أرشيف التصنيف: سؤال وجواب في الدين

السؤال الخامس والثلاثون عن إمهال الكافرين واستدراجهم

images

السُّؤالُ الخامسُ والثَّلاثون: لماذا أمدَّ اللهُ الكافرينَ هذا المدَّ؟ وإلى متى؟

الجوابُ الخامسُ والثَّلاثون بإذنِ الله:

يقول تعالى في سورة الطَّارقِ: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً).
إنَّ الفرقَ بيننا وبينَ كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو في تعريفِ الكافرينَ وفهمِ الإمهالِ، فَهُم يَرونَ أنَّ الأكثريَّةَ هي المؤمنةُ والأقلِّيَّةَ هي الكافرةُ، وانطلاقًا من ذلك كتبوا كتبَهم حولَ الفرقِ والمللِ والنِّحَلِ وكفَّروا هذا وذاك دونَ أيِّ وازعٍ، مفتخرينَ بكثرتِهم وانتشارِهم، فالسُّنَّةُ يفتخرونَ بكثرةِ عددِهم وانتشارِهم في العالمِ، والشِّيعةُ يعتبرونَ أنَّ نجاحَهم في اختراقِ صفوفِ المذاهبِ الأخرى هو مصدرُ فخرٍ لهم بأنَّهم على حقٍّ، ولم يَعلموا جميعًا أنَّ اللهَ تعالى ذمَّ الكثرةَ في آياتٍ عدَّةٍ كقوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)، وقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ)، ومدحَ القلَّةَ كما في قوله تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)، فنظرتُهم كأكثريَّةٍ باستصغارٍ إلى الأقليَّةِ كنظرةِ فرعونَ إلى جنودِ سيِّدنا موسى (ع) في الآيةِ، وقد خاطب فرعون جندَهُ قائلاً: (إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)، ولفظُ (شرذمة) هو نفسُ الوصفِ الذي استخدمَهُ سادةُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ حينَ كفَّروا العلويِّينَ عبر التاريخِ وقالوا في كتبِهم ومؤلَّفاتِهم: (الفرقةُ النُّصيريَّةُ شرذمةٌ اتَّبعَتْ محمد بن نُصير!!).

أمَّا الإمهالُ رويدًا فاعتبرَهُ السُّنَّةُ في تفاسيرِهم للقرآنِ بأنَّه برهةٌ من الزَّمنِ ستتحقَّقُ بعدَ حينٍ، في حينِ اعتبرَت تفاسيرُ الشِّيعةِ أنَّ الإمهالَ رويدًا هو مداراةٌ للكافرينَ وصبرٌ وتأنٍّ ودقَّةٌ في حسابِ خطواتِ المواجهةِ! مع أنَّ من يتقهقَرُ ويتخلَّفُ عن القتالِ في سبيل الحقِّ هم في عدادِ الذَّمِّ لا الحمدِ، كأولئكَ الذينَ تخلَّفوا عن جيشِ أسامةَ، وأولئكَ الذينَ نكثوا مع أمير المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ والإمامِ الحسين (ع) وهم الأكثريَّةُ، بينما الأقلِّيَّةُ هي من بقيت تقاتلُ وتحاربُ لنصرةِ الحقِّ وإعلاءِ كلمتِهِ لقوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً)، ولم يسجِّلِ التَّاريخُ أنَّ العلويِّينَ نصروا الباطلَ أو توانَوا عن نصرةِ الحقِّ أبدًا، بل إنَّ سادَتنا الثِّقاةِ وأجدادَنا المخلصينَ كانوا حاضرينَ في المواجهةِ دومًا جنبًا بجنبٍ مع النَّبيِّ الأكرمِ (ص) وأميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وكلِّ إمامٍ من الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) ومَن تَبعَ نهجَهم الصَّافي، فلم يتخلُّوا عن نصرةِ سيِّدنا محمَّد بن نصير، ولم يتخلَّفوا عن نهج سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي، وقاتلوا في جيشِ الأميرِ سيفِ الدَّولةِ الحمدانيِّ لدحرِ الرُّومانِ ومواجهةِ السَّلاجقةِ، وجاهدوا مع الأميرِ حسن بن مكزونِ السِّنجاريِّ، ولنا في الشَّيخِ المجاهدِ صالحِ العلي والقائدِ الخالدِ حافظِ الأسد والقائدِ المجاهدِ بشَّار الأسد خير مثالٍ في العصورِ الحديثةِ.

وهنا لابدَّ من التَّنبيهِ على بعضِ المرتدِّينَ المتشيِّعينَ الذينَ يحاولُونَ تشويهَ صورتِنا العلويَّةِ النَّقيَّةِ خدمةً للشِّيعةِ ليَجعلوا ولاءَنا لخالدَ بن الوليد بدلاً من أن يكونَ لأميرِ المؤمنينَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ حينَ يَزعمونَ في بياناتِهم المدسوسةِ المأجورةِ أن لقبَ النُّصيريَّةِ جاءَ (عندما قَدِمَ خالد بن الوليدِ لفتحِ فلسطينَ من اليهودِ فاستنجدَ بأهالي جبالِ العلويِّينَ وناصروهُ على فتحِ المدينةِ، ولكن لصغرِ الجبلِ وقلَّةِ اعدادِ سكَّانِهِ أُطلقَ عليهِ لقبُ النُّصيريَّةِ، وهي كلمةٌ مصغَّرةٌ مأخوذةٌ من النُّصرةِ!!)، فأيُّ إفكٍ أتى به هؤلاء المرتدُّونَ الذينَ يريدونَ إخفاءَ فضلِ ومقامِ سيِّدنا أبي شعيب محمَّد بن نصير حجَّةِ الإمامِ العسكريِّ (ع) وهو الذي قال فيه: (محمَّد بن نصير حجَّتُنا على المؤمنين، وهو لؤلؤةٌ مكنونةٌ في محلِّ سلمان، حجَّةٌ من حُجَجنا، فمَن شكَّ فيه أو ردَّ عليهِ قولَهُ فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين).
قاتَلَ اللهُ هؤلاء المرتدِّينَ ما أكثرَ بغيَهم وبغاءَهم وعمالَتهم لأنَّهم يريدونَ بهذا إثباتَ أنَّ العلويّينَ الشُّرفاءَ الأنقياءَ قد نصروا خالدًا في عهدِ الخليفةِ الثاني عمر بن الخطَّابِ بروايةٍ تاريخيَّةٍ كاذبةٍ هدفُها إخراجُ العلويَّةِ عن ولايةِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ الله وجهَهُ وإلحاقِهم بقاطع رأسِ مالكِ بن نويرةَ رضي اللهُ عنه ليزني بزوجتِهِ، ومعروفٌ أنَّ خالد بن الوليد كانَ شريكًا في إحراقِ بيتِ فاطمةَ الزَّهراء (ع) بضعةِ رسولِ اللهِ (ص) وهذا يكفيهِ لوقوعِ غضبِ رسولِ اللهِ عليه لقولِهِ (ص): (فاطمةُ بضعةٌ منِّي فمَن أغضبَها أغضبَني). ومقولةُ المرتدِّينَ المزعومةُ تجعلُنا خارجينَ عن نهجِ الولايةِ، وتفسحُ المجالَ للشِّيعةِ المقصِّرةِ لتنفيذِ مخطَّطاتِها في مشروعِ التَّشيُّعِ لهدايَتنا- حسبَ زعمهم- من طريقِ الضَّلالِ النَّاصبيِّ إلى طريقِ التَّشيُّعِ، فقاتلَ اللهُ المنافقينَ المزوِّرينَ المتنكِّرينَ لفضلِ الأئمَّةِ المعصومينِ ومَن تَبعهم من الحججِ البيِّناتِ وعلى رأسِهم سيِّدُنا أبو شعيب محمَّد بن نصير، وليَعلموا أنَّ اللهَ لا يهملُهم بل يمهلُهم ليذيقَهم ما يستحقُّونَهُ من الذُّلِّ والمهانةِ.

إذن:

نحنُ كعلويِّينَ ملتزمونَ بالكاملِ بالنَّصِّ القرآنيِّ وحديثِ المعصومينِ في فهمِ الأمورِ والإشاراتِ، ونقولُ في دعائِنا الموروث عن علمائِنا: (سُبحانَ مَن يَستَدرِجُ بالإمهالِ، ولا يَعجَلُ بالنَّكالِ)، فاللهُ يحاسبُ سريعًا أهلَ الإيمانِ كي يوفُّوا ديونَهم في حياتِهم فيُغادرُوها مُطهَّرينَ من الذُّنوبِ، ويُمهِلُ أهلَ الباطلِ ويستدرجُهم على أفعالِهِم العواطلِ بإنعامِهِ عليهم بعدَ الذُّنوبِ ليتمادَوا بغيِّهم وضلالِهم فيستحقُّوا العذابَ الأكبرَ حيثُ شرحَ الإمامُ الصَّادق (ع) أنَّ اللهَ يريدُ بعبدِهِ خيرًا فإذا أذنبَ ذنبًا أتبعَهُ بنقمةٍ وذكَّرَهُ بالاستغفارِ، أمَّا الكافرُ فإذا أذنبَ ذنبًا أتبعَهُ اللهُ بنعمةٍ ليُنسيَهُ الاستغفارَ فَيَتمادى به، وهو قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ)؛ أي: بالنِّعمِ عندَ المعاصي.
فالكافرونَ يظنُّونَ عذابَ اللهِ بعيدًا عنهم بسببِ الرَّفاهيَّةِ الدُّنيويَّةِ والملذَّاتِ الشَّهوانيَّةِ التي يعيشونَها، وضعفاءُ المؤمنينَ يحسدونَهم على ذلكَ حتى يصلوا لمرحلةِ الشَّكِّ بعدلِ اللهِ أو حتَّى بوجودِهِ غافلينَ عن قولِ الإمامٍ الصَّادقِ (ع): (كم مِن مغرورٍ بما قد أنعمَ اللهُ عليهِ، وكم مِن مُستَدرَجٍ بسترِ اللهِ عليهِ، وكم من مفتونٍ بثناءِ النَّاسِ عليهِ)، فاللهُ تعالى أمَدَّ الكافرينَ بالنَّظرَةِ والإمهالِ والاستدراجِ كما في قوله تعالى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ)، ولذلكَ تراهُم يُمعِنونَ في نَهبِ الأموالِ وقَتلِ الأنفُسِ وفِعلِ الشَّرِّ، ولكنَّ حسابَهم عندَ ربِّهم لقوله سبحانه: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً).
هذا يعني أنَّ بانتظارِهم العَذابُ الأكبرُ الذي وعَدَهُم اللهُ بهِ جزاءً على جُحودِهم وإنكارِهم وقتلِهم لرسلِهِ واستضعافِهم لأوليائِهِ، وهو آتٍ يومَ الحسابِ، وسيَشهَدونَ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَتْ، حَتَّى يَكون لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُم في اليومِ ألفَ قَتلَةٍ وألفَ حَرقَةٍ، وهو ما أوردَهُ سيِّدنا شمعون الصَّفا وصيُّ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (الرَّبُّ يُنْقِذُ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظُ الأَثَمَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ).
وسيكونُ ظهورُ القائمِ المَهدي (ع) في آخرِ الزَّمانِ جَحيمًا على المُنافقينَ والكافرينَ لقولهِ تعالى: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) لأنَّهُ يوضِّحُ الحَقَّ ويأخذُ كُلَّ أمَّةٍ بإمامِهم لقوله تعالى: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)، ويَفصلُ بينَ النَّاسِ بالحَقِّ لقولهِ سبحانه وتعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الرابع والثلاثون حول تشبيهنا بالنصارى

images

السَّؤالُ الرَّابعُ والثَّلاثون: يَتَّهِمُنَا السَّنَةُ وَالشِّيعَةُ بِأَنَّنَا نعبدُ جسم الْإمَامِ عَلَيٍّ كَمَا يعبدُ النَّصَارَى عِيسَى الْمَسِيح. مَا هُوَ رَدُّنَا عَلَيهم؟

الجوابُ الرَّابعُ والثَّلاثون بإذنِ اللهِ:

بدأتْ هذه الاتِّهاماتُ بدءًا من مقالاتِ سعدِ القمِّيِّ الأشعريِّ مرورًا بالكشِّيِّ والحلِّيِّ والطُّوسيِّ وغيرِهم، وعنهم أخذَ ابنُ تيميَّةَ ومِن ثمَّ محمَّد بن عبدِ الوهابِ وأتباعُهما، فهم ردَّدُوا كالببَّغاواتِ هذهِ الاتِّهاماتِ، حتَّى برزَ علينا علاَّمَاتُ الشِّيعةِ اليومَ ليتحدَّثوا بنفسِ الببَّغائيَّةِ الغبيَّةِ من أمثالِ محمد حسين فضل الله وكمال الحيدري وغيرِهم ممَّن شابَهَ خطابُهُم التَّحريضيُّ ضدَّنا خطاباتِ القرضاوي والعريفي وأمثالِهم.
وهذا يؤكِّدُ انفصالَ دُعاةِ السُّنَّةِ والشِّيعةِ عن الواقعِ، وعدمَ اعترافِهم بغيرهِم، وانقيادَهم لرغباتِهم الجامحةِ في التَّكفيرِ وإشعالِ الفِتَنِ، لكنَّ السُّؤالَ الذي يطرحُ نفسَهُ:

ما هو الفرقُ بين مَن يَجعلُ سيِّدنا المسيحَ (ع) من جنسِ الآبِ وأنَّ لهما نفسُ الصِّفَةِ والجوهرِ، وبين عقائدِ السُّنَّةِ والشِّيعةِ التي دَرَجَ عليها سادَتُهم المتقادمونَ!؟

أليسَتْ فكرةُ التَّجلِّي التي يَرفضُها السُّنَّةُ والشِّيعةُ واردةً بالنَّصِّ القرآنيِّ في قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً).

إذا كانت مشكلةُ النَّصارى هي أنَّهم دَعَوا لعبادةِ الصِّفةِ فوقَعوا بالتَّشبيهِ الصِّفاتيِّ بين الآبِ والابنِ، وجعلوا الابنَ عينَ الآبِ، فمشكلةُ دُعَاةِ السُّنَّةِ أنَّهم دَعَوا لعبادةِ الوهمِ فَوقَعُوا بالتَّعطيلِ الوجوديِّ، أمَّا مشكلةُ الشِّيعةِ فإنَّهم تأرجَحوا بين التَّشبيهِ الصِّفاتيِّ والتَّعطيلِ الوجوديِّ، والكلُّ لم يَرتَقِ إلى التَّوحيدِ العلويِّ المُنزِّهِ عن حَدَّي التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

فدُعَاةُ النَّصارى زَعَموا أنَّ للآبِ طبيعةً إلهيَّةً، وهذا يجعلُهُ تحتَ حدِّ الجنسِ، وَزَعمُوا أنَّ الابنَ يملكُ هذهِ الطَّبيعةَ فسَاوَوا بينهما، أمَّا مَن زعمَ منهم أنَّ للابنِ طبيعةً بشريَّةً تمثَّلَتْ بحادثةِ الصَّلبِ فقد طعنَ بعصمتِهِ وجلالِه، فكيفَ يكونُ ذا طبيعةٍ بشريَّةٍ وقد وُجِدَ من أمٍّ بدونِ أبٍ، وهو القائلُ: (وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ)؟

ودُعاةُ السُّنَّةِ زَعَموا أنَّ للهِ يدًا ورجلاً ووجهًا وجلوسًا على الكرسيِّ وطولاً بعشراتِ الأذرعِ كما وردَ في أحاديثِ أبي هريرةَ وكتبِ الحديثِ التِّسعةِ لديهم وما لَحِقَها من قياساتِ ابنِ تيميَّةَ، لذلكَ فإنَّهم جَعَلوا اللهَ واقعًا تحتَ حدِّ الجنسِ، فكانوا كاليهودِ المعطِّلينَ في معتقداتِهم القديمةِ، وعليهم وقعَ قولُ الإمامِ علي الرِّضا (ع): (مَن شبَّهَ اللهَ بالخلقِ فهو مُشرِكٌ، ومَن وَصَفَهُ بالوهمِ فهو كافرٌ، وَمَن نَسَبَ إليهِ ما نَهَى عنهُ فهو كاذبٌ، ثمَّ تَلا هذه الآيةَ: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ).

ودُعاةُ الشِّيعةِ زَعَموا أنَّ الأئمَّةَ يملكونَ طَبيعَتِينِ: الأولى نورانيَّةٌ قبلَ الخلقِ والثَّانيةُ بشريَّةٌ بعدَ الخلقِ! فهم مُشبِّهونَ مخلِّطونَ لا يَدرونَ ما يقولونَ، فتارةً يَرفعونَ الإمامَ الحسينَ (ع) إلى مقامِ صاحبِ الملكوتِ الأعلى، وتارةً يُخضِعونَهُ لطبيعةٍ بشريَّةٍ ضعيفةٍ تجعلُهُ واقعًا تحتَ الذَّبحِ كما أوقعَ النَّصارى سيِّدنا المسيحَ (ع) تحتَ الصَّلبِ، وهذا طعنٌ بِعِصمَتِهما، وعليهم وَقَعَ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (ما عَرَفَ اللهَ مَن شبَّهَهُ بالخَلقِ، ولا وحَّدَهُ مَن نَسَبَ إليهِ ذنوبَ العبادِ).

هؤلاء لم يَفقهوا قولَ سيِّدنا هشام بن الحكم (ع): (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جسمٌ صَمَدِيٌّ نُوريٌّ معرفَتُهُ ضرورةٌ يَمُنُّ بها على مَن يشاءُ)، فَظَنُّوا أنَّه تجسيمٌ لذاتِ الإلهِ، وإنَّما هو يتحدَّثُ عن إثباتِ الوجودِ الإلهيِّ على قدرِ الموجودِ عندَ التَّجلِّي في قوله تعالى: (إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، والمشارِ إليهِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (لمَّا عَرَجَ بي إلى السَّماءِ بَلَغَ بي جبرائيلُ مكانًا لم يَطَأهُ جبرائيلُ قَطُّ، فَكَشَفَ لي فأرانِي اللهُ عزَّ وجلَّ ما أحبَّ من نورِ عَظَمَتِهِ)، وهذا يؤكِّدُ أنَّ عروجَ النَّبيِّ (ص) لم يكن جسمانيًّا، بل كانَ عُروجُهُ نورانيٌّ، لأنَّه لم يَرَ اللهَ مُجَسَّمًا بل رأى استحقاقَهُ من نورِ عظمتِهِ.
ولكن كَي لا يُؤخذَ كلامُ سيِّدنا هشام بن الحكم (ع) على مَحمَلِ التَّشبيهِ الصِّفاتيِّ الذي تقرُّ به الشِّيعةُ كما في قولِ الصَّدوقِ: (هو تَعَالى مُمتازٌ من غيرِهِ بذاتِهِ التي كلٌّ من صِفاتِها عينُها)، فقد جاءَ جوابُ الإمامِ الصَّادقِ منزِّهًا ذاتَ الإلهِ عن صفاتِ التَّشبيهِ والتَّجسيمِ فقال: (سبحانَ مَن لا يَعلمُ ما هُوْ إلا هُوْ، ليسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ، وهُوَ السَّميعُ البَصيرُ، لا يُحَدُّ ولا يُحَسُّ ولا يُجَسُّ ولا يُمَسُّ ولا تُدرِكُهُ الحواسُّ ولا يُحيطُ به شَيءٌ، لا جسمٌ ولا صورةٌ ولا تخطيطٌ ولا تحديدٌ)، وهذهِ هي العقيدةُ التي يقومُ عليها نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ الخصيبيُّ بعيداً عن تشبيهِ النَّصارى وتعطيلِ السُّنَّةِ وتَخليطِ الشِّيعةِ لقوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ والله أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث والثلاثون عن شياطين الإنس والجن

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والثَّلاثون: مَن هم شياطينُ الإنسِ؟ وما الفرق بينهم وبين شياطينَ الجنِّ؟ وهل هم حقيقةٌ أم خرافةٌ؟

الجوابُ الثَّالثُ والثَّلاثون بإذن الله:

تعتقدُ الشِّيعةُ والسُّنَّةُ أنَّ شياطينَ الإنسِ هم فئةٌ من النَّاسِ الأشرارِ، وإنَّما سُمُّوا كذلكَ لأنَّ الشَّرَّ غَلَبَ عليهم، وأكثرُ ما يصدرُ عنهم هو الشَّرُّ مع وجودِ الخيرِ فيهم، وذلكَ بناءً على قولِ اللهِ تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً).

إنَّ الفهمَ العلميَّ لدينا كعلويِّينَ لمصطلحَي (شياطين الإنسِ وشياطينِ الجنِّ) لا يمكنُ أن يتمَّ إلاَّ بالرَّبطِ بينَ كلامِ القرآنِ الكريمِ وسيِّدنا محمَّدِ المصطفى وسيِّدنا عيسى المسيحِ وموالينا الأئمَّةِ المعصومين (ع).
فعندما يفصلُ القرآنُ الكريمُ بينَ شياطينِ الإنسِ وشياطينِ الجنِّ فهو يشيرُ إلى الفصلِ ما بينَ عالَمَي الإنسِ والجنِّ بعيدًا عن الخرافاتِ المنتشرةِ في صفوفِ العامَّةِ، فكما أنَّ اللهَ رتَّبَ المؤمنينَ في درجاتٍ متتالياتٍ وجعلَ أهلَ العلمِ والمعرفةِ أولياءَ للذينَ آمنوا بعدَ اللهِ والرَّسولِ والأئمَّةِ (ع)، فكذلكَ رتَّبَ الكافرينَ في دركاتٍ متتالياتٍ يتدرَّجونَ بها ليبلغوا درجةَ الشَّيطنةِ في النِّهاية.

هذا يعني أنَّ المقصودَ بقوله تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا) هم المشركون والكافرون (وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) وهم شياطينُ الإنسِ الذين يقودونَهم، وهم موجودونَ بدليلِ قولِ رسولِ الله (ص) حين قيل له: يا رسولَ اللهِ، وفي النَّاسِ شياطين؟ فقال (ص): (نعم، أَوَما تقرأُ قولَ اللهِ: وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً).
وشياطينُ الإنسِ أولياءُ المشركينَ والكافرينَ لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)، وقوله تعالى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)، فهؤلاء الشَّياطينُ الذينَ يقودونَهم والذينَ هم أولياؤهم هم الذين اجتازوا كلَّ درجاتِ الكفرِ حتَّى صاروا شرًّا كاملاً يخوِّلهم أن يصبحوا قادةً للكافرين والمشركين والمنافقين، كما كانَ يهوذا الإِسْخَرْيُوطِيِّ الذي كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُسَلِّمَ سيِّدَنا المسيحَ (ع) فحذَّرَ منه بقولِهِ: (أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاِثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!).
وشياطينُ الإنسِ هؤلاءِ يسخِّرونَ المشركينَ والكافرينَ كيفما شاؤوا لأعمالِ الشَّرِّ ومحاربةِ المؤمنينَ، وهو ما ذكرَهُ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بقولِهِ: (قد يَتَخَبَّلُهُ الشَّيطانُ بِخِدَعِهِ ومَكْرِهِ حتَّى يُورِّطَهُ في هَلَكَتِهِ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا حقيرٍ، وينقلَهُ من شَرٍّ إلى شَرٍّ حتُّى يُؤيسَهُ من رحمةِ اللهِ ويُدخِلَهُ في القُنُوطِ فَيَجِدَ الوجهَ إلى ما خالفَ الإسلامَ وأحكامَهُ).
وأبرزُ ما نراهُ من مخالفَتِهم للإسلامِ هي بِدَعُ التَّعطيلِ وشُبهاتُ التَّشبيهِ ونشرُ الأسرارِ علانيَّةً دونما أيِّ وازعٍ حتى يبلغوا درجةَ الإخوَّةِ مع شياطينِ الجنِّ لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)، وتراهم يسيِّرونَ خلفَهم قطعانًا من المنافقين والكافرينَ والمشركينَ وإنْ كانوا قد تلبَّسوا بلباسِ الدِّينِ والولاءِ فهذا من شَيطَنَتِهم لخداعِ المقصِّرين والضُّعفاء، وهذا الخداعُ هو الوسواسُ الخنَّاسُ الذي يُوسوِسُ في صدورِ النَّاسِ، وهذا يعني دوامَ البدعِ والشُّبهاتِ ومروِّجيها، وبالتالي دوامَ وجوبِ الجهادِ ضدَّها.

أما شياطينُ الجنِّ، فإنَّهم مخلوقاتٌ غيرُ مرئيَّةٍ من قِبَلِ البشرِ لعدمِ استطاعتِهم على رؤيتِهم لاختلافِ طبيعَتِهم حيث قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ)، ليكونوا عالمًا منفصلاً، كما قالَ ابنُ عبَّاس: (الجنُّ هم ولدُ الجانِّ، وليسوا شياطين، منهم المؤمنُ والكافرُ وهم يموتونَ، والشَّياطينُ ولدُ إبليسَ لا يموتونَ إلاَّ مع إبليس)، وسُمِّيَ جنٌّ لِتَوَاريهِ عن الأعينِ، فعالمُ الجنِّ عالمٌ غيرُ مرئيٍّ، يسترُ نفسَه عن بني آدمَ، لذلك سُمِّيَ الولدُ جَنينًا، أي مُتَوَارٍ في بطنِ أمِّهِ، وسمِّيَ الجِنُّ من فعلِ (جَنَّ) أي غابَ واستَتَرِ، وفي اللغةِ: (جَنَّ الشَّيءَ أي سَتَرَهُ)، وقال تعالى: (اتَّخذوا أيمانَهم جُنَّةً) أي سترًا.

وإنَّ التَّسخيرَ يتحقَّقُ من شياطينِ الجنِّ لشياطينِ الإنسِ بشكلٍ مباشرٍ كما حدثَ في قصَّةِ سيِّدنا المسيح (ع) يومَ العشاءِ الأخيرِ حيثُ وردَ في الإنجيل: (حِينَ كَانَ الْعَشَاءُ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ).
كما يحصلُ التَّلبُّسُ بدليل قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)، وهذا ما يتَّضحُ جليًّا عند المنجِّمينَ والسَّحَرَةِ الذينَ نراهُم ينتشرونَ بكثرةٍ في العراق ومصر والسعودية والمغرب، ونراهم غائصينَ في ادِّعاءِ كشفِ المستورِ وإحضارِ الغائبِ وردِّ الحبيبِ وأذيَّةِ النَّاسِ والتَّنبُّؤ بالمستقبلِ وعلاجِ الصَّرعِ والجنونِ وانفصامِ الشَّخصيَّةِ وهي أسماءُ علميَّةٌ لأمراضٍ نفسانيَّةٍ سبَبُها سيطرةُ شياطينِ الجنِّ على الإنسانِ وهو ما يسمَّى بالقرينةِ في قولِهِ تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)، فالقرينُ روحٌ شيطانيَّةٌ شهوانيَّةٌ إذا استَولَتْ على الإنسانِ أخرجتْهُ عن حدِّ الطَّاعةِ إلى المعصيةِ، ومن ذلكَ ما وردَ في الإنجيلِ أنَّه: (كَانَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ بِهِ رُوحُ شَيْطَانٍ نَجِسٍ فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: “آهِ مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ! أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ”، فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: “ﭐخْرَسْ وَاخْرُجْ مِنْهُ”، فَصَرَعَهُ الشَّيْطَانُ فِي الْوَسَطِ وَخَرَجَ مِنْهُ)، ولهذا أمثلةٌ كثيرةٌ نراها في حياتنا من الأمراضِ النَّفسيَّةِ التي يعجزُ الطِّبُّ عن علاجِها، وبالطَّبعِ لا يستطيعُ شياطينُ الإنسِ الدَّجَّالونَ أن يشفوهُم من أمراضِهم البتَّةَ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (كَيْفَ لشَيْطَانٍ أَنْ يُخْرِجَ شَيْطَانًا؟).

ومن شياطينِ الإنسِ مَن يدَّعي علمَ الغيبِ كاذبًا فمثلاً يقولُ لأحدِ البسطاءِ مثلاً: (وضعُكَ الصِّحيُّ في خطرٍ وذلكَ بسببِ سحرٍ قد قامَ به أحدُ أقربائكَ لأذيَّتِكَ) وكلامُه صحيحٌ لأنَّهُ إخبارٌ من شياطينِ الجنِّ الذين امتلكوا قدراتٍ تفوقُ قدراتِ البشرِ، لكنَّ البسطاءَ يظنُّونَ أنَّ هذا الدَّجَّالَ يعلمُ الغيبَ أو صاحبُ بركةٍ وكشفٍ، وهو في الحقيقةِ من شياطينِ الإنسِ، لأنَّ هذه القضايا ليست من الغيبيَّاتِ طالما هي من أمورِ الدُّنيا، ومحاربَتُها تكونُ بتوعيةِ النَّاسِ بعدمِ زيارةِ شياطينِ الإنسِ هؤلاءِ وعدمِ التَّعاملِ معهم وعدمِ اللجوءِ إليهم البتَّةَ، وبشرحِ هذه الحقائقِ لهم لكي يتجنَّبوهم دائمًا.

ومن أمثلةِ ذلكَ أيضًا بعضُ التَّوقُّعاتِ المستقبليَّةِ التي يُدلي بها شياطينُ الإنسِ سنويًّا على الفضائيَّاتِ، ومنها ما يتعلَّقُ بالاغتيالاتِ وما شابَهَ، فمثلاً وجدناهم ادَّعوا معرفتَهم المسبقةِ باغتيال رفيق الحريري في لبنان، واغتيالِ السيد حسن نصرُ اللهِ أيضًا فتحقَّقَ ادِّعاؤهم الأوَّلُ وكذبَ الثَّاني، مع أنَّ كلاَّ منهما من إخبارِ شياطينِ الجنِّ لهم، وهذا ليس علمًا بالغيبِ، بل لأنَّ باستطاعةِ شياطينِ الجنِّ الاطِّلاعُ على الخططِ والمكائدِ التي تُحاكُ في الغرفِ المغلقةِ بإمرَتِهم من قِبَلِ شياطينِ الإنسِ من قادةِ الصَّهيونيَّةِ، ويقومونَ بإيصالِ هذه المعلوماتِ إلى أتباعِهم من شياطينِ الإنسِ المتنبِّئينَ، فيتحقَّقُ منها ما أرادَ اللهُ له أن يحدثَ كاغتيالِ الحريري مثلاً، ويكذبُ منها ما أرادَ اللهُ عدمَ حدوثِهِ كعدمِ إمكانيَّةِ النَّيلِ من السَّيدِ حسن نصرُ اللهِ لأنَّ الرِّعايةَ الإلهيَّةِ تشمَلُهُ كما تشمَلُ كلَّ قادةِ الحقِّ عبرَ العصورِ، ودليلُ ذلكَ ما وردَ في الإنجيلِ أنَّه: (حينَ قَرُبَ عِيدُ الْفِصْحِ، كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَ سيِّدنا المسيحَ (ع)، فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ، فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ، فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً)، فهذا من تخطيطِ وتآمرِ شياطينِ الجنِّ وسيطرتِهم على شياطينِ الإنسِ، لكنَّ الأمرَ للهِ عزَّ وجلَّ فلمْ تنجَحُ مؤامرتُهم فكانَ ما كانَ من إلقاءِ الشَّبَهِ على يهوذا لقولِهِ تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً).

والخلاصة:

المنافقونَ والمشركونَ والكافرونَ يقاتلونَ النَّاسَ بإمرةِ شياطين الإنسِ الذينَ يقفُ في وجوهِهم العلماءُ والأولياءُ الصَّالحون.
وشياطينُ الإنسِ مُسخَّرونَ بأمرِ شياطينِ الجنِّ الذين لا يُجابَهونَ إلاَّ بقوَّةٍ كبيرةٍ مضادَّةٍ وهي قوَّةُ النُّورِ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ)، وقد وردَ في الإنجيلُ مثلُ ذلكَ حيثُ تَقَدَّمَ رَجُلٌ جَاثِيًا للمسيح (ع) وَقَائِلاً: (يَا سَيِّدُ ارْحَمِ ابْنِي فَإِنَّهُ يُصْرَعُ وَيَتَأَلَّمُ شَدِيدًا وَيَقَعُ كَثِيرًا فِي النَّارِ وَكَثِيرًا فِي الْمَاءِ، وَأَحْضَرْتُهُ إِلَى تَلاَمِيذِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَشْفُوهُ)، فَأَجَابَ يَسُوعُ (ع): (أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ الْمُلْتَوِي إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟ قَدِّمُوهُ إِلَيَّ هَهُنَا!) فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ فَخَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، فَشُفِيَ الْغُلاَمُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ.
وإبليسُ وليُّ شياطين الجنِّ وشياطينِ الإنسِ يجدِّدُ وعدَهُ كلَّ حينِ بالإغواءِ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني والثلاثون عن المعرفة والإدراك

images

السُّؤال الثَّاني والثَّلاثون: ما هو الفرقُ بين المعرفة والإدراك؟ وهل هما خاصَّانِ بأهلِ الإيمانِ فقط؟

الجوابُ الثَّاني والثَّلاثون بإذن الله:

إنَّ الشَّعرةَ ما بينَ المعرفةِ والإدراكِ هي التي قسمتِ الخلقَ منذُ بدءِ الوجودِ الإنسانيِّ إلى موحِّدٍ ومنكرٍ ومشركٍ باللهِ، فهناكَ فرقٌ شاسعُ بينَ أن تقولَ: عرفتُ اللهَ، وبينَ أن تقولَ: أدركتُ الله!!

فالمعرفةُ للهِ أمرٌ لابدَّ منهُ لكلِّ الخلقِ حتَّى يُثبِتَ وجودَهُ، وهي أمرٌ لابدَّ أن يُعرَضَ على المؤمنِ والكافرِ على السَّواء لتَثبُتَ الحجَّةُ، لذلكَ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، فلم يخصِّصِ اللهُ رسالةَ نبيِّهِ الأعظمِ لقومٍ دونَ قومٍ، بل كانَت الرِّسالةُ للعالمينَ جميعًا ليعرفوا ربَّهم الذي يدعو إليهِ سيِّدنا محمَّد (ص)، وهو الرَّحمةُ المطلقَةُ التي أتَتْ بهدى الولايةِ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ)، فالرَّحمةُ صفةُ النَّبيِّ لا صفةُ البشرِ، ومَن تَبِعَهُ كانَ مرحومًا مُفاضًا عليهِ من نعمةِ اللهِ لقوله تعالى: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، أمَّا مَن أنكرَ هذا الهدى فمصيرُهُ في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).
هذا يعني أنَّ الأنبياءَ أرسِلوا للنَّاسِ جميعًا ليُعرِّفوهم سبيلَ الهدىَ واليقينِ، فشَهِدوا آياتِ اللهِ إثباتًا لكيلا يحتجُّوا فيقولوا: ما شَهِدنا الآياتِ أفتريدُنا يا محمَّدُ أن نومنَ بما لم نشهدْ!؟ ولذلكَ قال أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (بآياتِهِ احتَجَّ على الخلقِ).
وهذا يعني أنَّ الآياتِ البيِّناتِ قد أثبتَتِ الحجَّةَ بوجودِها ومعرفَتِها فكانت نعمةً للمؤمنينَ المقرِّينَ الذينَ استقرُّوا على هذه المعرفةِ المشهودةِ لقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا)، وكانت حُجَّةً على الكافرينَ الذينَ أنكروها بعدَ معرفتِهم ليَثبُتَ عليهم الكفرُ لقوله تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ)، وكانت نقمةً على المنافقين الذينَ كتمُوا معرفةَ الهدى عن العالمينَ مجاملةً للباطلِ ورياءً لقوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، وهم النَّاموسيُّونَ الذينَ خاطبَهم سيِّدنا المسيح (ع) بقولِهِ: (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ، مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ)، وهم أيضًا الذينَ حاربوا أهلَ البيتِ (ع) بعد غيبةِ رسولِ اللهِ (ص) ليغيِّروا حقيقةَ الإسلامِ، فكتَموا ما عرفوهُ وشهدوهُ من معاجزِ أميرِ المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهه، وأخفَوا وصايا رسولِ الله (ص) في بيعاتِهِ له من بعدِ ما بيَّنها اللهُ تعالى في كتابِهِ وكانَ آخرها بعدَ مبايعتِهِ له في يوم الغدير في حجَّةِ الوداعِ فأنزلَ تعالى قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً).

ما سبقَ يعني أنَّ الوجودَ مبنيٌّ على المعرفةِ المشهودةِ للحقِّ، ولا يمكنُ أن يحاسبَ اللهُ أحدًا إلاَّ بعدَ أن يُشهِدَهُ آياتِهِ بيِّناتٍ لقولِهِ تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ).
أمَّا معرفةُ الآياتِ البيِّناتِ فهي نعمةٌ للمؤمنِ المقرِّ لأنَّها بدايةُ طريقِ العبادةِ لقولِ أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أوَّلُ الدِّينِ معرفَتُهُ)، وقوله: (لا دينَ إلاَّ بمعرفةٍ ولا معرفةً إلاَّ بتصديقٍ)، فالمعرفةُ عندَ المؤمنِ مرتبطةٌ بالإقرارِ بما عرفَ وَالتَّصديقِ بما شَهِدَ، لكنَّهُ يعلمُ أنَّهُ عاجزٌ تمامَ العجزِ عن إدراكِ صاحبِ الآياتِ البيِّناتِ ومُبدِيها للخلقِ أجمعين لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وقول أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا تدركُهُ الأبصارُ ولا تحويهُ خواطرُ الأفكارِ ولا تمثِّلُهُ غوامضُ الظُّنَنِ في الأسرارِ)، فيقفُ عندَ مقدارِ استطاعتِهِ لأنَّهُ يعلمُ تمامًا أنَّهُ سيبقى في حدودِ المعرفةِ لا الإدراكِ لقولِ الإمام الحسين (ع): (لا يُقَدِّرُ الواصفونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، ولا يَخطُرُ على القلوبِ مَبلَغُ جَبروتِهِ، لأنَّهُ ليسَ لَهُ في الأشياءِ عديلٌ، ولا تُدرِكُهُ العلماءُ بألبابِها).

والخلاصةُ:

إنَّ المعرفةَ شاملةٌ للخلقِ جميعًا (لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)، وأمَّا الإدراكُ فهو خاصٌّ بالمؤمنينَ، وهم لا يدركونَ كُنْهَ ربِّهم لكنَّهم يدركونَ عظمتَهُ بعجزِهم عن إدراكِهِ لقولِ أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (ليسَ اللهَ عَرفَ مَن عَرَّفَ ذاتَهُ، ولا لَهُ وَحَّدَ مَن نَهَّاهُ، ولا بهِ صَدَّقَ مَن مَثَّلَهُ، ولا حقيقتَهُ أصابَ مَن شبَّهَهُ، ولا إيَّاهُ أرادَ مَن توهَّمَهُ، ولا لَهُ وَحَّدَ مَنِ اكْتَنَهَهُ، ولا بِهِ آمنَ مَنْ جعلَ له نهايةً، ولا صمدَهُ مَن أشارَ إليهِ، ولا إيَّاهُ عَنَى مَن حَدَّهُ، ولا لَهُ تَذَلَّلَ مَن بَعَّضَهُ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الحادي والثلاثون عن الاستخارة بالقرآن الكريم

images

السُّؤال الحادي والثَّلاثون: هل يجوزُ الاستعانةُ بالقرآنِ الكريمِ لمعرفةِ أمورِ المستقبلِ والغيبِ؟

الجوابُ الحادي الثَّلاثون بإذن الله:

ينكرُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ علينا استعانَتَنا بالقرآنِ الكريمِ لاتِّخاذِ قرارٍ ما في حياتِنا إيمانًا منَّا بأنَّ الجوابَ سيكونُ خيرًا لأنَّهُ جوابُ القرآنِ الكريمِ، لأنَّ اللهَ مصدرُ الخيرِ المُطلقِ لقولِهِ تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)، ولكنَّهم يلجؤونَ إلى الاستخارةِ والاعتمادِ على الأحلامِ التي تأتيهم، فيفسِّرونها ويتَّخذونَ الجوابَ!! فأيُّ الأمرينِ أصدقُ: القرآنُ الكريمُ أم الأحلامُ؟

لابدَّ هنا من الانتباهِ إلى أمرَين:

الأمر الأول: إنَّ علمَ الغيبِ لا يمكنُ للإنسانِ الوصولُ إليهِ، وهو علمُ السَّماءِ لا علمُ الأرضِ، ولكنَّ هناكَ أمورًا يُحتَمَلُ أن تحدثَ في المستقبلِ، وبإمكانِ الإنسانِ المؤمنِ أن يتَّصلَ باللهِ اتِّصالاً إيمانيًّا معرفيًّا ليتَّخذَ القرارَ الذي فيه الخيرُ عن طريقِ الاستخارةِ بالقرآنِ الكريمِ والاستدلالِ على الجوابِ، وفي هذا قال رسولُ اللهِ (ص): (اتَّقوا فراسةَ المؤمنِ فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ)، يقابلُ ذلكَ ما يقومُ بهِ علماءُ الرِّياضيَّاتِ والإحصاءِ بالتَّنبُّؤِ باحتمالاتِ وقوعِ الأحداثِ وقوَّةِ هذه الاحتمالاتِ أو ضعفِها، ويتَّخذونَ قراراتٍ بناءً على قوانينِ التَّوزيعِ الاحتماليِّ، فكما أنَّ عالمَ الرِّياضيَّاتِ والإحصاءِ يستطيعُ الاقترابَ من حسابِ احتمالِ وقوعِ الحدثِ لقربِهِ من الأرقامِ ومعرفتِهِ الفرقَ بين الصِّفرِ والواحدِ، كذلكَ فإنَّ عالمَ الدِّينِ المؤمنِ يستطيعُ الاقترابَ من اتخاذِ القرارِ الصَّحيحِ لإيمانِهِ بالولايةِ التي هي الرَّقمُ الصَّعبُ، ومعرفتِهِ الفرقَ بينَ الأحدِ والواحدُ.

الأمرُ الثَّاني: كيفَ يبيحونَ لأنفسِهم استشراقَ المستقبلِ بالاستخارةِ بالأحلامِ!؟ هؤلاء الأشخاصُ يعيشونَ في وهمٍ، فهناكَ فرقٌ بين الرُّؤيا والحُلمِ حيثُ أنَّ الرُّؤيا من اللهِ، والحُلمَ من الشَّيطانِ، وهذا يعني أنَّ مَن سيقومُ بالاستخارةِ لابدَّ أن يكونَ مؤمنًا، وشرطُ الإيمانِ الأوَّلُ هو الولايةُ، وشرطُها الثَّاني هو صدقُ الولايةِ، فأَصْدَقُ النَّاسِ رؤيا أَصْدَقُهُم ولايةً.
وعندما تتحقَّقُ الرُّؤيا للمؤمنِ فهو مُبشَّرٌ بها لقوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)، والذي فسَّرهُ رسولُ اللهِ (ص): (هي الرُّؤيا الحَسَنةُ يَراها المؤمنُ أو يُرَى لَهُ فيُبَشَّرُ بها في الدُّنيا، وفي الآخرةِ هي الرُّؤيا الصَّالحةُ التي تُبشِّرُهُ الجنَّةَ)، كما قال رسول الله (ص): (لم يَبقَ من الُّنبوَّةِ إلّا المبشِّراتُ)، قالوا: ما المبشِّراتُ؟ فقالَ: (الرُّؤيا الصَّالحةُ. وإذا اقتربَ الزَّمانُ لم تَكَدْ رؤيا المؤمنِ تكذبُ، رؤيا المؤمنِ جزءٌ من ستَّةٍ وأربعينَ جزءٍ من النُّبوَّةِ).

الأمرُ الثَّالثُ: إنَّ اتَّخاذ القرارِ بناءً على الاستخارةِ بالقرآنِ الكريمِ هو من أنواعِ القُرعةِ التي قالَ فيها سيِّدُنا سليمان الحكيم (ع): (القُرعَةُ تُبْطِلُ الخُصُوماتِ وتَفْصلُ بينَ الأقوياءِ، القُرْعَةُ تُلْقَى وَمِنَ الرَّبِّ حُكْمُها)، كما وردَ عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أيَّةُ قضيَّةٍ أصدقُ من جوابِ القرعةِ إذا فُوِّضَ الأمرُ إلى الله لِقَولِهِ تعالى: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ)، وذلكَ في قصَّة سيِّدنا يونس (ع) حيث بَعَثَ اللهُ حوتًا عظيمًا فَحَبَسَ السَّفينةَ عندَ تَوَسُّطِ البَحر، فَتَسَاهَمُوا فَوَقَعَ السَّهْمُ على سيِّدنا يونس (ع) فألقَوهُ في البحرِ فالتَقَمَهُ الحوتُ، وَقِيلَ: اقْتَرَعُوا وَوَقَعَتْ سَبعَ مَرَّاتٍ على سيِّدنا يونس (ع) وَبَقي أربعين يومًا في بطنِ الحوتِ.

والخلاصةُ:

لن يتحقَّقَ لقليلي الإيمانِ والمنكرينَ للولايةِ أيُّ اتِّصالٍ مع الحضرةِ الإلهيَّةِ، ولن يتمَّ لهم أيُّ جوابٍ بالاستخارةِ، فلا هم أهلٌ للاستخارةِ بالقرآنِ الكريم، ولا هم أهلٌ للرُّؤيا الصَّالحةِ، لأنَّ الاستخارةَ لها مواردُها الخاصَّةُ كما ذكرنا، ويجبُ محاربةُ الأشخاصِ المتكسِّبينَ الذينَ يتاجرونَ بهذه الأمورِ مدَّعينَ علمَ الغيبِ لقاءَ أجرٍ من المالِ، وتنبيهُ النَّاس منهم، فهم يستغلُّونَ طيبةَ البعضِ وبساطتَهم ونظرتَهم القدسيَّةَ إلى الدِّينِ ورجالِ الدِّينِ للوصولِ إلى غاياتِهم في جمعِ المالِ حشا اللهُ بطونَهم نارًا، لأنَّ المؤمنَ الحقَّ لا تساوي كلُّ أموالِ الدُّنيا في عينِهِ قشَّةً لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد