كل مقالات admin

السؤال الرابع والستون حول النَّبيِّ الأمِّيِّ

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والسِّتُّون: ما هو المقصودُ بالنَّبيِّ الأمِّيِّ؟ وهل يُعقَلُ أن يكونَ النَّبيُّ أمِّيًّا جاهلاً؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

مِن أسوأ الشُّبهاتِ التي حاولتِ النَّيلَ من سيِّدنا محمَّد (ص) إجماعُ شيوخِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ على أنَّهُ كانَ أمِّيًّا لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ.

والأغربُ من ذلكَ أنَّ كبارَ شيوخِ الشِّيعةِ وافقوا هذا الرأيَ الغريبَ، فمنهم الشَّريفُ المرتضى في رسائلِهِ حين سُئِل عما يجبُ اعتقادُهُ في النَّبيِّ (ص): هل كان يحسنُ الكتابةَ وقراءةَ الكتبِ أو لا؟ فأجاب: (بأنَّ كِلا الأمرينِ محتملانِ من دونِ القطعِ بأحدهما)!! وكذلكَ شيخُ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ الطُّوسي الذي قال: (فأمَّا قولُهم: إنَّه يجبُ أن يكونَ عالمًا بسائرِ المعلوماتِ وبالغيبِ، فلا شبهةَ في بطلانِهِ، لأنَّ من المعلومِ أنَّ جميعَ ذلك لا تعلُّقَ له ببابِ الدِّينِ)!!! وكذلك شيخهم المفيدُ القائلُ في السِّياقِ نفسِهِ: (وليسَ من شرطِ الأنبياءِ أن يحيطوا بكلِّ علمٍ، ولا أن يَقفوا على باطنِ كلِّ ظاهرٍ، وقد كان نبيُّنا محمَّد أفضلَ النَّبيِّينَ وأعلمَ المرسَلينَ أمِّيًّا بنَصِّ التَّنزيلِ، وكان يَسألُ عن الأخبارِ ويَخفى عليهِ منها ما لم يَأتِ به إليهِ صادقٌ من النَّاس)!! وكذلك من المتأخِّرينَ محسن الأمين بقوله: (أمَّا ما ذكرَهُ الشَّيخُ المفيدُ من أنَّ الإمامَ لا يعلمُ جميعَ ما يكونُ إلاَّ في الأحكامِ، فهو الحقُّ الذي لا شُبهةَ فيه، وكذلكَ النَّبي، إذ لم يَدلَّ على ذلك دليلٌ من عقلٍ ولا نقلٍ، وإنَّما قام الدَّليلُ على عدمِ جوازِ جهلِ النَّبيِّ أو الإمامِ شيئًا من الأحكامِ عند حاجةِ العبادِ إليهِ، ولا يجبُ أن يعلمَ النَّبيُّ الأحكامَ كلَّها قبلَ الحاجةِ إليها)!!

أيُّ إجحافٍ وأيَّةُ شبهةٍ أجمعَ عليها شيوخُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ بفهمِهم القاصرِ لصفةِ الأمِّيّ الواردةِ في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)!؟

وهل لجاهلٍ لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ وأصولَ النَّحوِ والبلاغةِ أن يأمرَ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ ويحلَّ الحلالَ ويحرِّمَ الحرامَ؟ وهل حضَّ جاهلٌ على وجهِ الأرضِ أتباعَهُ على طلبِ العلمِ والمعرفةِ كما حضَّ النَّبيُّ (ص): (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ)، وقوله: (اطلبوا العلمَ ولو في الصِّين)؟ وكيفَ لجاهلٍ لا يعرفُ أصولَ الكلامِ أن يقرأ القرآنَ بدونِ لحنٍ فيه وقد نَبَّهَ تعالى من هؤلاء بقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)؟ وكيفَ لجاهلٍ لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ أن يدقِّقَ ما يجمعُهُ حَفَظَةُ القرآنِ وكُتَّابُ الوحي الذينَ أمرَهم بجمعِهِ وحفظِهِ؟

لقد تصدَّى سادةُ العلويَّةِ النُّصيريَّة وعلى رأسِهم سيِّدنا محمدُ بن نُصَيرٍ (ع) لهؤلاءِ الجُهَّالِ الذينَ يسيئونَ للنَّبيِّ الأعظمِ (ص) حين أوضحوا أنَّ صفةَ الأمِّيِّ لا تعني الجهلَ بالقراءةِ والكتابةِ عدا عن الإحاطة بعلمِ كلِّ شيءٍ، بل هي صفةُ المُماثَلَةِ والانتماءِ الاجتماعيِّ للقومِ الأمِّيِّينَ الذينَ أرسلَ لهم بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، ومن غيرِ المعقولِ أن أهلَ مكَّةَ كانوا جميعًا لا يعرفونَ القراءةَ والكتابةَ، بل إنَّهم لُقِّبوا بالأمِّيِّينَ لأنَّهم أهلُ مكَّةَ، ومكَّةُ أمُّ القرى، فلُقِّبوا بالأمِّيِّين نسبةً لذلك، وكانت صفتُهُ الأمِّيُّ؛ أي أنَّهُ مَكِّيُّ الانتماءِ، وهو الذي أمَّ البشرَ جميعًا كما أمَّتْ مكَّةُ الأماكنَ جميعًا، والتي كانت تُدعى بالقرى، وقد جاءَ ليُذِرَ الأمِّيِّينَ في أمِّ القرى ثمَّ ينشرَ رسالةَ الإسلامِ في بقاعِ الأرضِ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثالث والستون حول مفهوم البرزخ

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والسِّتُّون: ما هو عالمُ البرزخِ؟ هل هو كما تقولُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ عالمُ ما بعدَ الحياةِ الدُّنيا وقبلَ يومِ القيامةِ في داخلِ القبرِ؟ أم أنَّ البرزخ له معنى آخر في نهج السيد محمد بن نصير (ع)؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

في مواجهةِ قياسِ رجالاتِ السُّنَّةِ واجتهادِ رجالاتِ الشِّيعةِ كان النَّهجُ العلويُّ النُّصيريُّ الذي قادَهُ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) يؤكِّدُ على التزامِ النَّصِّ الواردِ عن المعصومينَ عبارةً وإشارةً، ومن المفاهيم التي اختلطتْ على السُّنَّةِ والشيعةِ فصحَّحها نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ مفهومُ البرزخِ.

فقد التبس على الشِّيعةِ مفهومُ البرزخِ حينَ اعتقدوا أنَّه يمثِّلُ مرحلةَ القبرِ عندَ حسابِ ومساءَلَةِ ومعاينةِ الملائكةِ مستندين إلى قول الإمام جعفر الصادق (ع): “إنَّما يُسألُ في قبرِهِ من محضِ الإيمانِ والكفرِ محضًا، وأمَّا سوى ذلك فيُلهَى عنه”، مع أنَّه لم يذكر كلمةَ البرزخ في كل الحديث، لكنَّهم ظنُّوا أنَّ حياةَ القبرِ هي البرزخ اعتمادًا على رواياتِ الكليني والمجلسي كرواية التقاء سلمان وعبدالله بن سلام إذ قالَ أحدهما لصاحبِهِ: إنْ مُتَّ قبلي فالقَنِي فأخبرنِي ما صنعَ بكَ ربُّكَ، وإن أنا متُّ قبلكَ لقيتُكَ فأخبرتُكَ، فقال عبدالله بن سلام: كيف هذا؟ أو يكون هذا؟! قال: نعم، إنَّ أرواحَ المؤمنينَ في برزخٍ من الأرضِ تذهبُ حيث شاءَتْ، ونفسُ الكافرِ في سجِّين).

وكذلكَ الأمرُ عندَ السُّنَّةِ لأنَّهم لم يفهموا ما هو المقصودُ من قولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ وتولَّى عنه أصحابُهُ، وإنَّهُ لَيَسمَعُ قرعَ نِعَالهم أتاهُ ملكانِ فيُقعِدانِهِ فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ؛ أي محمَّد؟ فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنَّهُ عبدُ اللهِ ورسولُهُ. فيقالُ: انظر إلى مقعدكَ من النَّار، قد أبدلَكَ الله به مقعدًا من الجنَّةِ، فيراهُما جميعًا ويُفسَحُ في قبرِهِ. وأمَّا المنافقُ الكافرُ فيقال له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فيقولُ: لا أدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ. فيقالُ: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ويُضرَبُ بمطارقَ من حديدٍ ضربةً فيصيحُ صيحةً يسمَعُها مَن يليه غيرَ الثَّقلين)، واعتبر أغلبُ مشائخِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ العذابَ والنَّعيمَ في القبرِ يقعُ على جسدِ الميتِ، فيتأثَّرُ الجسدُ بالعذابِ فتتألَّمُ الرُّوحُ منه، كما لو كانَ حيًّا، ولكنَّ هذا غير صحيحٍ لأنَّ العذابَ واقعٌ بالنَّفسِ لا بالجسدِ بدليلِ قولِ الإمام الصَّادقِ (ع): (بُني الجسدُ على أربعةِ أشياءٍ: الرُّوحُ والعقلُ والدَّمُ والنَّفسُ، فإذا خرجَ الرُّوحُ تَبِعَهُ العقلُ، فإذا رأى الرُّوحُ شيئًا حفظَهُ عليه العقلُ، وبقيَ الدَّمُ والنَّفسُ)، فالرُّوحُ والعقلُ في البرزخِ المذكورِ في سورة المؤمنون في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، والدَّمُ والنفسُ في القبر، ويُقصَدُ بالنَّفسِ النَّفسُ الحيوانيَّةُ الشَّهوانيَّةُ.

إنَّ المفهومَ الأوَّلَ للبَرزَخِ في مفهومنا العلويِّ النُّصيريِّ هُوَ الفَاصِلُ ما بَينَ عالَمِ الطَّبعِ وَعالَمِ المُثُلِ، وسمِّيَ بَرزَخًا لِكَونِهِ بَينَ الدُّنيا وَالآخِرةِ, فَالدُّنيا دارُ ابتِلاءٍ وَامتِحانٍ, وَالآخِرَةُ دارُ راحةٍ وَقَرارٍ, لِقَولِهِ تَعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وَالمَأثورُ عَنِ الأنبِياءِ (ع): (إنَّ عالَمَ البَرزَخِ عالَمٌ تَتَخَلَّصُ فيهِ النُّفوسُ مِن شَوائِبِها الغَريبة).

ونحن كعلويِّين نُصَيريِّين نفهمُ أنَّ معنى البرزخِ أعمقُ أيضًا من ذلكَ، فقد وردت كلمة البرزخ في سورة الفرقانِ في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً)، وقد شرح أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه هذا بقوله: (سمُّوهم بأحسنِ أمثالِ القرآنِ- يعني عترةَ النَّبي- “هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ” فاشربوا “وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ” فاجتنبوا)، وَالبَرزَخُ بينهما هُوَ الصِّراطُ المُستَقيمُ في قَولِهِ تَعالى: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)، وَالصِّراطُ طَريقُ الدِّينِ المَسلوكُ إلى المَعرِفَةِ وَالجَنَّةِ, وَهذا الصِّراطُ هُوَ استِقامَةُ التَّوحيدِ والحَقِّ ضِدَّ انحِرافِ وَاعوِجاجِ الشِّركِ والباطِلِ، لذلك كانَ حجرًا محجورًا أن يسلكَهُ إلا المؤمنون، وسترًا ممنوعًا على الكافرين، لأنَّ المُؤمِنَ يَبقى على الفِطرةِ الأصلِيَّةِ الَّتي هِيَ الإيمانُ وَالمَعرِفَةُ بِاللهِ الثَّابِتانِ مِن دُونِ تَغَيُّرِ الطَّعمِ, وَهُوَ البَحرُ العَذبُ ماؤهُ الفُراتُ سائِغٌ شَرابُهُ يَروي قلُوبَ المُؤمِنينَ التي إذا وَرَدَت عليها الرَّموزُ وَالمَعاني الحَقيقيَّةُ تَقبَلُها وَتَزدادُ إشراقًا وَسُرورًا لقولِ أمير المؤمنين كرَّم الله وجهَهُ لكُمَيلِ بن زياد: (إنَّ هذهِ القُلوبَ أوعِيَةٌ فَخَيرُها أوعاها)، وقد قالَ تَعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ), فَبِقَدرِ صَفاءِ القُلوبِ لِلمُؤمِنينَ تُقبَلُ الاستِنارَةُ وَالمَعارِفُ الإلهِيَّةُ وَالعُلومُ الرَّبَّانِيَّةُ فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُزيلُ عَن قَلبِ المُؤمِنِ الرَّانَ وَيَهديهِ إلى الطَّريقِ القَويمِ وَالصِّراطِ المُستَقيمِ بِالبُرهانِ القاطِعِ وَالدَّليلِ السَّاطِعِ، أمَّا الكافِرُ وَالمُشرِكُ الذي شَبِعَ مِنَ البَحرِ المالِحِ الأجاجِ الذي لا تَقبَلُهُ إلاَّ القَلوبُ المُنكَرةُ لِلحَقيقةِ، وَإن اطَّلَعَتْ على سِرِّ الإيمانِ تُؤَوِّلُهُ وَتُحَرِّفُهُ إلى غَيرِ مَوقِعِهِ, لأنَّ هَذِهِ القُلوبَ مَريضَةٌ مَحجوبَةٌ بِالشَّكِّ وَالشِّركِ وَالرِّيبِ لا يَستَقِرُّ بِها تَلويحٌ وَلا تَصريحٌ, خالِيَةٌ مِن تَوحيدِ اللهِ، فهي لا تَنتَفِعُ بِالمَواعِظِ، إذ غَلَبَت عَليها الشَّقاوَةُ وَالغَباوَةُ.

فالباري سبحانَهُ مرجَ البحرينِ وأظهرَ المَثَلَ دليلاً على الممثولِ في قوله تعالى في سورة الرَّحمن: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ)، وقد وردَ في شرحِ الآيةِ قول أمير المؤمنين الإمام علي كرَّم الله وجهه: (يا سلمان ويا جندب، أنا محمَّد ومحمَّد أنا، وأنا من محمَّدٍ ومحمَّدٌ منِّي ، قال الله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ)، كما وردَ في معنى الآيةِ قولُ الإمام جعفر الصادق (ع): (عليٌّ وفاطمةُ بحرانِ عميقانِ لا يبغي أحدُهما على صاحبِهِ، والبرزخُ رسول الله، وقوله: ” يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ” الحسن والحسين).

فالتقاءُ البحرينِ توحيديًّا يكونُ من حيثُ شهادةُ المؤمنِ على أنَّ الابنَ عينُ الآبِ إثباتًا، لكنَّ الآبَ غيرُ الابنِ تحقيقًا، بدليلِ قولِ سيدنا المسيح (ع): (أنا والآبُ واحدٌ، ولكنْ هوَ أعظمُ مِنَ الكلِّ)، وهذا التَّوحيدُ يمثِّلُ عدمَ البغي لأنَّ ميزانَ الحقِّ يتَّصفُ بالعدلِ لا بالبغي، لكنَّ الكافِرَ نسبَ البغيَ للميزانِ لأنَّهُ أنكرَ الآبَ بعد أن رأى الابنَ، وَكذلكَ المُشرِكُ فعلَ لأنَّهُ زعمَ أنَّ الابنَ ماهِيَّةٌ للآبِ، فَمَثَلُهما كَمَثَلِ النَّباتِ اليابِسِ مَهما أجرَيتَ عَلَيهِ مِنَ الماءِ العَذبِ لا يَنتَفِعُ بِهِ, وهُوَ كَالهَباءِ المَنثورِ الَّذي تَذروهُ الرِّياحُ, لأنَّهما لَم يَسمَعا قولَ سيِّدنا المسيح (ع): (لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السؤال الثاني والستون حول ظهور النبي

images

السُّؤال الثَّاني والسِّتُّون: كيفَ يحتفلُ العلويَّةُ النُّصيريَّةُ بعيدِ المولدِ النَّبويِّ إن لم يؤمنوا ببشريَّةِ النَّبيِّ؟

 

الجوابُ الثَّاني والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

إنَّ أحدَ الاختلافاتِ العقائديَّةِ بينَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ من جهةٍ وبينَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ من جهةٍ أخرى هي مسألةُ بشريَّةِ النَّبيِّ محمَّدٍ (ص) وجميعِ الأنبياءِ والمرسلين (ع)، فهم ينظرونَ إلى النَّبيِّ محمَّد (ص) بأنَّه وُلِدَ من أبٍ وأمٍّ واستقرَّ في الرَّحمِ وكانَ يأكلُ الطَّعامَ ويمشي في الأسواقِ، ويفرحُ ويحزنُ ويتألَّمُ ويسهو وينسى…. إلخ، ولذلك فقد استطاعَ أن يعيشَ آلامَ البشرِ ومشاكِلَهم!! فهل اختلفتْ مقولَتُهم عن مقولةِ الذينَ ذكرهم القرآنُ الكريمُ بقولِهِ: (وقالُوا مالِ هذا الرّسولِ يأكُلُ الطَّعام ويَمشي في الأسواقِ لوْلاَ أُنزِلَ إليهِ ملَكٌ فيكونَ معَهُ نذيراً)؟

نحنُ نتصدَّى لكلِّ حملاتِ التَّشويهِ والطَّعنِ التي طالَتِ النَّبيَّ (ص) باتِّهامِهِم له بالبشريَّةِ وتفريطِهم بمقامِهِ العظيمِ إيمانًا بقولِهِ تعالى: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ)، فمقامُ النَّبيِّ هو من أرفعِ المقاماتِ لأنَّهُ أوَّلُ الموجوداتِ بدليلِ قوله (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، كما وردَ بنفسِ المعنى عن سيِّدنا المسيح (ع) قوله: (والآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ).

ولأنَّنا لا نفرِّقُ بينَ نبيٍّ ونبيٍّ فكلُّهم في نفسِ المقامِ لقوله تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، فإنَّنا وإن اختلفَتِ المظاهرُ ندركُ أنَّ ما يقعُ على سيِّدنا آدم (ع) ينطبقُ على سيِّدنا المسيح (ع) لقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فالخلقُ من ترابٍ هو رمزٌ لمماثلةِ البشرِ ليَفهموا عنه أمرَهُ ونهيَهُ ويبلِّغَ رسالةَ ربِّه، وأمَّا الأمرُ بقولِهِ: (كُنْ) فدليلٌ على أنَّ إيجادَهُ ليسَ كإيجادِ البشرِ، بدليل قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي)، فالآيةُ والحديثُ يدلاَّنِ على أنَّ فعلَ المماثلةِ البشريَّةِ وقعَ على الأرضِ لا في السَّماءِ، وقد كانَ سيِّدنا آدمُ (ع) في السَّماءِ حين أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ له طاعةً وهم يرونَهُ نورًا، فأنكرَ إبليس (لع) نورانيَّتَهُ بقوله: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً)، وهذا دليلٌ على اختلافِ النَّظرةِ للأنبياءِ بين أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجحودِ والتَّلبيسِ، ولذلك ربطَ اللهُ طاعةَ الملائكةِ لهُ بالسُّجودِ لآدمَ كما ربطَ طاعتَهُ بطاعةِ رسولِهِ في قوله: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

وكما ينطبقُ على آدمَ وعيسىَ (ع) هذا التَّكوينُ المشيئيُّ، ينطبقُ أيضًا على سيِّدنا محمَّد (ص) القائل: (إنَّي لستُ كأحدِكم، إنِّي أظلُّ عندَ ربِّي)، ولكنَّهم احتجُّوا بقوله تعالى على لسانِ نبيِّهِ: (قُلْ إنَّما أنَا بشَرٌ مِثْلُكُم يوحَى إلَيَّ أنَّما إلهُكُمْ إلهٌ واحد)، فلولا ماثلَهم لمَا فَهموا عنهُ رسالَتَهُ، إلاَّ أنَّه يوحى إليه والبشرُ لا يُوحى لهم، فكيفَ يفهمُ البشرُ لغةَ الوحي النُّورانيِّ، ولو كانَ هذا جائزًا لَمَا توقَّفتِ النُّبوَّةِ عند خاتمِ النَّبيِّين، ولَجَازَ أن نصدِّقَ مدَّعي النُّبوَّةِ اليوم، وهم يدَّعون أنَّهُ يوحى لهم!!

وقد تساءَل المشركونَ آنذاكَ: لماذا لَمْ ينزلْ معهُ مَلَكٌ؟ أو لماذا لم يكن الرَّسولُ مَلَكًا؟ فكانَ الجوابُ الإلهيُّ بقوله: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فكيفَ يقعُ الاختبارُ والاصطفاءُ للمؤمنينَ لو كانت الأمورُ واضحةَ المعالمِ؟ أو لو كانَ الرَّسولُ بشرًا ومعهُ ملكٌ ظاهرٌ بنورانيَّتِهِ؟ أو لو كانَ النَّبيُّ ملكًا فكيفَ سيفهمونَ عنه؟ إلاَّ أنَّ في الآيةِ إشارةً إلى أنَّه حتَّى لو كانَ مَلَكًا لكانَ سيظهرُ رجلاً تلبيسًا على الجاحدين.

فالنَّبيُّ الموجودُ في أوَّلِ التَّكوينِ في قوله (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، ليسَ بشرًا، بل هو الكلمةُ التي ذكرها سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ)، وهو لم يلدْ ولادةَ المخاضِ البشريِّ، بل ظهرَ مولودًا لتبليغِ الرِّسالةِ في التَّاسعِ من ربيع الأوَّل.

وإن احتجَّ محتجٌّ فقال: إنَّ مريمَ العذراءَ ولدَتِ المسيحَ بالمخاضِ في قوله تعالى: (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)، قلنا له: هل مخاضُ مريمَ كمخاضِ البشرِ وقد كانَ الحملُ والولادةُ في ساعةٍ واحدةٍ؟ فسبحانَ القائلِ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الواحد والستون حول آدم وعصمته عن الغواية

images

السُّؤالُ الواحدُ والسِّتُّون: كيف يكونُ آدمُ معصومًا وقد خالفَ اللهَ وأكلَ من الشَّجرة واستطاعَ إبليسُ أن يغويهِ؟

الجوابُ الواحدُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

لقد ذكَّرني هذا السُّؤالُ بكلامٍ للمرجعِ الشِّيعيِّ محمد حسين فضل الله حيث جاءَ في كلامه: (نحنُ نلاحظُ أنَّ اللهَ سبحانَهُ نَهَى آدمَ وحوَّاءَ عن الأكلِ من الشَّجرةِ، ولكنَّ إبليسَ راحَ يوسوسُ لهما بأنَّ الأكلَ منها يجعلهما مَلَكَين خالدين، مع أنَّ اللهَ أعطى آدمَ موقعًا أعلى من موقعِ الملائكةِ)!!

هذا التَّناقضُ يلخِّصُ التَّناقضاتِ عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ حولَ نبوَّةِ آدمَ وغوايةِ آدمَ، فهل يمكنُ الجمعُ بينَهما؟

لقد سبقَ وتحدَّثتُ في أجوبةٍ سابقةٍ عن عصمةِ سيِّدنا آدمَ (ع)، وعن المخالفةِ والغوايةِ التي لا تليقُ بسيِّدنا آدمَ (ع) بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي)، وتحدَّثتُ عن آدمَ الجليلِ المعصومِ وآدمَ العاصي الذَّميمِ وآدمَ المزاجيِّ، ولن أكرِّرَ ما جاءَ فيها فيمكنُ لمَن أرادَ العودةَ إليها، لكنَّني سأناقشُ قياسَ هذه المرجعيَّاتِ الشِّيعيَّةِ والسُّنِّيَّةِ الذي يؤدِّي بها إلى الوقوعِ بالخطأ.

فالله تعالى لم ينهَ آدمَ وحوَّاء (ع) عن الأكلِ بل عن الاقترابِ من الشَّجرةِ، لقوله تعالى: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، ولهذا دلالةٌ على أنَّ الشَّجرةَ لم تكنْ أصلاً في الجنَّةِ لأنَّ الشَّجرةَ الملعونةَ لا تكونُ في الجنَّةِ أبدًا كما إبليسُ لا يمكنُ أن يقطنَ الجنَّةَ أبدًا، وبهذا فإنَّ اللهَ يحذِّرُ من أنَّ الاقترابَ من الشَّجرةِ يعني خروجًا من حدودِ الجنَّةِ وهذا تعليمٌ لمعرفةِ الحقِّ من الباطلِ والحلالِ من الحرامِ، علمًا أنَّه لا حدودَ مكانيَّةٌ للجنَّةِ لأنَّهُ أوحى بكلامِهِ أنَّ آدمَ وحواءَ قادران على التَّحرُّكِ بحريَّةٍ في الجنَّةِ، وأعطاهما طريقا الطَّاعةِ والمعصيةِ، وهذا تعليمٌ لنا، أنَّنا قد نعيشُ في جنَّةِ المعرفةِ فيأتي الشِّيطانُ الغويُّ ليُغوينا ويوقِعَنا بالخطيئةِ التي تُخرِجُنا من جنَّةِ المعرفةِ إلى جنَّةِ الجهلِ، دونَ أن نغيِّرَ جسدَنا ومكانَنا ووو… إلخ.

وبالعودةِ إلى قياسِ المفسِّرين للقصَّةِ بأنَّ إبليسَ راحَ يوسوسُ لهما بأنَّ الأكلَ منها يجعلهما مَلَكَين خالدين!! فهذا غير دقيقٍ لأنَّ القولَ الإلهيَّ واضحٌ: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)، ولم يكن هدفُ الغوايةِ أن يصبحَ آدمُ وحوَّاءُ مَلَكين، وكيف يناقضُ المرجعُ الشِّيعيُّ نفسَهُ بقوله: (مع أنَّ اللهَ أعطى آدمَ موقعًا أعلى من موقعِ الملائكةِ)، فكيفَ يُعطى موقعًا أعلى من موقعِ الملائكةِ ثمَّ يطمحُ ليكونَ ملَكًا!؟

ولو كانَ النَّبيُّ آدمُ الذي علا بموقعِهِ على الملائكةِ خاضعًا للغوايةِ والوسواسِ، فهذا يعني أنَّ الملائكةَ تخضعُ ضمن هذا السِّياقِ للغوايةِ والوسواسِ، فهل يعني هذا أنَّ سيِّدنا جبرائيلَ (ع) يمكنُ أن يخضعَ للغوايةِ والوسواسِ فيبلِّغَ شخصًا دونَ شخصٍ أو ينقصَ أو يزيدَ أو يحرِّفَ في تبليغِ الوحي!!؟ معاذ الله، والله تعالى يقول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الستون حول البداء

images

السُّؤال السِّتُّون: كيف يكونُ الإنسانُ مخيَّرًا ونحن نعلمُ أنَ اللهَ قد قدَّرَ كلَّ ما يحصلُ معنا، وأنَّ ذلكَ مكتوبٌ عليه؟

الجوابُ السِّتُّون بإذنِ اللهِ:

لابدَّ أن ننطلقَ من قولِ الإمام جعفر الصادق (ع): (لا يكونُ شيءٌ في السَّماءِ ولا في الأرضِ إلاَّ بمشيئةٍ وإرادةٍ وقَدَرٍ وقضاءٍ وإذنٍ وكتابٍ وأجلٍ، فَمَن زعمَ أنَّه يقدرُ على نقضِ واحدةٍ فقد كذَبَ على اللهِ)، لكنَّ السُّنَّةَ والشِّيعةَ ضاعوا في فهمِ ما يجري معهم، وظنُّوا أنَّهم لا يقومُون بفعلٍ إلاَّ بتسييرِ اللهِ لهم وبالتَّالي لماذا يستوجبُونَ العقابَ؟ وأينَ العدلُ الإلهيُّ إذا كانَ الإنسانُ مسيَّرًا ليفعلَ ما يفعلُهُ بدونِ أن تكونَ له حريَّةُ اتِّخاذِ القرار؟ وما الفرقُ بين المشيئةِ والإرادةِ والقَدَرِ والقضاءِ؟

هذه المفاهيمُ شرحَها الإمام علي الرضا (ع) بقولِهِ لرجلٍ في مجلسِهِ: تعلم ما المشيئةُ؟ قال: لا. فقال (ع): هي الذِّكرُ الأوَّلُ، فتعلمُ ما الإرادةُ؟ قال: لا. فقال (ع): هي العزيمةُ على ما يشاءُ، فَتَعلمُ ما القَدَرُ؟ قال: لا. فقال (ع): هي الهندسةُ ووضعُ الحدودِ من البقاءِ والفناءِ، والقضاءُ هو الإبرامُ وإقامةُ العينِ.

هذا يعني أنَّ اللهَ لم يجبرْ إبليسَ على الغوايةِ، بل هو مَن ارتكبَ المعصيةَ ثمَّ اتَّهمَ اللهَ بإغوائِهِ فقال له: (بما أغويتني)، فأبلَسَتُهُ هي التي أغوَتْهُ، وخبثُهُ جعلَهُ يتَّهم اللهَ بالظُّلمِ، فمشيئةُ اللهِ هي الخلقُ، وإرادَتُهُ هي فعلُ الإيجادِ، وقَدَرُهُ هو وضع حدودِ الإيمان والكفرِ والفصلُ بينهما، والقضاءُ هو الدَّعوةُ الإلهيَّةُ لنفسِهِ ليُثبِتَ الحُجَّةَ، فمِنَ الخلقِ مَن أقرَّ ومنهم مَن أنكرَ، وكلاهما مستطيعٌ لأنَهُ أُعطيَ آلةَ الاستطاعةِ على الخيرِ والشَّرِّ والإقرارِ والإنكارِ، بدليلِ ما رويَ أن رجلاً من أهلِ البصرةِ سألَ الإمامَ الصَّادق (ع) عن الاستطاعة؟ فقال (ع): إنَّ اللهَ خلقَ خلقًا فجعلَ فيهم آلةَ الاستطاعةِ ثمَّ لم يُفوِّضْ إليهم، فهم مستطيعونَ للفعلِ وقتَ الفعلِ مع الفعلِ إذا فعلوا ذلكَ الفعلَ فإذا لم يفعلوهُ في ملكِهِ لم يكونوا مستطيعينَ أن يفعلوا فعلاً لم يفعلوهُ. قال البصري: فالنَّاسُ مجبورون؟ فقال (ع): لو كانوا مجبورينَ كانوا معذورينَ. قال البصري: فَفَوَّضَ إليهم؟ قال (ع): لا. قال البصري: فما هم؟ فقال (ع): عَلِمَ منهم فعلاً فجعلَ فيهم آلةَ الفعلِ، فإذا فعلوا كانوا مع الفعلِ مستطيعينَ. قال البصري: أشهدُ أنَّهُ الحقُّ وأنَّكم أهلُ بيتِ النُّبوَّةِ والرِّسالةِ.

إنَّ ما كَبُرَ عليهم أنَّهم لم يفهموا كيفَ يعلمُ اللهِ بفعلِهم دونَ إجبارِهم على القيامِ به، ولا تفويضِهم بالطَّريقةِ التي تخرِجُهم عن حدِّ المخلوقينِ، فعلمُ اللهِ بما يجري في الخلقِ يدعى بالبداء الذي أقرَّ به جميعُ الأنبياءِ لقول الإمامِ علي الرضا (ع): (ما بعثَ اللهُ نبيًّا قطُّ إلاَّ بالإقرارِ للهِ بالبداءِ)، وهو ما أنكرَهُ إبليسُ فاتَّهمَ الرَّبَّ بإغوائِهِ، والحقيقةُ أنَ اللهَ حدَّدَ وقتَ الدَّعوةِ وأعطاهُ الحرِّيَّةَ، وكانَ له أن يقدِّمَ هذا الوقتَ أو يؤخِّرَهُ حيث وردَ عن الإمامِ محمد الباقر (ع) أنه قال: (منَ الأمورِ أمورٌ موقوفةٌ عندَ اللهِ يقدِّمُ منها ما يشاءُ ويؤخِّرُ منها ما يشاءُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد