِ حافظ الأسد: (لا أريدُ لأحدٍ أن يسكتَ على الأخطاءِ، ولا أن يتستَّرَ على العيوبِ والنَّقائصِ).

نحنُ نقتدي بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّرْهُ بيدِهِ، فإنْ لم يَستطِعْ فبلسانِهِ، فإنْ لم يستطعْ فبقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ).

فقوامُ المجتمعِ بأخلاقِهِ وقيمِهِ، ومتى تعرَّضَتْ للتَّهديدِ فالمجتمعُ كلُّهُ سيكونُ في خطرٍ. فمِن مسؤوليَّتِنا أن نعملَ على الحفاظِ على هذه القيمِ التي إن أُسِيءَ إليها، تهدَّدَتْ أركانُ المجتمعِ وقواعدُهُ. وعلينا في ذلك ألا نكتفي بوعيدِ اللهِ، بل أن نكفَّ أيدي العابثينَ بِقِيَمِ هذا المجتمعِ، سواءَ الذين ينشرونَ الفسادَ، أو الذين يَسعَونَ إلى تسميمِ أجواءِ المجتمعِ بِهِ.

فنحنُ لا ندفنُ رؤوسَنا في الرِّمالِ وكأنَّه لا فسادَ يجبُ معالجَتُهُ وبترُهُ في مجتمعاتِنا، لأنَّنا نأتمرُ بأمرِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ).

ومن ناحيةٍ أخرى، لا نشجِّعُ هذا الفسادَ بإشاعتِهِ والقبولِ به، لأنَّ هذا سوفَ يَمحو صورَ الخيرِ والعطاءِ والمعروفِ والإحسانِ والتَّسامحِ داخلَ مجتمعِنا، أو قصصَ التَّضحيةِ والجهادِ والإباءِ التي يَذخرُ بها مجتمعُنا والتي كتبَها شهداؤنا الأبرارُ ومقاتلونا الأطهارُ في الجيشِ العربيِّ السوريِّ، فهذا ما نَرتقي به، وهذا ما دَعَا اللهُ إليه عندما قال: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والعشرون عن الفرقِ بين السب واللعن

images

السُّؤال الثَّاني والعشرون: ما هو الفرقُ بين السَّبِّ واللَّعنِ؟

الجوابُ الثَّاني والعشرون بإذن الله:

برزتْ في السَّنواتِ الأخيرةِ محطَّاتٌ فضائيَّةٌ هدفُها التَّحريضُ المذهبيُّ لتأجيجِ نيرانِ الحربِ في المنطقةِ والعالمِ الإسلاميِّ، وكان الاعتمادُ الأوَّلُ على أسلوبِ السَّبِّ والتَّكفيرِ المتبادلِ بين السُّنَّةِ والشِّيعةِ، فترى أنَّ هناكَ قنواتٍ تحريضيَّةٍ وهابيَّةٍ هدفُها ضربُ الشِّيعةِ ووصفِهم بالمجوسِ أو الصَّفويِّين وضربُ العلويَّةِ ووصفِهم بالغلاةِ، مستمدِّينَ هذه العباراتِ من التَّجييشِ الذي قامَ بهِ العثمانيُّونَ لنشرِ التَّسنُّنِ في البلدانِ التي احتلُّوها، وبالمقابلِ نجد قنواتٍ تحريضيَّةٍ شيرازيَّةٍ هدفُها ضربُ السُّنَّةِ ووصفِهم بالبكريَّةِ والعمريَّةِ وضربُ العلويَّةِ ووصفِهم بالغلاةِ، مستمدِّينَ هذه العباراتِ من التَّجييشِ الذي مارسَهُ الصَّفويُّونَ لنشرِ التَّشيُّعِ في البلادِ في مقابلِ التَّسنُّنِ العثمانيِّ.

هؤلاء المتناحرونَ ضيَّعوا معالمَ الإسلامِ الحقِّ في نزاعاتِهم الضَّغائنيَّةِ الغريبةِ عن تعاليمِ الإسلامِ الرَّاقيةِ، علمًا أنَّنا لو رجعنا إلى الفتاوى الفقهيَّةِ للمراجعِ السُّنِّيَّةِ والشِّيعيَّةِ لرأينا أنَّها تتَّفقِ بنسبةِ 95% وفق تصريحِ أحد مراجعِ الشِّيعةِ، حتَّى أنَّ شيخَ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ الطُّوسيِّ ذكرَ أنَّ الاختلافَ في الرِّواياتِ عندَ الشِّيعةِ أكثرُ من الاختلافِ فيما بينهم وبينَ أئمَّةِ المذاهبِ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ، فلماذا يتشاتمونَ إن كانوا متقاربينَ كثيرًا فيما بينهم؟ ولماذا يتسابُّونَ والقرآنُ الكريمُ نهى عن السَّبِّ في قوله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)؟

وفيما يتعلَّقُ بالسُّؤالِ فقد وجبَ التَّنبيهُ على أن اللَّعنَ غير السَّبِّ والشَّتمِ، فهو مصطلحٌ قرآنيٌّ، وقد وردَ ذكرهُ في أحاديثِ رسولِ الله والأئمَّةِ المعصومين (ع)، لأنَّهُ ليسَ جزءًا من أجزاء السَّبِّ والشَّتمِ كما يعرِّفُهُ علماءُ اللغةِ في لسانِ العربِ، فهذا طعنٌ بآدابِ كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِهِ ونهجِ عترتِهِ، لكنَّ اللَّعنَ يصدرُ من اللهِ تعالى أو من الرَّسولِ والأئمَّةِ (ع) بمعنى الغضبِ والانتقامِ والإبعادِ من الرَّحمةِ، فأن تقولَ: (لعنَ اللهُ الذي خالفوا اللهَ ورسولَهُ) فأنتَ تدعو عليهم بالطَّردِ من الرَّحمةِ وإنزالِ العذابِ، لأنَّ فِعلَهم لا يتناسبُ مع رحمةِ اللهِ، لأنَّ اللهَ تعالى أرسلَ الرَّسولَ (ص) رحمةً كمحجَّةٍ للمؤمنينَ ورحمةً كحجَّةٍ على الكافرين، فلفظُ الرَّحمةِ في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) لا يعني أنَّ الرَّحمةَ ستعمُّ الجميع، وإلاَّ فأينَ العدالةُ الإلهيَّةُ؟ ولماذا يطالِبُ الرَّبُّ العبادَ بطاعتِهِ إنْ كانَ في النِّهايةِ سيرحمُ الجميعَ؟ وهل يُعقلُ أن يضيعَ عملُ المؤمنينَ الطَّائعينَ وجهادُهم سدًى، ويتساوَونَ في النِّهايةِ مع الكافرينَ الجاحدينَ؟ إذن: لماذا لعنَهم اللهُ ووعدَهم جهنَّم خالدينَ فيها أبدًا؟ فهل القرآنُ يكذبُ معاذَ اللهِ!؟

إنَّ الرَّحمةَ المذكورةَ تتعلَّقُ بالنَّبيِّ الأكرمِ (ص) لا بالعالمين، فهو الرَّحمةُ المطلَقَةُ المرسَلَةُ للخلقِ أجمعينَ، وهو لا يتغيَّرُ بتغيُّرِ القومِ المُرسَلِ إليهم كمثلِ ضوءِ الشَّمسِ يطلعُ على الرُّوحانيِّ والمادِّيِّ، فلا يتغيَّرِ بحسبِ نظرةِ النَّاظرِ إذ يبقى في جوهرِهِ رحمةً، فيراهُ الرُّوحانيُّ نورًا ويراهُ المادِّيُّ نارًا، كما ذكرَ سيِّدنا المسيح (ع) أنَّ الآبَ في السَّماواتِ: (يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ).

ومن هنا جاءَ قولُ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ عن النَّاسِ في عهدِهِ لمالك الأشتر (ع) حينَ ولاَّهُ على مصر: (إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)، وليسَ القولُ كما يتبجَّحُ المنافقونَ بأنْ تساوي بينَ النَّاسِ جميعًا، بل بأنَّ لك أخٌ في الدِّينِ عليكَ إكرامُهُ وتوقيرُهُ ومواساتُهُ ومساواتُهُ وإيثارُهُ، ولك نظيرٌ في الخلقِ، والنَّظيرُ وهو الشَّبيهُ في اللغةِ، وعليكَ أن تتعاملَ معهُ بالتَّقيَّةِ المفروضةِ احترامًا لنسبةِ الخيرِ التي يحملُها، والتي كانت سببًا في بقائِهِ على هذه الصُّورةِ الإنسانيَّةِ الآدميَّةِ المشابهةِ لصورتِكَ، لا أن تساويهِ بأخيك، وهم كما أنَّهم لم يفهموا كلامَ مولانا الإمامِ فكذلكَ لم يفهموا كلامَ سيِّدنا المسيحِ (ع) في قوله: (لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً)، لأنَّ المسيحَ لم يكنْ يدعو للضَّعفِ والخنوعِ وإلاَّ فَمَا معنى رسالتِهِ!! إلاَّ أنَّه كانَ يعلِّمُهُم أدبَ التَّعاملِ مع الإخوانِ، لأنَّ الموعظةَ كانت موجَّهَةً لتلاميذهِ، وهم خاصَّةُ الخاصَّةِ عندَهُ، فوجَبَ بينهم التَّسامحُ والمحبَّةُ والإيثارُ، علمًا أنَّ الشَّرَّ لا يصدرُ عنهم، لكنَّ هذا الكلامَ على سبيلِ التَّعليمِ والتَّقيَّةِ.

أمَّا طلبُ المغفرةِ والدُّعاءُ والمُسامحةُ فلم تكن للكافرينَ والمنافقين بل للمؤمنينَ بدليلِ قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، وقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، وقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، وقوله على لسانِ سيِّدنا نوح (ع): (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً).

لذلكَ نجدُ نهجَنا العلويَّ ليسَ نهجًا دعويًّا يسعى لتكفيرِ الآخرِ وصهرِهِ في بوتقَتِهِ، بل هو نهجٌ عرفانيٌّ يبني الإنسانَ المؤمنَ بروحانيَّةٍ معرفيَّةٍ أخلاقيَّةٍ تسعى به للارتقاءِ إلى أعلى درجاتِ الإنسانيَّةِ دونَ ضعفٍ أو خنوعٍ أو نفاقٍ أو رياءٍ أو مجاملةٍ، ولهذا يقضي العلويُّ الحقيقيُّ حياتَهُ مجاهدًا في سبيلِ الحقِّ دونَ أن يفترَ لحظةً أو يتقهقرَ، ومَن لم يكنْ مجاهدًا فهو قاعدٌ ولا يتساوى بالمجاهدِ لقوله تعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً)، ولكن بشرطِ ألاَّ يتحوَّلَ قعودُهُ إلى نفاقٍ ومجاملةٍ لمَن يريدُ استباحةَ طهارةِ نهجِنا بافتراءاتِهِ وأكاذيبِهِ، وإلاَّ كانَ كَمَن تخلَّفَ عن جيشِ أسامةَ فوقع فيهِ قولُ الرَّسولِ الأكرمِ (ص): (لعنَ اللهُ كلَّ مَن تخلَّفَ عن جيشِ أسامة).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الحادي والعشرون حول الانفعالية في الحوار الديني

images

السُّؤال الحادي والعشرون: لماذا تزدادُ الانفعاليَّةُ والعصبيَّةُ في الحواراتِ الدِّينيَّةِ؟ وهل من طريقِ لحلِّ هذه الظَّاهرةِ؟

الجواب الحادي والعشرونَ بإذنِ الله:

لعلَّ من أبرزِ المشكلاتِ التي يعاني منها شبابُنا هي مشكلةُ الانفعالِ والتَّهوُّرِ في الحكمِ على الأمورِ الدِّينيَّةِ، ومِن الطَّبيعيِّ أن تؤثِّرَ هذه الظَّاهرةُ سلبًا في رؤيتِهم للواقعِ وللأشياءِ وللأشخاصِ، فيفقدونَ وضوحَ الرُّؤيةِ، وتختلطُ الصُّورةُ الحقيقيَّةُ في عيونِهم بصورٍ زائفةٍ، وترتبكُ خطواتُهم، لأنَّ الانفعالَ يُغرقُ شخصيَّتَهم في أجواءٍ ضبابيَّةٍ غارقةٍ بالسِّحرِ والإغراءِ، لأنَّه يتعاملُ مع العاطفةِ، ولا يتعاملُ مع الفكرِ، ما يجعلُ للتَّسرُّعِ دورًا كبيرًا فيما يصدرُهُ الشَّابُّ من حكمٍ، وفيما يخلقهُ من انطباعٍ، وفيما يتَّجهُ إليهِ من غاياتٍ… وبذلكَ، يفقدُ الحكمُ حيثيَّاتِهِ الهادئةَ المتَّزنَةَ، ويغيبُ التَّركيزُ.

وأبرزُ نتائجِ الانفعاليَّةِ السَّلبيَّةِ هي العصبيَّةُ القبليَّةُ والعشائريَّةُ، فصانعو الفتنِ عبر التَّاريخِ كانوا يستغلُّونَ عواطفَ النَّاسِ وجهلَهم بالأمورِ، ويُحرِّضونَهم عن طريقِ استثارةِ العواطفِ وسَحرِهم بفتنةٍ ما لينجرُّوا وراءَ صاحبِ الفتنةِ بعماءٍ مُطلَقٍ.

فلنتفكَّرَ قليلاً: لو تخلَّصَ السُّنَّةُ من انفعالِهم لأقسَطوا الموازينَ وعرفوا أنَّ الإمامَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وفاطمة الزَّهراء والحسنَ والحسينَ هم الأقربُ منزلةً والأجلُّ درجةً بينَ أصحابِ الرَّسولِ (ص)، ولَمَا التبسَ عليهم التَّاريخُ الإسلاميُّ الحافلُ بالخياناتِ والمؤامراتِ، فلا تجدُ حينَها أحدًا من السُّنَّةِ يكفِّرُ العلويِّين لأنَّهُ أعمَلَ فكرَهُ ووعيَهُ ولم ينجرَّ وراءَ فتوى ابن تيميَّةَ القاتل بفتواهُ لكلِّ علويٍّ جاءَ في عصرِهِ حتَّى الآن، ولكنَّ الانفعاليَّةَ والعصبيَّةَ أودَتْ بقسمٍ كبيرٍ منهم للَّحاقِ بركبِ العرعورِ والقرضاوي والعريفي وغيرهم من المجرمين التَّكفيريِّين، وحدثَ ما حدثَ في سورية والعالم العربي.

ولو تخلَّصَ الشيِّعةُ من انفعالِهم لما رأيناهم يمتهنونَ السُّبابَ والشَّتائمَ للمخالفينَ في عهدِ رسولِ اللهِ (ص)، لأنَّ الشَّتمَ والسَّبَّ يؤجِّجُ النِّيرانَ والعداواتِ، ولهذا نجدُ العراقَ مشتعلاً وسيبقى مشتعلاً إلى الأبدِ بسببِ الانفعاليَّةِ في التَّعاطي مع الواقعِ الحياتي، وقد قال مولانا الإمام علي كرَّمَ الله وجهَهُ: (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ، ولكنَّكم لو وصفتُم أعمالَهم وذكرتُم حالَهم لَكانَ أصوبَ) لكنَّهم لا يلتزمونَ قولَ مَن يدَّعون الانتماءَ لنَهجِهِ، وهذا يؤكِّدُ انحرافَهم عن النَّهجِ الإماميِّ والتحاقَهم بمذاهبِ شيوخِ العمائمِ المتخالفينَ أصلاً، فقسمٌ لحقَ بعلي السِّيستاني، وقسمٌ لحقَ بكمال الحيدري، وقسمٌ ركبَ مركبَ الشِّيرازيَّةِ التي ينطق باسمِها ياسر حبيب وعبد الحليم الغزي، ولكلٍّ منهم مشروعُهُ الخاصُّ في نشرِ الدَّعوةِ الشِّيعيَّةِ، فإذا وقفتَ في طريقِهم انفعلوا وقاموا بشتمكَ وسبِّكَ وتكفيرِكَ ووصفِكَ بالغلوِّ وتركِ الشَّريعةِ وإباحةِ المحرَّماتِ!!

واليومَ يشوبُ مجتمعَنا العلويَّ بعضُ الانفعاليِّينَ الذينَ يصطادُهم بعضُ الظَّلاميِّينَ المنافقينَ الذينَ يسعونَ لنشرِ بدعِهم وفتَنِهم في صفوفِ الإخوانِ، فتراهم يشتمونَ العلاَّمةَ المؤمنَ، ويحاولونَ النَّيلَ من سُمعَتِهِ ومن سمعةِ مَن انتهجَ نهجَهُ ودافعَ عن فكرِهِ، ويقذفونَهُ بما ليسَ فيهِ مع أنَّ رسولَ اللهِ (ص) حذَّرَ من ذلكَ في وصيَّةٍ لأبي ذر الغفاري (ع) حينَ قال: (يا أبا ذر، إيَّاكَ والغِيبة، فإنَّ الغيبةَ أشدُّ من الزِّنا… يا أبا ذر، سُبابِ المؤمنِ فُسُوقٌ وقتلُهُ كفرٌ وأكلُ لحمِهِ من معاصي اللهِ، وحرمةُ مالِهِ كحرمةُ دمِهِ)، فقال: وما الغيبةُ يا رسول الله؟ قال (ص): (ذِكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ)، فقالَ: وإنْ كانَ فيه ذاك الذي يُذكَرُ به؟ فقال (ص): (إن ذكرتَهُ بما هو فيه فقد اغتبْتَهُ، وإن ذكرتَهُ بما ليسَ فيه فقد بَهَتَّهُ)، كما وردَ عن أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّه قال لأحدِ أصحابِهِ: (اجتنبِ الغيبةَ فإنَّها إدامُ كلابِ النَّارِ، كذبَ مَن زعمَ أنَّهُ ابنٌ من حلالٍ وهو يأكلُ لحومَ النَّاسِ بالغيبةِ).

وكم نتعرَّضُ اليوم لهذا البُهتان من الحاقدينَ المنافقينَ المتطاولينَ على أدبِ الأئمَّةِ المعصومين (ع)، فنجدُهم يسبُّوننا ويلعنونَنا ويفترونَ علينا ويهدِّدوننا لأنَّنا نقفُ في مواجهةِ مَن يريدُ أن يغتصبَ نهجَنا المعصومَ، ونتمسَّكُ بعروةِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ الله وجهَهُ الوثقىَ التي قال تعالى فيها: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، ونسلكُ سبيلَ العلاَّمةِ الجليلِ في دحضِ الشُّبهاتِ والأباطيلِ، فبماذا إذن يختلفُ هؤلاء المفترونَ عن سنَّةِ ابنِ تيميَّةَ وشيعةِ محمد مهدي الشِّيرازيَ؟ ألا تليقُ بهم مقولةُ سيِّدنا المسيح (ع): (يا أولادَ الأفاعي، كيف تقدرونَ أن تتكلَّموا بالصَّالحاتِ وأنتم أشرار؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ)!؟

هم وأولئكَ صنفٌ واحدٌ يهمُّهُ إرضاءُ شيطانِهِ، فالحذرُ كلُّ الحذرِ يا أبناءَ وطني من أهل الظُّلماتِ الفكريَّةِ المُفتِنَةِ المقزِّزَةِ، فالظُّلماتُ الفكريَّةُ سادَتْ علينا أمويًّا وعبَّاسيًّا وعثمانيًّا وفرنسيًّا، ونحن اليومَ في زمنٍ حانَ للظُّلماتِ فيه أن تنقشعَ، وللنُّورِ أن يملأ الأرجاءَ بالعلمِ الرَّاقي والانفتاحِ الصَّافي، لنفهَمَ أنَّ عبارةَ (أنا أو لا أحد) باطلةٌ، وأنَّ علينا أن نتعايشَ باحترامٍ، ونقبلَ بوجودِ بعضِنا على اختلافاتِنا، وأن نتحادثَ ونتناقشَ ونتبادلَ أفكارَنا دون تعصُّبٍ أو غباءٍ مقرونٍ بالشَّتمِ لبعضنا والسَّبِّ واختلاقِ القصصِ والأكاذيبِ.

وكم أتحسَّسُ اليومَ العقابَ الإلهيَّ على هذه الأرضِ نتيجةَ الجهلِ والعمى والمخالفاتِ المتراكمةِ والمحارَبةِ الشَّرسةِ لأهلِ الحقِّ، والتي بدأت بجريمةِ قابيلَ الأولى، ومرَّتْ بمحاربة كلِّ الأنبياءِ، وبالعداوةِ لأميرِ المؤمنينَ وأهل البيتِ المعصومين (ع)، ووصلَتْ إلى امتهانِ سمعةِ أصحابِهم المقرَّبينَ وأتباعِهم الميامين: فاتَّهموا سيِّدَنا أبا الخطَّاب محمد بن أبي زينب بادِّعاءِ النُّبوَّةِ، واتَّهموا سيِّدَنا المفضَّلَ بن عمر بالغلوِّ، واتَّهموا سيِّدَنا أبا شعيب محمد بن نصير بالغلوِّ وادِّعاءِ النُّبوَّةِ وطعنوا بأخلاقِهِ، واتَّهموا سيِّدَنا الحسين بن حمدان الخصيبي بالغلوِّ، وطعنوا بنسبِ وانتماءِ سيِّدَنا الميمونِ بن القاسمِ الطَّبرانيِّ وزعموا أنَّهُ حاخامٌ يهوديٌّ، وحاربوا كلَّ عالمٍ من علمائِنا حتَّى وصلوا اليومَ ليتَّهمونا بنفسِ التُّهم لأنَّ أسلوبَهم القذرَ واحدٌ وطريقَتَهم الدَّنيئةَ واحدةٌ في المكرِ والتَّلبيسِ واستنهاضِ المشاعرِ الانفعاليَّةِ عندَ الأغلبيَّةِ اللاعقلانيَّةِ، ولكنَّ النَّتيجةَ في النِّهايةِ كما قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد