أرشيف التصنيف: سؤال وجواب في الدين

السؤال التاسع عشر عن العرفان في فهم الدين

images

السُّؤال التَّاسع عشر: يقال: (الدينُ يسرٌ وليس بعُسرٍ)، فأيُّ طريقٍ يجبُ أن نتَّبِعَ لنفهمَ الدِّينَ: الشَّريعةُ أم الفلسفةُ؟

الجوابُ التَّاسع عشر بإذن الله:

تدَّعي السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ القرآنَ الكريمَ لا يتحدَّثُ عن الإيمانِ بوجودِ اللهِ بالطريقةِ الفلسفيَّةِ المجرَّدةِ والعرفانيَّةِ اللَّطيفةِ، لأنَّ هذا الأسلوبَ حسب ادِّعائِهم أسلوبٌ عقليٌّ جافٌّ لا أثرَ للحياةِ فيه، بل يحاولُ القرآنُ من منظورِهم الحَشَويِّ أن يتحدَّثَ عن الإيمانِ من خلالِ حركةِ الحياةِ الّتي نعيشُها منذ بدأنا رحلَتَها، إلى أن اكتملَتْ نشأتُها؛ نأكلُ ونشربُ ونتحرَّكُ، ونواجهُ حاجاتِنا الطَّبيعيَّةَ التي سخَّرَ اللهُ لنا قِوَى الكونِ لِتَلبِيَتِها!! وما علينا إلا أن نشكرَ ونعبُدَ اللهَ بالشَّريعةِ المفروضةِ على المسلمينَ!!
ويربطونَ هذا الادِّعاءَ بآياتٍ من القرآنِ الكريمِ نذكرُ منها على سبيل المثالِ قوله تعالى: (والله أخْرَجَكُم مِنْ بطونِ أمّهاتِكُم لا تعلَمون شيئاً وجعَل لكُم السمْعَ والأبصار والأفئِدة لعلَّكُم تشْكُرون)، وقوله تعالى: (أوَلَمْ يرَ الذينَ كفَرُوا أنَّ السمواتِ والأرْضَ كانَتَا رتْقاً ففتَقْناهُما وجعلْنا مِنَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ أفَلا يؤمِنون، وجعَلْنا في الأرضِ رواسِيَ أن تَميدَ بِهِمْ وجعَلْنا فيها فِجَاجاً سُبُلاً لعلّهُم يهْتدون، وجعَلْنا السماءَ سقْفاً محْفوظاً وهُم عنْ آياتِها مُعْرِضون)، وقوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا).

أيُّ عقلٍ واعٍ يقبلُ فكرةَ أنَّ اللهَ سخَّرَ الشَّمسَ والقمرَ والكواكبَ والنُّجومَ والرِّياح وغيرها لهذا الإنسانِ المخلوقِ من الطينِ والذي وُصِفَ بقوله تعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)، وقوله: (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)، وقوله تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ)، وقوله سبحانه: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً)، وغير ذلك!؟
في كلِّ آيات الكتابِ الكريمِ لا يرتبطُ فعلُ التَّسخيرِ بالإنسانِ، بل بالباري عزَّ وجلَّ، كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقوله: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)، لأنَّ التَّسخيرَ يعني أنَّ المُسخَّرَ له أعلى من المُسخَّرِ، وبالتالي فمخلوقاتُهُ مسخَّراتٌ بأمرِهِ لا بأمرِنا نحن البشر.
وهل يجوزُ أن تكونَ الشَّمسُ والقمرُ الموصوفينِ بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً)، وقوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً)، بذاتِ الدَّرجةِ مع الشَّمسِ والقمرِ الموصوفينِ بقوله تعالى: (وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)؟
وهل يعقَلُ أن تتساوى الشَّمسُ والقمرُ والنُّجوم كمُسخَّراتٍ لنا في قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ)، بالأنعامِ المُسخَّرةِ الأخرى التي ذكرها في قوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)؟
وكيف يدَّعون أن اللهَ سخَّرَ لنا الرِّياح وأمثالَها وهي لم تُسخَّرْ إلاَّ للأنبياءِ كقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)، وقوله: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ)، وقوله: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ)؟
وإذا سألناهم: ما هو الماءُ الذي جعلَ اللهُ تعالى منه كلَّ شيءٍ حيٍّ؟ وكيفَ تكونُ السَّماءُ سقفًا وهي ظلٌّ لا مادِّيٌّ؟ ولو كانَ الظِّلُّ الممدودُ ظلَّ الإنسانِ فكيفَ قبضَهُ اللهُ إليهِ قبضًا يسيرًا؟ وما هي البلدةُ الميِّتةُ التي سيُحييها بالماءِ الطَّاهرِ؟

إنَّ الوقوفَ عند ظاهرِ اللَّفظِ القرآنيِّ يضعُ الإنسانَ في متاهةِ المُحكَمِ والمتشابِهِ، ممَّا يُحدِثُ في ذهنِهِ تناقضاتٍ كثيرةً تصلُ إلى الإسفافِ الفكريِّ في الدِّينِ، ولهذا نجدُ الحشويَّةَ السُّنِّيَّةَ والمقصِّرَةَ الشِّيعةَ والضُّعفاءَ التَّائهونَ لدينا مقتصرينَ فقط على ظواهرِ اللَّفظِ والشَّريعةِ، واقفينَ على البابِ دونَ الدُّخولِ إلى جنَّةِ العرفانِ ومراتبِها الفلسفيَّةِ التَّجريديَّةِ الموصوفةِ بالرِّياضيَّاتِ الرُّوحانيَّةِ، لذلك فإنَّهُ لا مجالَ لفهمِ الحقائقِ القرآنيَّةِ وتحقُّقِ العبادةِ الخالصةِ إلاَّ بسلوكِ سبيلِ العرفانِ العلويِّ الخالصِ من شوائبِ المادَّةِ والعدمِ لقولِ الإمام الصَّادق (ع): (مَن استعملَ الظَّاهرَ وعرفَ الباطنَ فهو مؤمنٌ حقًّا)، وقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ الذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ملعونونَ لأنهم عَمِلُوا بصورةِ الشَّرعِ ولم يعرفوا معناهُ)، فأهلُ المادَّةِ المحضةِ أشركوا بحشويَّتِهم لأنَّهم جعلوا الجسمَ ماهيَّةً للرُّوحِ، وأهلُ العدمِ المحضِ كفروا بإلحادِهم لأنَّهم زعمُوا معرفةَ الرُوحِ دونَ وجودِ الجسمِ، وأهلُ العرفانِ البرزخيِّ بينهما آمنوا بتوحيدِهم لأنَّهم عرفوا الإشارةَ من إثباتِ الجسمِ إلى إفرادِ الرُّوحِ عن صفاتِ الجسمِ في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثامن عشر حول الأحاديث المتناقضة عند أهل البيت

images

السُّؤالُ الثَّامن عشر: لماذا نجدُ العديدَ من الأحاديثِ المتناقضة عند أهل البيت (ع)؟ فهل كانوا يقولون شيئًا ثم يقولونَ عكسَ هذا الشَّيء؟

الجوابُ الثَّامن عشر بإذن الله:

إنَّ ما دَسَّهُ السُّنَّةُ على لسانِ رسول اللهِ (ص) من أحاديثَ مكذوبةٍ تُنافي العقلَ والمنطقَ والأحاديثَ التي تحدَّثَ بها حقيقةً، يقابِلُها عندَ الشِّيعةِ دسائسُ على أهلِ البيتِ (ع)، حيثُ دَسُّوا من الأحاديثِ الكثيرَ لتمريرِ أفكارِهم، فيقعَ القارئُ بازدواجيَّةٍ، فهم ينسبونَ إليهم الكذبَ كقولِ الشِّيعةِ مثلاً: (إنَّ الأئمَّةَ كانوا يُسألونَ عن مسائلَ تخصُّ الخلفاءَ في مجالسَ عامَّةٍ ولم يكن بمقدورِهم أن يبيِّنوا حكمَ اللهِ وسنَّةَ رسولِهِ في مَورِدِ السُّؤالِ الذي كانَ مخالفًا لاجتهادِ مدرسةِ الخلفاءِ، صونًا لدمائهم ودماءِ شيعتِهم، وكانوا مُكرَهين على الإجابةِ أحيانًا بما يوافقُ رأيَ مدرسةِ الخلفاءِ، حتى إذا أُتيحَ لهم فرصةُ الإجابةِ دونَما تقيَّةٍ بيَّنوا للنَّاسِ حكمَ اللهِ وسنَّةَ رسولِهِ)!! ونَسبوا ما لا يليقُ بالصَّادقِ الأمينِ الإمام جعفر (ع) أنَّه قال: (ما سَمِعتَهُ منِّي يُشبِهُ قولَ النَّاسِ فيه تقيَّةٌ، وما سمعتَ منِّي لا يشبِهُ قولَ النَّاس فلا تقيَّةَ فيه)!!!

هذا طعنٌ بمصداقيَّةِ الإمامِ جعفر الصادق (ع) واتِّهامٌ صريحٌ له بالكذبِ وعدمِ قولِ الحقيقةِ، وهذا لا يجوزُ لأنَّ الأئمَّةَ مُبلِّغينَ صادقينَ للرِّسالةِ، ولا يجوزُ أن يصدرَ عنهم حديثٌ كاذبٌ، لكنَّ التَّقيَّةَ عند الشِّيعةِ والسُّنَّةِ سواءٌ هي تبديلُ الحقائقِ، بينما عندنا كعلويِّين نمارسُ التَّقيَّةَ على أنَّها تستيرٌ للحقائقِ، فلا كذبَ ولا نفاقَ بل تلويحٌ وإيحاءٌ يفهمُهُ أهلُهُ ويجهلُهُ الآخرونَ لقولِ سيدنا المسيح (ع) حين سُئلَ: لماذا تكلِّمُهُم بالأمثالِ؟ فأجاب: (لأنَّهُ قد أعطيَ لكم أن تَعرفوا أسرارَ ملكوتِ السَّماواتِ، وأمَّا أولئكَ فلم يُعطَ، فإنَّ مَن له سيُعطى ويُزاد، وأما مَن ليس له فالذي عندَهُ سيُؤخذُ منه)، أمَّا الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ فغيرُ مضطرينَ لهذا بدليلِ أمرِ الله للرَّسولِ (ص): (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع عشر حول الإساءة لنسبِ أمير المؤمنين

images

السُّؤالُ السَّابع عشر: لماذا اتَّهموا أبا طالب بالكفرِ والشِّركِ؟ وما هي الغايةُ من الإساءةِ للأنسابِ عندَ الحاقدين؟

الجواب السَّابع عشر بإذن الله:

إنَّ أئمَّةَ الباطلِ انتهجوا عبرَ الزَّمنِ- وما زالوا- أسلوبَ الذَّمِّ للأشخاصِ والطَّعنِ الأنسابِ والأعراضِ لغاياتٍ شخصيَّةٍ وقَبَليَّةٍ ومذهبيَّةٍ وعشائريَّةٍ، وقَلَبوا الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا دونَ أيِّ دليلٍ، وهكذا التبسَ على الضُّعفاءِ ما كانوا يجهلونَ، ولحقوا بأولئكَ الكاذبينَ.

فاليهودُ طَعَنوا بطهارة مريمَ العذراء (ع) وشكَّكوا بنورانيَّةِ المسيحِ (ع) لإبطالِ الرِّسالةِ المسيحيَّةِ، لكنَّها استمرَّت رغمًا عن كذبِهم وافتراءاتِهم.

والنَّصارى طَعَنوا بعدَ صعودِ سيِّدنا المسيحِ (ع) بسيِّدنا شمعون الصَّفا، وهو أوَّلُ تلميذٍ للمسيحِ (ع) واسمُهُ في الإنجيلِ (سِمْعَان) ومُلَقَّبٌ بـ(بُطْرُس)، وغايتُهُم في طَعنِهم وتشكيكِهم به إبطالُ الوصايةِ له، وهناكَ الكثيرُ من التَّحريفِ الواقعِ في الإنجيلِ يُثبِتُ حقدَهم على الوصيِّ، ومن ذلكَ قولُ سيِّدنا المسيحِ (ع) له: (أنتَ الصَّخرةُ وعليكَ أَبني كنيستي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا). فكيفَ بقائل هذا الكلامِ العظيمِ أن يقولَ لِبُطْرُسَ: (اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ، أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ) فانظروا افتراءَهم على المسيحِ والصَّفا لإبطالِ الوصايةِ الحقِّ!؟

وجاءَ الإسلامُ برسالةِ سيِّدنا محمَّدٍ (ع) ووصايةِ مولانا علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، ولم يستطعِ أعداؤهُ أن يَنالوا من شخصيَّةِ الإمامِ علي، فهو فارسُ العربِ وأخو رسولِ اللهِ تربيةً وابنُ عمِّهِ وصهرُهُ وخليفتُهُ وبابُ مدينةِ العلمِ والإيمانُ كلُّهُ وميزانُ الحقِّ والصِّدِّيقُ الأكبرُ والفاروقُ الأعظمُ، ولو عدَّدْنا صفاتِهِ لا تكفينا آلافُ الصَّفحاتِ، فكيفَ يستطيعونَ أن ينالوا منهُ!؟
لكنْ بعدَ انتهاءِ زمنِ الخلافةِ الرَّاشديَّةِ جاءَ المنافقُ معاويةُ ابنُ المشركِ أبي سفيان وآكلةِ الأكبادِ هند بنت عُتبة، والذي تصوِّرُهُ السُّنَّةُ على أنَّهُ أميرُ مؤمنينَ ابنُ مسلمٍ ومسلمةٍ!!!، وأعلنَ على المآذنِ مسبَّةَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وبقيَتْ سُنَّتُهُ الفاسقةُ جاريةً لألفِ شهرٍ، حتَّى جاءَ عمر بن عبد العزيز فأوقَفَها خجلاً حينَ لم يستطعْ نهجُ السُّبابِ والشَّتمِ والطَّعنِ أن يخفيَ مناقبَ أمير المؤمنينَ الهاشميِّ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ ويُحِلَّ مَحَلَّها مناقبًا وهميَّةِ لبني أميَّةَ.
فكانَ البديلُ هو طعنُهم بإيمان سيِّدنا أبي طالب عبد مناف بن عبد المطَّلب (ع)، ففبرَكوا الأحاديثَ المكذوبةَ كالحديثِ الموضوعِ المشبوهِ الواردِ في صحيحِ مسلم: (أهونُ أهلِ النَّارِ عذابًا أبو طالب، وهو مُنتَعِلٌ بِنَعليْنِ يغلي منهما دماغُهُ)!! وكلُّ ذلك ليحاولوا إثباتَ أنَّهُ ماتَ مشركًا في الوقتِ الذي ماتَ فيهِ أبو سفيان مسلمًا!!
كيفَ ينسبونَ للرَّسولِ (ص) ذلكَ الحديثَ وأمثالَهُ وأبو طالب هو الذي وقفَ بشدَّةٍ مع الرَّسولِ (ص) في وجهِ عتوِّ قريشَ، ولو كان أبو طالب مصرًّا على الكفرِ والشِّركِ كما زعمتِ السُّنَّةُ، فكيف يشجِّعُ أبناءَهُ على أن يسيروا في خطٍّ مضادٍّ لخطِّهِ؟! لكنَّ أبو طالب (ع) تَسَتَّرَ في إسلامِهِ لِيَتَسَنَّى له الدَّفاعُ عن الرَّسول (ص), ولِيُبْعِدَ عنهُ التُّهمةَ في دِفاعِهِ, حتى أنَّهُ قيل للإمامِ الصَّادق (ع): يزعمونَ أنَّ أبا طالب كان كافرًا, فقال: كيفَ يكون كافرًا وقد قال: (ألَم تَعْلَموا أنَّا وجدْنا محمَّدًا ….. نبيًّا كموسى خُطََّ في أولِّ الكُتُب).
ورغمَ دفاعِ الشِّيعةِ عن سيِّدنا أبي طالب (ع) إلاَّ أنَّهم ساروا على طريقِ السُّنَّةِ في الطعنِ والقذفِ فحاولوا النَّيلَ من الصَّحابةِ المقرَّبينَ لأهل بيتِ رسولِ اللهِ (ع) واتَّهموهم بما ليس فيهم وافترَوا عليهم الأكاذيبَ والأقاويلَ الرَّديئةَ، فلم يَسْلَمْ من لسانِهم لا مَن انتجَبَهُ أميرُ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ ولا مَن اختبرَهُ ولا مَن شرَّفَهُ الصَّادقُ (ع) ولا مَن جعلَهُ العسكريُّ (ع) حجَّةً، فامتلأتْ كتبُ الشِّيعةِ حقدًا وافتراءً لسيِّدنا أبي شعيب محمَّد بن نُصير، وطعنوا بسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي حينَ لم يستطيعوا مجاراتِهِ بالعلمِ والعرفانِ، وتابعَ من انتهجَ نهجَهم بالطَّعنِ بالأنسابِ والانتماءِ حتى وصلوا بالأمسِ للطَّعنِ بسيِّدنا الميمونِ الطَّبرانيِّ، واليومَ يَطعنُ بنسبِ وشرفِ كلِّ مدافعٍ عن نهجِ الحقِّ أمثالُ أولئكَ الكاذبينَ من أشباهِ العلماءِ المدَّعينَ، ولكنَّ كلَّ مكرِهم لن ينفعَ لقوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس عشر عن خلق آدم على صورته

images

السُّؤال السَّادس عشر: هل يجوزُ الأخذُ بقولِ رسول اللهِ (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ)؟

الجواب السَّادس عشر بإذن الله:

لقد ضاعَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ في قولِ الرَّسولِ (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ)، فأهلُ السُّنَّةِ جعلوا للهِ يدًا ورجلاً وجلوسًا على كرسيٍّ مفسِّرينَ الآياتِ القرآنيَّةِ بشكلٍ حرفيٍّ، وفهموا من الحديثِ أنَّ صورةَ وجهِ الإنسانِ على صورةِ وجهِ الرَّحمن!! وقد أضافَ أبو هريرةَ لهذا الحديثِ إضافةً مشبوهةً فقال نقلاً عن رسولِ اللهِ (ص): (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدمَ على صورتِهِ طولُهُ ستُّونَ ذراعًا)!! وأهلُ الشِّيعةِ يظنُّونَ أنَّ اللهَ خلقَ على مثالِهِم متذرِّعينَ بقولِهم: (إنَّ رسولَ اللهِ مرَّ برجلينِ يتسابَّانِ، فسمعَ أحدهما يقولُ لصاحبِهِ: قبَّحَ اللهُ وجهَكَ ووجهَ مَن يشبهُكَ، فقال الرَّسول له: يا عبدَ اللهِ، لا تقلْ هذا لأخيكَ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ آدمَ على صورتِهِ؛ يعني على صورةِ أخيكَ)!! وفي مَن يظنُّ هذه الظُّنونَ وقعَ قولُهُ تعالى: (مَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

إنَّ آياتِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى تظهرُ جليَّةً للعِيانِ دونَ تشبيهٍ بخلقِهِ ولا إنكارٍ لوجودِهِ، فالمشبِّهونَ المجسِّمونَ أثبتوا أنَّ صفاتِ الصُّورةِ المحسوسةِ مشتركةٌ بين الإنسانِ واللهِ كصفاتِ السَّمعِ والبصرِ والوجهِ واليدينِ، وأنَّها حقيقةٌ لكُنْهِ الإلهِ، وظنُّوا أنَّ له يدًا ورجلاً ووجهًا وأصابعَ وضحكًا وغضبًا وغير ذلك دونَ أن يعلموا كيفيَّةَ ذلكَ حين قرؤوا قوله تعالى: (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ)، (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ)، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، حتَّى أنَّ ابن تيميَّةَ أكَّدَ على ثبوتِ الوجهِ والصُّورةِ للهِ. أمَّا المعطِّلونَ فأنكروا الآياتِ البيِّناتِ وجحدوها وعطَّلوا وجودَها لأنَّهم كما قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ).

وتراهُم بعدَ إنكارِهم للهِ أو شركِهم به يتَّهمونَ الآخرين ظلمًا وعدوانًا، من خلالِ ضلالِهم وغِيِّهم وعدوانيَّتِهم وعتوِّهِم واستكبارِهم، وتراهُم ينسبونَ إلى اللهِ خلطًا وجهلاً صفاتِ المخلوقينَ من عجزٍ وضعفٍ ووهنٍ وولادةٍ وموتٍ وقتلٍ بحسبِ ما تصوّرُهُ أوهامُهم المنحرفةُ، ثمَّ يتَّهمونَنا بعبادةِ الأشخاصِ!؟

وهنا نسائلُهم علنًا: هل للهِ صورةٌ قبلَ خلقِ آدمَ حتى خلقَهُ على مثالِها؟ وهل اختفَتِ الصُّورةُ بعدَ خلقِ آدمَ أو تلاشَتْ؟ ومَن هو آدمُ ها هنا؟

إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ الخالصةَ تقومُ على الإقرارِ بالآياتِ المحسوسةِ والمعقولةِ التي عَرفناها وشَهِدْناها لأنَّها أسبابُ الارتقاءِ إلى الغايةِ، وليست الغايةَ بحدِّ ذاتِها لقوله تعالى: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ)، وهو لم يقلْ: (فَلْيَرْتَقُوا للْأَسْبَابِ)، لأنَّ المعطِّلينَ أنكروا الأسبابَ مُطلقًا فَتَاهوا وكانوا ممَّن قالَ تعالى فيهم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)، أمَّا المشبِّهونَ فجعلوا الأسبابَ غايتَهم الكبرى، وجميعهم توقَّفوا عند ربِّهم ذي اليدِ والرِّجلِ والوجهِ والحواسِّ، والذي تعرَّضَ للصَّلبِ أو القتلِ أو الذَّبحِ، ولم يدركوا أنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ سبحانَهُ لا تبلغُ كنهَهُ العقولُ ولا تحدِّدُهُ الظُّنون.

فالإلهُ عزَّ شأنُهُ لا يمكنُ للعقولِ البشريَّةِ أن تدركَ قدرتَهُ اللامحدودةَ، ولا للأبصارِ الشَّاخصةِ أن تَثبُتَ لنورِهِ السَّاطعِ، فكيف لها أن تتوهَّمَ كنهَ ذاتِهِ، أو أن تجعلَهُ خاضعًا لصورةٍ في ذاتِه، أو هيئةٍ أو كيفيَّةٍ أو ماهيَّةٍ، وسيِّدنا المسيحُ (ع) يقول: (أعترفُ بك إلهَنا الأحدَ الذي ليسَ لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لكَ من نهايةٍ، ولا شَبَهَ لكَ بين البشرِ).

وهنا نقولُ: ليسَ للهِ صورةٌ في القِدَمِ حتَّى يخلقَ آدمَ على مثالِها، ولا يُعقَلُ أن يخلقَ اللهُ آدمَ على مثالِ صورةِ رجلٍ جاءَ بعدَهُ في الوجودِ، وهنا سقطوا في التَّفسير، لأنَّ الهاءَ في (صورتِهِ) راجعةٌ لآدمَ (ع)، لأنَّ الحديثَ يردُّ على الذينَ حاولوا أن يساووا بين اللهِ وآدمَ في الصِّفةِ والماهيَّةِ، فردَّ عليهم بأنَّ آدمَ أولاً مخلوقٌ واللهُ هو الخالقُ له، وهذا أوَّلُ فرقٍ، وأنَّ الصُّورةَ الآدميَّةَ حقيقةٌ له لا للهِ، لذلكَ قالَ: (على صورتِهِ)؛ أي على صورةِ آدمَ الخاصَّةِ بهِ، والدَّلالةُ في ذلكَ هي إثباتُ الكيفيَّةِ والماهيَّةِ للنَّبيِّ العظيمِ، وأمَّا الرَّبُّ المعبودُ فلا يقعُ تحت الكيفيَّةِ والماهيَّةِ والتَّصويرِ جلَّ المصوِّرُ عن التَّجسيمِ والتَّجسيدِ، وعزَّ مَن كَيَّفَ الكيفَ وخلقَ الماهيَّةَ وأبدَعَ الوجودَ، بدليل ما وردَ عن الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا يُقالُ له: أينَ؟ لأنَّهُ أيَّنَ الأينيَّةَ، ولا يقالُ له: كيفَ؟ لأنَّهُ كيَّفَ الكيفيَّةَ، ولا يقالُ: ما هو؟ لأنَّه خلقَ الماهيَّةَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس عشر عن معاني الهبطة في القرآن

images

السؤال الخامس عشر: في السُّؤالِ الماضي ذكرتُمْ حول موضوعِ آدمَ وحوَّاءَ والهبوطِ من الجنَّة بأنَّ الخطابَ الإلهي بقوله: (اهبطا) كان للمؤمنينَ والكافرين، فهل هذا يعني أنَّ الكافرينَ كانوا مع المؤمنينَ في الجنَّة؟

الجواب الخامس عشر بإذن الله:

وردَت الهبطةُ في القرآنِ الكريمِ في مواضع مختلفةٍ وبمعانٍ مختلفةٍ، وهنا لابدَّ من التعريجِ عليها لنفهمَ بالضَّبطِ ما هو المقصودُ.

شرحنا في الإجابةِ السَّابقةِ قوله تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، وقلنا في موردِ الإجابةِ أنَّ الفعلَ لم يختصَّ بآدمَ وحوَّاء كشخصينِ، بل شملَ المؤمنينَ والكافرينَ جميعًا لأنَّهما كانا معًا أثناءَ الإشهادِ.

وما يؤكِّدُ أنَّهم مجموعٌ وليسوا اثنين فقط ما وردَ في موضعٍ آخرَ في القرآن الكريم من قوله تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وقوله: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، وقوله: (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وهذا يعني أنَّ صيغةَ الجمعِ تدلُّ على أنَّهم كانوا أكثرَ من اثنين.

قد يتساءلَ أحدٌ: هل من المعقولِ أن يكونَ المقصودُ: آدم وحوَّاء وإبليس، فيصيرونَ ثلاثة!؟

نجيبُهُ: وهل يُعقَلُ أن يكونَ إبليسُ في الجنَّةِ؟ وإن كان في الجنَّةِ فلماذا لا يكونُ الكافرونَ في الجنَّةِ وهم أقلُّ خبثًا منهُ؟

وهل يُعقَلُ أن يكونَ إبليسُ من أهلِ الجنَّةِ فعَصَى ربَّهُ فأخرجهُ منها؟

أن يكونَ إبليس من أهلِ الجنَّةِ فهذا يعني أنَّهُ كانَ من الملائكةِ كما تظنُّ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، لكنَّهُ بمخالفَتِهِ خرجَ من عُدَّتِهم!! ولكنَّ القرآنَ الكريمَ لم يذكرْ في كلِّ آياتِهِ أنَّ إبليسَ كان من الملائكةِ، بل كانَ مع الملائكةِ، وكان دومًا استثناؤهُ استثناءَ فعلٍ كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، واستثناءَ جنسٍ لأنَّهُ ليسَ من الملائكةِ بل كما قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ).

فمِنْ أينَ هبطَ إبليسُ إذن؟ ومن أينَ هبطَ المؤمنونَ والكافرونَ؟ وهل الهبوطُ هو هبوطٌ مكانيٌّ من الأعلى إلى الأدنى؟ أم أنَّهُ هبوطٌ من نوعٍ آخر؟

لقد أخطأتِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ زَعَموا أنَّ نبيَّنا آدمَ المعصومَ (ع) هبطَ من الجنَّةِ إلى الأرضِ بخطيئةٍ وبمعصيةٍ معاذَ الله!! لكنَّ نهجَنا العلويَّ يصحِّحُ لهم معنى هذه الهبطةِ، فهبطتُهُ كانت بإرسالِهِ للبشرِ لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)، وذلكَ لهدايتِهم لمعرفةِ ربِّهم رسولاً من اللهِ نذيرًا وبشيرًا، وقد مَثَّلناها بالهبطةِ النَّبويَّةِ بدليل قوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فالهبوطُ للأنبياءِ يعني إرسالَهم بالرِّسالةِ التي هي السَّلامُ والبركاتُ على النَّبيِّينَ والمرسلينَ وأتباعِهم المؤمنين، وهي الإنذارُ والتَّحذيرُ للأممِ الأخرى المخالفةِ الكافرةِ.

أمَّا آدمُ المزاجيُّ فهبطَتُهُ يدلُّ عليها قولُهُ تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)، فالهبطةُ لم تكن من السَّماءِ إلى الأرضِ، بل هبطةُ حالِ الآدميِّينَ من النِّعمةِ إلى البلاءِ بسبب الشَّكِّ والتَّحيُّرِ والتَّردُّدِ والعصيانِ، فمَن كانوا من المؤمنينَ المقصِّرينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، ومن كانوا من الكافرينَ المنكرينَ بَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ.

وهذا يعني أنَّ التَّحذيرَ والتَّخويفَ والأمرَ والنَّهي عن الأكلِ من الشَّجرةِ لم يكن لنبيِّنا آدمَ المصومِ (ع)، بل كانَ لآدمَ المزاجيِّ البشريِّ، الذي كان مُنعَمًا عليهِ بمعرفةِ باريهِ في قولهِ تعالى: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، فالسَّكنُ في الجنَّةِ ليسَ سكنًا مادِّيًا لأنَّهم لم يكونوا أجسادًا بشريَّةً مادِّيَّةً، ولا مكانَ للموادِّ في عالمِ السَّماءِ.

وهذا يعني أنَّ السَّكنَ من السَّكينةِ بمعرفةِ باري البريَّةِ، وهو ما أرادَهُ سيِّدُنا المسيحُ بقوله: (لا يمكنُكَ أن تَرَاهُ وتَعرِفَهُ على الأرضِ تمامَ المعرفةِ، ولكنَّكَ سَتَراهُ في مملكتِهِ إلى الأبدِ حيثُ يكونُ قوامُ سَعادَتِنا ومَجدِنا)، وأنَّ الأكلَ هو من شجرةِ المعارفِ الرَّبَّانيَّةِ التَّوحيديَّةِ التي هي غذاءُ الموحِّدينَ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)، وأمَّا الشَّجرةُ فهي شجرةُ الشَّكِّ والشِّركِ والإنكارِ التي هي أكلُ المُشبِّهينَ والمعطِّلينَ، ووجودُ الشَّجرةِ في الجنَّةِ ها هنا مثالٌ على الامتزاجِ القائمِ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ بدليلِ قوله تعالى: (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً)، كما أنَّهُ مثالٌ على الفرقِ الخفيِّ بين التَّوحيدِ من جهةٍ والشِّركِ والإنكارِ من جهةٍ أخرى، حتَّى لا يكادَ المرءُ يفرِّقُ بينَهما لشدَّةِ الخفاءِ بدليلِ قولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الخفيُّ، فإنَّ الشِّركَ أخفى من دبيبِ النَّملِ على الصَّفا في الليلةِ الظَّلماءِ).

أمَّا آدمُ العاصي الذَّميمُ فهو إبليسُ الذي هبطَ من هذهِ المعرفةِ صاغرًا مذمومًا مدحورًا لأنَّهُ أنكرَ وردَّ على الباري أمرَهُ، وقاسَ برأيهِ حينَ رفضَ السُّجودَ، فقال له تعالى: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)، وهذا الهبوطُ ليسَ هبوطًا مكانيًّا من السَّماءِ، إذ لم يكنْ في الجنَّةِ السَّماويَّةِ فهبطَ إلى الجحيمِ الأرضيِّ، لكنَّ الهبوطَ هو هبوطٌ حاليٌّ، إذ عُرِضَتِ المعرفةُ عليهِ كما عُرِضَتْ على الملائكةِ وكما عُرِضتْ على البشرِ، لكنَّهُ أنكرَ فهلَكَ ولُعِنَ وخرجَ منها صاغرًا لا يعودُ إليها أبدًا لقولهِ تعالى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ).

قد يتساءلُ متسائلٌ: كيفَ تساوى الملائكةُ وإبليس والبشر في المعرفةِ؟

الجواب: هم لم يتساوَوا في المعرفةِ، لكنَّ الإشهادَ كان واحدًا للجميعِ دونَ استثناءٍ لكي لا يحتجَّ محتجٌّ فيقول: (ربِّ ما أشهَدْتَني، ولو أشهَدْتَني لَشَهِدْتُ لك)، فقطعَ اللهُ عليهم الطَّريقَ وعرضَ الشَّهادةَ عليهم جميعًا لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، فمَن أقرَّ كان من المؤمنين بقيادةِ نبيِّنا آدم الجليلِ المعصومِ (ع)، ومَن أنكرَ كانَ من الكافرينِ المُنقادينَ لإبليسَ اللعينِ، وهو العدلُ الإلهيُّ التَّامُّ المعبَّرُ عنه في قوله تعالى: (لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد