أرشيف التصنيف: سؤال وجواب في الدين

السؤال التاسع بعد المئة حول مكر المأمون بالإمام الرضا

images

السُّؤالُ التَّاسعُ بعدَ المِئَةِ: كيف مَكَرَ المأمونُ محاولاً التَّقرُّبَ من الإمامِ الرِّضا (ع)؟

الجوابُ التَّاسعُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
هذه القصَّةُ التي سأورِدُها فيها عِبرةٌ ومغزى، هي تَتحدَّثُ عن مَكرِ بني العبَّاسِ الذين حَاولوا أن يَستقطِبوا النَّاسَ من خلالِ إغراءِ الأئمَّةِ (ع) بالمناصِبِ مقابلَ أن يَمدحوهُم ويُزَكُّوا حُكمَهم أمامَ النَّاسِ، نظرًا لثقةِ النَّاسِ بأهلِ البيتِ (ع) ويقينِهم. وهذا مشابهٌ في هذا الأيَّامِ لِمَن يحاولُ استِرضَاءنا وتَقريبَنا وإغراءَنا بالمناصِبِ حتَّى نَشهدَ بهِ أمامَ النَّاسِ ونُحَسِّنَ صورَتَهُ ونُعطيهِ موثوقيَّةً اجتماعيَّةً لارتباطِ اسمِهِ باسمِنا، لكنَّنا لا نُجبِرُ أنفُسَنا على فعلٍ لا نريدُهُ، أو خيارٍ لا نقتنعُ به.
هذا الفعلُ قامَ بهِ الشِّيعةُ الـمُقَصِّرَةُ يومَ حاولوا التَّقرُّبَ من العلويِّينَ من خلالِ مؤلِّفهم البادياني النَّيسابوري، الذي أَغْرَى- بتوجيهٍ من سادَتِهِ- بعضَ ضِعافِ النُّفوسِ الـمُتَشَـيِّعينَ على التَّوقيعِ على كتابِهِ مقابلَ مبالغَ ماليَةٍ ومناصِبَ قد وُعِدوا بها في المجتمعِ العلويِّ بعدَ احتِضانِهِ من قبلِ الشِّيعةِ ضمنَ مشروعِ التَّشيُّعِ الذي كانَ مرسومًا بدقَّةٍ، فوقَّعوا وسُطِرَتْ أسماؤهم على كتابه الموسومِ (العلويون.. أتباع أهل البيت) كشهادةٍ منهم على صدقِ حديثِهِ وأمانةِ نقلِهِ، رغمَ كلِّ الدَّسائسِ التي أَوْرَدَها في الكتابِ لِخَلْخَلَةِ المعارفِ العلويَّةِ بينَ مَدْحٍ ودَسٍّ، ولو أنَّهم قرؤوا وانتَهجوا نهجَ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) لَمَا باعُوا ذِمَمَهم للـمُقَصِّرَةِ.
وهذه هي الرِّوايةُ التي تُعلِّمُنا كيفَ لا نَتَنازلُ عن مَبَادئِنا حتَّى لو أدَّى رَفَضُنا إلى إقصَائِنا، فالإقصاءُ خَيرٌ مِن السُّلطَةِ مع شَهَادةِ الزُّورِ.

وردَ عن ياسرِ الخادمِ والرَّيان بن الصلت أنَّهما قالا: لَمَّا انقَضَى أمرُ الأمينِ المخلوعِ واستَوَى الأمرُ للمأمونِ كَتَبَ إلى الإمامِ الرِّضا (ع) يَستَقْدِمُهُ إلى خراسان، فاعتَلَّ عليه الإمامُ (ع) بِعِلَلٍ (أي احْتَجَّ بالمرضِ)، فلم يَزَلِ المأمونُ يُكاتِبُهُ في ذلكَ حتَّى عَلِمَ الإمامُ أنَّه لن يَكُفَّ عنهُ، فَخَرَجَ (ع) إليهِ.
كتبَ إليهِ المأمونُ: لا تَأخُذْ على طريقِ الجبلِ وقُمٍّ، وخُذْ على طريقِ البَصرةِ والأهوازِ وفارسَ، حتَّى وَافَى مَرُو، فَعَرَضَ عليهِ المأمونُ أن يَتَقَلَّدَ الأمرَ والخلافةَ، فَأبَى الإمامُ الرِّضا (ع).

توضيح: كان هذا مَكرًا من المأمونِ اللَّعينِ ظَنًّا منهُ أنَّهُ سُيغريهِ بمنصبِ الحُكْم، وهذا يَدُلُّ على نفوسِ بني العبَّاسِ الشًّيطانيَّةِ التي كانت تَأبَى الاعترافَ بِفَضلِ آلِ محمَّد (ص) وعِصمَتِهِم ورِفْعَتِهم.

قال المأمون: فولايةُ العَهْدِ؟

توضيح: كان يحاولُ أن يُفاوِضَهُ لأجلِ اجتِذَابِهِ.

فقال (ع): على شروطٍ أَسْأَلُكَها.

توضيح: ما كانَ للإمامِ (ع) شروطٌ إنَّما هو مِن مبدأ التَّعجيزِ للمأمونِ اللَّعينِ لِيُؤكِّدَ له أنَّ المناصِبَ الدُّنيويَّةَ لا تَعني لأئمَّةِ الحقِّ شيئًا.

قال المأمونُ له: سَلْ ما شِئْتَ. فكتبَ الإمامُ الرِّضا (ع): إنِّي داخلٌ في ولايةِ العَهْدِ على أن لا آمُرَ ولا أَنْهَى ولا أُفتِي ولا أَقْضِي ولا أُوَلِّي ولا أَعْزل ولا أغيِّرَ شيئًا ممَّا هو قائمٌ. فأجابَهُ المأمونُ إلى ذلكَ كُلِّهِ.

توضيح: كانت شروطُ الإمامِ (ع) تَبدو في ظاهرِ الأمرِ على أنَّها تَنَصُّلٌ من الـمَهَامِ التي كانت على عاتقِ أهلِ البيتِ (ع)، ولكنَّهُ في الحقيقةِ لم يَكُنْ لِيَرضَى أن يكونَ مُفْتِيًا لِحُكْمِ بَني العبَّاس، ولا مُشَرِّعًا في دَولَتِهم، ولا قَاضيًا يَقضِي بالحقِّ في دولةِ الباطلِ، ولا مُتَدَخِّلاً في شؤونِ التَّوليَةِ والعَزْلِ للولاةِ حتَّى لا يَتَوَهَّمَ النَّاسُ أنَّ كلَّ أمرٍ ظالمٍ مَصدَرُهُ الإمامُ الرِّضا (ع)، أو صَادرٌ عن المأمونِ اللَّعينِ بتَزْكِيَةٍ منهُ. ولكنَّ المأمونَ اللَّعينَ لم يَفهَمْ ما أرادَهُ الإمامُ (ع)، ولم يَنْفَعْهُ مَكرُهُ في مواجهةِ عَظمةِ ورِفعَةِ الإمامِ (ع).

يتابعُ رَاوي الرِّوايةِ قائلاً: فلمَّا حَضَرَ العيدُ بَعَثَ المأمونُ إلى الإمامِ الرِّضا (ع) يَسألُهُ أن يَرْكَبَ ويَحضُرَ العيدَ ويُصَلِّي ويَخطبَ، فَبَعَثَ إليهِ (ع): قد عَلِمْتَ ما كان بيني وبينكَ من الشُّروطِ في دخولِ هذا الأمرِ. فَبَعَثَ إليهِ المأمونُ: إنَّما أريدُ بذلكَ أن تَطمَئِنَّ قلوبُ النَّاسِ ويَعرِفُوا فَضْلَكَ.

توضيح: هنا تَتَّضِحُ غايةُ المأمونِ اللَّعينِ من تَقريبِ الإمامِ الرِّضا (ع)، فهي ليسَتْ مَحبَّةً لَهُ، بل واجهةً لَهُ أمامَ النَّاسِ لِيَظهَرَ أنَّهُ مُحِبٌّ لأهلِ البيتِ (ع) ومُلتَزِمٌ بهَدْيهم.

فلم يَزَلْ (ع) يَرفُضُ والمأمونُ يُلِحُّ عليهِ، فقال (ع): إنْ أَعْفَيتَنِي من الحُضُورِ فهو أحبُّ إليَّ، وإنْ لم تُعفِنِي خَرَجْتُ كما خَرَجَ رسولُ اللهِ (ص) وأميرُ المؤمنينَ (م).

توضيح: هنا يُعَلِّمُنَا الإمامُ الرِّضا (ع) عدمَ مُحَاباةِ أعداءِ الحقِّ، وإنَّهُ وإنْ أَصَرُّوا على استِرْضَائِنا لابدَّ أن نَتَمَسَّكَ بمَبَادِئِنا دونَ تَنَازُلاتٍ.

فقالَ المأمونُ: اخرُجْ كيفَ شِئتَ. وأَمَرَ المأمونُ القُوَّادَ والنَّاسَ أن يُبَكِّرُوا إلى بابِهِ.
فَقَعَدَ النَّاسُ للإمامِ الرِّضا (ع) في الطُّرقاتِ والسُّطوحِ، الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبيانُ، واجتمعَ القُوَّادُ والجُنْدُ على بابهِ (ع) فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ تَعَمَّمَ بعَمَامَةٍ بيضاءَ من قُطنٍ، ألقَى طَرَفًا منها على صَدرِهِ وطَرَفًا بين كَتِفَيهِ وتَشَمَّرَ، ثم قالَ لجميعِ موَاليهِ: افعَلُوا مثلَ ما فَعَلْتُ. ثمَّ أَخَذَ بيَدِهِ عُكَّازًا ثمَّ خَرَجَ ونحنُ بين يديهِ وهو حافٍ قد شَمَّرَ سَرَاويلَهُ إلى نصفِ السَّاقِ وعليهِ ثيابٌ مُشَمَّرَةٌ، فلَمَّا مَشَى ومَشَينا بين يديهِ رَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ وكَبَّرَ أربعَ تكبيراتٍ، فَخُيِّلَ إلينا أنَّ السَّماءَ والحيطانَ تُجاوبُهُ، والقُوَّادُ والنَّاسُ على البابِ قد تَهَيَّؤوا ولَبِسُوا السِّلاحَ وتَزَيَّنوا بأحسَنِ الزِّينَةِ، فلمَّا طَلَعْنا عليهم بهذهِ الصُّورَةِ وطَلَعَ الرِّضا (ع) وَقَفَ على البابِ وقفةً، ثمَّ قالَ: (اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ على ما هَدَانا، اللهُ أكبرُ على ما رَزَقَنا من بَهيمَةِ الأنعَامِ، والحمدُ للهِ على ما أَبْلانا).
قال ياسر: فَتَزَعْزَعَتْ مَرُو بالبُكاءِ والضَّجيجِ والصِّياحِ لَمَّا نَظَرُوا إلى الإمامِ الرِّضا (ع) وسَقَطَ القُوَّادُ عن دَوَابِّهم وَرَمَوا بخِفَافِهم لَمَّا رَأَوا الإمامَ (ع) حافيًا، وكان يَمشِي ويَقِفُ في كلِّ عَشرِ خطواتٍ ويُكَبِّرُ ثلاثَ مرَّاتٍ. فَخُيِّلَ إلينا أنَّ السَّماءَ والأرضَ والجبالَ تُجاوبُهُ، وصَارَتْ مَرُو ضَجَّةً واحدةً من البكاءِ.
وبَلَغَ المأمونُ ذلكَ فقالَ لَهُ الفضلُ بن سَهل ذو الرِّيَاسَتَين: إنْ بَلَغَ الرِّضَا الـمُصَلَّى على هذا السَّبيلِ افْتَتَنَ به النَّاسُ، والرَّأيُ أن تَسأَلَهُ أن يَرجِعَ.
فَبَعَثَ إليهِ المأمونُ فَسَألَهُ الرُّجوعَ فَدَعَا الإمامُ الرِّضَا (ع) بِخُفِّهِ فَلَبِسَهُ وَرَكِبَ وَرَجِعَ.

توضيح: هنا اكتشَفَ المأمونُ اللَّعينُ أنَّ خَدِيعَتَهُ لم تَنْطَلِ على الإمامِ الرِّضا (ع)، وأنَّ كلَّ إغرَاءَاتِهِ لا تَنفَعُ، والإمامُ الرِّضا (ع) خَرَجَ بالنَّاسِ وقالَ كلمةَ الحقِّ كما يجبُ أن تُقالَ، ولم يكُنْ مُمَثِّلاً للمأمونِ، بل كانَ مُمَثِّلاً لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ (ص) ونهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ عليٍّ (م)، فأخافَ هذا عَدُوَّ الحقِّ فَطَلَبَ منهُ الرُّجوعَ. وكان رجوعُ الإمامِ الرِّضا (ع) إشارةً للنَّاسِ على أنَّ المأمونَ اللَّعينَ قد أظهَرَ مَحَبَّتَهُ الزَّائفَةَ لأهلِ البيتِ، ولكنَّهُ في الحقيقةِ كان يُريدُ تَحقيقَ غاياتٍ شَخصيَّةٍ، إلاَّ أنَّ الإمامَ (ع) لا يَسمحُ له بتَحقيقِ غَايتِهِ، وهذا كَشَفَ عن زيفِ هذهِ المحبَّةِ، وأكَّدَ أنَّ العدوَّ لا يُغيِّرُ مِن عَدَاوَتِهِ حلاوةُ لِسَانِهِ ولا مَعسولُ كَلامِهِ، ومثالُ ذلكَ: هل غيَّرَتْ مُرَاسَلاتُ الشِّيعَةِ المَعسُولَةِ لمشائخِ العلويِّينَ مِن مَوقِفِهم مِن سَيِّدنا أبي شُعَيب محمَّد بن نُصَير (ع)، أم ظَلُّوا يَعْتَبِرونَهُ خَارجًا عن الدِّينِ كَمَا أَوْعَزَ لهم أسيادُهُم الطُّوسي والقمِّي والحِلِّي والكِشِّي و….؟
وهكذا فإنَّ الشِّيعةَ المُقَصِّرَةَ في هذهِ الأيَّامُ مَهما أَظْهَرُوا من المحبَّةِ الزَّائفَةِ لنا، فإنَّ الغايةَ ليسَتْ الاعترافَ بفَضْلِنا كَعَلويِّينَ نُصَيريِّينَ، لأنَّهم لن يَتَنازَلوا لنا عن اغتصابِ تَمثيلِ مَرجعيَّةِ أهلِ البيتِ (ع) كما لم يَتنازَلِ المأمونُ اللَّعينُ عن السُّلطَةِ، ولكنَّهم يُريدونَ أن يَضَعُونا تحتَ جنَاحِهم كما أرادَ أن يَفعلَ المأمونُ اللَّعينُ مع الإمامِ الرِّضا (ع) فَفَشِلَ وسَيَفْشَلُونَ.
وهذا ينطبقُ على محاولاتِ الطَّوائفِ الأخرى عموماً والشِّيعةِ المُقَصِّرَةِ خصوصاً لِمَحوِنا نحنُ خاصَّةُ الإمامِ الرِّضا (ع).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثامن بعد المئة حول عجز الخلفاء الثلاثة

images

السُّؤالُ الثَّامنُ بعدَ المِئَةِ: هل استطاعَ الخُلفاءُ الثَّلاثَةُ أن يدعوا إلى الإسلامِ دونَ الإمامِ عليٍّ (م)؟

الجوابُ الثَّامنُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
في هذه الرِّوايةِ التي سأطرَحُها دلالاتٌ كثيرةٌ وردَت في استحقاقِ الخلافةِ، وكيفَ أنَّ ذهابَها إلى غيرِ مَكانِها لا يُغَيِّرُ في جَوهرِ الأمرِ، فَجَوهرُ الولايةِ واحدٌ، حتَّى لو حاولوا اغتصابَ الخلافةِ أو أخذَها بالقوَّةِ، إلاَّ أنَّهُ محفوظٌ للإمام علي (م) لا يستطيعُ أحدٌ أن ينكرَهُ عليهم.
وَرَدَ عن سيِّدنا أبي سعيدٍ الخدريِّ (ع) أنَّهُ قالَ: كنتُ حاضرًا لمَّا هَلَكَ أبو بكر واستُخْلَفَ عُمَرَ، أقبلَ يهوديٌّ من عظماءِ يهودِ يَثرِبَ- وتزعُمُ يهودُ المدينةِ أنَّهُ أعلَمُ أهلِ زمانِهِ- حتَّى رُفِعَ إلى عُمَرَ، فقالَ له: يا عُمَرُ إنِّي جِئْتُكَ أريدُ الإسلامَ فإنْ أخبَرْتَني عمَّا أسألُكَ عنهُ فأنتَ أعلمُ أصحابِ محمَّد بالكتابِ والسُّنَّةِ وجميعِ ما أريدُ أن أسألَ عنهُ.
توضيح: لأنَّ مِن صِفَاتِ الإمامِ أن يكونَ أعلمَ النَّاسِ في زمانِهِ، والخليفةُ يَؤُمُّ المسلمينَ، وعليهِ أن يكونَ أعلمَ النَّاسِ بالكتابِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ لِيَقضيَ بين النَّاسِ بالحقِّ.
فقالَ له عُمَر: إنِّي لَسْتُ هناكَ (أي في الموقعِ الذي ذكرْتَهُ) لكنِّي أُرشِدُكَ إلى مَن هو أعلمُ أمَّتِنَا بالكتابِ والسُّنَّةِ وجميعِ ما قد تسألُ عنهُ وهو ذاكَ. فَأَوْمَأَ إلى الإمامِ عليٍّ (م).
توضيح: هذا اعترافٌ صَريحٌ وَوَاضحٌ بأنَّ الأعلمَ والأفقهَ والأقْضَى في علمِ الكتابِ والسُّنَّةِ هو الإمامُ علي (م)، وأنَّ عمرَ بن الخطَّابِ يَجهلُ الأمورَ، وكان يَقفُ حَائِرًا في القضايا حتَّى يَقضِي فيها الإمامُ علي (م)، ولكنَّ هذا لم يَمنَعْهُ منَ اعتلاءِ كرسيِّ الخلافةِ، ولا مِن تَسمِيَةِ نفسِهِ بالفاروقِ، عِلْمًا أنَّ النَّبيَّ الأكرمَ (ص) سَمَّى الإمامَ علي (م) بالفاروقِ الأعظَمِ.
هنا احْتَجَّ عليهِ اليهوديُّ فقال له: يا عُمَر إن كانَ هذا كما تَقولُ فَمَا لكَ ولِبَيعَةِ النَّاسِ وإنَّما ذاكَ أعْلَمُكُم!
فَزَجَرَهُ عُمَر. ثم إنَّ اليهوديَّ قامَ إلى الإمامِ عليٍّ (م) فقال له: أنتَ كما ذَكَرَ عُمَر؟
فقال الإمامُ: وما قالَ عُمَر؟
فأخبرَهُ. فقال الإمامُ: فإنْ كنتُ كما قَالَ؟
فقالَ اليهوديُّ: سألتُكَ عن أشياءٍ أريدُ أن أعلمَ هل يَعلَمُها أحدٌ مِنكُم فأعلمَ أنَّكُم في دَعواكُم أنّكم خيرُ الأممِ وأعلَمُها صادقونَ، وأدخلَ في دينِكُم الإسلام.
فقال أميرُ المؤمنينَ (م): نَعَم أنا كما ذَكَرَ لكَ عُمَر، سَلْ عَمَّا بَدَا لكَ أُخبِرُكَ بِهِ إن شاءَ الله.
قال اليهوديُّ: أخْبِرْنِي عن ثلاثٍ وثلاثٍ وواحدةٍ.
فقال له الإمامُ علي (م): ولِمَ لَمْ تَقُلْ: أخبرْنِي عن سَبعٍ؟
فقال له اليهوديُّ: إنًّكَ إنْ أَخْبَرْتَنِي بالثَّلاثِ، سَأَلْتُكَ عن البقيَّةِ وإلاَّ كَفَفْتُ، فإنْ أنتَ أَجَبْتَنِي في هذهِ السَّبعِ فأنتَ أَعْلَمُ مَن في الأرضِ وَأَوْلَى بالنَّاسِ.
فقال (م) له: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ.
قال اليهوديُّ: أخبرْنِي عن أوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ على وجهِ الأرضِ؟ وأوَّلِ شَجَرةٍ غُرِسَتْ على وجهِ الأرضِ؟ وأوَّلِ عَينٍ نَبَعَتْ على وجهِ الأرضِ؟
فأخبرَهُ أميرُ المؤمنينَ (م). ثمَّ قالَ لَهُ اليهوديُّ: أخبرْنِي عن هذهِ الأمَّةِ كم لها مِن إمامِ هُدَى؟ وأخبرْنِي عن محمَّدٍ أينَ مَنزِلُهُ في الجنَّةِ؟ وأخبرْنِي مَن مَعَهُ في الجَنَّةِ؟
فقال لَهُ أميرُ المؤمنينَ (م): إنَّ لِهَذِهِ الأمَّةِ اثنا عَشَر إمامِ هُدَى مِن ذُرِّيَّةِ نبيِّها وهم مِنِّي، وأمَّا مَنزِلُ نبيِّنَا في الجنَّةِ ففي أفضَلِهَا وأشرَفِهَا جنَّةِ عَدْنٍ، وأمَّا مَن مَعَهُ في منزلِهِ فيها فهؤلاء الإثنا عشرَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وأمُّهُمْ وأمُّ أُمِّهِم لا يُشرِكُهُمْ فيها أَحَدٌ.
توضيح: الذي سَينظُرُ إلى ظَاهرِ القَولِ سَيَتَعَجَّبُ كلَّ العَجَبِ، وسَيَتساءَلُ: هل مِن المعقولِ أن يكونَ سؤالُ اليهوديِّ بهذهِ السَّذاجةِ؟ وهل سيؤمِنُ من خلالِ هذه الأجوبةِ الـمُباشَرَةِ؟ ولماذا لم يَسألْ عن الواحدةِ بعدَ السِّتَّةِ؟
هكذا تغرقُ الشِّيعةُ المقصِّرَةُ في ظاهرِ القولِ دونَ التَّفكُّرِ في أَبْعَادِهِ الرَّمزيَّةِ، مِثلُهم مثلُ السُّنَّةِ الذينَ لا يتفكَّرونَ في حقائقِ أقوالِ النَّبيِّ والآياتِ. لكنَّنا كعلويِّينَ نُصيريِّينَ نفهمُ تمامًا أنَّ الغايةَ من هذهِ الرِّوايةِ لم تكنْ كما هو واردٌ فقط في ظاهرِ القولِ، بل جاءَتْ لتُثْبِتَ جهلَ المنافقينَ والمشركينَ والمنكرينَ بالآياتِ الثَّلاثةِ الأولى المرتبطةِ بالأرضِ، والآياتِ الثَّلاثةِ الثانيةِ المرتبطةِ بالسَّماءِ، أمَّا الواحدةُ المنفردَةُ، فالثَّلاثُ الأولى والثَّلاثُ الأخرى هم هيَ في الحَقيقةِ والجَوهرِ، فإنْ أجابَ عن ثلاثٍ وثلاثٍ فكأنَّما أجابَ عنها، ولكنَّها غيرُهم في الهيئَةِ والـمَظهَرِ لذلكَ اسْتَغْنَى عن السُّؤالِ عنها لانفِرَادِها وعَدَمِ القُدْرَةِ على الإدراكِ والإحاطَةِ بها.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع بعد المئة حول ثبوت الإيمان

images

السُّؤالُ السَّابعُ بعدَ المِئَةِ: هل ولايةُ الأئمَّةِ (ع) شرطٌ لثُبوتِ الإيمانِ؟

الجوابُ السَّابعُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
وردَ الكثيرُ من الأحاديثِ الشَّريفةِ التي تربطُ الإيمانَ بالولايةِ الأحديَّةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م)، فلا يُوَاليهِ حقَّ الولاءِ إلاَّ مؤمنٌ، ولا يبغِضُهُ إلاَّ منافقٌ. وهناكَ من الأحاديثِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى حولَ هذا الأمرِ، عَدَا عن الآياتِ الكثيرةِ التي نزلَتْ في الفَصلِ بينَ الإيمانِ والكفرِ بمعيارِ الولايةِ، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ)، حيث سُئلَ الإمام الصَّادقُ (ع) عن تفسيرِ هاتين الآيتين فقال: (نَزَلَتْ في فلانٍ وفلانٍ وفلانٍ، أظهَروا الإيمانَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أوَّلِ الأمرِ، وكَفَرُوا حينَ عُرِضَتْ عليهمُ الولايَةُ يومَ الغديرِ، ثم أظهَروا الإيمانَ بالبَيعَةِ لأميرِ المؤمنينَ، ثمَّ كَفَروا حين مَضَى رسولُ اللهِ فَلَم يُقِرُّوا بالبَيعَةِ، ثم ازدَادُوا كُفرًا بِأخْذِهِمْ الخلافةَ لَهُمْ، فَهؤلاءِ لَم يَبْقَ فيهم من الإيمانِ شَيءٌ).
كما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) أنَّهُ قال في قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ): (يا مَعْشَرَ الـمُكَذِّبينَ حينَ أَنْبَأْتُكُمْ أنَّ رِسالةَ رَبِّي هي ولايةُ عليٍّ فَسَتَعْلَمُونَ مَن هُو في ضَلالٍ مُبين. كذا أُنْزِلَتْ)، وفي قولِهِ تعالى: (وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): (إنْ تَلْوُواْ الأمرَ أَو تُعْرِضُواْ عَمَّا أُمِرْتُم به فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، وفي قوله تعالى: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِتَرْكِهِمْ ولايةَ أميرِ المؤمنينَ عَذَابًا شَدِيدًا في الدُّنيا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فانظرُوا إلى وجوبِ الولايةِ الأحديَّةِ لأميرِ المؤمنينَ (م) التي أُمِرْنا بها في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقوله: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بولايةِ الإمامِ عليِّ).
ولأنَّ الولايةَ الأحديَّةَ هي الأصلُ، فقدَ كانَ الأمرُ واضحًا وجَلِيًّا بإفرادِها كي لا يَشُذَّ العلويُّونَ كما شَذَّتِ الشِّيعةُ المقصِّرَةُ بمُساواتِها بالولايةِ الواحديَّةِ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع).
لقد كانت الولايةُ الواحديَّةُ جوهرَ الرِّسالةِ العَقليَّةِ، لهذا فإنَّ الولايةَ الواحديَّةَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) إيمانٌ من جهةِ الاتِّصالِ، حيث وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) أنَّهُ سئلَ عن الآيةِ الكريمةِ: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) فقال: (هُم خَوَاصُّ الأئِمَّةِ)، كما أنَّ الولايةَ الواحديَّةَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) ميزانُ الفَصلِ يومَ القيامةِ حيث وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّهُ سئلَ عن الآيةِ الكريمةِ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فقال (ع): (ولايَتُنا)، كما أنَّهُ سُئِلَ عن قوله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ) فأجابَ (ع): (الَّذينَ اتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ هُم خَوَاصُّ الأئِمَّةِ، وَهُمْ واللهِ درجاتٌ للمؤمنينَ، وبولايَتِهِمْ وَمَعرِفَتِهم إيَّانا يُضَاعِفُ اللهُ لَهُم أعمالَهُم ويَرفَعُ اللهُ لَهُمُ الدَّرَجاتِ العُلَى).
فالولايةُ الواحديَّةُ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) إيمانٌ إذَنْ، وبُغضُهم كُفرٌ، دَلَّ على ذلكَ حديثُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حينَ سُئلَ عن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فأجابَ: (عَرَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إيمانَهم بِمُوَالاتِنا وكُفْرَهُم بها يومَ أخَذَ عليهم الـمِيثاقَ وهُمْ ذَرٌّ في صُلبِ آدَمَ)، فسُئلَ عن قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) فأجابَ (ع): (أَمَا وَاللهِ مَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبلَكُم وَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ حتَّى يَقومَ قائِمُنا إلاَّ في تَركِ وِلايَتِنا وجُحُودِ حَقِّنا، وَمَا خَرَجَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ حتَّى أَلْزَمَ رِقابَ هذهِ الأمَّةِ حَقَّنا، واللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
وهذا الولاءُ ثقيلٌ على الـمُنَافقينَ لذلكَ لم يَلتَزِمُوا به حيث وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّهُ ذكرَ الآيةَ الكريمةَ معَ تفسيرِهِ بقوله: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ- وَأَهْلُ الوِلايَةِ- كَفَرْتُمْ)، بل تعدَّاهُ إلى أن يُحَاولوا اغتصابَ الولايةِ من خلالِ اغتصابِ الخلافةِ فَحَقَّ عليهم العذابُ، بدَليلِ ما رَواهُ سيِّدُنا أبو حمزة الثَّمالي (ع) عن الإمام الباقرِ (ع) أنَّهُ قال: (نَزَلَ جبرائيلُ بهذِهِ الآيةِ على محمَّد صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ هَكَذا: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ- آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ- قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ – آلَ محمَّدٍ حَقَّهُمْ- رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ).
فرُغمَ فَضْلِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الذي أقرَّهُ الأنبياءُ جميعًا بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (مَا مِن نَبيٍّ جَاءَ قَطُّ إلاَّ بِمَعرفَةِ حَقِّنا وتَفضِيلنا على مَن سِوَانا)، إلاَّ أنَّ هذا الفضلَ لا يَعترفُ بهِ السُّنَّةُ لأنَّ سَادَتَهم حَجَبُوا عنهم فريضةَ الولايةِ، واستَبْدَلُوها بِمُوالاةِ الثَّلاثةِ وأئمَّةِ المذاهبِ الأربعةِ. ولم يَقِفِ الأمرُ عندَ هذا الحَدِّ، بل وصلَ بأتباعِ ابن تيميَّةَ (لع) إلى قَتلِ العلويِّينَ في فَتَاويهِ القذرةِ المَعروفةِ، ولكنَّ القرآنَ الكريمَ لم يتركْ شيئًا لم يُشِرْ إليه بوجوبِ الولايةِ الأحديَّةِ لأميرِ المؤمنينَ (م)، ليكونَ تأويلُهُ الحقيقيُّ عن الثَّقَلِ الآخَرِ أهلِ البيتِ (ع) كما وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) في قوله شَرحًا: (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ- محمَّد- بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ- بولايةِ عَلِيٍّ- اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً- من أتباعِ محمَّدٍ- كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس بعد المئة حول الحشوية والمقصرة

images

السُّؤالُ السَّادسُ بعدَ المِئَةِ: هل مِنَ الـمُمكِنِ تَوضيحُ معنى كلٍّ مِن: الحشويَّةِ والمُقَصِّرَةِ؟

الجوابُ السَّادسُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
(الحَشَوِيُّ) في اللُّغةِ هو الذي يُكثِرُ الحشوَ في كلامِهِ، فالحَشو من الكلامِ هو الكلامُ الزَّائدُ الذي لا فائدةَ منه ولا فَضْلَ فيهِ.
و(الحشويَّةُ) في اللغةِ هُمْ طَائفةٌ تَمَسَّكوا بالظَّواهرِ وذَهَبُوا إلى التَّجسيمِ وغيرِهِ.
أمَّا في الاصطلاحِ نقول: إنَّ (الحَشَوِيَّةُ) هُم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ الذينَ حَشَوا أفكارَهم بعلمِ الظَّاهرِ الشَّرعيِّ المَحْضِ، وقد وردَ في تفسيراتِ الإمامِ الصَّادق (ع) أنَّ مَن أقَامَ الظَّواهِرَ مُعتَقِدًا ومُتَدَيِّنًا بها وأهمَلَ الحقائقَ جاهلاً بها فهو حَشَوِيٌّ، ومَنْ أهمَلَ الظَّواهِرَ خارِقًا للتَّقيَّةِ حتَّى لو أقامَ الحقائقَ اعتقادًا فهو مُتَّهَمٌ بالإلحادِ بِنَظَرِ الجَهلَةِ والعامَّةِ، وأمَّا مَنِ استَعْمَلَ الظَّواهِرَ تقيَّةً وعَرَفَ الحقائقَ اعتقادًا فهو مؤمنٌ حَقًّا.
أمَّا بالنسبةِ لمعنى (الـمُقَصِّرَةُ)، فإنَّهُ يُقال: قَصَّرَ عن الأمرِ: أي تَرَكَهُ وهو لا يَقدِرُ عليهِ، ويُقال: قَصَّرَ في الأمرِ: أي تهاونَ فيه.
فكلمةُ (الـمُقَصِّرَةِ) في اللغةِ تعني الـمُتَهاوِنُون، وهؤلاءِ يَميلُونَ إلى ظَوَاهِرِ الأمورِ لِكَثافَتِهم وقساوَةِ قُلوبِهم، فَهُم يَعدِلُونَ إلى ظَوَاهِرِ الأمورِ ويَتَجَنَّبونَ بَوَاطِنَها لأنَّ أفهامَهُم وعُقولَهم لا تُطيقُ البَوَاطِنَ ولا تَصْطَبِرُ عليها، إذْ إنَّ رَونَقَ الظَّواهرِ يَدعو الأسماعَ إليهِ، وعُمْقَ البَوَاطِنِ يَحُثُّ الأفهامَ إليه، والنَّاسُ كُلُّهُم سَامعونَ، وليسَ فيهم مِن الفَهْمِ إلاَّ قليلٌ، فكُلُّ ذي سَمعٍ إلى رَونَقِ الظَّواهرِ يَميلُ، وكلُّ ذي فَهمٍ إلى عَميقِ البَوَاطِنِ يَسيرُ، واللهُ تَعَالى يقولُ مُنَبِّهًا لأهلِ العقولِ ومُؤَيِّدًا لِذَوي الألبابِ وأهلِ التَّحصيلِ في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
أمَّا في الاصطلاحِ فإنَّ كلمةَ (الـمُقَصِّرَةُ) تَدُلُّ على الشِّيعةِ الذينَ وَالَوا أهلَ البيتِ لكنَّهم قَصَّروا في معرفتِهم وتَهاوَنوا فيها، وتَرَكوا الارتقاءَ في هذه المعرفةِ، فأسقَطوا عنهم العصمةَ التَّكوينيَّةَ الخاصَّةَ بهم، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) لسيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) كما وردَ في كتابِ الهدايةِ الكبرى: (الـمُقَصِّرَةُ هُمُ الذين هَدَاهُمُ اللهُ إلى فَضْلِ عِلْمِنا وأَفْضَى إليهم سِرَّنَا فَشَكُّوا فِينا وأنكَرُوا فَضْلَنا وقالوا: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيُعطِيَهُم سُلطانَهُ وَمَعرِفَتَهُ).
أمَّا (الـمُرتَفِعَةُ) فَهُم غلاةُ الشِّيعةِ الذينَ ارتفَعوا عن التَّقصيرِ وزَعَمُوا أنَّ الإمامَ الحسين (ع) هو الخالقُ، وليسَ بينَهُ وبينَ اللهِ واسطَةٌ ولا فاصلَةٌ ولا رسولٌ، وأنَّ عِلْمَ النَّبيِّ (ص) من اللهِ وَحيٌ على يَدِ جبرائيلَ (ع)، أمَّا الإمامُ الحسين (ع) فَيَعلَمُ ذلكَ كلَّهُ بلا وَحيٍ ولا وَاسطَةٍ لأنَّ قلبَ الإمامِ وَكْرٌ لإرادةِ اللهِ، فَمَا شاءَ اللهُ شاءَ الإمامُ بغيرِ أَمرٍ ولا وَحي ولا خِطابٍ، وقد أشارَ إليهم الإمامُ الصَّادقُ (ع) لسيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) كما وردَ في كتابِ الهدايةِ الكبرى: (أمَّا الـمُرتَفِعَةُ فَهُم الذين يَرتَفِعُونَ بِمَحَبَّتِنا وَوِلايَتِنا أهلَ البيتِ ويُظهِرُونَنا بغَيرِ الحقيقةِ، وليسَ هُم مِنَّا في شَيءٍ، أولئكَ يُعَذَّبونَ بعَذَابِ الأمَمِ الطَّاغِيَةِ حتَّى لا يَبقَى نوعٌ من العذابِ إلاَّ عُذِّبُوا بِهِ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس بعد المئة حول إيمان آباء الرسول (ص)

images

السُّؤالُ الخامسُ بعدَ المِئَةِ: يَزعُمُ المسيحيُّونَ أنَّ التَّاريخَ الإسلاميَّ المكتوبَ يقول: إنَّ سيِّدنا محمَّد (ص) وُلِدَ بعدَ وفاةِ عبدِ اللهِ بن عبد المطلب (ع) بأربعِ سنواتٍ، ولهذا يُشَرِّعُ السُّنَّةُ وفقَ فَتَاوى الجامعِ الأزهرِ جَوَازَ الحَمْلِ لأربعِ سنوات!! فمَتَى مَضَى سيِّدنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع)؟ وما هو ردُّنا على مَن يُكفِّرُ آباءَ الرَّسولِ (ص)؟

الجوابُ الخامسُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
هذا كذب وافتراءٌ وهو مِن ضمنِ التَّشويهاتِ التي أَدْخَلُوها ضمنَ كتبِ التَّاريخِ الـمُزَوَّرِ. ونحنُ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ نؤكِّدُ ما جاءَ عن سيِّدنا الخصيبيِّ نَضَّرَ اللهُ وَجهَهُ عن أهلِ البيتِ المعصومينَ في عِصْمَةِ الشَّجرةِ الـمُبَارَكَةِ التي أثمرَتْ ظهورَ سيِّدِنا محمَّد (ص) بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ.
وهنا لابدَّ أن نَذكُرَ في البداية سيِّدَنا عبدَ الـمُطَّلِبِ (ع) الذي كان سَيِّدَ قريش والـمُطَاعَ فيها، وكان صاحِبَ سِدانَةِ الكعبةِ، وهو الذي أعادَ إعمارَ البيتِ الحرامِ، وحفرَ بئرَ زَمزَمَ الذي كان مدفونًا لسنواتٍ حتَّى ضاعَ مكانُهُ بعدَ أن ألقى فيه آخرُ حاكم جُرهُميٍّ ظالمٍ كلَّ المجوهراتِ والأموالِ التي كانت في الكعبةِ، فَرَأى سيِّدنا عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) في المنامِ أنَّهُ وَجَدَ البئرَ وأُمِرَ بحفرِهِ، فحَفَرَها لِوَحدِهِ وأعادَ الجواهرَ إلى الكعبةِ، وعادَ ماءُ البئرِ من جديدٍ حتَّى اليوم، وهو الذي سمَّاه سِقَايَةَ الحَجِّ.
وهو الَّذي أَعَزَّ البيتَ الحرامَ حينَ ردَّ الفِيَلَةَ ومَلِكَ الحَبَشَةِ أَبرَهَة بن الصَّباحِ كما ذُكِرَ في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)، حين خَرَّتْ لهُ الفِيَلَةُ سُجَّدًا عندما أتى مَلِكُ الحَبَشَةِ لِهَدْمِ الكعبةِ، حيثُ وردَ في الهدايةِ الكبرى أنَّهُ لَمَّا صارَ أبرهةُ إليهِ ارتعَبَ منهُ وعَظُمَ في نَفسِهِ وكَبُرَ عليهِ، فقالَ لِمَن حَولَهُ: مَن هذا الرَّجلُ العَظيمُ؟ فقالوا: سَيِّدُ قريشَ وأفضَلُ بَني هاشمَ وأشرَفُ العَرَبِ نَفْسًا ونَسَبًا، وهو صاحبُ هذا البيتِ. فقالَ: اسألوهُ فيما جَاءَنا فَسَألوهُ فقال عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع): (جِئْتُ أسالُهُ رَدَّ ما أخَذَهُ واستَباحَهُ من أموالِنا ونِعَمِنا)، فتكبَّرَ أبرهَةُ ورفضَ فقالَ عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع): (يَرُدُّ عَلينا أموالَنا فإنَّ لهذهِ الكعبةِ ربًّا يَمنعُهُ منها)، فقال أبرهةُ: رُدُّوا عليهم أموالَهم حتَّى نَنظُرَ كيفَ رَبُّ هذه الكعبةِ يَمنَعُنا منها!؟ وأمرَ بالفِيلَةِ فَجُمِعَت وحَمَلُوا بها وقال لِسَاسَتِها: احمِلُوا على البيتِ فاجعَلُوهُ سَحيقًا. فلمَّا جَمَعَ الفِيَلَةَ وحَمَلُوا بها دَعَا عَلَيهم عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) فوَقَفت ولم تَدخُلِ الحَرَمَ، ودَعَا أبرهةُ بفيلٍ وحَمَلَهُ على البيتِ فلم يَدخُلِ البيتَ، ولم يَزالوا من غروبِ الشَّمسِ إلى طُلوعِ الفَجرِ يُريدونَ دخولَ الحَرَمِ فلم تَدخُلْ، فاتَّجَهَ أبرهةُ إلى خارجِ الحَرَمِ وأمَرَ بتحطيمِ كلِّ ما يلقاهُ، فلمَّا أسفَرَ الصُّبحُ أرسلَ اللهُ عليهم طَيرًا أبابيلَ تَرميهم بحِجارَةٍ من سِجِّيلٍ؛ يَعني كلُّ حَجَرٍ مُسَجَّلٌ عليهِ أي مَكتوبٌ عليه اسمُ صَاحبهِ الذي يُرمَى عليهِ فَيَقتُلُهُ، وكانَتِ الحِجارَةُ بحَجمِ العَدَسَةِ تَنزِلُ على أمِّ رأسِ صاحبِها فَتَشُكُّهُ فَتَخرُجُ من أَسْفَلِهِ، حتَّى صَارُوا باركينَ كَوَرقِ الزَّرعِ الذي جُعِلَ فوقَ بَعضِهِ كالعَصفِ المأكولِ.
وعلى الرُّغمِ من سيادةِ سيِّدِنا عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع) إلاَّ أنَّهُ كان وحيدًا في مواجهةِ قريش عَقَائِديًّا لأنَّهُ كان يدينُ بالحَنيفيَّةِ الإبراهيميَّةِ، لذلكَ نَذَرَ نذرًا مَفادُهُ: إنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ أولادٍ ذُكُورٍ أن يَذبَحَ عَاشِرَهُم في كَعبةِ البَيتِ الحَرامِ، وأنْ يُقَرِّبَهُ للهِ شُكرًا وَحَمْدًا على وِلادَتِهِم ذُكورًا عَشَرَةً، وهذا يتقارَبُ مع قُربانِ مولانا هابيل (م) في التَّقَرُّبِ إلى اللهِ بالأعَزِّ والأغلى، ومعَ الأمرِ الإلهيِّ في قولِهِ تعالى في قصَّةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ (ع): (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، وكانَ مقامُ عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع) كمَقامِ إبراهيم (ع)، ومقامُ عبدِ اللهِ (ع) كَمَقامِ إسماعيلَ (ع)، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ (ص): (أنا ابنُ الذَّبيحَين).
وكانَ ما كانَ من الفِدَاءِ في قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، حيثُ اجتَمَعَتْ قُريشُ وقالت له: يا عَظيمَنا وسَيِّدَنا لا تَذْبَحْ عبدَ اللهِ، وانْحَرْ عنهُ عَشرًا من النُّوقِ. فقال عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع): (لا أَفْعَلُ ذلكَ إلاَّ بقِدَاحٍ)، وهو من أنواعِ القُرعَةِ التي قالَ فيها سيِّدُنا سليمان الحكيم (ع): (القُرعَةُ تُبْطِلُ الخُصُوماتِ وتَفْصلُ بينَ الأقوياءِ، القُرْعَةُ تُلْقَى وَمِنَ الرَّبِّ حُكْمُها)، كما وردَ عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أيَّةُ قضيَّةٍ أصدقُ من جوابِ القرعةِ إذا فُـوِّضَ الأمرُ إلى الله لِقَولِهِ تعالى: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ)، فأحضرَ عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) عَشرًا من النُّوقِ وأقَامَها بإزَاءِ عبدِ اللهِ، وسَاهَمَ عليهما، فَخَرَجَتِ القِدَاحُ على عبدِ اللهِ، فأضافَ على العَشرِ عَشرًا، فَلَم يَزَلْ يُقادِحُ ويَزيدُ عَشرًا، ويَخرُجُ القِدَاحُ على عبدِ اللهِ إلى أن تَمَّتْ مِئَةُ ناقَةٍ، فَسَاهَم عليها وعليهِ فَخَرَجَتِ القِدَاحُ على النُّوقِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَتْ قُرَيشُ، فَنُحِرَتِ النُّوقُ، وتَقَرَّبَ للهِ بهَا.
وهنا لابدَّ أن ننوِّهَ أنَّ هذهِ الـمُسَاهَمَةَ تختلِفُ عن تلكَ التي ذكرناها في شرحِ قوله تعالى: (وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ)، لأنَّ الـمَذمومَ منها يَتَعَلَّقُ بما كانت تفعلُهُ قريش بالتَّوجُّهِ إلى الأصنامِ والتَّقرُّبِ إليها، أمَّا توجُّهُ سيِّدنا عبد المطَّلبِ (ع) فكانَ للهِ الأحَدِ، وهنا كانَ اسْتِقْسَامُهُ مَحمُودًا نِسبَةً لِقَرينةِ التَّوجُّهِ للحَقِّ، لأنَّ سيِّدنا عبد المطَّلبِ (ع) ما كانَ لِيَتَوَجَّهَ إلى عبادَةِ الأصنامِ لا هوَ ولا أيٌّ من آباءِ النَّبيِّ (ص)، حيثُ وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّ النَّبيَّ (ص) قالَ للإمامِ علي (م): (لم يكن عبدُ الـمُطَّلِبِ يلعبُ القِمَارَ، ولم يَعبُدِ الأصنامَ، وكانَ يقول: أنا على دينِ أبي إبراهيم)، كما وردَ أيضًا قولُ النَّبيِّ (ص): (لقد أجرى عبدُ الـمُطَّلِبِ خمسةَ سُنَنٍ في الجاهليَّةِ قد أقرَّها اللهُ في الإسلامِ) وهي: تحريمُ زواجِ الابنِ من زوجةِ أبيهِ، والخُمسُ، وسقايَةُ الحجِّ، ودِيَّةُ المقتولِ مئةُ ناقةٍ، وأشواطُ الطَّوافِ السَّبعةِ.
وفي هذا رَدَّ على أكثَرِ السُّنَّةِ التي حاولَتْ النَّيلَ من عبدِ الـمُطَّلِبِ وعبدِ اللهِ (ع) حيثُ اخْتَلَقَ مُسلِمُ في صحيحِهِ حديثًا منسوبًا كَذِبًا عن النَّبيِّ (ص) أنَّه قال لرجلٍ مجهولٍ لم يُذكَرْ حينَ سألَهُ: يا رسولَ اللهِ، أينَ أبي؟ قال: في النّارِ، فلمَّا قَفَى دَعَاهُ فقالََ: إنَّ أبي وأباكَ في النَّارِ!! كما أنَّ الـمُفتَري ابن كُثَير الذي تَطَاولَ على تفسيرِ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ تحدَّثَ عن أن عبدَ اللهِ وعبدَ الـمُطَّلِبِ من أهلِ النَّارِ بحجَّةِ أنَّهما لو بَقيُوا أحياءَ ودُعُوا إلى الإسلامِ لكَانوا رَفَضُوا!! مَعاذَ اللهِ.
فقد كانَ من فَضلِ سيِّدنا عبدِ اللهِ (ع) ما رُويَ من أنَّ أحبارَ الشَّامِ كانت عندَهم جُبَّةُ صوفٍ بيضاء، وكانت مَغموسَةً في دمِ يحيى بن زكريا (ع)، وأنَّهم وَجَدوا في كُتُبِهم: (إذا رأيتمُ الجُبَّةَ البيضاءَ والدَّمُ يَقطُرُ منها فاعلَمُوا أنَّ أبا المصطفى قد وُلِدَ في تلكَ الليلةِ)، فَقَدِموا بأجمَعِهم إلى الحَرَمِ وأرادُوا أن يَغتالوا عبدَ اللهِ (ع)، فَعَصَمَهُ اللهُ ولم يَستطيعوا تحقيقَ مُرادِهم.
وكانَ يأتيهِ في الرُّؤيا مُنادٍ: (سلامٌ عليكَ أيُّها الـمُستَودَعُ نورَ محمَّدٍ)، حتَّى أنَّهُ كانَ إذا جلسَ في موضعٍ يابسٍ اخْضَرَّ، وإذا جلسَ تحتَ شجرةٍ يابسٍة اخْضَرَّتْ، ولكنَّهُ لَزِمَ التَّقيَّةَ وَصَمَتَ حِرصًا على إكمالِ العِدَّةِ بظُهورِ سيِّدنا محمَّد (ص).
وكانَ حَمْلُ آمنة بنت وهب (ع)- وهي أفضلُ امرأةٍ في قريش نَسَبًا وموضِعًا- في أيَّامِ التَّشريقِ عندَ الجمرةِ الوُسطَى، وكانت في مَنزلِ سيِّدنا عبدِ اللهِ بن عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع)، وكانت قد سَمعَتْ في مَنامِها منادٍ يقول: (إنَّكِ حَمَلتِ بسَيِّدِ هذهِ الأمَّةِ، فإذا وقعَ بالأرضِ قولي: أُعيذُهُ بالواحدِ من شَرِّ كلِّ حاسدٍ، ثمَّ سَمِّيهِ محمَّدًا)، وكانت ترَى في الرُّؤيا نورًا يخرجُ منها يُريها قصورَ بصرى من أرضِ الشَّامِ.
ثمَّ ظهرَ النَّبيُّ (ص) مَولودًا من عبدِ اللهِ (ع) لتسعِ ليالٍ مَضَتْ من شهرِ ربيع الأوَّلِ في عامِ الفيلِ يومَ السَّبتِ عندَ طُلوُعِ الفجرِ قبلَ أن يُبعَثَ بأربعينَ سنةٍ ليَقومَ بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ، ويُظهِرَ الشَّريعةَ ويُقِيمَ الإسلامَ.
وظَهَرَتْ ولادَتُهُ في شِعْبِ كافِلِهِ أبي طالبٍ (ع) في الدَّارِ الذي صارَ مَسجِدًا يُصَلِّي النَّاسُ فيهِ.
ومَضَى سيِّدنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الـمُطَّلِبِ (ع) بالمدينةِ عندَ أخوالِهِ وهو (ص) ابنُ شَهرين كما وردَ عن سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) وليسَ كما زَعَمَتِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّهُ مَضَى أثناءَ الشَّهرِ الثَّاني من الحَملِ، ولهذا دلالةٌ لا يعرِفُها إلاَّ العارِفونَ.
ومَضَتْ أمُّهُ آمنةُ بنتُ وَهبٍ (ع) وهو (ص) ابنُ ثلاثِ سنين، ومَضَى سيِّدنا عبدُ الـمُطَّلِبِ (ع) وللنَّبيِّ (ص) نحوَ ثَمانِ سنينَ، وأظهرَ الزَّواجَ من خديجةَ بنت خويلد (ع) وهو ابنُ بضعٍ وعشرينَ سنةٍ، فكانَ لَهُ منها القاسمُ وعبدُ اللهِ والطَّاهرُ وزَينَبُ ورُقيَّةُ وأم كلثومٍ (وكانَ اسمُها آمنةُ) وسيِّدةُ نساءِ العالَمين فاطمةُ الزَّهراء (ع).
وبَقِيَ بِمَكَّةَ بعدَ مَبعَثِهِ ثلاثةَ عَشرَ سنَة، ثمَّ هاجرَ إلى المدينةِ وله ثلاثٌ وخمسونَ سنةً، وبقي بها عشرَ سِنينَ، ثم غابَ (ص) يومَ الاثنين في شهرِ ربيع الأوَّل ولَهُ ثلاثٌ وستُّونَ عامًا.