كل مقالات admin

السؤال العاشر عن عدم وقوع التقمص على الأنبياء

images

السُّؤال العاشر: قال المسيح (ع): (قبلَ أن يكونَ إبراهيمُ أنا كائنٌ)، هل هذا يعني أنَّ التَّقمُّصَ يقعُ على الأنبياءِ مثلَ باقي البشرِ، ولهذا تقولون: الأنبياءُ كلُّهم واحدٌ؟

الجوابُ العاشرُ بإذن الله:

من المعلومِ أنَّنا نقرُّ بالتَّقمُّصِ على عكسِ السُّنَّةِ والشِّيعةِ، وهناك الكثيرُ من كبارِ العلماءِ والفلاسفةِ قد أقرُّوا به، فقد كان الفيلسوفُ فيثاغورث مُقِرًّا بالتقمص حيث يقولُ: (النَّفسُ تَمُرُّ بعدَ الموتِ بفترةِ الخلقِ عليها ثمَّ تدخُلُ في جسْمٍ جديدٍ). كما أيَّدهُ الفيلسوفُ أفلاطون حين قال: (إنَّ الموت الآتي من الحياةِ لابُدَّ أن تَعْقبَهُ حياةٌ أخرى تأتي من الموتِ).

فالتقمُّصُ هو انتقالُ النفسِ بعدَ الموتِ من جسدِ مؤمنٍ إلى آخرَ يولَدُ حديثًا، إذ لا أحدَ منَّا يستطيع أن يحقِّقَ ذاتَهُ الكاملة، أو تبلغ نفسُه الاطمئنان إلا عندما يصفِّي نفسَهُ من شوائبِها وأخطائها، وهذا كما نعلم لا يكون في حياةٍ واحدةٍ. وطالَما أنَّهُ ارتقاءٌ للمؤمنِ من درجةٍ إلى درجةٍ فإنَّ هذا يعني نقصًا سيكتملُ حياةً بعدَ حياةٍ، وهذا لا يمكنُ أن يقعَ على الأنبياءِ (ع) لأنَّهم موصوفونَ بالكمالِ، وبالتَّالي لا يقعُ التَّقمُّصُ بالأنبياءِ كباقي البشرِ، لأنَّهم منزَّهونَ عن الحوادثِ البشريَّةِ والموتِ لقولِ رسول الله (ص): (يموتُ مَن ماتَ منَّا وليسَ بِمَيِّتٍ، ويَبْلى من بَلِيَ منَّا وليسَ بِبَالٍ).

أمَّا عن القولِ بأنَّ الانبياءَ كلُّهم واحدٌ، فليس بمعنى أنَّهم روحٌ واحدةٌ تأتي كلَّ مرةٍ بجسدٍ!! بل المعنى أنَّهُ لا فرقَ بينهم عندَ ربِّهم لقوله تعالى: (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)، ولو كانَ من فرقٍ لكانَ هناكَ تفاوتٌ في إبلاغِ الرِّسالاتِ وإظهارِ الدِّينِ، وفي هذا ظلمٌ سيقعُ على أتباعِ كلِّ نبيٍّ، فلو كان سيِّدنا محمَّد (ص) أفضلَ مِن سيِّدنا عيسى (ع) وفقَ ما يعتقدُهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ مثلاً، لَكَانَ هناكَ ظلمٌ لأتباعِ سيِّدنا عيسى (ع) وهذا لا يجوزُ وفقَ قانونِ العدلِ الإلهيِّ، وكذا الأمرُ بالنِّسبةِ لسيِّدنا موسى (ع) و….، فمِن العدالةِ الإلهيَّةِ أن يكونَ لكلٍّ من محمَّد وعيسى وموسى وجميع الأنبياءِ (ع) مقامًا واحدًا لأنَّهم أظهروا دينًا واحدًا ووجبَ أن يكونَ هذا الدِّينُ كاملاً لا نقصَ فيه، وهو دينُ الإسلامِ لقولِهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ).

أمَّا عن قول سيِّدنا المسيح (ع): (ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) فلهُ تأويلُهُ، حيثُ تحدَّثَ المسيحُ ووصفَ نفسُهُ بقولِهِ: (أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ)، مشيرًا إلى ارتفاعِهِ عن البشريَّةِ وتنزُّهِهِ عنها، وهنا نفهمُ القصدَ من القول بأنَّ هذا النُّورَ موجودٌ قبلَ وجودِ الأنبياءِ المماثلِ للبشرِ، لأنَّهم نورٌ قبلَ يُماثلوا البشرَ تعليمًا وإبلاغًا لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
واختيارُ سيِّدنا إبراهيم (ع) لأنَّ سيِّدَنا المسيح (ع) كانَ بدعوتِهِ يخاطبُ اليهودَ الذينَ يتباهونَ بانتمائهم لإبراهيم حيث قالوا له: (أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ)، فقال لهم موبِّخًا: (لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التاسع في موضوع الشتم والسب

images

السُّؤال التَّاسع: هل يجوزُ شتمُ الصَّحابةِ وسبُّهم لمجرَّدِ أنَّهم غصَبوا الخلافةَ من الإمامِ عليِّ؟ وما هو موقفُ الإمامِ علي من مخالفيهِ؟

الجوابُ التَّاسع بإذنِ اللهِ:

الشَّتمُ والسَّبُّ بدعةٌ سُنِّيَّةٌ أمويَّةٌ جرتَ عندما لَعَنُوا الإمامَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ على المنابر ألفَ شهر، فبادرَهم الشِّيعةُ عندما قويَتْ شوكَتُهم بِسَبِّ أبي بكر وعمر وعثمان، وما زالتِ الشَّتائمُ قائمةً حتى الآن بينهم دون أن يتمسَّكَ أحدٌ منهم بالحُجَّةِ، فهُم يتشاتمونَ ويتسابَبونَ منذُ ألف وأربعمائةِ عام، دون أن يقدّمُوا للإسلامِ شيئًا مفيدًا.
إنَّ المخالفينَ لأميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ هم من أشعلوا الفتنةَ، وهم الشَّجرةُ الملعونةُ في القرآنِ، ويكفينا قولُ سيِّدنا المسيحِ (ع): (طُوبى لكم إذا حُسِدْتُمْ وشُتِمْتُمْ وقيلَتْ فيكم كلُّ كلمةٍ قبيحةٍ كاذبةٍ، حينئذٍ فافرَحوا وابتَهِجُوا فإنَّ أجركُم قد كَثُرَ في السَّماءِ).
ولو تَخَلَّقَ كلٌّ من رجالاتِ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ بأخلاقيَّاتِ المسيحِ والرسولِ وأهلِ البيتِ (ع) لَمَا كنَّا قد وَصَلنا إلى ما نحنُ عليه اليوم، فالقضيَّةُ لا تُحَلُّ بالسَّبِّ والشَّتمِ والافتراءِ واختلاقِ القصصِ الكاذبةِ، ولا بالصَّمتِ الخانع المُذلِّ، بل بالحكمةِ والقوَّةِ والحُجَّةِ العقليَّةِ.

فأبو بكر وعمر وعثمان عاجزونَ أمامَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، فهل استطاعوا حقًّا غصبَ الخلافةِ التي ثبَّتَها اللهُ ورسولُهُ له في كثيرٍ من الأحاديثِ المُجمَعِ عليها؟
والإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ موصوفٌ بالقدرةِ، ومن كانَ هكذا فهو ليسَ ضعيفًا أمامَهم حتى يتنازلَ عن حقِّهِ المشروعِ بسهولةٍ، لكنَّهُ كانَ رئيسًا عليهم دونَ أن يتربَّعَ على كرسيٍّ، ومن أمثلةِ ذلكَ ما قاله عمر بن الخطاب حين كان يُفتي برأيهِ فيخطئُ فيُصحِّحُ لهُ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، ما أجبرَ عمرَ على القولِ مرارًا: (لولا عليٌّ لَهَلَكَ عُمَر).

إنَّ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ له مقامٌ رفيعٌ، لذلك لا يَسعى لطلبِ الرِّئاسةِ، ولا يَسُبَّ من سلبَهُ حقَّهُ أو يُشهِّرَ بهم، فالتَّاريخُ يذكرُ أعمالَ كلِّ شخصٍ، ولهذا جاء قولُ الإمام الحسن العسكري (ع): (إيَّاكَ والإذاعةَ وطلبَ الرِّئاسةِ فإنَّهما يدعوانِ إلى الهَلاكِ).
فحكمةُ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ هي التي خلَّدتْ ذكرَهُ كعظيمٍ من العظماءِ، فبعدَ السَّقيفةِ لم يعتزلِ الإمام علي النَّاسَ ولم ينكفئ على نفسِهِ، وكأنَّهُ باتَ بلا دورٍ كما تظنُّ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، لأنَّ القضيَّةَ لم تكن بالنِّسبةِ له مجرَّدَ كرسيِّ خلافةٍ مُنِعَ من تولِّيهِ كما تظنُّ الشِّيعةُ، بل كانت قضيَّةَ تعليمٍ لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ العلويِّ من أيِّ موقعٍ يكونُ فيه المؤمنُ، فالدُّورُ موجودٌ برئاسةٍ أو بدونِها، وعلى الإنسانِ المؤمنِ المجاهدِ أن يسعى لتحقيقِ الدَّورِ لا لطلبِ الرِّئاسة، فلو أظهرَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ سعيًا إلى طلبِ الرِّئاسةِ لكانَ النَّاسُ قد انشقُّوا عن دينِ الإسلامِ، لكنَّهُ حافظَ على المسلمين وبقي له الدَّورُ الأكبرُ في استمرارِ رسالةِ الحقِّ المحمّديَّةِ، وقد عبَّرَ عن ذلكَ بخطابِهِ المرسَلِ إلى أهلِ مصرَ مع الصَّحابيَّ الجليلِ مالك الأشتر، ولكنَّهُ لم يصلْ إليهم، إذ اغتالَهُ معاوية الأمويُّ الحاقدُ على بني عبد المطَّلبِ (ع)، وجاءَ في الكلمةِ: (فَمَا رَاعَنِي إلَّا انثيالُ النّاسِ على أبي بكر يُبايعونَهُ فأمسكتُ يدي، حتَّى إذا رأيتُ راجعةَ النَّاسِ قد رَجعَتْ عن الإسلامِ، يَدعونَ إلى مَحْقِ دينِ محمَّد، فخشيتُ إنْ لم أنصرِ الإسلامَ وأهلَهُ، أنْ أرَى فيه ثلمًا أو هَدمًا، تكونُ المصيبةُ به عليَّ أعظمَ من فَوتِ ولايَتِكم هذهِ التي إنَّما هي متاعُ أيَّامٍ قلائلَ، يزولُ منها ما كانَ، كما يزولُ السَّرابُ، أو كما يتقشَّعُ السَّحابُ، فنهضتُ حتى زاحَ الباطلُ وَزَهُقَ، واطمأنَّ الدِّينُ وتَنَهْنَهَ)، وهذا هو الفرقُ بين أبي بكر الذي طلبَ الرِّئاسةَ، والإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ الذي حافظَ على الدَّورِ حتى جاءَ الوقتُ فَطَلَبَتْهُ الرِّئاسةُ وبايَعَهُ المسلمونَ بطريقةٍ تُعتبرُ أولى الحركاتِ الدِّيمقراطيَّةِ في العالم حين ذهبوا دارَهُ وأخرجوهُ حملاً على الأيادي مبايعينَ له بالإجماعِ الشَّعبيِّ.
هذا الدُّورُ في استمرارِ إعلاءِ كلمةِ الحقِّ هو الذي علَّمنا إيَّاهُ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بأن نتابعَهُ مجاهدينَ لإعلاء كلمةِ الحقِّ ومحاربةِ أهلِ البدعِ والشُّبهاتِ الباطلةِ من موقعِ المسؤوليَّةِ لا من موقعِ التَّكليفِ، وقد قال مؤكِّداً مسؤوليَّتَهُ: (لولا حضورُ الحاضرِ، لألقيتُ حبلَها على غاربِها، ولَألفَيتُم دنياكَم عندي أهونَ من عفطةِ عنـزٍ)، لهذا لا تعنينا المناصبُ الدِّينيَّةُ ولا المراكزُ الدُّنيويَّةُ، ويكفينا شرفًا أن نكونَ باحثينَ دينيِّينَ علويِّينَ همُّنا ردُّ شبهاتِ أهلِ التَّضليلِ والتَّزييفِ بحقِّ نهجِنا العظيمِ.. نهجِ أميرِ المؤمنينَ والأئمَّةِ المعصومينَ والتَّابعين لهم بإحسانِ من أهلِ الولايةِ واليقين.
فنحنُ نقاتلُ من يقاتلنا ويكفِّرُنا ونقفُ له بالمرصادِ ونقارعُهُ بالحجَّةِ والبرهانِ اقتداءً بأمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ الذي أعطى منهجًا لنا بأن القتالَ يكونُ لمَن يفكِّرُ بالإساءةِ إلينا، ولذلك رأيناهُ في رسائلِهِ إلى معاويةَ موبِّخًا مُعنِّفًا لمخالَفَتِهِ الأسسَ الإسلاميَّةَ، ولمَّا لم يَفِئ معاويةُ للحقِّ، وهو يعلمُ ذلكَ منه، قاتَلَهُ في صفِّينَ، وكانت هذه الحربِ عبرةً للمتقاعسين اليوم عن أداءِ مسؤوليَّاتِهم.

فعندما انطلقَ في صفِّينَ، أرادَ أن يلقِّنَ البشريَّةَ درسًا في معنى الجهادِ، وعندما استبطأَ أصحابُهُ إذنَهُ لهم بالقتالِ قالوا: (أكانَ ذلكَ كراهيَّةً للموتِ؟ أو شَكًّا في أهلِ الشَّامِ؟)، فقالَ لهم: (أمَّا قولُكم: أكانَ ذلكَ كراهيَّةً للموتِ، فواللهِ ما أبالي أدخلتُ إلى الموتِ أو خرجَ الموتُ إليَّ، وأمَّا قولُكم: شكًّا في أهلِ الشَّامِ، فواللهِ ما دفعتُ الحربَ يومًا إلَّا وأنا أرجو أن تهتديَ بي طائفةٌ).
وعندما سمعَ من جنودِهِ العراقيِّينَ سبًّا لأهلِ الشَّامِ قال لهم: (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ)، فليسَ من أخلاقِ أتباعِ أميرِ المؤمنينَ أن يعالجوا مشاكِلَهم بالسَّبِّ والشَّتمِ، لأنَّ السُّبابَ والشَّتائمَ ينطلقُ من عقدةٍ شيطانيَّةٍ وليسَ من روحيَّةٍ رحمانيَّةٍ، وتابعَ قائلاً: (ولكنَّكم لو وَصَفْتُمْ أعمالَهم وذكرتُمْ حالَهم لكانَ أصوبَ…)، وهذا هو المنهجُ العلويُّ الإسلاميُّ في النَّقدِ والتَّقييمِ والرَّدِّ، فنحنُ عندما نختلفُ مع طائفةٍ أخرى نقدِّمُ القضيَّةَ الّتي نختلفُ فيها معها، فلا نسبُّها ولا نشتمُها بل نصفُ أفعالَها وانحرافاتِها، لأنَّنا لا نحقدُ على أحدٍ أصغرَ منَّا، فالإناءُ الكبيرُ يستوعبُ الإناءَ الصَّغيرَ، وإناؤنا الخصيبيُّ كبيرٌ بعلومِهِ وعرفانهِ وأخلاقِهِ وأدبيَّاتِهِ، لكنَّهُ لا يمكنُ أن يكونَ ضعيفاً وهزيلاً وجبانًا، فأينَ الشَّتَّامونَ والسَّبَّابونَ والنَّاكثونَ والمخالفونَ والضُّعفاءُ والمتقاعسونَ من أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في خلافاتهم المذهبيَّةِ والطائفيَّةِ والحزبيَّةِ والعشائريَّةِ وغيرها؟!

نحنُ تعلَّمنا من الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أن نجاهدَ لأنَّنا نحملُ مسؤوليَّةَ العلمِ ونقدِّرُها، وكما قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (ما أخذَ اللهُ على أهلِ الجهلِ عهدًا أن يتعلَّموا العلمَ، إلَّا وأخذَ على العلماءِ سبعينَ عهدًا أن يعلِّموهُ).
فنحنُ نكتبُ ونشرحُ ونعلِّمُ من موقعِ هذه المسؤوليَّةِ الملقاةِ على عاتقنا، ونردُّ على الشُّبُهاتِ، ولا سيَّما عندما تنتشرُ البدعُ والأكاذيبُ، وبخاصَّةٍ في هذا الوقتِ الذي تحرَّكَتْ فيه النِّزاعاتُ الفكريَّةُ والأخلاقيَّةُ لتُربِكَ النَّاسَ والشَّبابَ عمومًا كما وصفَهم تعالى بقوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى)، ولكنَّ ميزانَنا واضحٌ للجميعِ في قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثامن حول شيخ الطائفة الشيعية الطوسي

images

السُّؤال الثَّامن: هل شيخ الطائفة الشِّيعيَّةِ يعتبرُ شيخًا للطَّائفةِ العلويَّةِ؟ وهل هناكَ عداوةٌ بين الطَّائفة العلويَّةِ والطَّائفةِ الشيعيَّةِ؟

الجواب الثَّامن بإذن الله:

العلويَّةُ النُّصيريَّةُ لا تعادي أحدًا من الطَّوائفِ والمذاهبِ والمللِ، وعبرَ التَّاريخِ كانَ نهجُنا نهجَ علمٍ وفقهٍ وتوحيدٍ وتدبُّرٍ، لكن مع هذا لم نَسلَمْ من ألسنِ الحاقدينَ والمزوِّرينَ للتاريخِ.
هناكَ الكثيرُ من أبناءِ نهجِنا العلويِّ يظنُّونَ أن التَّكفيرَ لهم هو تكفيرٌ سنِّيٌّ فقط من خلال ما وردَ عن ابن تيميَّةَ ومحمد بن عبد الوهاب ومَن كان على طريقِهم الضَّال!!
لكنَّهم غَفِلوا عمَّا هو موجودٌ من تكفيرٍ لنا في أمَّهاتِ كتبِ الشِّيعةِ لبراءةِ أبنائنا وجهلِ أكثرِهم بما وردَ فيها، وتقصيرِ وإهمالِ جزءٍ من المشائخِ، وتستيرِ جزءٍ آخرَ منهم على ما وردَ بحقِّنا في أمَّهاتِ كتبِ الشِّيعةِ ليقعَ فيهم قول الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الرَّاضي بفعلِ قومٍ كالدَّاخلِ فيه معهم)، وإنْ لم يكنْ راضٍ بفعلِهم وسكتَ عنه وقعَ فيه قول الرَّسول (ص): (السَّاكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرس).

وأتساءلُ دومًا ما سرُّ هذا الاجتماعِ بينَ سادةِ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ للطَّعنِ بنا رغمَ اختلافِهم وتعارُضِهم في التَّاريخ والتقائِهم في كثيرٍ من الأحكامِ.
ومَن أطلقَ عليهم تلكَ الألقابَ كشيخِ الإسلامِ ابن تيميَّة وشيخِ الطَّائفةِ الشّيعيَّةِ الطُّوسي وغير ذلك؟؟

ولا يمكنُ بأيِّ حالٍ من الأحوال اعتبارُ شيخِ الطائفة الشِّيعيَّةِ الطُّوسي شيخًا للطَّائفةِ العلويَّةِ بسببِ طعنِهِ وتجريحِهِ بسيِّدنا أبي شعيب محمد بن نصير، ومن ذلكَ ما وردَ عن الطُّوسي من لعنٍ لسيِّدنا أبي شعيب بسبب ما جرى من اللَّعن والتّبرُّؤِ على لسانِ محمد بن عثمان السَّمَّان العمري وهو من النُّوَّابِ الأربعةِ الذين ادَّعوا الوثاقة بالعلمِ وما كانَ هو وأبوه عثمان بن سعيد إلا وكيلان للمالِ للإمامِ العسكريِّ (ع)، حيث وردَ في الهدايةِ الكبرى أنَّ الإمامَ العسكريِّ (ع) قال لمجموعةٍ من أصحابِهِ: منكم أحدٌ علمَ أو نُقِلَ إليه أنَّ سلمان كان وكيلاً على مالِ أمير المؤمنين؟ قالوا: لا يا سـيِّدنا. قال: أفليسَ قد علمتُم ونُقِلَ إليكم أنَّه كان حجَّتَه؟ قالوا: بلى. فقال (ع): فما الذي أنكرتُم أن يكونَ محمد بن نصـير حجَّتي وعثمان بن سعد وكيلي؟ ثم قال (ع): (اشهدوا عليَّ أنَّ محمد بن نصـير حجَّتي إلى أن يقبضَهُ الله)، فهل يحقُّ لمحمد بن عثمان أن يلعنَ سيِّدَنا أبا شعيب بسببِ حسدِهِ، فتصبحَ سنَّةً لدى الشِّيعةِ ليلعَنوا سيِّدَنا أبا شعيب وينسبوا هذا اللَّعنَ للإمامين العسكريِّين وهو لم يصدرْ منهما؟

وحتى الآن يتردَّدُ في أوساطِ الحوزاتِ أنَّ العلويَّةَ إخوانُ الشِّيعةِ الإماميَّةِ لكنَّ من بقي نصيريًّا فهو مغالٍ ملعون؟ أي أنَّهم يكفِّروننا إن لم نتشيَّعَ ونصبحَ مثلَهم، ويطالبوننا بالسُّكوتِ فإنْ رَدَدْنا شبهاتِهم اتَّهمونا بتكفيرِهم وإثارة الفتنِ، علمًا أنَّنا لا نكفِّرُ أحدًا كعلويِّينَ، لكنَّنا صادقونَ نصارح الأعمى بِعَمَاهُ والأعورَ بِعَوَرِهِ دون مجاملةٍ، وإلا كنَّا منافقين مرائينَ كغيرِنا.

وهذه المآخذُ سواءَ كان على الطُّوسيِّ أو ابن تيميَّةَ حقٌّ لنا، إذ لا يحقُّ لهم أن يكفِّروا سادَتنا، والمآخذُ تمتدُّ إلى تابعيهم اليوم، فكلُّ من يوافقُ ابن تيميَّةَ بفتواهُ هو تكفيريٌّ، وكلُّ مَن يوافقُ الطُّوسيَّ بافترائهِ هو تكفيريٌّ أيضًا، ونحن لا نبادلُهُ التَّكفيرَ بالتَّكفيرَ، لكن من الواجبِ الرَّدُّ عليهم حتى يفيئوا إلى الحقِّ.

وأستغربُ كلَّ الغرابةِ عندما ينسبُ مؤلِّفو السُّنَّةِ أحاديثَ غير لائقةٍ لرسولِ اللهِ (ص)، وينسبُ مؤلِّفو الشّيعةِ أحاديثَ غير لائقةٍ للأئمَّةِ المعصومين (ع)، ثم ينتفضُ بعضُ مشائخِ العلويَّةِ للدّفاعِ عمَّن تجرأَ وكفَّرَ سيِّدنا محمد بن نصير!! فهل اختارَ هؤلاء قطارَ التَّشيُّعِ؟ إن كانَ ذاك فهم أحرار وليُعلِنوا هذا بصراحةٍ، وإن لم يكن فيالَهم من جبناءٍ ومرائينَ ومنافقينَ وعديمي الكرامة.

ملخَّصُ القولِ:

نحنُ لا نُعادي أحدًا طائفيًّا، فهناك ما يجمعُنا وهو (الإسلامُ والقرآنُ الكريمُ والنَّبيُّ العظيمُ والأئمَّةُ المعصومينَ والإيمانُ بالبعثِ والنُّشورِ والجنَّةِ والنَّار)، وهم أحرارُ في معتقداتِهم بشرطِ ألَّا يتعدَّوا حدودَهم في تكفيرِنا، لكن من حقِّنا أن ندافعَ عن نهجِنا الأرقى، الذي يترفَّعُ بعلومِهِ العظيمةِ عن هرطقاتِ كتبِ الحديثِ لديهم في إتيانِ دبر المرأةِ وإرضاع الكبيرِ وزواجِ المتعةِ وما إلى ذلك مما لا يجوزُ أن يُنسبَ لرسولِ اللهِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، وسأوردُ بعضَ الأمثلةِ وللقارئِ أن يحكمَ دومًا بما يراهُ من دلائلَ:

  • وردَ في صحيح مسلم حديث منسوبٌ وهو:
    عن عائشة بنت أبي بكر أن مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم فأتَتْ (تعني ابنة سهيل) النَّبيَّ فقالت: إنَّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً. فقال لها النبي: (أرضعيهِ تَحرمي عليه، ويذهبَ الذي في نفسِ أبي حذيفة) فرجعَتْ، فقالت: إنِّي قد أرضَعْتُه، فذهب الذي في نفسِ أبى حذيفة!!!

  • وردَ في كتابي الاستبصار وتهذيب الأحكام للطوسي حديث منسوب هو:
    عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا رضعَ الرَّجلُ من لبنِ امرأةٍ حرِّمَ عليهِ كلُّ شيءٍ من وِلدِها وإنْ كانَ من غيرِ الرَّجلِ الذي كانت أرضعتهُ بلبنها، وإذا رضعَ من لبنِ رجلٍ حرِّمَ عليه كلُّ شيءٍ من ولدهِ وإن كان من غيرِ المرأةِ التي أرضعتْهُ!!

  • وردَ في كتاب الاستبصار للطوسي حديثان منسوبان:
    الحديث الأول: سئلَ أبو عبد الله (ع) عن الرَّجلِ يأتي المرأةَ في دبرِها؟ قال: لا بأسَ إذا رضيَتْ!!
    الحديث الثاني: سئلَ الرِّضا (ع) عن إتيانِ الرَّجلِ المرأةَ من خلفِها في دبرِها؟ قال: أحلَّتْها آيةٌ من كتابِ اللهِ تعالى قولُ لوطٍ (ع): (هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) عَلِمَ أنَّهم لا يريدونَ إلَّا الدُّبر!!

مع أنَّ تحريمَ إتيانِ الدُّبرِ وردَ عن رسولِ اللهِ (ص) بقولهِ: (مَحَاشُ النِّساءِ على أمَّتِي حرامٌ)، فعلَّقَ الطُّوسيُّ قائلاً: الوجهُ ضربٌ من الكراهيَّةِ لأنَّ الأفضلَ تجنُّبُ ذلكَ وإن لم يكنْ محظورًا!!

  • وردَ في كتابي الاستبصار وتهذيب الأحكام للطُّوسي أحاديثُ منسوبةٌ كثيرةٌ عن المتعةِ أكتفي بإيرادٍ واحدٍ منها يبيِّنُ إساءَتهم لعصمةِ المعصومينَ:
    عن زرارة بن أعين قال: ذكرْتُ له المتعةَ، أَهِيَ من الأربعِ (أي الزّيجاتِ الأربعةَ)؟ فقال الإمامُ الصَّادقُ (ع): تَزوَّجْ منهنَّ ألفاً فإنهنَّ مستأجرات!!! فهل يصدرُ هذا القولُ عن صادقِ القولِ؟

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع حول سهو النبي في الصلاة

images

السُّؤال السَّابع: هل حقًّا إنَّ النَّبيٍّ (ص) سها في صلاتِهِ وغفلَ عنها؟

الجواب السَّابع بإذن الله:
هذا موضوعٌ خلافيٌّ بيننا كعلويِّين وبين كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ، وسأوضِّحُ في هذا الجوابِ إن شاءَ الله الفرقَ والموقعَ.

إنَّ مصادرَ السُّنَّةِ تؤكدُ سهو النَّبيّ (ص)، وتروي أنَّه سَها في صلاتِهِ فلم يدرِ كم صلَّى من ركعةٍ!! وأنَّه كان يصبحُ جُنُبًا في شهرِ رمضانَ فتفوته صلاهُ الفجر!!

أمَّا مصادرُ الشِّيعةِ فانقسَمَتْ إلى قسمين: قسمٌ قالَ بالسَّهو وقسمٌ قال بالإسهاءِ كنوعٍ من تجميلِ المصطلحِ، وقالوا بأنَّ الغلاةَ ينكرونَ سهوَ النَّبيِّ وأنَّ هذا لا يُلزِمهم لأنَّ جميعَ ما يقعُ على النَّبيِّ يقعُ على غيرِهِ، وأنَّه يجوزُ أن يسهو في صلاته، ولكنَّ سهوَهُ ليسَ كسهونا لأنَّه سهو من الله عزَّ وجلَّ، وإنَّما أسهاهُ ليعلم أنَّه بشرٌ مخلوقٌ!! وأكَّدوا أنَّ نومةَ النَّبيِّ (ص) حتى طلوعِ الشَّمسِ أمرٌ صحيحٌ لأنَّ اللهَ أنامَهُ عنها!! وأنَّ النومَ والسَّهوَ النبويَّ رحمانيَّان، وأنَّ نومَنا وسهوَنا شيطانيٌّ!!

أيها الإخوة:
السَّهو في اللغةِ هو الغفلةُ والذُّهولُ عن الشَّيءِ، وسها في الصَّلاةِ أي نسيَ شيئًا منها، وسها عن الصَّلاةِ أي تركَها ولم يصلِّ. أمَّا الإسهاءُ فَفِعلُهُ أسهى أي جعلَهُ يسهو.
لقد فرَّقوا بين الصَّلاةِ والتَّبليغِ، وأنكروا علينا قولنا: إنَّ مَن يسهو عن الصَّلاةِ يسهو عن التبليغِ، واعتبروا أنَّ هذا من الغلوِّ، فدعونا نناقشُ هذه الفكرةِ بالذَّاتِ، حتى لا نطيلَ في الإجابةِ.

قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، فهي أوَّل أركانِ الإسلامِ وأوَّلُ الفرائضِ على كل المسلمين، والنَّبيُّ المرسَلُ (ص) هو الأولى بأن لا يفرِّطَ بهذه الصلاةِ أو يتركَها أو يغفلَ عن أدائها مهما كانت الظُّروف، ولو فعلَها النَّبيُّ حقيقةً لصارت سُنَّةً عندَ كل الصَّحابةِ ومَن جاءَ بعدَهم أن يُفرِّطوا بها أو يَغفلوا عنها أسوةً بالنَّبيِّ، وكان ذلكَ مبرِّرًا للبشرِ أن يهجروها مع الزَّمن، وهذا لا يجوزُ لأنَّ النَّبيَّ عرَّفَ الصَّلاةَ فقال (ص): (الصَّلاةُ صلةٌ باللهِ تعالى، مَن داومَ عليها اتَّصلَ ومَن تركَها انفصلَ، وليسَ للعبدِ من صلاتِهِ إلَّا ما عقلَ منها)، فالصلَّةُ بين الرَّسولِ ومرسِلِهِ قائمةٌ دائمةٌ لا تنقطعُ البتَّةَ، وهو مداومٌ على الصَّلاةِ متَّصلٌ بربِّهِ لا حلولاً به بل قُربًا منه، ولا يجوزُ أن ينفصلَ عنه بُعدًا، لهذا لا يتركُها أبدًا، فالمنفصلونَ هم المنكرونَ الذينَ تركوا صِلَتَهم وعبدوا شهواتِهم. وهذا يدحضُ الشُّبهةَ القائلةَ بغفلتِهِ في الصَّلاة.
ثمَّ أكَّدَ أنّه ليسَ للعبدِ من صلاتِهِ إلا ما عَقِلَ منها، وهذا يعني أنَّهُ حاضرُ الفكرُ في صلاتِهِ، خاشعٌ متفكِّرٌ مواصلٌ، فكيفَ للعبدِ العاقلِ لصلاتِهِ أن يسهوَ فيها؟ وإن كان لا يجوزُ هذا للمؤمنِ فكيفَ يجوزُ للنَّبيِّ (ص)؟ وهو المطيعُ الطَّاعةَ الكاملةَ للهِ سبحانَهُ امتثالاً لِمَا ما جاءَ في الحديثِ القدسيِّ الواردِ في كتبِ السُّنَّةِ والشيعةِ على السَّواء أنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللهُ العقلَ فقالَ له: أقبلْ، فأقبلَ، ثمَّ قالَ له: أدبرْ، فأدبرَ، فقال سبحانه: (وعزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقًا أكرمَ عليَّ منه، بكَ آخذُ وبك أعطي، وبد أثيبُ وبكَ أعاقبُ).

من جهةٍ أخرى فإنَّ القرآنَ الكريمَ وبَّخَ ووعدَ بالويلِ لمَن يسهو عن صلاتِهِ في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)، فهل ينطبقُ هذا على النَّبيِّ المعصومِ وفق نظريَّةِ أصحابِ السَّهوِ أو الإسهاءِ!؟
إنَّهم جمَّلوا المصطلَحَ بقولِهم: (إسهاءٌ من الله) ليُثبتوا بشريَّتَهُ، وبالتالي وقوعَهُ تحت الحالاتِ البشريَّةِ ومنها السَّهو والنِّسيانُ والخطأ، وبالتَّالي يحقُّ لهم التَّشكيك بالنُّبوَّةِ والرِّسالة، وبما صدرَ عنهُ من تبليغِ الولايةِ، كتشكيكِ أحدِ أصحابِهِ حين طلبَ دواةَ ليكتبَ وصيَّتَهُ بالخلافةِ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ حين فقال: (إنَّ محمَّدًا لَيَهجُرُ)، والهَجرُ من ذهاب العقلِ فهل يقعُ هذا على النَّبيِّ؟

إذن: السَّهوُ والإسهاءُ عندنا كعلويِّين غيرُ جائزانِ على النَّبيِّ المعصوم ذو المقامِ الرَّفيعِ الذي عبَّرَ عنه بقوله (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ)، ومَن كان بهذا المقامِ فهو فوقَ الحالاتِ البشريَّةِ على الإطلاقِ، ومنها السَّهو والغفلة والنسيان والعصيان.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس حول كتاب الكافي ومراجع الشيعة

images

السؤال السَّادس: هل يمكنُ اعتمادُ كتابِ (الكافي) للكليني وكتاب (مَن لا يحضرُهُ الفقيهُ) للصَّدوقِ كمراجعَ في الأحكامِ الشَّرعيةِ عند العلويَّةِ؟ وهل يمكنُ الوثوقُ بكلِّ رواتِهم؟

الجواب السَّادس بإذن الله:

إنَّ الشِّيعةَ كتبوا الكثيرَ من الكتبِ ونقلوا عن الأئمَّةِ (ع) الكثيرَ من الأحاديثِ، منها الصَّحيحُ ومنها المُحرَّفُ ومنها الموضوعُ، فمِن ثقاةِ الرُّواةِ الذينَ نعتمدُ حديثَهم على سبيلِ المثالِ: سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعبد اللهِ بن مسعود وخالد بن زيد الأنصاري وأويس القرني وأبو حمزة الثمالي وجابر الجعفي وحمران بن أعين وسفيان الثوري والمفضل بن عمر وهشام بن الحكم (ع)، وهم الذين كانوا من أقرب الصَّحابةِ للنبيِّ (ص) والأئمَّةِ (ع)، ورَوَوا عنهم الأحاديثَ الصَّادقةَ الموثوقةَ، فحُرِّفَ بعضُها في كتبِ الصَّحيحِ والسُّنَن لدى السُّنَّةِ، وكتبِ الحديثِ كالكافي ومَن لا يحضرُهُ الفقيهُ لدى الشِّيعة.
وكما اعتمدَ البخاري ومسلم وكتبُ الحديثِ التِّسعةِ بشكلٍ كبيرٍ على أبي هريرةَ كناقلٍ لأحاديثِ الرَّسولِ (ص)، علمًا أنَّ أصحابَ الرَّسول لعنوهُ وهذا مشهورٌ في صحيحي البخاري ومسلم، كذلك اعتمدَ الكُليني في كتابِ (الكافي) على زرارة بن أعين كناقلٍ لأحاديثِ الإمامِ الصادقِ (ع) بشكل كبير مع أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) لعنهُ لكثرةِ كذبِهِ فادَّعى الشيعةُ في كتبِ الرِّجالِ أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) لم يكن جادًّا في لعنِهِ!! فهل يمزحُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) في هذا معاذَ الله؟ ولماذا نسبَ زرارةُ نفسُهُ أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) لعنَ من أصحابِهِ محمد بن أبي زينب واتَّهموهُ زورًا واعتبروهُ جادًّا في ذلكَ وهو من روايات كتابِ (الكافي) للكليني؟؟
لماذا الازدواجيَّةُ في كتبِ الشِّيعةِ في الأحكامِ كما هي في كتبِ السُّنَّةِ؟ ولماذا يلعنونَ المحمودَ ويعظَّمونَ المذمومَ في كثيرٍ من الأحاديثِ لا مجالَ لذكرها هاهنا؟ وهل يمكنُ أن نأخذَ هذه الكتب كمراجعَ كما يقولُ المتشيِّعونَ؟
وهنا أسأل من يدافعُ عن رواةِ الأحاديث الكاذبةِ ومدوَّنيها ومُعتَمِدِيهم: مَن ينقلُ الأحاديثَ عن غيرِ الثِّقاةِ ألا يكونُ غيرَ موثوقٍ بالنِّسبةِ إلينا؟ أم أنَّ إرضاء الشَّيطانِ والمبالغَ الهاطلةَ على جيوبكم تُخرِسُكم عن الاعترافِ بالحقيقةِ؟

سأختصرُ وألفتُ النَّظرَ إلى بعضِ ما طرحَهُ الكُليني الذي يعظِّمُهُ الشِّيعةُ والمتشيِّعونَ في كتابه، ولا نعلمُ ما هي الغايةُ من محاولةِ التَّشويهِ المقصودةِ أو غيرِ المقصودةِ لعلومِ أهلِ البيتِ الصَّافيةِ:
كرواياتِهِ (عن أبي الحسن عن النَّبي (ص) وهو يخاطبُ امرأةً تشكو إعراضَ زوجِها عنها فقال: أمَا لو يدري ما لَه بإقبالِهِ عليك؟ فقالت: وما لَهُ بإقبالِهِ عليَّ؟ فقال: أمَا إنَّه إذا أقبلَ اكتَنَفَهُ ملكان فكانَ كالشَّاهرِ سيفه في سبيلِ الله!!!!)، فهل كلُّ مَن يجامعُ زوجَتَهُ هو كالشَّاهرِ سيفه والمجاهدِ في سبيلِ اللهِ معاذَ الله؟؟؟
وهل يُعقَلُ أن يروي (عن أبي عبد الله أنه قال: إنَّ نبيًّا شكا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ الضعفَ وقلَّةَ الجماعِ فأمرَهُ الله بأكلِ الهريسةِ!!!!)، فهل يجوزُ أن يكونَ هذا الخطابُ بين النبيِّ واللهِ؟ وهل هذا هَمُّ الأنبياءِ؟
وهل مِن عاقلٍ يصدِّقُ أنَّ (أبا الحسن سُئلَ: هل يُقَبِّلُ الرَّجلُ قُبُلَ المرأةِ؟ فقالَ: لا بأس!!!!)، أو أنَّ (أبا عبد الله سئل عن الرَّجل ينظرُ إلى امرأتِهِ وهي عريانة فقال: لا بأسَ بذلكَ وهل اللذَّةُ إلا ذلك!!!!)؟
وبأيِّ مَنطقٍ يمكنُ أن نقبلَ روايَتَه (عن أبي عبد الله أنَّه قال: إذا زَوَّجَ الرَّجلُ عبدَهُ أمَتَهُ ثمَّ اشتهاها قال له: اعتَزِلْها، فإذا طمثَتْ وَطِئَها ثم ردَّها إليه إذا شاء!!!!)؟
وهل يجوزُ أن نصدِّقَ روايَته (عن أبي عبد الله: لا بأسَ بأن يتمتَّعَ بالبكرِ ما لم يفض إليها مخافةَ العيبِ على أهلِها!!!)؟
وهل يجوزُ أن يطعنَ بأخلاقِ الأنبياءِ بروايتِهِ زورًا (عن أبي عبد الله أنَّه قال: من أخلاقِ الأنبياءِ حبُّ النِّساء!!!)؟
ألا يستحي من روايته (عن عقبة بن خالد أنه قال: أتيتُ أبا عبد الله فخرجَ إليَّ ثم قال: يا عقبة شَغَلَتنا عنك هؤلاء النِّساء!!!!)؟
وكيف له أن يحلِّلَ نكاح الدبرِ في روايَتِهِ المكذوبةِ (عن أبي عبد الله أنَّه سُئل عن إتيانِ النساءِ في أعجازِهِنَّ فقال: هي لعبَتُكَ لا تُؤْذِها!!!)؟
وكيف يتَّهم الإمام الرِّضا (ع) بتحليل ذلك حين (قيل له: الرَّجلُ يأتي امرأتَهُ من دبرِها؟ فقال: ذلك له. فقال الرجل: فأنتَ تفعلُ؟ فقال: إنَّا لا نفعلُ ذلكَ!!)؟
وغير ذلك الكثيرُ من الأحاديث الموضوعةِ التي تُسِيءُ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، والتي لا تختلفُ عن الأحاديثِ التي تسيءُ لنبيِّ الرَّحمةِ محمد (ص).

حتى أنَّ المفيد والخوئي قد صرَّحوا أنَّ رواياتِ الكافي للكليني شاذَّةٌ ونادرةٌ ولا يعوَّلُ عليها ولا يُعمَلُ بها، كذلكَ المجلسي ذكرَ في كتابِهِ (بحار الأنوار) بأنَّ أكثرَ أحاديث كتابِ الكافي غير صحيحةٍ، أمَّا عن كتاب (مَن لا يَحضره الفقيه) للصَّدوق فقد جمع ما جمع من الأحاديثِ التي تنسبُ السَّهو للنَّبيِّ وكلُّها أحاديثُ غير صحيحةٍ.
علمًا أنَّ سلسلة (بحار الانوار) للمجلسي قد جمعَتْ كتبًا كثيرةً بأحاديثها الصحيحةِ والمحرَّفةِ والموضوعةِ، فهي مجموعة من الكتبِ لا أكثر، ولا يعني أن تكونَ معتمَدةً كثقةٍ إن كانت قد تضمَّنَت ضمنَ طيَّاتِها كتابَ (الهدايةِ الكبرى) لسيِّدنا الخصيبي.

أخيرًا أقولُ:
نحن كعلويِّينَ لا يمكنُ أن نعتمدَ الكتبَ المشكوكَ بأحاديثِها كمراجع صحيحةٍ لا في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ ولا في الأحكامِ العقائديَّةِ، لكن نعرضُ الحديثَ الواردَ إلينا من أيِّ كتابٍ كانَ على كتابِ اللهِ، فما وافقَهُ أخذناهُ، وما لم يوافقهُ رَدَدْناهُ إلى أهلِهِ.
ومَن يكذبُ في النَّقلِ يكذبُ في أيِّ شيءٍّ، ولا يمكنُ أن يكونَ إلا من الذينَ ذكرَهم تعالى بقوله: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد