أرشيف التصنيف: سؤال وجواب في الدين

السؤال الرابع والتسعون حول الفرقِ بين الفراسة والمكاشفة والمشاهدة

images

 

السُّؤالُ الرَّابعُ والتِّسعونَ: ما هو معنى الفَرَاسَةِ والـمُكاشَفَةِ؟ وهل تختلفُ عن الـمُشاهدَةِ؟ ومتى تتحقَّقُ للمؤمنِ؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

إنَّ اللهَ تعالى جعلَ لكلِّ شيءٍ في الوجودِ عَرَضًا وجوهرًا، فالعَرَضُ له هيئةٌ، نستدلُّ من خلالها على وجودِ الشَّيءِ، والجوهرُ لا هيئةَ لَهُ. عِلمًا أنَّ العرضَ له صفاتٌ متعدِّدَةٌ في عالمِ الهيئاتِ، وهذهِ الصِّفاتُ لا يُحصى عدَدُها، لأنَّها غيرُ ثابتةٍ عليهِ، بل هي متبدِّلَةٌ ومتغيِّرةٌ وزائلةٌ، أمَّا الذي يبقى فهو الجوهرُ الحقيقيُّ الذي لا يتغيَّرُ ولا يزولُ.

وأدلُّ دليلٍ على ذلكَ النَّفسُ، فالجسدُ هو العَرَضُ ذو الهَيئةِ بدليلِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)، والجوهرُ هو الرُّوحُ التي قال تعالى فيها: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، فالإنسانُ له عَرَضٌ وجوهرٌ؛ أي له جسدٌ وروحٌ، والنَّفسُ بينهما بدليلِ قولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنَّ اللهَ خلقَ الرُّوحَ وجعلَ لها سُلطانًا، فسُلطانُها النَّفسُ)، وهذهِ النَّفسُ تبقى كَدِرَةً محجوبةً عن نورِ المعرفةِ طالما تَبِعَتْ شَهواتِ الجسدِ، وتَرتقي كلَّما جاهدَتِ المعاصي حتَّى إذا بلغَتْ مقامَها السَّابعَ الكاملَ سُمِّيَتْ روحًا، فمقاماتُ النَّفسِ سبعةٌ وهي على التَّرتيب: النَّفسُ الأمَّارةُ بالسُّوءِ، النَّفسُ اللَّوَّامةُ، النَّفسُ الـمُلْهَمَةُ، النَّفسُ الـمُطمَئِنَّةُ، النَّفسُ الرَّاضيةُ، النَّفسُ الـمَرضِيَّةُ، النَّفسُ الكاشفةُ وتسمَّى الكاملةُ.

وانطلاقًا من هذا يمكنُ القولُ: إنَّ الإيمانَ للمؤمنِ مثالُ النَّفسِ للإنسانِ، عَرَضُهُ الإسلامُ، وجَوهرُهُ الإقرارُ. فعَرَضُ الإيمانِ له هيئةٌ يُعرَفُ بها، وهذه الهيئةُ عبارةٌ عن الأفعالِ الصَّادرةِ عن المؤمنِ من الطاعةِ للهِ والبراءةِ من المشركينَ والولاءِ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ والأولياءِ. وأمَّا جوهرُ الإيمانِ فهو الفيضُ الرَّبَّانيُّ الفائضُ على المؤمنِ من جهةِ الحقِّ تعالى ليشهدَ آياتِهِ السَّماويَّةَ والأرضيَّةَ ويُقرَّ بها فيُصبِحَ مؤمنًا كاملاً، وحتَّى يَبلُغَ الإيمانُ كمالَهُ لابدَّ أن يتدرَّجَ في مراتِبِهِ الثَّلاثةِ وهي: الفَراسةُ، والـمُكاشَفَةُ، والـمُشاهَدَةُ.

 

أوَّلُ مرتبةٍ من مراتبِ الإيمانِ هي الفَرَاسَةُ ولها مقامُ الإثباتِ الحسِّيِّ؛ وهي عبارةٌ عن إيحاءٍ يَفيضُ نورًا على القلبِ بدليلِ قولِ رسولِ اللهِ (ص): (اتَّقوا فراسةَ المؤمنِ فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ)، وهذا الإيحاءُ يَنفي عنه الشَّكَّ بدليلِ قولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اتَّقوا ظنونَ المؤمنينَ فإنَّ اللهَ جعلَ الحقَّ على ألسِنَتِهم). وقد تُطلَقُ على الفراسةِ صفةُ التَّوَسُّمِ لقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) أي الـمُتَفرِّسينَ كما فسَّرها الإمامُ الصَّادقُ (ع).

والفراسةُ ليسَت معرفةَ الغيبِ بل هي من الأنباءِ الـمُصَرَّحِ لأهلِ التَّوسُّمِ أنْ يعرِفوها تكريمًا لهم لقوله تعالى على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، وقوله سبحانه: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً).

 

ثاني مرتبةٍ من مراتبِ الإيمانِ هي الـمُكاشَفَةُ ولها مقامُ الإثباتِ الحسِّيِّ والعقليِّ؛ وهي عبارةٌ عن تجلِّي ذلكَ النُّورِ للعقلِ لِنَفي ما بَدَا للقلبِ من الهيئاتِ المحسوسةِ والأعراضِ الزَّائلةِ بدليلِ قوله تعالى: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، وبهذا الكشفِ يُفرَّقُ بينَ الأعراضِ الحسِّيَّةِ والجواهرِ العقليَّةِ، فيرتقي الإيمانُ كلَّما ازدادَ الكشفُ إلى درجةِ اليقينِ بدليلِ قولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لو كُشِفَ لي الغطاءُ ما ازْدَدْتُ يقينًا)، ويرتقي أهلُ الكشفِ من مرتبةِ الفراسةِ المتعلِّقَةِ فقط بالأعراضِ الحسِّيَّةِ، إلى مرتبةِ المُكاشَفَةِ اليقينيَّةِ بمعرفةِ الجواهرِ في عالمِ العقلِ والأعراضِ في عالمِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).

وتتمثَّلُ المكاشفةُ في معرفةِ أنباءِ الغيبِ الـمُصَرَّحِ بها لأهلِ الكشفِ بدليلِ قوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، ولابدَّ هنا من التَّنبيهِ على أنَّ أنباءَ الغيبِ غيرُ الغيبِ الـمُمتَنِعِ في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)، وقوله: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).

 

ثالثُ مرتبةٍ من مراتبِ الإيمانِ هي الـمُشاهَدَةُ ولها مقامُ الإفرادِ؛ وهي عبارةٌ عن الإقرارِ بأنَّ ما فاضَ على القلبِ وتجلَّى للعقلِ هو دليلُ الوجودِ في عالمِ الحسِّ وعالمِ العقلِ، وأنَّ الحقَّ أَجَلُّ وأعلى من كلِّ إيحاءٍ وخاطرٍ ووهمٍ وفهمٍ، ولا يقالُ له: عرضٌ ولا جوهرٌ.

وبهذا يتخطَّى أهلُ الشُّهودِ مرتبةَ التَّوسُّمِ والكشفِ، ويحقِّقونَ الإقرارَ بما كلَّفَ اللهُ عبادَهُ من إثباتِ الوجودِ في عالمِ الحسِّ وعالمِ العقلِ، وما فرضَ اللهُ تعالى من إفرادِ ذاتِهِ عن الأسماءِ والصِّفاتِ المحسوسةِ والأفعالِ المعقولةِ بدليل قوله تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)، فمقامُ الإفرادِ لا يمكنُ الإشارةُ إليهِ، ولا يمكنُ التَّعبيرُ عنهُ بالعبارةِ، كما قالَ أميرُ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لكُمَيل بن زياد حينَ سألهُ عن الحقيقةِ: (الحقيقةُ: كشفُ سُبحاتِ الجلالِ من غيرِ إشارةٍ)، فإذا بلغَ المؤمنُ مقامَ الإفرادِ صارَ في مرتبةِ المشاهدةِ.

وتتمثَّلُ الـمُشاهدَةُ بظهورِ المعجزةِ على يدِ أهلِ الشُّهودِ المتحقِّقينَ بحقيقةِ الإيمانِ، والذين قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع) فيهم: (إذا صارَ الأمرُ إليه جعلَ له عمودًا من نورٍ يُبصِرُ بهِ)، والذينَ قطعوا مراحلَ الجهدِ وتخطَّوا درجاتِ الجِدِّ، فكانت مرآةُ بصيرتِهم صافيةً صفاءَ الماءِ العذبِ الذي قال تعالى فيه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)، والحياةُ هنا هي تحويلُ العلمِ بالأحداثِ المستقبليَّةِ إلى عملٍ يقومُ به أهلُ الشُّهودِ لتهيئةِ الظُّروفِ ليكونَ كلُّ قادمٍ مسخَّرًا لخدمةِ نهجِ الحقِّ ونُصرَتِهِ، وهو معنى قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ).

 

والخلاصةُ مما سبقَ: الفراسةُ معرفةُ الأنباءِ وهي أوَّلُ مراتبِ الإيمانِ، والمكاشفةُ معرفةُ أنباءِ الغيب وهي ثاني مراتبِ الإيمانِ، والمشاهدةُ رسمُ المستقبلِ وهي ثالثُ مراتبِ الإيمانِ، ولا يبلُغُها إلاَّ مَن كَمُلَ إيمانُهُ من أهلِ اللُّطفِ الخالصينَ من كلِّ كثيفٍ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثالث والتسعون حولَ خلق الإنسان

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والتِّسعونَ: كيفَ كرَّمَ اللهُ الإنسانَ في قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى خلقَ الإنسانَ كائنًا صغيرًا من حيثُ الحجم، ولكنَّهُ جمعَ فيه ما في الكونِ الكبيرِ، فكانَ كالنُّسخةِ المصغَّرةِ كما قال أميرُ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أَتَزعُمُ أنَّكَ جُرْمٌ صغيرٌ.. وفيكَ انطَوَى العالَمُ الأكبَرُ).

وقد كَرَّمَ اللهُ تعالى الإنسانَ المؤمنَ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، فإكرامُهُ إيَّاهُ بالعقلِ لا بغيرِهِ، لأنَّ العقلَ يكونُ لأهلِ الإيمانِ.

فاللهُ خلقَ الملائكةَ عقلاً بلا شهوةٍ، وخلقَ الحيوانَ شهوةً بلا عقلٍ، فلا الملائكةُ تصلحُ لعالمِ الشَّهوةِ، ولا الحيوانُ يصلحُ لعالَمِ العقلِ، أمَّا الإنسانُ فقد استَصْلَحَهُ اللهُ للدَّارينِ، فكان بينهما ذا عقلٍ وشهوةٍ. فإن رَجَحَ عقلُهُ استنارَ بمعرفةِ اللهِ، واستعدَّ لقبولِ ما يَرِدُ عنهُ من الألطافِ، وعَملَ صالحًا لِيَرتقي بالعقلِ والفعلِ إلى عالَمِ الملكوتِ بدليلِ قوله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)، وإنْ رَجَحَتْ شهوتُهُ وأطاعَ هواهُ شابَهَ الحيوانَ بالفعلِ وهَبَطَ بدليلِ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)، فالإنسانُ صراطٌ بين النُّورِ والظُّلماتِ؛ أي بينَ عالمِ العقلِ وعالمِ الشَّهوةِ.

والإنسانُ العاقلُ يعرفُ نفسَهُ من حيثُ أنَّها روحانيَّةٌ لطيفةٌ قُرِنَتْ بجسدٍ كثيفٍ، وهما مُتضادَّانِ واجتماعُهما من العَجَبِ، إذْ يَضرُّ الرُّوحَ ما يَنفعُ الجسدَ، ويُرضي الجسدَ ما لا يُرضي الرُّوحَ، وليسَ الجسدُ حاملاً للرُّوحِ، بل الرُّوحُ حاملةٌ للجسدِ، لا مُمازِجَةٌ له دخولاً فيهِ، ولا مُفارِقَةٌ له خروجًا منهُ.

والعاقلُ يُدرِكُ أنَّ الجسدَ يَفنى والرُّوحَ تبقى، وأنَّ كلَّ شيءٍ يعودُ لأصلِهِ، فَمَا كانَ أصلُهُ ترابًا كالجسدِ يعودُ إليهِ، وما كان أصلُهُ نورًا كالرُّوحِ يعودُ إليه، لقوله تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والتسعون حولَ الأسماءِ الحسنى ومفهوم العبادة

images

السُّؤالُ الثَّاني والتِّسعونَ: هل يجوزُ للعلويِّ أن تكونَ عبادَتُهُ للأسماءِ الحسنى كالرَّحمنِ والرَّحيمِ والعليمِ والقديرِ و…..؟

الجوابُ الثَّاني والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:
بالتأكيدِ هذا لا يجوزُ، فنحنُ كعلويِّينَ نتميَّزُ بالتَّرفُّعِ عن المحسوسِ، ونصلُ في توحيدِنا إلى مرحلةِ التَّجريدِ الخالصِ بعدَ الإثباتِ، فنحقِّقُ ميزانَ التَّوحيدِ في الإثباتِ والإفرادِ، والذي يفقدُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ- على حَدٍّ سواء- أحدَ كفَّتيهِ.
إنَّ مَن عَبَدَ اللهَ تعالى، وأشارَ لأسمائِهِ الحسنى على أنَّها أسماءُ وصفاتُ اللهِ، وأنَّ اللهَ فوقَها، كانَ موحِّدًا.
أمَّا مَن اعتقدَ أنَّ هناكَ فاصلةً بين اللهِ وأسمائِهِ الحسنى، وجعلَ الأسماءَ الحسنى آلهةً أخرى غيرَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فيكون قد فَرَّقَ بين اللهِ وأسمائِهِ الحسنى وهذا هو الضَّلالُ.
ولكن نقولُ: مَن عَبَدَ الأسماءَ الحسنى دونَ اللهِ فقد كفرَ، ومَن عَبَدَ اللهَ والأسماءَ الحسنى فقد أشرَكَ، ومن عَبَدَ اللهَ بحقيقةِ معرفةِ الأسماءِ الحسنى فقد وَحَّدَ.
فلا يجوزُ أن نتَّبعَ ما زَعَمَهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ من أنَّ (اللهَ هو الأسماءُ الحسنى والأسماءُ الحسنى هي اللهُ!!)، منطلقينَ من فهمِهم الخاطئِ لقوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)، فاللهُ تعالى لم يقلْ: ( قُلِ اعبدُوا، وأيًّا ما تعبدُوا)، بل قال: (ادعوا)، أي: خاطِبُوا وتوجَّهوا بالدُّعاءِ باستعمالِ الأسماءِ الحسنى، واقصدُوا بالحقيقةِ للهِ الحقِّ الـمُنَزَّهِ الذي له الأسماءُ الحسنى، وليست هيَ هو في الحقيقة والكُنهِ لقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى).
اللهُ تعالى عرَّفَنا الأسماءَ الحسنى لإثباتِ الوجودِ، ورفقًا بالعبدِ الطَّائعِ ليتوجَّهَ إليه بها، وذلكَ لعجزِهِ عن الدُّعاءِ من دونِها، فهذا هو قَدْرُ المخلوقِ الضَّعيف، بدليلِ قول الإمام علي زين العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا).
وكمثالٍ توضيحيٍّ على هذا نقول: إنَّ النَّجارَ قد يصنَعُ من الخشبِ كرسيًّا، فالكرسيُّ من الخشبِ صُنِعَتْ وإليهِ ترجعُ، أي أنَّ حقيقةَ الكرسيِّ خشبٌ، وليست حقيقةُ الخشبِ كرسيًّا، بل هو من هيئاتِ الخشبِ بعدَ الصُّنعِ، له طولٌ وعرضٌ وصفةٌ معروفةٌ. وهكذا يمكنُ القول: (إن الكرسيَّ خشبٌ)، ولا يمكنُ القول: (إنَّ الخشبَ كرسيٌّ). فالخشبُ للتَّحقيقِ والكرسيُّ للاستعمالِ.
أمَّا الصَّانعُ فهو النَّجَّارُ، الذي له الفضلُ في الإيجادِ والصُّنعِ، فالاستدلالُ على وجودِ الصَّانعِ يكونُ بآثارِ الصَّنعةِ على المصنوعِ، والصَّانعُ يُدعى باسمِ الصَّانعِ بعدَ الصُّنعِ، ولكنَّه مُنزَّهٌ عن فعلِ الصَّنعةِ؛ وهكذا فإنَّ اللهَ تعالى يُدعى باسمِ الرَّحمنِ الرحيمِ بعدَ وَهْبِ الرَّحمةِ ويُنَزَّهُ عن فعلِ الرَّحمَةِ، ويُدعى باسم العليمِ بعدَ إفاضةِ العلمِ ويُنَزَّهُ عن فعلِ العلمِ، ويُدعى باسمِ القدير بعدَ إظهارِ القدرةِ ويُنَزَّهُ عن فعلِ القدرةِ، حيث وردَ عن سيِّدنا محمد بن سنان الزَّاهري أنَّهُ قال: (كلُّ ما رأيتَ من قدرةٍ فَمِنَ القادرِ لأنَّ القدرةَ لَهُ)، ولم يقل: لأنَّ القدرةَ هو.
كما أنَّ واهبَ الرَّحمةِ أَجَلُّ من الرَّحمةِ نفسِها، ومُفيضَ العلمِ أجلُّ من العلمِ نفسِهِ، ومُظهِرَ القدرةِ أجلُّ من القدرةِ نفسِها، بدليلِ قولِ الإمامِ الباقر (م): (فلا يُوصَفُ بقدرةٍ إلاَّ مَن كانَ أعظمَ من ذلكَ)، كما وردَ في كتاب تحفِ العقولِ عن آلِ الرسولِ (ص) أنه قيل للإمامِ الرِّضا (ع): إنَّ قومًا يقولون: إنَّه عزَّ وجلَّ عالمًا بعلمٍ وقادرًا بقدرةٍ وقديمًا بقدمٍ وسميعًا بسمعٍ وبصيرًا ببصرٍ؟ فقال (ع): (اتَّخَذُوا مع اللهِ إلهًا آخرَ وليسَ هم مِن ولايِتنا على شيءٍ، تَعَالى اللهُ عمَّا يقولُ المُشركونَ والمشبِّهونَ علوًّا كبيرًّا).
ولا يمكنُ أن يكونَ الفعلُ ماهيَّةً لفاعلِهِ؛ أي أن تكونَ: الرَّحمةُ ماهيَّةً للرَّحمنِ الرَّحيمِ، والعلمُ ماهيَّةً للعليمِ، والقدرةُ ماهيَّةً للقديرِ، ففي هذا نَقَضُ ما تمَّ إبرامُهُ وحَلُّ ما تمَّ عَقَدُهُ، وبالتالي هذا هو الشِّركُ الخفيُّ بالأسماء الحسنى بسببِ تعدُّدِ الماهيَّاتِ.
ولا يقالُ بالمقابلِ: (إنَّها غيرُهُ!!)، بمعنى أنَّه لا يقالُ: (إنَّ الرَّحمةَ والعلمَ والقدرةَ لا تدلُّ على اللهِ، لأنَّها صدَرتْ عن غيرِهِ!!)، فنكونَ قد كَفَرْنا من حيثُ آمَنَّا بدينِ الحقِّ ونهجِ الصِّراطِ العلويِّ المستقيمِ.

وهنا نلخِّصُ جوابَنا الصَّحيحَ بالقولِ:
إذا أقررتَ بالرَّحمةِ التي هي فعلُ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وبالعلمِ الذي هو فعلُ العليمِ، وبالقدرةِ التي هي فعلُ القديرِ، وأنتَ تقصُدُ إثباتَ وجودِ اللهِ الذي له هذه الأسماءُ الحسنى (الرَّحمنُ الرَّحيمُ والعليمُ والقديرُ) فقد حقَّقتَ صِلَتَكَ بمعرفة اللهِ وكنتَ من أهلِ الإقرارِ.
وإذا فصلتَ بينَهم، وجعلتَ الرَّحمنَ الرَّحيمَ غيرَ اللهِ، والعليمَ غيرَ اللهِ، والقديرَ غيرَ اللهِ، فقد توجَّهتَ إلى غيرِ اللهِ وكنتَ من أهلِ الإنكارِ.
أمَّا إذا قلت: إنَّ صفةَ الرَّحمنِ الرَّحيمِ غيرُ صفةِ العليمِ، وغيرُ صفةِ القديرِ، إلاَّ أنَّهم صفاتٌ مختلفةٌ منفصلةٌ لحقيقةٍ واحدةٍ هي اللهُ تعالى، ولكنَّ اللهَ تعالى أجلُّ من هذه الصِّفاتِ المختلفةِ، فقد كنتَ من أهلِ التَّوحيدِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الحادي والتسعون حول التقمص ويوم القيامة

images

السُّؤالُ الحادي والتِّسعون: ما هي حجَّتُكم لإثباتِ التَّقمُّصِ؟ وهل تؤمنُونَ بيومِ القيامةِ؟

الجوابُ الحادي والتِّسعون بإذنِ اللهِ:
يتَّهِمُنا كلٌّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ بأنَّنا لا نؤمنُ بيومِ القيامةِ على اعتبارِ أنَّنا نؤمنُ بالتَّقمُّصِ!! وذلكَ لقصورِ فَهمِهم لهذا المبدأ العظيمِ الدَّالِّ على العدلِ الإلهيِّ التَّامِّ في خَلقِهِ.
إنَّ التَّقَمُّصَ مصدرُهُ تَقَمَّصَ، أي لَبِسَ القميصَ، فهو خَلعُ الجسمِ القديمِ ولبسُ جسمٍ جديدٍ بإرادةٍ إلهيَّةٍ، كما يَستبدِلُ الإنسانُ ثيابَهُ الباليةَ بثيابٍ جديدةٍ.
وينطلقُ التَّقَمُّصُ من فكرةِ أنَّ ما هو موجودٌ يستحيلُ أن يَنقطِعَ عن الوجودِ، وما كانَ غيرَ موجودٍ لن يَبدأَ بالوجودِ، كما يقولُ المبدأُ العلميُّ: (لا شيءَ يَضيعُ ولا شَيءَ يُخلَقُ، كلُّ شيءٍ يتحوَّلُ)، وهذا المبدأُ حارَبَهُ المتأسلِمونَ على اعتبارِ أنَّهُ ينفي الإيجادَ من العَدَمِ، واتَّخذَهُ الملحدونَ بالمقابلِ ذريعةً لنفي وجودِ إلهٍ للكونِ!!
ولكنَّ الطَّرفين المتصارعَين لم ينتَبِها إلى أنَّ هناكَ مرحلتانِ في الإيجادِ:
المرحلةُ الأولى: هي مرحلةُ الإبداعِ، وهي مرحلةُ الإيجادِ من العَدَمِ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فالـمُبْدِعُ تعالى يُوجدُ الشَّيءَ لا مِن شيءٍ بدليلِ قولِ الإمامِ الباقرِ (ع): (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ لا مِنْ شَيءٍ، فَمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ مِن شَيءٍ فقد كَفَرَ).
المرحلةُ الثَّانيةُ: هي مرحلةُ الخَلقِ، فالخالقُ يوجدُ الشَّيءَ من الشَّيءِ، وذلكَ قوله تعالى: (قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
فالمبدأُ العلميُّ المذكورُ صحيحٌ لا يتنافى مع القوانينِ الإلهيَّةِ كما ظنَّ المتأسلِمونَ، ولا ينفي وجودَ الإلهِ كما ظنَّ الملحدونَ، لأنَّه لا ينطبقُ على المرحلةِ الأولى، وهي المرحلةُ السَّابقةُ لوجودِ المادَّةِ، بل على المرحلةِ الثَّانيةِ، أي في عالمِ الموادِّ، فالمادَّةُ في العالمِ المادِّيِّ لا تَضيعُ ولا تُخلَقُ، بل تتحوَّلُ من هيئةٍ إلى أخرى، وفي ذلكَ جاءَ قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، كدليلٍ على تبديلِ الأجسامِ المعبَّرِ عنه بالأرضِ غيرَ الأرضِ؛ أي الجسمِ بعدَ الجسم في حالة التَّقمصِ، والسَّماواتُ التي لم يَذكرْ لها تبديلاً كدليلٍ على وحدةِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي ستبرزُ للحسابِ أمامَ الواحدِ العظيمِ.
وفي هذا يقول الفيلسوفُ العظيمُ فيثاغورث: (بما أنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ لا تموتُ، يجبُ أن يكونَ لها وجودٌ قبلَ الولادةِ، وأن يكونَ لها وجودٌ بعدَ موتِ الجسمِ)، فالنَّفسُ الإنسانيَّةُ لا تأتي من العدمِ عندَ الولادةِ، ولا تغرقُ بعدَ الموتِ في عَطالةِ الانتظارِ غيرِ المجدي إلى يومِ القيامةِ، بل تنتقلُ من جسمٍ إلى جسمٍ آخرَ أثناءَ التَّقمُّصِ، وهكذا إلى أن يأتي يوم القيامةِ، فتبرزُ النَّفسُ الإنسانيَّةُ للحسابِ حاملةً معها كلَّ ما جَنَتْهُ في تَقَمُّصاتِها السَّابقةِ من حَسَناتٍ وسيِّئات لِتُوضَعَ في الميزانِ.
والسُّؤالُ الذي يطرحُ نفسه: هل ستَنبعِثُ العظامُ من القبورِ وهي رميمٌ لتكونَ جسمًا قائمًا للإنسانِ كي يُحاسَبَ؟ وإن كانَ كذلكَ فأيُّ جسمٍ سيتمُّ اختيارُهُ للحسابِ؟ وكأنَّما السُّؤالُ: أيُّ أرضٍ ستبرزُ للحسابِ أمامَ الواحدِ العظيمِ إن كانت الأرضُ تتبدَّلُ!!؟
يجبُ أن نتَّفقَ على أنَّ هناكَ خلقًا جديدًا لقولهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، فقوله: (كلَّ ممزَّقٍ) يدلُّ على تعدُّدِ عمليَّةِ التَّمزيقِ، أي تعدُّدِ الموتِ، وبالتَّالي تعدَّدِ الولاداتِ، وبالتالي تعدُّدِ الأجسامِ، وهذا يُثبِتُ التَّقمُّصَ، فالنَّفسُ الإنسانيَّةُ بعدَ الموتِ تَلِجُ مكانًا أَلِفَتْهُ وهو الحياة الدُّنيا من جديدٍ، وَتلزَمُ عَمَلاً عَرَفَتْهُ فَتُعَذَّبُ به لِشُؤمِهِ وتَنعَمُ به لِيُمْنِهِ.
أمَّا الخلقُ الجديدُ فهو يدلُّ على النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي ستقفُ أمامَ الواحدِ القهَّارِ، وقد أشارَ لذلكَ الفيلسوفُ العظيم سقراط بقوله: (إنَّ ثمَّةَ عالَمًا آخرَ تقومُ فيه حقائقُ الأشياءِ التي لا تُدرَكُ بحواسِنا إلاَّ ظِلالُها في هذا العالمِ، وذلكَ العالَمُ هو عالَمُ المُثُلِ والحقائقِ والأفكارِ المجرَّدَةِ).

أمَّا بالنِّسبةِ للغايةِ من التَّقمُّصِ فنقولُ:
إنَّ خَلْقَ الإنسانِ في كلِّ تَقَمُّصٍ يعني أنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ تَتَّخِذُ الجسمَ قميصًا جديدًا لها للاختبارِ والتَّجربةِ والعملِ، فالمؤمنُ تَسمو نفسُهُ وَتَرقى لتحقيقِ ذاتِها الكاملةِ، وبلوغِ صَفاءَها واكتمالَها، أمَّا الكافرُ فَيَتَرَدَّى في مَهَاوي الرَّدى، وهذا لا يَتحقَّقُ في قميصٍ واحدٍ بل في قمصان عديدةٍ، لذلكَ قال الفيلسوفُ الأعظمُ أرسططاليس: (النَّفسُ لا تَستغني عن الجسمِ).
فالأرضُ إذنْ دارُ امتحانٍ، وهي للمؤمنِ دارٌ للتَّمحيصِ والتَّكفيرِ عن الذُّنوبِ، وللعارفِ دارٌ للتَّرقِّي لِنَيلِ شرفِ الهدايةِ للصِّراطِ المستقيمِ، وفي كِلَيهِما عذابُ المكوثِ في هذا الجسمِ على الأرضِ، بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (استعلاءُ الإنسانِ في نفسِهِ يَهبطُ به في وادي الدُّموعِ)، ووادي الدُّموعِ هو الحياةُ الدُّنيا لقوله (ع): (يَصدُقُ على هذا العالمِ ما قالَ أبونا داودُ مِن أنَّهُ وادي الدُّموعِ)، وهو ما يؤيِّدُهُ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ)، وذلك بما فيها من العذابِ الأدنى للتَّخلُّصِ من الذُّنوبِ والآثامِ، والارتقاءِ إلى عالمِ الملكوتِ لقوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). وفي هذا يَشهدُ الإنسانُ في كلِّ موتٍ وولادةٍ القيامةَ الصُّغرى.
أمَّا القيامةُ الكبرى فهي في قولِهِ تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)، وفيها العذابُ الأكبرُ الذي أشارَ إليهِ اللهُ تعالى بقوله: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً، فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً، وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وتوقيتُ القيامةِ الكبرى لا يعلمُهُ إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ بدليلِ قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، كما أشارَ إلى ذلكَ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ).

وللمزيد حولَ مفهومِ التَّقمُّصِ يمكنُ العودةُ إلى كتابي: (نور الهداية لأهلِ الولاية) ففيهِ تفصيلٌ كاملٌ بالأدلَّةِ والشَّواهدِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التسعون حول نفي التجسيم

images

السُّؤالُ التِّسعون: هل تقصدُ النُّصيريَّةُ بتجلِّي اللهِ نزولَهُ في الأجسامِ؟

الجوابُ التِّسعون بإذنِ اللهِ:
إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ النُّصيريَّةَ الحقَّةَ حُورِبَتْ عبرَ العصورِ لأنَّها كانَتِ الرَّائدةَ في مواجهةِ أهلِ التَّجسيمِ والتَّعطيلِ، وبما أنَّ الأسئلةَ المشكِّكَةَ لا تَنتهي، فإنَّنا ملتزمونَ بالإجابةِ بشكلٍّ دوريٍّ عليها لإيضاحِ الحقيقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الصَّافيةِ.
لقد اختلطَ الأمرُ على السُّنَّةِ والشِّيعةِ فاتَّهمونا بأنَّ تجلِّي اللهِ عندَنا يعني حلولَهُ في الأجسامِ!! وهذا محالٌ. لكنَّ السَّطحيَّةَ التي اعتادَوا عليها في تناولِ الأمورِ الدِّينيَّةِ جَعَلَتهم لا يفقهونَ معنى التَّجلِّي، ولا يفهمونَ دلالاتِ السُّورِ العظيمةَ في القرآنِ الكريمِ، وكأنَّما وقعَ عليهم قولُهُ تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون).
إنَّ التَّجلِّي في فكرنا العلويِّ النُّصيريِّ هو للبُرهانِ على وجودِ الحقِّ تَعَالى من خلالِ الدَّليلِ العقليِّ والدَّليلِ الحسِّيِّ، وهكذا فإنَّ الدَّليلَ العقليَّ والدَّليلَ الحسِّيَّ يبرهِنانِ على وجودِ الحقِّ تعالى في حالِ التَّجلِّي لأهلِ العقلِ وأهلِ الحسِّ.
فالحقُّ تعالى لمَّا شاءَ تَكوينَ الشَّيءِ كوَّنَهُ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ثمَّ أرادَ الخلقَ فكانَ أمرُهُ مُطاعًا لقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ)، ثمَّ تَجَلَّى بنفسِهِ لأهلِ العقلِ ولأهلِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، عِلمًا أنَّه في حَقيقتِهِ لا يقعُ تحتَ العقلِ ولا الحسِّ، وهنا نؤكِّدُ على كلمةِ (بنفسِهِ) حتَّى لا يظنَّ القارئُ أنَّهُ تجلَّى بغيرِهِ فيقعَ في الحلولِ والتَّجسيمِ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فالتَّجلِّي إذنْ ليسَ حلولاً ولا تجسيمًا، إنمَّا هو دليلُ الوجودِ لقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
ونحنُ نُقِرُّ بوجودِ الحقِّ تَعَالى ونُصرِّحُ بالألفاظِ مع عِلْمِنا بقصورِها لقولِ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا)، فمعرفَتُنا لوجودِ الحقِّ وإفرادُنا لذاتِهِ عن كلِّ صِفَةٍ مُدرَكَةٍ وَجِهَةٍ مَحدودةٍ، تَجعلُنا نُخرِجُهُ عن الحَدَّينِ؛ حَدِّ التَّشبيهِ بِخَلقِهِ وحَدِّ الإنكارِ لِوجودِهِ، تَعَالى اللهُ عن حَدِّ التَّشبيهِ وَحَدِّ التَّعطيلِ، لأنَّ مَن لم يُخرِجْهُ عن الحَدَّينِ يكونُ قد أدرَكَهُ وَحَصَرَهُ وشَبَّهَهُ بِخَلقِهِ لا مَحالَةَ، فهل يُعقَلُ أنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ علينا بنعمةِ معرفةِ وجودِهِ أن نَجعلَهُ من جنسِ خَلقِهِ ونُشبِّهَهُ بهم ونَحصُرَهُ في الأجسامِ معاذَ اللهِ!!؟
نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نُنَزِّهُ الحقَّ تعالى في مُواجهَتِنا لأهلِ التَّجسيمِ، وقد وردَ عن الفيلسوفِ العارفِ ابنِ شُعبةَ الحرَّانيِّ قوله: (معرفةُ اللهِ في الأبدانِ كَعِبَادَةِ الأوثانِ). فَلمَّا وَصَمَهُ أهلُ التَّجسيمِ بالأمِّ والأبِ والأولادِ نزَّهناهُ كما نَزَّهَ نفسَهُ بقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، ولمَّا وَصَمُوهُ بالزَّوجةِ نزَّهناهُ كما قال في كتابِهِ: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً)، ولمَّا جَعَلوا له شريكًا نزَّهناهُ كما قالَ في كتابِهِ: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فلا يقعُ تحتَ التَّجسيمِ مَن كانَ ولا مكانَ ولا دهرَ ولا زمانَ ولا سكونَ ولا حركةَ ولا جوهرَ ولا عرضَ ولا حسَّ ولا جنسَ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لا يُوصَفُ بزمانٍ ولا مكانٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ، بل هو مُوجِدُ الزَّمانِ والمكانِ والحركةِ والسُّكونِ، تَعَالى اللهُ عمَّا يَقولون علوًّا كبيرًا).
ولا يقعُ تحتَ الحصرِ مَن لا يَسَعُهُ مكانٌ ولا يَحصُرُهُ زمانٌ ولا يَختَلِجُ بالأوهامِ ولا تُحَصِّلُهُ معرفةُ الأفهامِ، وقد سُئلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): هل يجوزُ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ في مكانٍ؟ فقال (ع): (سُبحانَ اللهِ وتَعَالى عن ذلكَ، إنَّه لو كانَ في مكانٍ لَكَانَ مُحْدَثًا، لأنَّ الكائنَ في مكانٍ محتاجٌ إلى المكانِ، والاحتياجُ من صِفَاتِ المُحدَثِ لا مِن صِفَاتِ القَديمِ).
ولا يقعُ تحتَ الإدراكِ مَن لا يَقَعُ عليهِ اسمُ شَيءٍ وليسَ لَهُ شَبيهٌ ولا نَظيرٌ ولا مَثيلٌ ولا عَديلٌ، حيث سُئلَ رسولُ اللهِ (ص): ما رأسُ العلمِ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (معرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ). قيل: وما مَعرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ؟ قال (ص): (تَعرِفهُ بلا مَثَلٍ ولا شَبَهٍ ولا نِدٍّ، وأنَّهُ واحدٌ أَحَدٌ ظاهرٌ باطنٌ أوَّلٌ آخِرٌ لا كُفوَ له ولا نظيرَ فَذلكَ حقُّ مَعرفَتِهِ).
فسبحانَ اللهِ الذي سَمَا عن مَبلَغِ أقوالِ الواصفين، وَعَلا عن نُطقِ أفواهِ العالِمِين، وَخَفِيَ عن أبصارِ النَّاظرين، فليسَتِ الأبصارُ له بِلاحِظَةٍ، ولا العيونُ له بِرَامِقَةٍ، أعظمُ وأَجَلُّ وأكبرُ مِن أيِّ دَليلٍ عقليٍّ أو حسِّيٍّ يَدلُّ إثباتًا على وجودِهِ، لا يُوصَفُ بِمَوصوفٍ ولا يُقاسُ بالحروفِ، ولا يَعلمُ ما هوْ إلاَّ هوْ، ليسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، ولا حَدٌّ فَتُضرَبُ بِهِ الأمثالُ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد