أرشيف التصنيف: الدين العلوي

الدين العلوي

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

hesham

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر

==================

لقد بَحثت الكتبُ السَّماويةُ في مجالِ الرُّوحِ وميَّزَتْ بينها وبينَ الجسدِ والنّفسِ، وبيَّنَتْ مصيرَ النَّفسِ وربطتهُ بأعمالِ الإنسانِ في تنقّلاتهِ. والتأمُّلُ في الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الإنسانِ، يكشفُ لنا- بكلِّ وضوحٍ- أنَّ النَّفسَ هي حقيقةُ الإنسانِ ومصدرُ تكامُلِهِ، كما أنَّ البدنَ بمثابةِ الرِّداءِ الذي يغطِّي ويكسو.

وقد سُئِلَ أحدُ سادَتِنا العارفينَ عن روحِ المؤمنِ إذا نُقلَتْ إلى أين تصيرُ؟ فأجابَ: (إنَّ روحَ المؤمنِ إذا خرجَتْ تتلقَّاها الملائكةُ فَتُورِدُها إلى عينٍ يقالُ لها: عينُ الحياةِ، فتكون بها إلى الوقتِ المعلومِ).

وخليقٌ بالذِّكرِ أنَّ أبناء المذاهبِ الحائدةِ يَختلفونَ في كُنْهِ الرُّوحِ، ولكن لمَّا جاءَ علماؤنا وثقاتُنا أكَّدُوا أنَّ الروحَ خالدةٌ، وَوَفَّقُوا في هذا بـينَ الفلسفةِ والدينِ متوصِّلينَ إلى إثباتِ أصولِ الدينِ لا بالقواعدِ الشرعية فقط، بل بالقواعدِ الفلسفيَّةِ.

فالرُّوحُ لا يجوز البحثُ في أصلِها وعنصرها، لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبـي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، بل حدُّ القولِ أنَّ الأمرَ هو العقلُ الأكبر وهو الأصلُ، وجميع أرواحِ المؤمنينَ من أصلٍ واحدٍ ومعدنٍ واحدٍ، ليس بينها تفاضلٌ ولا تفاوتٌ إلا بأسبقيَّةِ الإجابةِ وصدقِ اليقينِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ روحَ المؤمنينَ واحدةٌ خرجَتْ من عندِ واحدٍ وتتفرَّقُ في أبدانٍ شتَّى، فعلى الإيمانِ ائتلفَتْ وبه تحابَّتْ، وستخرجُ من شتَّى وترجعُ عند واحدٍ)، فإذا وصلَ الإنسانُ مبلغًا من المعرفةِ فإنَّ لمعرفتِهِ حدٌّ تتوقَّفُ عندَهُ، يُعبَّرُ عنه بالاستطاعةِ.

من جهةٍ ثانيةٍ: إنَّ التحدُّثَ عن انتقالِ النَّفسِ بعدَ الموتِ يستدعي كتابًا مستقلاًّ حولَهُ، ولا يمكنُ البحثُ عنه بالتَّفصيلِ في هذا المقالِ المحدودِ، وذلكَ لأنَّ الآياتِ القرآنيَّةَ والأدلَّةَ الفلسفيَّةَ وتجاربَ علماءِ النَّفسِ قد برهَنَت اليومَ على انتقالِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ بعدَ الموتِ.

وتؤكِّدُ فلسفتُنا العلويَّةُ أنَّ الإنسانَ مُرَكَّبٌ من البدنِ الذي يَفنى، والنَّفسِ التي تقوم بجسمِ الإنسانِ مَدَى أيَّامِ حياتِهِ على الأرضِ.

فالآياتُ القرآنيَّةُ تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ الموتَ ليسَ هو النِّهايةُ للحياةِ، بل هو محطَّةُ انتقالٍ إلى حياةٍ جديدةٍ، وبالموتِ يدخلُ الإنسانُ في عالَمٍ جديدٍ، وهو ما يسمَّى عندنا بالتَّقمُّصِ.

إنَّ القرآنَ الكريمَ لا يعتبرُ الموتَ فناءً لِنَفسِ الإنسانِ وخاتمةً لحياتِهِ، بل إنَّهُ يؤكِّدُ أنّ للإنسانِ قمصانًا أُخرى تسبقُ يومَ القيامةِ، فإذا كانت حقيقةُ الإنسانِ كامنةً في جسمِهِ، فلا شكَّ أنَّ جسمَهُ سوفَ يتلاشى بعد أيامٍ من موتِهِ ودفنِهِ، ويتحوَّل إلى عناصرَ أُخرى.

ولهذا كله جاء قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، حيث نلاحظُ في هذه الآيةِ تعبيرَ الخروجِ والإخراجِ، وهو تعبيرٌ للإحياءِ بعد الموتِ.

وللإيضاح أكثر نبدأُ بإثبات العدل الإلهي في الخلق، حيث أنَّ الباري تعالى خلق الخلق جميعًا، وساوى بينهم بالاستطاعة، وجعلهم قادرين مخيَّرينَ على الإقرارِ والإنكارِ، ثمَّ دعاهُمْ إلى الإقرارِ بقوله سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وكان هو المتجلِّي لهم، والمتكلِّمُ بلا واسطةٍ، لئلاَّ يعترضَ المنكرونَ للتَّجلي فيقولوا: دُعينا إلى مَن لم نعرفْهُ ولم نَرَهُ، فقطعَ عليهم اعتراضهم وأثبتَ حجَّتَهُ عليهم بوجودِهِ وتجلِّيهِ لهم، عدلاً منه تعالى وإنصافًا، وعلى هذا كانَ جوابهم في قوله تعالى: (قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، فتقابلَ الكفرُ والإيمانُ, وسُمِّيَ المٌقرُّونَ “مؤمنين” إذ كانَ الإيمانُ هو التصديقُ لقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)؛ يعني: ما أنتَ بمصدِّقٍ لنا, كما وردَ عن الإمامِ الصَّادق (ع) أنَّ المؤمنَ سُمِّيَ مؤمنًا لأنَّهُ آمنَ بولايةِ الحقِّ فآمنَهُ من جهنَّمَ أن يَرِدَها ويدخلَ فيها، أمَّا الكافرُ فهو الذي غطَّى الحقِّ بالباطلِ, لقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ), وهذه ألفاظٌ مجازِيةٌ عندَ العارفِين المدقِّقِين, ولو كانت حقيقةً لكانَ من الواجبِ أن تكونَ الأرواحُ طينًا وهذا محالٌ.

فالخلقُ على قسمين: منهم مَن آمنَ بقلبِهِ، ومنهم مَن كفرَ فلم يوافقْ قلبُهُ لسانَهُ، فالمؤمنُ لا يزال مؤمنًا منذ الدَّعوةِ الأولى، والكافرُ لا يزالُ كافرًا منذ الدَّعوةِ الأولى.

المؤمنُ يُنسَخُ نسخًا من صورةِ إنسانٍ إلى صورةِ إنسانٍ مثلِها، لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ حتَّى يرتقي إلى عالمِ العقلِ، وذلكَ بعدَ أن لا يبقى للهِ حقٌّ إلاَّ أقامهُ, ولا يبقى من الباطلِ شيءٌ إلاَّ أَنكرهُ ودَحَضَهُ، حيث قال الإمام الصَّادق (ع): (المؤمنُ لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ)، وذلكَ إلى أن يرتقي إلى موضعٍ يسمَّى “عمودَ الشَّبحِ”، وكلٌّ منهم يسمَّى عبدَ اللهِ لقوله (ع): (كلُّ مَن رَقَى إلى هذهِ الحظيرةِ القدسيَّةِ يسمَّى عبدَ اللهِ).

وحتَّى يحقِّقَ ارتقاءهُ الكاملَ لابدَّ من ارتقائِهِ ولادةً تلوَ ولادةٍ حتى يبلغَ العددَ الثَّابتَ، ثم عليهِ أن يأتيَ بعدَها عارفًا باللهِ عالمًا بِهِ إلى أن ينتهي غايَتِهِ ثمَّ يصفو، وشرطُ الحسبانِ هو العلمُ والعملُ، إذْ لو تنقَّلَ في ألفِ ولادةٍ بغيرِ علمٍ وعملٍ لم تُحسَبْ له لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (اطلبوا أوَّلاً ملكوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وهذهِ كلُّها تُزَادُ لكم).

الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

hesham

الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر
==========

المعجزةُ ضرورةٌ لازمةٌ للأنبياءِ والمرسَلين لإقامةِ الحجَّةِ على النَّاسِ من جهةٍ، ولإثباتِ دعواهُم بالبرهانِ القاطعِ من جهةٍ أخرى، فمعاجزُ الأنبياءِ والمرسَلين تجاوزتِ القوانينَ الطَّبيعيَّةَ كإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ وتحوُّلِ العصا إلى حيَّةٍ و…. وهذا هو المقصودِ بخرقِ العادةِ، فالمعاجزُ دائمًا تتناسبُ مع أحوالِ ما هو شائعٌ ومعروفٌ في زمانِهم. ولكن مع وجودِ هذه المعجزاتِ كان يَنفَتِحُ بابُ التَّشكيكِ بها من قِبَلِ المُشَكِّكينَ بقولهم إنَّها آنيَّةٌ مؤقَّتةٌ، وبِعَدَمِ رؤيَتِها في الزمنِ اللاَّحقِ لها، ولذلكَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلَهُمْ بالزَّبَدِ الذي هو كلامُ المُحَرِّفينَ والمُبَدِّلينَ بقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

وكانَت الكتبُ السَّماويَّةُ من أعظمِ معجزاتِ الأنبياءِ شأنًا وحجَّةً، لأنَّها باقيةٌ بجوهرِها إلى الأبدِ، فالكتبُ السَّماويةُ معجزةٌ إلهيَّةٌ خالدةٌ، إذ إنَّ من الحقائق التي لا يُشَكُّ فيها أنَّ الكتابَ العزيزَ هو المعجزةُ الخالدةُ والأثرُ الفردُ الباقي بعد النُّبوَّةِ، بدليلِ ما وردَ في الإنجيلِ حيثُ سألَ سيِّدنا يعقوبُ (ع) أحدُ تلامذةِ سيِّدنا المسيح (ع): كيف يعلِّمُنا الأنبياءُ وهم أمواتٌ، وكيفَ يَعلمُ مَن لا معرفةَ له بالأنبياءِ؟ فأجاب يسوع (ع): (إنَّ تعليمَهم مُدَوَّنٌ فَتَجِبُ مُطالَعَتُهُ لأنَّ الكتابَ بمثابةِ نبيٍّ لكَ)، فقال سيِّدنا بطرس (ع): يا معلِّـمُ هل ما تتكلَّمُ به مكتوبٌ في ذلكَ الكتابِ؟ فأجاب يسوع (ع): (إنَّ كلَّ ما أقولُ لمعرفةِ اللهِ ولخدمةِ اللهِ ولمعرفةِ الإنسانِ ولخلاصِ الجنسِ البشريِّ إنَّما هو جميعُهُ صادرٌ من ذلكَ الكتابِ وهو إنجيلي).

والنُّبوَّةُ تحتاجُ في أصلِ ثبوتِها إلى الإعجازِ، وعندما تكونُ الرِّسالةُ خالدةً يجبُ أن تكونَ المعجزةُ التي تَشهدُ بِصِدْقِها خالدةً أيضًا، فَذَاتُ الرِّسالةِ حجَّتُها باقيةٌ إلى يومِ القيامة لذا كان إعجازُ القرآنِ من لوازمِ النُّبوَّةِ، إذ فيهِ موضوعُ التَّحدِّي والبلاغةِ والفصاحةِ، فالقرآنُ له الأثرُ في تحريرِ العقولِ والتأكيدِ على المدركاتِ العقليَّةِ عن طريقِ الأسلوبِ البرهانيِّ.

والقرآن الكريمُ هو التَّجلي الأعظمُ للنُّورِ الإلهيِّ، وهو متناسبٌ مع العقلِ والنُّضجِ الفكريِّ لقوله تعالى: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، وخاصِّيَّةُ القرآنِ الأساسيَّةُ أنَّهُ كتابٌ يمثِّلُ عمقَ الوجودِ، فالقرآنُ الكريمُ هو كلامُ اللهِ الـمُنزلُ على رسول الله (ص)، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفِهِ، وهو الكتابُ الإلهيُّ المقدَّسُ، ومظهرُ العزَّةِ الإلهيَّةِ والحكمةِ الرَّبانيَّةِ لقوله تعالى: (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، فالعزَّةُ هي بمثابةِ العينِ الباصرةِ، وهي أعلى وأرفعُ تجلِّياتِ القدرةِ، في حينِ أنَّ الحكمةَ تمثِّلُ أسمى مراحلِ العلمِ.

والقرآنُ رسالةٌ ودعوةٌ بالنسبةِ لنا، لأنَّنا نعتقدُ أنَّ القرآنَ هو الكتابُ الذي خطَّطَ للمجتمعِ الإنسانيِّ عن طريقِ الهدايةِ والتَّكاملِ، وتعهَّدَهُ بالصِّيانةِ والأمانةِ، كما شرَّعَ له كلَّ ما يتطلَّبُهُ من حاجاتٍ، فهو الذي يسمو بالإنسانيَّةِ إلى أرفعِ مدارجِ الكمالِ الإمكانيِّ، ويهديها إلى سواءِ السَّبيلِ، ويَنْشُدُ لها السَّعادةَ الأبديَّةَ التي تمنَحُها الرِّفعةَ لقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، وهو الذي يهدفُ إلى السُّموِّ بالقوى العقليَّةِ والمواهبِ الفطريةِ إلى أفقِ الإبداعِ والابتكارِ بما يهدمُ ما في نفسِ الإنسانِ من رواسبِ الخرافاتِ والعاداتِ السَّيئةِ، ويخوضُ حقائقَ كثيرةً استنادًا لقول رسول الله (ص): (القرآنُ هدى من الضلالةِ، وتبيانٌ من العمى، وإقالةٌ من العثراتِ).

ولكنَّ الخلافاتِ حصلَتْ في التَّأويلِ رغمَ أنَّ أهلَ الإيمانِ لا يختلفونَ في التَّأويلِ لأنَّهم التزموا بما جاءَ عن أهلِ العصمة (ع) حيث وصفَهم الإمامُ الصَّادقُ (ع) حين قال له رجلٌ: أنا من مُحبِّيكم في السِّرِّ والعلانيَّةِ، فقال (ع): (إنَّ لِمُحبِّينا علاماتٍ يُعرَفون بها)، فقال: وما تلكَ العلاماتُ؟ فأجابَ (ع): (إنَّهم عَرَفُوا التَّوحيدَ حقَّ معرفَتِهِ وأَحْكَمُوا علمَ التَّوحيدِ، وما هو حقُّهُ وما هي صِفَتُهُ، وَعَلِمُوا تأويلَ الكتابِ وحدودَ الإيمانِ وشروطَهُ وحقوقَهُ).

ورغمَ ما حصلَ سيبقى إعجازُ القرآنِ في وجوهِهِ المتعدِّدةِ من الإعجازِ الأدبيِّ إلى الإخبارِ بأحداثِ المستقبلِ إلى الإخبارِ بأسرارِ الكونِ… إلخ. فهو المعجزةُ الإلهيَّةُ الخالدةُ التي جاء بها خاتمُ الأنبياءِ، وهو بحرٌ لُجِّيٌّ بعيدُ القرارِ، مُتَنَائي السَّواحلِ، مليءٌ بالكنوزِ والذَّخائرِ والدُّرَرِ والجواهرِ، وكلُّ مَن يَغوصُ في أعماقِهِ ويبحثُ في دَقائقِ مَبانيهِ، لابدَّ أن يظفرَ ببعضِ ما يريدُ، ما دامَ الإخلاصُ رائدُهُ، والجهادُ في البحثِ قائدُهُ، والوصولُ إلى الحقِّ بُغْيَتُهُ وَمَطلبُهُ، إذ إنَّ النُّهوضَ بحقِّهِ هو من أعظمِ الحقوقِ وأخطرِها، وقد قال تعالى: (ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ).

التكوين في توحيد الأئمة

hesham

التكوين في توحيد الأئمة

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
=========

لابُدَّ مِن وعي أنَّ توحيدنا العلوي لا يُفسِّرُ القرآنَ حسبَ الرَّأي، فهذا ظَنٌّ لا يُغني من الحقِّ شيئًا، وهناكَ كثيرٌ من الآياتِ لا مناصَ من حَملِهَا على المجازِ، وهي تحتاجُ إلى التَّأويلِ وإلاَّ وَقَعَ المحظورُ.

لذلكَ كانَ من الأصولِ الجوهريَّةِ في توحيدنا العلوي علمُ التَّأويلِ؛ أي جواهرُ العلمِ، فالأحكامُ الإلهيَّةُ لا يَعلمُها إلى الخواصُّ من أربابِ الأصولِ الذين يؤكِّدون أنَّ للقرآنِ معانٍ ظاهرةً ومعانٍ خفيَّةً بدليلِ عدَّةِ أمثلةٍ من القرآنِ الكريمِ. فإذا قال تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، فهل يمكن تصوُّرُ يدٍ للهِ؟ وإذا قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، فهل يجوزُ تصوُّر الحصرِ للهِ تعالى؟

إنَّ مسلكَ أهلِ التوحيد العلويِّ أصحابِ الإيقانِ هو بدايةُ استواءِ مَظهرِ النُّورِ الواحديِّ في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، لقول الإمام الصَّادق (ع): (استَوَى على كلِّ شيءٍ، فليسَ شيءٌ أقربُ إليهِ من شيءٍ، لم يَبعُدْ منهُ بعيدٌ، ولم يَقرُبْ منه قريبٌ)، فالماهيَّاتُ تخصُّ المعقولاتِ المجرَّداتِ وهي أركانُ البيتِ الإلهيِّ.

والكلامُ عن العرشِ له أهميةٌ بنظرِ القرآنِ الكريمِ والحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فالآيةُ المذكورةُ تُعرِّفُ النِّسبةَ الخاصةَ للعرشِ الـمُدَبِّرِ للأمورِ لقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)، فالعرشُ والكرسيُّ هما العلمُ والقدرةُ، والخلقُ والأمرُ يُعبَّرُ بهما عن عالَمِ الغيبِ والشَّهادةِ، فعالمُ الخلقِ ما يتعلَّقُ بالمادَّةِ، وعالمُ الأمرِ ما كانَ مجرَّدًا عنها، ويُشارُ بهما إلى قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ).

فالمشيئةُ والإرادةُ أزليةٌ وأبديَّةٌ، لقول الإمام الصَّادق (ع) لسيِّدنا المفضل: (يا مفضل، إنَّ المشيئةَ مُحدَثَةٌ، وصفاتُ الذَّاتِ العلمُ والقدرةُ وغيرُها هي صفاتٌ مُحدَثَةٌ)؛ وكذلك قول سيِّدنا أرسطو (ع): (اللهُ يَتَنَزَّهُ عن الإرادةِ، لأنَّ الإرادةَ تقتضي الطَّلبَ واللهُ لا يَطلبُ)، والـمُحْدَثاتُ بالنِّسبةِ للقدراتِ كنورِ الشَّمسِ بالنِّسبةِ للشَّمسِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق (ع): (فَتَقَ من الرَّتْقِ)؛ وهذا هو القولُ بأنَّ العقلَ الأوَّلَ هو فعلُ وصفةُ الفاعلِ لكلِّ مَفعولٍ، وبهذا المعنى جاء قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي).

وقد وردَ عن رسولِ اللهِ (ص) في تحفِ العقولِ عن آل الرَّسولِ قولُهُ عن العقلِ الأوَّلِ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ العقلَ فقالَ له: أقبِلْ فأقبَلَ. وقال له: أدبِرْ فأدبَرَ. فقالَ الله تبارك وتعالى: وعزَّتي وجَلالي ما خَلَقْتُ خلقًا أعظمَ منكَ ولا أطوعَ منكَ، بِكَ أبدأُ وبكَ أعيدُ، لكَ الثَّوابُ وعليكَ العِقَابُ).

وقد زعمَ البعضُ أنَّ الصُّورةَ المحسوسةَ تقومُ بالصُّورةِ المجرَّدةِ متذرِّعينَ بقولِ رسول الله (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورَتِهِ) فوقعوا بالتَّشبيهِ الذي اقتضاهُ ظاهرُ النَّصِّ، لأنَّ الهاءَ في صورتِهِ راجعةٌ إلى آدمَ (ع) دونَ اللهِ تعالى حيث سُئلَ الإمامُ الباقرُ عن هذا الحديثِ فقال (ع): (هي صورةٌ محدَثَةٌ مخلوقةٌ واصطفاها اللهُ واختارَها على سائرِ الصُّورِ المختلفةِ، فأضافَها إلى نفسِهِ كما أضافَ الكعبةَ والروحَ إلى نفسِهِ فقال: “بيتي”، وقال: “وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي”).

المتعة لا تجوز للعلويين

hesham

المتعة لا تجوز للعلويين

بقلم الباحث الديني هشام احمد صقر

 

يتناحر أهل السُّنَّةِ والجماعةِ مع أهلِ الشِّيعةِ بخصوصِ جوازِ المتعةِ أو حُرمَتِها، رغم أنَّ الاثنين يطبِّقانِ نفسَ الأمرِ تحتَ مسمَّياتٍ مختلفةٍ، وكلٌّ منهم يستندُ إلى أحاديثِهِ، وكلاهما مخطئٌ لا محالةَ، فالشَّريعةُ المحمَّديَّةُ أرقى وأعلى من أن تنصبَّ تعاليمها حول الأمورِ الجسمانيَّةِ الشَّهوانيَّةِ التي روَّجَ لها من أرادَ تخريبَ الإسلامِ عبرَ العصورِ، وسيبقى نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ الخصيبيُّ هو الحامي لهذا لدينِ الإسلامِ الحنيفِ من تخريبِ الفاسدين وتزييفِ المفسِدين.

فالسُّنَّةُ يطبِّقون زواجَ المتعةِ باسمٍ آخر وهو الزَّواجُ السِّريُّ أو الزَّواجُ العُرفيُّ، ومن جهةٍ أخرى هناكَ ما يسمَّى النِّكاحُ بالأجرةِ الذي روَّجَ له أبو حنيفة حين قال: (رجلٌ استأجرَ امرأةً ليزني بها فزَنَى بها فلا حَدَّ عليهما)!؟ محتجًّا بحديثين عن الخليفةِ عمر أوَّلهما ما رُويَ أنَّ امرأةً استسقَتْ راعيًا فأبى أن يسقيَها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ عمر الحدَّ عنهما، وثانيهما أنَّ امرأةً سألتْ رجلاً مالاً فأبى أن يعطيها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ الحدَّ وقال: (هذا مهرٌ)، وحسبَ تبريرِ الروايتين تم اعتبارُ أنَّ المهرَ والأجرَ يتقاربان في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فسمِّيَ الأجرُ مهرًا!؟

أمَّا الشِّيعةُ فقد اختلقوا أقوالاً لا صحَّةَ لها ونسَبوها للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) لترويجِ زواجِ المتعةِ لأنَّهم المُقَصِّرَةُ الذين لا يَملكونَ أنفسَهم الأمَّارةَ بالسُّوءِ, وكُلُّ إنسانٍ إبليسهُ مِزاجُهُ.

فمِنْ ذلكَ ما وردَ زورًا أنَّ سيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) سألَ: يا مولاي فالمتعةُ؟ قال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ والشَّاهدُ بها قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، والقولُ المعروفُ هو المُشتَهِرُ بالوليِّ والشُّهودِ، وإنَّما احتِيجَ إلى الوليِّ والشُّهودِ في النِّكاحِ، لِيَثبُتَ النَّسلُ ويَصِحَّ النَّسَبُ ويَستَحِقَّ الميراثُ، والمؤمنُ المدقِّقُ سيكتشفُ كذبَ الشِّيعةِ على مولانا الصَّادق (ع)، فلا علاقة للقولِ المنسوبِ: (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ) بالآيةِ المذكورةِ التي تمنعُ الاختلاءَ بالمرأةِ؛ أي معاشرَتَها، إلا بعدَ القولِ المعروفِ والكتابِ المُعبِّرِ عن عقدِ النِّكاحِ بوجودِ الوليِّ والشُّهود.

فالمتعةُ التي ذكرَها الأئمَّةُ (ع) لا تعني الزَّواجَ المؤقَّتَ الذي يبيحُهُ الشِيعةُ، بل هي الزَّواجُ الحلالُ بين المؤمنينَ والمؤمناتِ لقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، وهو المقصودُ بقولِ المفضَّل (ع): يا مولايَ فما شَرَائِطُ المتعةِ؛ أي الزَّواجِ؟ فقال الصَّادقُ (ع): (يا مفضَّل لها سبعونَ شرطًا مَن خالفَ فيها شرطًا واحدًا ظلمَ نفسَهُ)، قال المفضَّل: يا سيدي قد أمرتُمُونا أن لا نتمتَّعَ “أي نتزوَّجَ” بِبَغيَّةٍ “أي بزانية” ولا مشهورةٍ بفسادٍ ولا مجنونةٍ، وأن ندعوها إلى الفاحشةِ “أي الزِّنا اختبارًا لها”، فإنْ أجابَتْ فقد حُرِّمَ الاستمتاعُ بها “أي الزَّواجُ منها”، وأن نسأل أفارغة “أي عازبةٌ” أم مشغولةٌ بِبَعلٍ “أي متزوِّجةٌ” أو حَمْلٍ أو بِعُدَّةٍ “إن كانت مطلَّقةً أو أرملةً”، فإنْ شُغِلَتْ بواحدةٍ من الثَّلاثِ فلا تَحِلُّ “كزوجةٍ”، وإن خَلَتْ فيقولُ لها: متِّعيني “أي زَوِّجيني” نفسك على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وسُنَّةِ نبيِّهِ (ص) نكاحًا غيرَ سفاحٍ وهو قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)، فالمُحصَناتُ هنَّ سادةُ القومِ في ذلكَ العصرِ، وما مَلَكتِ الأيمانُ فَهُنَّ الإماءُ في ذلكَ العصرِ، وقد جاءَ الإسلامُ ليُكرِّمَ العبدَ والأمَةَ ويخرِجَهُما من ذُلِّ العبوديَّةِ إلى كَرامةِ الحرِّيَّةِ، حيث أنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنَ بالزَّواجِ من الأمَةِ كما لو أنَّها سيِّدةٌ، وذلكَ بإذنِ أهلها وإيتاءِ مهرِها بالمعروفِ وبزواجٍ شرعيٍّ لا بسفاحٍ ولا مُخَادَنَةِ، ولكنَّ الإسلام كان يتحدَّثُ بمفرداتِ ومصطلحاتِ العصرِ الذي نزلَ فيهِ، ولو أنَّهُ نزلَ في هذا العصرَ لاستعملَ مفرداتِ هذا العصرِ.

وعلى هذا فلا صحَّةَ لِمَا نُسِبَ من أحاديثَ مُختَلَقَةٍ عن زواجِ المتعةِ كالحديثِ الذي أوردَهُ شيخُهم المفيدُ عن هشام بن سالم أنَّ الإمام الصَّادقَ (ع) قال: (يُستَحَبُّ للرَّجلِ أن يتزوَّجَ المتعةَ، وما أحبُّ للرَّجلِ منكم أن يخرجَ من الدُّنيا حتَّى يتزوجَّ المُتعةَ و لو مرَّة)!؟ أو كالحديث المنسوب للإمام الباقر (ع) أنه قال على لسان رسول الله (ص): (لمَّا أُسرِيَ بي إلى السَّماءِ لَحِقَني جبرائيلُ فقال: يا محمَّد إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ يقول: إنِّي قد غفرْتُ للمتمتِّعينَ من النِّساءِ)!؟ أو ما نُسِبَ قول الإمام الصَّادقَ (ع) حين سألَ أحدَهم: تمتعت؟ فقالَ: لا. فقال الصَّادقُ (ع): (لا تخرجْ من الدُّنيا حتَّى تُحييَ السُّنَّةَ)!؟ فما هذا الإفك الذي به يتلفَّظون!؟

لقد جعلَ الشِّيعةُ من الأئمَّةِ أشخاًصا يخافونَ من النَّاس عندما نسبوا زورًا للإمامِ الكاظم (ع) قوله إلى بعض مواليه: (لا تُلِحُّوا في المتعةِ إنَّما عليكم إقامةُ السُّنَّةِ، ولا تَشتَغِلوا بها عن فُرُشِكُم وحَلائِلِكُم فَيَكفُرنَ ويدَّعِين على الآمرينِ لكم بذلكَ ويَلعنوننا)!؟ فهل يخشى الأئمَّةُ (ع) لومَ لائمٍ في الحقِّ!؟ أم أنَّهُ هوى الرُّواةِ الكاذبينَ!؟

وهل يتناقضُ كلامُ الإمامِ مع بعضِهِ، فكيفَ يدعونَ للمتعةِ في الوقتِ الذي ينهَونَ عنها كما في جوابِ الإمامِ الرِّضا (ع) حين سُئِلَ عنها فقال: (ما أنت وذاكَ قد أغناكَ الله عنها)، وجوابه حين سُئِلَ عنها فقال: (المتعةُ لم توجدْ لكم)، وكما في قوله (ع): (دَعُوها، أمَا يَستحي أحدُكم أن يُرَى في موضعِ العَورَةِ فَيَدخلَ بذلكَ على صالحِ إخوانِهِ وأصحابِهِ).

واستنادًا إلى هذه الأقوال المُثبَتَةِ أكَّدَ سيِّدنا الشَّابُّ الثِّقَةُ ميمونُ الطَّبرانيُّ (ق) أنَّ المتعةَ لا تجوز للعلويِّينِ من أهلِ الدِّينِ الحقِّ لقولِهِ تعالى: (مَنْ أرادَ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ في حَرثِهِ ومَنْ أراد حَرْثَ الدُّنيا نُؤتِهِ منها وَمَا لَهُ في الآخرةِ من نصيب).

موقفنا من أبي الخطَّاب

hesham

موقفنا من أبي الخطَّاب

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ واختلافِ الأمَّةِ ظهرَ من الكُتَّابِ مَن أفسدَ وفَرَّقَ بين المسلمين وبَثَّ روحَ الكراهيَّةِ والأحقادِ، قسَّمَ المجتمعَ إلى أتباعِ أشخاصٍ، وقد قلبوا بتقسيماتِهم الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا، وكانت غايتُهُم ذَمَّ مَن كان مقرَّبًا من الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وحمدَ مَن كان من عامَّةِ صحابَتِهم، تمامًا كما حصلَ مع أصحابِ رسولِ الله (ص) المقرَّبين والعامَّةِ.
وقد برز منهم سعد الأشعري القمي في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، والشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل)، والغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، والنجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، والطوسي شـيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الغيبة)، والكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، وأورَدُوا في كتبِهم القميئةِ فتنًا وإساءةً لسادةِ القومِ دون أيِّ إثباتٍ، ومن هؤلاء السَّادة سيِّدنا أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي الذي اتَّهموهُ حسب زعمهم “بتأليهِ الإمامِ الصَّادقِ (ع)، واعتبارِ طينَتِهِ من طينةٍ أخرى غيرِ طينةِ البشرِ، وأنَّ الأئمَّةَ (ع) كانوا أنبياء وأنَّ الحسنَ والحسينَ وأولادَهما أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ، وأنَّهُ وأتباعَهُ أخرجوا الإمامة عن أولاد علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في أعصارِ زعمائهم، ما دَعَا الإمامَ الصَّادقَ (ع) إلى التَّبرُّؤ منه وأمرِ أصحابِهِ بالبراءةِ منه”!! إلى غير ذلكَ من الافتراءاتِ التي لا يصدِّقُها إلاَّ كلُّ مفتونٍ مغبون.

فَمِمَّا رواهُ سيِّدنا الحسينُ بن حمدانَ الخصيبيُّ (ع) في كتابِ الهدايةِ الكبرى عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أبو الخطاب عَيْبَةُ عِلمِنا وموضعُ سِرِّنَا، وهو الأمينُ على أخبارِنا).
هذه المكانةُ الرَّفيعةُ التي نالَها سيِّدنا أبو الخطَّاب أثارَتْ حقدَ وحسدَ المنافقينَ الذينَ لم ينالوا هذه المكانةَ كزرارة بن أعين وأبو بصير الثقفي وأبو بكر الحضرمي ومحمد بن أبي يعفور ومحمد بن مسلم الثقفي وعامر بن جذاعة وكثير بياع النوى وبُرَيد العِجلي وحجر بن زائدة، الذين انطبق عليهم قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)، فأثاروا حولَهُ شبهاتٍ وأكاذيبَ لفَّقوها فاعتُقِلَ في دارٍ تدعى دارَ الرِّزقِ في الكوفةِ، فزارَهُ آنذاك سيِّدنا المفضَّل بن عمر وأصحابُهُ، وكان وقتَها من المقرَّبينَ للإمامِ الصَّادق (ع)، ودخلوا عليه فوجدوهُ ساجداً يدعو.

إلاَّ أنَّ كلَّ هذا الإيمانِ والتَّوحيد زادَ حَسَدَهم وأحقادَهم فأكثروا في لعنِهِ في المجتمعِ لتنفيرِ النَّاسِ منه وتأليبِهم عليه، فقد حَسَدُوهُ على نعمةِ اللهِ عليهِ وكانوا فيهِ كما قال الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فجاءَ أصحابُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) فحذَّرهم من الانجرارِ وراءَ لعنِهِ لأنَّهُ انجرارٌ وراءَ الحاسدِ له زرارةَ وأتباعُهُ، وهم مقصِّرو الشِّيعةِ الذينَ أظهروا ولايةَ أهلِ البيتِ وأساؤوا للصَّحابةِ الميامين، وزُرَارَة معروفٌ بِقِلَّةِ أدبِهِ وكذبِهِ على لسانِ الإمام واختلافه مع خواصِّ الإمام كهشام بن الحكم وحمران بن أعين والمفضل بن عمر (ع).