أرشيف التصنيف: سؤال وجواب

السؤال السادس حول كتاب الكافي ومراجع الشيعة

images

السؤال السَّادس: هل يمكنُ اعتمادُ كتابِ (الكافي) للكليني وكتاب (مَن لا يحضرُهُ الفقيهُ) للصَّدوقِ كمراجعَ في الأحكامِ الشَّرعيةِ عند العلويَّةِ؟ وهل يمكنُ الوثوقُ بكلِّ رواتِهم؟

الجواب السَّادس بإذن الله:

إنَّ الشِّيعةَ كتبوا الكثيرَ من الكتبِ ونقلوا عن الأئمَّةِ (ع) الكثيرَ من الأحاديثِ، منها الصَّحيحُ ومنها المُحرَّفُ ومنها الموضوعُ، فمِن ثقاةِ الرُّواةِ الذينَ نعتمدُ حديثَهم على سبيلِ المثالِ: سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعبد اللهِ بن مسعود وخالد بن زيد الأنصاري وأويس القرني وأبو حمزة الثمالي وجابر الجعفي وحمران بن أعين وسفيان الثوري والمفضل بن عمر وهشام بن الحكم (ع)، وهم الذين كانوا من أقرب الصَّحابةِ للنبيِّ (ص) والأئمَّةِ (ع)، ورَوَوا عنهم الأحاديثَ الصَّادقةَ الموثوقةَ، فحُرِّفَ بعضُها في كتبِ الصَّحيحِ والسُّنَن لدى السُّنَّةِ، وكتبِ الحديثِ كالكافي ومَن لا يحضرُهُ الفقيهُ لدى الشِّيعة.
وكما اعتمدَ البخاري ومسلم وكتبُ الحديثِ التِّسعةِ بشكلٍ كبيرٍ على أبي هريرةَ كناقلٍ لأحاديثِ الرَّسولِ (ص)، علمًا أنَّ أصحابَ الرَّسول لعنوهُ وهذا مشهورٌ في صحيحي البخاري ومسلم، كذلك اعتمدَ الكُليني في كتابِ (الكافي) على زرارة بن أعين كناقلٍ لأحاديثِ الإمامِ الصادقِ (ع) بشكل كبير مع أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) لعنهُ لكثرةِ كذبِهِ فادَّعى الشيعةُ في كتبِ الرِّجالِ أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) لم يكن جادًّا في لعنِهِ!! فهل يمزحُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) في هذا معاذَ الله؟ ولماذا نسبَ زرارةُ نفسُهُ أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) لعنَ من أصحابِهِ محمد بن أبي زينب واتَّهموهُ زورًا واعتبروهُ جادًّا في ذلكَ وهو من روايات كتابِ (الكافي) للكليني؟؟
لماذا الازدواجيَّةُ في كتبِ الشِّيعةِ في الأحكامِ كما هي في كتبِ السُّنَّةِ؟ ولماذا يلعنونَ المحمودَ ويعظَّمونَ المذمومَ في كثيرٍ من الأحاديثِ لا مجالَ لذكرها هاهنا؟ وهل يمكنُ أن نأخذَ هذه الكتب كمراجعَ كما يقولُ المتشيِّعونَ؟
وهنا أسأل من يدافعُ عن رواةِ الأحاديث الكاذبةِ ومدوَّنيها ومُعتَمِدِيهم: مَن ينقلُ الأحاديثَ عن غيرِ الثِّقاةِ ألا يكونُ غيرَ موثوقٍ بالنِّسبةِ إلينا؟ أم أنَّ إرضاء الشَّيطانِ والمبالغَ الهاطلةَ على جيوبكم تُخرِسُكم عن الاعترافِ بالحقيقةِ؟

سأختصرُ وألفتُ النَّظرَ إلى بعضِ ما طرحَهُ الكُليني الذي يعظِّمُهُ الشِّيعةُ والمتشيِّعونَ في كتابه، ولا نعلمُ ما هي الغايةُ من محاولةِ التَّشويهِ المقصودةِ أو غيرِ المقصودةِ لعلومِ أهلِ البيتِ الصَّافيةِ:
كرواياتِهِ (عن أبي الحسن عن النَّبي (ص) وهو يخاطبُ امرأةً تشكو إعراضَ زوجِها عنها فقال: أمَا لو يدري ما لَه بإقبالِهِ عليك؟ فقالت: وما لَهُ بإقبالِهِ عليَّ؟ فقال: أمَا إنَّه إذا أقبلَ اكتَنَفَهُ ملكان فكانَ كالشَّاهرِ سيفه في سبيلِ الله!!!!)، فهل كلُّ مَن يجامعُ زوجَتَهُ هو كالشَّاهرِ سيفه والمجاهدِ في سبيلِ اللهِ معاذَ الله؟؟؟
وهل يُعقَلُ أن يروي (عن أبي عبد الله أنه قال: إنَّ نبيًّا شكا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ الضعفَ وقلَّةَ الجماعِ فأمرَهُ الله بأكلِ الهريسةِ!!!!)، فهل يجوزُ أن يكونَ هذا الخطابُ بين النبيِّ واللهِ؟ وهل هذا هَمُّ الأنبياءِ؟
وهل مِن عاقلٍ يصدِّقُ أنَّ (أبا الحسن سُئلَ: هل يُقَبِّلُ الرَّجلُ قُبُلَ المرأةِ؟ فقالَ: لا بأس!!!!)، أو أنَّ (أبا عبد الله سئل عن الرَّجل ينظرُ إلى امرأتِهِ وهي عريانة فقال: لا بأسَ بذلكَ وهل اللذَّةُ إلا ذلك!!!!)؟
وبأيِّ مَنطقٍ يمكنُ أن نقبلَ روايَتَه (عن أبي عبد الله أنَّه قال: إذا زَوَّجَ الرَّجلُ عبدَهُ أمَتَهُ ثمَّ اشتهاها قال له: اعتَزِلْها، فإذا طمثَتْ وَطِئَها ثم ردَّها إليه إذا شاء!!!!)؟
وهل يجوزُ أن نصدِّقَ روايَته (عن أبي عبد الله: لا بأسَ بأن يتمتَّعَ بالبكرِ ما لم يفض إليها مخافةَ العيبِ على أهلِها!!!)؟
وهل يجوزُ أن يطعنَ بأخلاقِ الأنبياءِ بروايتِهِ زورًا (عن أبي عبد الله أنَّه قال: من أخلاقِ الأنبياءِ حبُّ النِّساء!!!)؟
ألا يستحي من روايته (عن عقبة بن خالد أنه قال: أتيتُ أبا عبد الله فخرجَ إليَّ ثم قال: يا عقبة شَغَلَتنا عنك هؤلاء النِّساء!!!!)؟
وكيف له أن يحلِّلَ نكاح الدبرِ في روايَتِهِ المكذوبةِ (عن أبي عبد الله أنَّه سُئل عن إتيانِ النساءِ في أعجازِهِنَّ فقال: هي لعبَتُكَ لا تُؤْذِها!!!)؟
وكيف يتَّهم الإمام الرِّضا (ع) بتحليل ذلك حين (قيل له: الرَّجلُ يأتي امرأتَهُ من دبرِها؟ فقال: ذلك له. فقال الرجل: فأنتَ تفعلُ؟ فقال: إنَّا لا نفعلُ ذلكَ!!)؟
وغير ذلك الكثيرُ من الأحاديث الموضوعةِ التي تُسِيءُ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، والتي لا تختلفُ عن الأحاديثِ التي تسيءُ لنبيِّ الرَّحمةِ محمد (ص).

حتى أنَّ المفيد والخوئي قد صرَّحوا أنَّ رواياتِ الكافي للكليني شاذَّةٌ ونادرةٌ ولا يعوَّلُ عليها ولا يُعمَلُ بها، كذلكَ المجلسي ذكرَ في كتابِهِ (بحار الأنوار) بأنَّ أكثرَ أحاديث كتابِ الكافي غير صحيحةٍ، أمَّا عن كتاب (مَن لا يَحضره الفقيه) للصَّدوق فقد جمع ما جمع من الأحاديثِ التي تنسبُ السَّهو للنَّبيِّ وكلُّها أحاديثُ غير صحيحةٍ.
علمًا أنَّ سلسلة (بحار الانوار) للمجلسي قد جمعَتْ كتبًا كثيرةً بأحاديثها الصحيحةِ والمحرَّفةِ والموضوعةِ، فهي مجموعة من الكتبِ لا أكثر، ولا يعني أن تكونَ معتمَدةً كثقةٍ إن كانت قد تضمَّنَت ضمنَ طيَّاتِها كتابَ (الهدايةِ الكبرى) لسيِّدنا الخصيبي.

أخيرًا أقولُ:
نحن كعلويِّينَ لا يمكنُ أن نعتمدَ الكتبَ المشكوكَ بأحاديثِها كمراجع صحيحةٍ لا في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ ولا في الأحكامِ العقائديَّةِ، لكن نعرضُ الحديثَ الواردَ إلينا من أيِّ كتابٍ كانَ على كتابِ اللهِ، فما وافقَهُ أخذناهُ، وما لم يوافقهُ رَدَدْناهُ إلى أهلِهِ.
ومَن يكذبُ في النَّقلِ يكذبُ في أيِّ شيءٍّ، ولا يمكنُ أن يكونَ إلا من الذينَ ذكرَهم تعالى بقوله: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس حول تحريم الخنزير وهل يحل في شروط؟

images

السُّؤال الخامس: ما هي أسبابُ تحريمِ لحمِ الخنزيرِ؟ وهل يقتصرُ الأمرُ على اللَّحمِ المأكولِ؟ وهل يحلُّ في شروطٍ معيَّنةٍ؟ وما هو مفهومُنا العلويُّ في تحريمِ لحمِ الخنزيرِ؟

الجوابُ الخامس بإذن اللهِ:

يعتقدُ البعضُ أنَّ لحمَ الخنزيرِ محرَّمٌ فقط عندَ المسلمينَ وفي القرآنِ الكريمِ وأحاديثِ أهلِ البيتِ (ع)، ونحن نؤكِّدُ على ذلكَ ونتمسَّكُ به، فالتَّحريمُ والتَّحليلُ ليسَ من اختصاصِ البشر، بل مَن يحلِّلُ اللهُ والرَّسولُ في القرآنِ الكريمِ وأهلُ البيتِ (ع) لأنَّهما الثَّقلانِ اللذانِ لا يفترقانِ أبدًا والحديثُ معروف.
لكن لا يمكن إغفالُ تحريمِ لحمِ الخنزيرِ من قبلِ أصحابِ الرِّسالاتِ السَّابقةِ، لأنَّ دينَ اللهِ واحدٌ، فحتَّى لو اختلفَتِ الشَّرائعُ فإنَّهُ من غيرِ اللائقِ أن يحلِّلَ سيِّدنا محمَّد (ص) ما حرَّمهُ سيِّدَانا عيسى وموسى (ع)، أو يحرِّمَ ما حلَّلوهُ، وإلا لانتَفَتِ العصمةُ وانْتَفَتْ إلهيَّةُ الدَّعوةِ النَّبويَّةِ لكلِّ نبيٍّ، لكنَّ الاختلافَ بطريقةِ التَّطبيقِ للشَّريعةِ مع المحافظةِ على جوهرِ الدِّينِ الحقِّ.

وفيما يتعلَّقُ بسؤالِ السَّائلِ فإنَّ لحمَ الخنزيرِ محرَّمٌ عند كلٍّ من أنبياءِ اللهِ موسى وعيسى ومحمَّدٍ صلواتُ اللهِ عليهم، فقد وردَ في الإصحاحِ الأوَّلِ من العهدِ القديمِ: (كُلُّ ما شُقَّ ظلفُهُ وَقَسَمَهُ ظِلفين، وكُلُّ ما يَجْتَرُّ من البهائمِ فلا تأكلوهُ. فالجملُ لا يَجْتَرُّ لكنْ يُشَقُّ ظلفُهُ فهو نَجِسٌ لكم، كذلك الأرنبُ والخنزيرُ لا يُشَقُّ ظلفُهُ ولكنَّهُ يَجْتَرُّ فهو نجسٌ لكم)، كما وردَ في إنجيلِ برنابا أنَّ أحدَ الكتبةِ قالَ: إنْ أكلتُ لحمَ الخنزيرِ أو لحومًا أخرى نَجِسَةً أفلا تُنَجِّسُ هذهِ ضَميري؟ فأجاب سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ العصيانَ لا يَدخلُ الإنسانَ بل يخرجُ من الإنسانِ من قلبِهِ، ولذلكَ يكونُ نجسًا متى أكلَ طعامًا محرَّمًا)، ولهذا فإنَّ أكلةَ لحمِ الخنزيرِ يتطبَّعونَ بطبعِهِ النَّجسِ فتجدُهم قومًا هجروا الأخلاقَ واتَّبعوا أقبحَ الرَّذائلِ.
أمَّا في القرآنِ الكريمِ فقد نزلَ تحريمُ لحمِ الخنزيرِ واضحًا بيِّنًا في أكثرِ من موضعٍ ومنهُ قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وقد ذكرتِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ اللهَ تعالى حرَّمَ لحمَ الخنزيرِ، ولا يباحُ بحالٍ من الأحوالِ لمسلمٍ أن يتناولَ منه شيئًا إلَّا في حالةِ الضرورةِ التي تتوقَّفُ فيها صيانةُ حياتِهِ على تناولِهِ، كما لو كانَ في مفازةٍ ولا يجدُ طعامًا سواهُ؛ وفقًا لقاعدةِ أنَّ الضروراتِ تبيحُ المحظوراتِ وفقاً لنصِّ الآيةِ!!
ولم يأتِ هذا التَّحريمُ عبثًا، فقد وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) قوله: (إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لم يُحرِّمْ ذلكَ على عبادِهِ ويُحِلَّ لهم ما سوَى ذلكَ من رغبةٍ فيما أحلَّ لهم ولا زهدٍ فيما حرَّمَهُ عليهم، ولكنَّه تعالى خلقَ الخلقَ فَعَلِمَ ما تقومُ به أبدانِهم، وما يَصلحُ لهم فأحلَّهُ لهم وأباحَهُ، وعَلِمَ ما يضرُّهم فَنَهاهُمْ عنهُ وحرَّمَهُ عليهم)، وقد ثَبَتَ احتواءُ عضلةِ لحمِ الخنزيرِ على الدُّودةِ الشَّريطيَّةِ المُسَلَّحةِ وعلى حمضِ البوليكِ بكثرةٍ، وذلك يُسَبِّبُ نوباتِ صَرَعٍ وَشُحُوبًا وآلام مَفَاصِل…. إلخ.

وأمَّا السَّببُ الرُّوحيُّ في التَّحريمِ فقد وردَ في قولِ الإمامِ الرِّضا (ع): (حُرِّمَ الخنزيرُ لأنَّه مسخٌ، جعلَهُ اللهُ تعالى عِظَةً للخلقِ وعبرةً وتخويفًا، ودليلًا على ما مَسَخَ على خلقَتِهِ، ولأنَّ غذاءَهُ أقذرُ الأقذارِ)، حيثُ أنَّ اللهَ تعالى مسخ قومًا في صورٍ شتَّى كالخنازير والقردة كما جاءَ في كتابِهِ.

لكنَّ السُّؤالَ الأهمَّ: هل قولُهُ تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) يحلِّلُ لحمَ الخنزيرِ في حالاتٍ خاصَّةٍ؟ وهل يقصدُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (أحلَّهُ للمضطَّرِ في الوقتِ الذي لا يقومُ بدنُهُ إلا بِهِ!!) تحليلَ أكلِ لحمِ الخنزيرِ؟

وبناءً عليه نطرحُ بعضَ التَّساؤلاتِ:
هل يجوزُ للإنسانِ أن يأكلَ لحم إنسانٍ ميتٍ إن كان جائعًا؟ وهل يجوزُ أن يسفكَ دمَهُ فيشربَ منهُ إن كانَ عَطشانًا؟ ولماذا يطبِّقون معيارَ الاضطرارِ على لحمِ الخنزيرِ فقط؟
لنفرضْ أنَّنا في مَفَازةٍ (أي غابةٍ) وبقينا فيها لشهرٍ كاملٍ وليسَ فيها من الحيواناتِ إلَّا الخنازير، فهل يجوزُ لنا أن نصطادَ خنزيرًا فنأكلَ لحمَهُ لِنَقتاتَ ونشربَ دمَهُ لنرتويَ حتى لا نموت؟ وما هو الضَّررُ الحاصلُ جرَّاءَ أكلِهِ وشربِ دمِهِ؟ لماذا لا نأكلُ الأعشابَ وأوراقَ الأشجارِ ونرتوي من ماء النَّدى وكلُّهُ متوفِّرٌ في المفازةِ، أفليسَ هذا أسلَمُ؟
من جهةٍ أخرى أثبتَ العلمُ أنَّ الخمرَ له فوائدُ كثيرة إذا تمَّ تناولُهُ باتِّزانٍ، لكنَّهُ مضرٌّ عندَ الإكثارِ منه والشُّربِ حتَّى السُّكرِ وذهابِ العقلِ، وهذا ليس موضعُ حديثِنا، لكنَّنا سُقنا هذا المثال لنتساءلَ: لماذا يحرِّمونَ الخمرَ حتى في وقتِ الاضطرارِ ويبيحونَ لحمَ الخنزير في وقتِ الاضطرارِ؟ وما هذا التَّناقضُ في الأحكامِ؟

هنا نجيبُ على التَّساؤلِ الأساسيِّ: لماذا لم يقلِ القرآنُ: (فَمَنِ اضْطُرَّ لأكلِهِ)، بل قال: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)؟
إنَّ العاقلَ اللبيبَ ينطلقُ من الإشاراتِ القرآنيَّةِ في كتاب اللهِ الذي ينزلْ عبثًا ولم يكن ساذجًا سطحيًّا معاذَ اللهِ، بل تحدَّثَ بالأمثالِ التي يفهمُها المتفكِّرونَ، فالأكلُ لا يعني الأكلَ الماديَّ بالفمِ والأسنانِ، كقوله تعالى في آياتٍ متعدِّدةٍ: (أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ…، وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ…، الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا…، يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى…)، علمًا أنَّ آيةَ تحريمِ لحمِ الخنزيرِ لم يذكرْ فيها الأكلَ، بل حرَّمهُ بالمطلقِ، وهو أكلُهُ ولمسُهُ وارتداءُ جلدِهِ ووووإلخ، والمقصودُ بكلِّ هذا حسِّيًّا تحريمُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله، ويريدُ بهِ عقليًّا تحريمُ الاعتقادِ بأصولِ أهلِ الرِّدَّةِ وأهلِ البِدَعِ وأهلِ الفتنةِ ومَن كانَ مِن أتباعِهمِ مخالفينَ للحقِّ، فعلومُهم محرَّمةٌ على المؤمنينَ أن يعتقدوا بها ويتبنُّوها على الإطلاقِ، فَمَنِ اضطُّرَّ على التَّستُّرِ بها تقيَّةً لا الاعتقادِ بها إيمانًا فلا إثمَ عليهِ، بشرطِ أن يكونَ: (غيرَ باغٍ) أي غير داعمٍ لها وناشرٍ لها، كأنْ يقولَ: إنَّ معاويةَ أميرُ المؤمنين!! وهذا ليس بتقيَّةٍ، بل بغيٌ ونفاقٌ؟ (ولا عادٍ) أي متعدٍّ على أهلِ الحقِّ ومحاربٌ لهم، كأنْ يحاربَ العلماءَ إذا ذمُّوا أعداءَ الحقِّ بحجَّةِ أنَّهُ يحاربُ الفتنةِ، وهو في الحقيقةِ مُفتِنٌ بجمعِهِ بينَ أولياءِ الحقِّ وأعدائِهِ لقولِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا يجتمع حبُّنا وحبُّ أعدائِنا في جوفِ إنسانٍ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الرابع حول المحاججة بين المذاهب

images

السُّؤال الرَّابع: لماذا نلاحظُ أنَّ هناكَ سِجَالًا خِلافيًا دائمًا بين السُّنَّةِ والشِّيعةِ من جهةٍ، وبينكم كعلويِّين من جهةٍ أخرى؟ وما إمكانيَّةُ التَّلاقي؟

الجواب الرَّابع بإذنِ اللهِ:
هناكَ ما يُسمَّى (مُسَلَّمَات) سواءَ كانَ لدى السُّنَّةِ أو لدى الشِّيعةِ أو حتى لدينا كعلويِّين، وهذه المُسلَّماتُ تتعلَّقُ بتعظيمِ الأشخاصِ بعيدًا عن أفعالِهم مع أنَّ سيِّدَنا المسيحَ (ع) قالَ لتلاميذِهِ: (لا تُدْعَوا مُعلِّمينَ لأنَّ مُعلِّمَكم واحدٌ هو المسيحُ)، لذلكَ لا يمكنُ حَلُّ السِّجالاتِ الخلافيَّةِ إلَّا بطريقتين:
الأولى: أن تَفهمَ طريقةَ تفكيرِ كلِّ مذهبٍ في داخلِهِ، ولا سيَّما في مسألةِ تعظيمِ الأشخاصِ.
الثانية: اعتمادُ مبدأ دراسةِ القضايا الفكريَّةِ، بحيثُ نقفُ مع مَن نُحاورُهُ وقفةً حياديَّةً أمامَ ما يلتزمُهُ، ونتحدَّثُ بالعلمِ التَّوحيديِّ وكيف ينظرُ إلى القضايا؟ ومن أينَ أتَى بهذا البرهانِ؟ وهل هو واثقٌ من اعتقادِهِ؟

هذا الأسلوبُ يُدعى (المُحَاجَجَةُ) وقد تعلَّمناهُ من آلِ بيتِ الرَّسولِ (ص) كما وردَ في الهُدَى القرآنيِّ: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).
لكنَّ بعضَ علماءِ السُّنَّةِ والشِّيعةِ يفهمونَ الآيةَ بطريقةِ أنَّ الشَّكَّ هو الذي يَحكمُ حركةَ البحثِ، وهو أسلوبٌ يأخذُ به النَّاسُ كأنْ يَقولوا: رأيي صوابٌ يَحتملُ الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يَحتملُ الصَّوابَ!!
لقد أخطؤوا لأنَّ النَّبيَّ (ص) لا يَدعو إلى الشَّكِّ معاذَ اللهِ، وهو الذي أتى بالهُدَى ودينِ الحقِّ، ولكنَّ أسلوبَ البحثِ في القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ ينطلقُ من البُعدِ عن الشَّخصَنَةِ التي يَتَحرَّكُ النَّاسُ في مركبِها لِيُكَفِّروا وليُفَسِّقُوا وليُؤيِّدُوا فلانًا أو فلانًا، وَيَدعوَا للمناقشةِ العلميَّةِ لقولِهِ تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) و(الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هي الحجَّةُ والبرهانُ.
وأمرَ سبحانَهُ بالتَّفكُّرِ والتَّحقُّقِ لإثباتِ الحجَّةِ، بِغَضِّ النَّظرِ عن الانفعالاتِ المذهبيَّةِ التي تُحرِّكُ نَزعَةَ الغَضَبِ الشَّهوانيَّةِ كما تحرَّكَتْ مع المشركينَ حين اتَّهَموا النَّبيَّ بالجنونِ فلم يَرُدَّ عليهم النَّبيُّ (ص) حسبما جاءَ في القرآنِ، ولم يقل لهم: أنا لستُ مجنونًا، لأنَّ الصَّوتَ لا يُسمَعُ في حالاتِ الغضبِ والانفعالِ، ولكنَّه قال لهم: اهدَؤوا وَتَخلَّصُوا من انفعالِكُم حتَّى تتمكَّنُوا من التَّفكيرِ، وَسَتعرفونَ الحقيقةَ من خلالِ الهدوءِ والموضوعيَّةِ والتَّفكُّرِ، وفي هذا جاءَ قولُهُ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ).

لذلك يجبُ ألَّا نتحوَّلَ إلى مقلِّدينَ وَتَابعينَ غوغائيِّينَ، بلْ إلى مفكِّرينَ وباحثينَ عن الحقيقةِ، واللهُ المُوَفِّقُ لكلِّ خَيرٍ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث حول سيدنا موسى وقتله للكافر

images

السُّؤالُ الثَّالث: كيف قتلَ موسى (ع) رجلًا بغيرِ حقٍّ وهو نبيُّ اللهِ؟

الجوابُ الثَّالثُ بإذنِ اللهِ:

وردت شبهةُ القتلِ في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ).

السُّنَّةُ يعتبرونَ أنَّ الأنبياءَ (ع) معصومونَ عن الكبائرِ، أمَّا الصَّغائرُ فغيرُ معصومينَ عنها، وهنا قالوا: كيفَ يقتلُ موسى (ع) نفسًا؟ وبرَّروها بأنَّه قتلَهُ بالخطأ ولا يؤاخَذُ به، وبما أنَّه يُشَرَّعُ الاستغفارُ من الخطأ فإنَّهُ استغفرَ ربَّهُ!!

والشِّيعةُ اعتبروا أنَّ القتالَ بين القبطيِّ والإسرائيليِّ هو الذي من عملِ الشَّيطانِ، فظلمَ موسى نفسَهُ واختارَ ما لم يكن في مصلحتِهِ فلا يأثمُ بفعلِ القتلِ؟

 

أيُّها الإخوة:

لابدَّ من القولِ أنَّهُ من حيث ظاهرِ القصَّةِ لا تثريبَ على سيِّدنا موسى (ع) في قتلِ القبطيِّ لسببينِ:

الأوَّل: أنَّه تدخَّلَ لنصرةِ مؤمنٍ مُستَضعَفٍ استغاثَهُ من يدِ كافرٍ متجبِّرٍ.

الثاني: أنَّ موسى (ع) لم يقصدْ قتلَهُ وإنَّما قصدَ رَدعَهُ فمَاتَ، فلا تَعَمُّدَ ههنا، وبالتالي لا تناقضَ مع عصمتِهِ الشَّريفةِ.

ولعلَّ الإشكالَ نشأ في عقولِ النَّاسِ بسببِ الرِّوايةِ التَّوراتيَّةِ التي تُظهرُ سيِّدنا موسى (ع) في صورةِ القاتلِ المتعمِّدِ المتربِّصِ الذي استطلعَ الأجواءَ ثم أقدَمَ على جريمتِهِ: (وَحَدَثَ فِي تِلْكَ لأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيّاً يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيّاً مِنْ إِخْوَتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ فَقَتَلَ لْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ)!!

أمَّا الرِّوايةُ القرآنيَّةُ فلم تقلْ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) قتلَهُ كي لا يَشتكلَ المعنى، بل قال تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)، وهذهِ أوَّلُ مرَّةٍ في التَّاريخِ يتمُّ فيها الإشارةُ إلى هذا التَّفريقِ بين القتلِ العمدِ والقتلِ الخطأ، فالقرآنُ العظيمُ هو أوَّلُ مَن فرَّقَ بين هذهِ الحالاتِ، ولم يَسبقْهُ أيُّ نظامٍ قانونيٍّ في العالمِ في بيانِ هذا التَّشريعِ العادلِ، وهذا كلُّه لا يقعُ بسيِّدنا موسى (ع) لأنَّه نبيٌّ معصومٌ، ولكنَّ هذا على سبيل التَّعليم لنا، لكي ننصرَ إخواننا المؤمنينَ ضدَّ مَن يعاديهم ويتعدَّى عليهم وعلى حرماتِهم.

ولأنَّ نهجَنا العلويَّ كما قلنا يَتعالى عن المادِّيَّاتِ المحسوساتِ يجب أن نفهمَ أنَّ المدينةَ هي مدينةُ العلمِ والتوحيدِ لقولِ رسولِ الله (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها)، وجاءَ موسى (ع) ليبلِّغَ أهلَها الغافلينَ عن معرفةِ اللهِ ليهديَهم سواءَ السَّبيلِ، فانقسَموا إلى رَجُلَينِ الأول آمَن به والآخر عاداهُ، لكنَّ العدوَّ لن يواجهَ النَّبيَّ لعدمِ استطاعتِهِ لإيذائِهِ، لذلك فإنَّهُ سيواجهُ المؤمنينَ به من أتباعِهِ وهو قتالُهم والتَّعدِّي عليهم كما حدثَ في بداياتِ الدَّعوةِ المحمَّديَّةِ من تعذيبٍ وتنكيلٍ بالمؤمنينَ على يدِ مشركي قريش، فاستغاثوا بالنَّبيٍّ (ص) فأغاثَهم بالهجرةِ ونصرَهم ربُّهم ببدرٍ، وهكذا استغاثَ المؤمنُ بموسى (ع) فأغاثَهُ بالوكزِ ونصرَهُ بالقضاءِ على عدوِّهِ، حيث جاءَ في الإنجيل: (موسى قتلَ النَّاسَ لِيُبيدَ عبادةَ الأصنامِ ولِيُبقيَ على عبادةِ الإلهِ الحقيقيِّ)، ولهذا قال سيِّدنا المسيحُ (ع) لتلاميذِهِ: (كلُّ ما ينطبقُ على كتابِ موسى فهو حقٌّ فاقبلوهُ).

وعمل الشَّيطانِ ليسَ هو القتالُ الدَّائرُ بينَهما كما فهمَ الشِّيعةُ من تأويلِ الأئمَّةِ (ع)، بل هو فعلُ الكافرِ وقتالُهُ للمؤمنِ، أي عملُهُ لأنَّ الكافرَ بربِّ موسى (ع) هو الشَّيطانُ العدوُّ المضلُّ المبينُ، وفعلُهُ قتالُ المؤمنِ، لذلك فإنَّ القضاءَ عليه هو وعدُ اللهِ بنصرِ المؤمنينَ على الكافرين وهو القائلُ: (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

واستغفارُهُ إنَّما هو على سبيلِ التَّعليمِ لنا نحن البشرُ بالاستغفارِ والإنابة، أمَّا الانبياءُ (ع) فلا يقعُ عليهم الظلمُ لذلكَ أردفَ بعدَها بقوله: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)، وهو التعليمُ أنَّنا يجبُ أن نثبتَ على طريقِ الحقِّ مهما كانت عواقبُ الأمورِ، وألَّا نهادنَ أو نسايرَ أو ندعمَ المجرمينَ الذينَ يتطاولون على اللهِ ورسلِهِ وأوليائِهِ وإلا ظلمنا أنفسَنا وخسرنا خسرانًا مبينًا.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني حول الزكاة والصدقة

images

السُّؤال الثَّاني: ما هو مفهومُ الزَّكاةِ التي وردَتْ في القرآنِ الكريمِ؟ ومَن يَستَحِقُّها؟ وبماذا تختلفُ عن الصَّدقَةِ؟

الجوابُ الثَّاني بإذنِ اللهِ:

أجمعَ رجالُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ على أنَّ الزَّكاةَ والصَّدقةَ محصورتانِ بالمالِ، واتَّفَقوا على أنَّ الزَّكاةَ فريضةٌ والصَّدقةَ نافلةٌ!! ولكنَّهم اختلفوا في التَّفريق بينهما، فرجالُ السُّنَّةِ استشهدوا بآيةِ الصَّدقاتِ على الزَّكاةِ، واعتبروا الصَّدقةَ أعمَّ من الزَّكاةِ وشاملةً لها، فكلُّ زكاةٍ صدقةٌ وليس كلُّ صدقةٍ زكاةٌ!! أمَّا الشِّيعةُ فاختلفوا معهم بالخمسِ حيثُ أنَّ السُّنَّةَ ألغَوا الخُمْسَ بينما الشِّيعةُ يؤكِّدونَ على الخمسِ ويعتبرونَهُ حقَّ اللهِ في المغانمِ.

بالنسبةِ للصَّدقاتِ عندَنا هي ما يُقدَّمُ مِن معروفٍ سواءَ كان مالًا أو مساعدةً أو عملًا صالحًا، وقد ذكرَها تعالى في آيةِ الصَّدقاتِ بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
فالصَّدقةُ عندنا فريضةٌ ومخصَّصَةٌ كما وردَ في الآيةِ، وليست نافلةً كما تقولُ مراجعُ الشِّيعةِ، ولا يجوزُ أن تُعطى لغيرِ المذكورينَ في الآيةِ كما تقولُ مراجعُ السُّنَّةِ، حيث قالوا: يجوزُ إعطاؤها للغنيِّ والقويِّ المكتَسِبِ، والسَّببُ أنَّهم خلَطُوا بين مفهومِ الزَّكاةِ والصَّدقةِ.
كما تقولُ مراجعُ السُّنَّةِ أنَّهُ يجوزُ إعطاءُ الصَّدقةِ للكفَّارِ والمشركينَ مستشهدينَ بقوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، حيث اعتبروا أنَّ الأسيرَ في دارِ الإسلامِ لا يكونُ إلا مشركًا، وبالطَّبعِ فإنَّ فهمَهُم لهذا خاطئٌ لأنَّهُ مخالفٌ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (المُتَصَدِّقُ على أعدائِنا كالسَّارقِ في حَرَمِ اللهِ ورسولِهِ).

أمَّا بالنسبةِ للزَّكاةِ فهي ركنٌ من أركانِ الإسلامِ يجبُ أداؤها، لكنَّ المشكلةَ كيفَ يكونُ أداؤها، فمصادرُ السُّنَّةِ تقولُ: هي إخراجُ قَدْرٍ مخصوصٍ من مالٍ مخصوصٍ كالذَّهبِ والفضَّةِ وسائرِ النُّقودِ الورقيَّةِ والأنعامِ وغيرها بشروطٍ مخصوصةٍ يُصرَفُ لجهاتٍ مخصوصةٍ. كما أنَّ مصادرَ الشَّيعةِ ذكرَتْ أنَّهُ كلَّما قُرِنَتِ الزَّكاةُ بالصَّلاةِ في كلامِ اللهِ وكلامِ رسولِهِ قُصِدَ منها مُطلقَ حَقِّ اللهِ في المالِ!! والذي منه: حَقُّهُ فيما بلغَ النِّصابُ من النَّقدين- أي الذَّهب والفضَّة- والأنعامِ والغلَّاتِ أي الصَّدقاتِ الواجبةِ!!
ما يُميِّزنا عن البقيَّةِ كعلويِّينَ أنَّنا نرتقي بمفهومِنا للزَّكاةِ عن المادَّةِ والمالِ إلى درجةٍ أعلى، فقد قُرِنَتْ فريضةُ الزَّكاةِ بفريضةِ الصَّلاةِ في سِتٍّ وعشرينَ آيةٍ من كتابِهِ الكريمِ، فما هو سِرُّ ذلكَ؟
لو كانت الزَّكاةُ مرتبطةً بالحَولِ أو مرتبطةً بالفطرِ كما يقولونَ لكانَ القرآنُ الكريمُ قد رَبَطَها بشهرِ رمضانَ مثلًا، لكنَّها مرتبطةٌ بالصَّلاةِ، وهي خمسُ صلواتٍ يوميَّةٍ مفروضةٍ على كلِّ المسلمينَ، ليُعطِيَها المعنى الأكبرَ المرتبطَ بالصَّلاةِ.
فالزَّكاةُ كالصَّلاةِ لها رسمٌ ماديٌّ وحقيقةٌ عقليَّةٌ، والمنطقُ يقولُ أنَّه لابدَّ أن تكونَ الزَّكاةُ المبذولةُ من غيرِ العالمِ إلى العالمِ عينيَّةً ماديَّةً وفقَ استطاعتِهِ المعبَّرِ عنها بالمقدارِ المخصَّصِ كحدٍّ أدنىِ، حيث سئل الإمام الصادق (ع): كم تجبُ الزَّكاةُ من المالِ؟ فقال: (أمَّا الظَّاهرةُ ففي الألفِ خمسةٌ وعشرونَ، وأمَّا الباطنةُ فلا تستأثِرْ على أخيكَ بما هو أحوجُ إليهِ منكَ).
وهي ليسَتْ أجرًا لهُ على عملِهِ، وبالتالي لا يجوزُ أن تكونَ مصدرًا لثراءِ البعضِ، بل تُعطَى للمستحقِّينَ، حيث قالَ الإمام الصادق (ع): (لا يَحلُّ أن تُدفَعَ الزَّكاةُ إلاَّ لأهلِ الولايةِ)، ولا يجوزُ أن تُعطى للكفارِ والمشركينَ مثلُها مثلُ الصَّدقَةِ لقولِ الإمام علي كرّمَ اللهُ وجهَهُ:
لا تَصْنَعِ المعروفَ في سَاقطٍ … فَذَاكَ صُنْعٌ ساقِطٌ ضائعُ
أمَّا الزَّكاةُ من العالمِ إلى غيرِ العالمِ فهي زكاةُ العلمِ لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (زكاةُ العلمِ بذلُهُ لمستحقِّيهِ)، والمستحقُّونَ هم أهلُهُ المقرُّونَ، وهو معنى قول الرَّسولِ (ص): (جَنِّبوا مساجدَكم بَيعَكُم وشِراءَكم وخُصُوماتِكم.. زَكُّوا أموالَكُمْ تُقْبَلُ صلاتُكُم).

وفي الحقيقةِ، إذا كانتِ الصَّلاةُ عبارةً عن الاتِّصالِ بالتَّوجُّهِ إلى وجهِ الحقِّ، والانقطاعِ عمَّا سواهُ كليًّا، فإنَّ الزَّكاةَ عبارةٌ عن تزكيةِ العبدِ من يقينِ وجودِهِ، وهو الإخلاصُ الذي ذكرَهُ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (الحقَّ أقولُ لكم: لَعَمْرُ اللهِ إنَّ المرائينَ يصلُّونَ كثيرًا في كلِّ أنحاءِ المدينةِ ليَنظُرَهم الجمهورُ ويَعُدَّهُم قدِّيسينَ، ولكنَّ قلوبَهم ممتلئةٌ شرًّا، فهم ليسوا على جِدٍّ فيما يطلبونَ، فمِن الضروريِّ أن تكونَ مخلصًا في صلاتِكَ إذا أحبَبْتَ أن يَقبلَها اللهُ).
لذلكَ أمرَ اللهُ عبادَهُ المؤمنينَ بإقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وجعلَ إيتاءَ الزَّكاةِ بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ فَرْضًا لازِمًا دلالةً على وجوبِ الإفرادِ بعدَ الإثباتِ اجتنابًا للوقوعِ بالشِّركِ لقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.
الدكتور: أحمد أديب أحمد