أرشيف التصنيف: الدين العلوي

الدين العلوي

براءة سلمان الفارسي

mini-logo

براءة سلمان الفارسي

بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

منذُ أيَّام وقعَ بين يديَّ مقالٌ يؤذي المشاعرَ لِمَا فيهِ من التَّزويرِ والقوميَّةِ العرجاء التي يفكِّرُ بها البعض، وهو بعنوان: “خيانة سلمان الفارسي”!!

وفحوى المقال أنَّ “حشدًا من المتظاهرينَ الإيرانيِّينَ المحتجِّينَ على تدهورِ الأوضاعِ الاقتصاديَّةِ في إيران، أضرمَ النَّارَ في تمثالِ الفارسيِّ. وانتقدَ بعضُ النَّاشطينَ بشدَّةٍ دورَ الفارسيَّ في تاريخِ إيرانَ، معتبرينَ أنَّه خانَ الفرسَ باتِّباعِهِ الإسلامَ قبل 14 قرنا”!!

هناكَ من يستثمرُ النَّزعاتِ القوميَّةَ والعرقيَّةَ لتشويهِ التَّاريخِ وإحداثِ الفوضى، وهذا أمرٌ لا يمكنُ السُّكوتُ عنه، لأنَّ السُّكوتَ عنه يعني مساهمةً وقبولاً فيه، فلماذا لم تتَّخذِ السُّلطاتُ الدِّينيَّةُ والسِّياسيَّةُ موقفًا في مواجهةِ هذا الحدثِ، الذي لا يخصُّ الشِّيعةَ أو غيرهم، بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ عمومًا لأنَّ سيِّدنا سلمان الفارسي (ع) يُعتَبرُ عمودًا راسخًا من أعمدة الإسلامِ والإنسانيَّةِ جمعاء، رغمًا عن أنوفِ كلِّ الحاسدينَ له، وهو لا يخصُّ الفرسَ وحدَهم بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ والإنسانيَّةَ جمعاء.

حيث وردَ في الرِّواياتِ الصَّادقةِ أنَّ سيِّدنا سلمانَ دخلَ يومًا مجلسَ رسولِ اللهِ (ص)، فإذا هو غاصٌّ بوجوهِ الجُلَساء من قريشَ، فَتَخطَّاهم جميعًا وقعدَ في صدرِ المجلسِ، وتحرَّكتْ الغطرسةُ القريشيَّةُ في النُّفوس، فإذا بعضُهم يقول له: مَن أنتَ حتَّى تتخطَّانا؟ ويقولُ آخر: ما حَسَبُكَ وما نَسَبُكَ؟

فَعَلَتِ الابتسامةُ الطَّريَّةُ بالوداعةِ ثغرَ سلمانَ وقالَ بأناةٍ: (أنا ابنُ الإسلامِ، كنتُ عبدًا فأعتَقَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وَوَضيعًا فَرَفَعَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وفقيرًا فأغناني اللهُ بمحمَّدٍ، فهذا حَسَبِي وهذا نَسَبِي)، فقال سيِّدنا محمَّد (ص): (صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، مَن أرادَ أن ينظرَ إلى رجلٍ نُوِّرَ قلبُهُ بالإيمانِ فَلْيَنظرْ إلى سلمان).

فهذا سيِّدنا سلمان الفارسيُّ الذي لا يمكننا أن نسمحَ لأحدٍ أن يتجرَّأ عليه متمثِّلينَ بدفاعِ نبيِّ الرَّحمةِ عنه، ويكفيه قوله (ص): (أنا سابقُ العربِ إلى الجنَّةِ، وسلمانُ سابقُ الفرسِ إلى الجنَّةِ.. إنَّ الجنَّة لأكثرُ شوقًا إلى سلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ، وإنَّ الجنَّةَ لأكثرُ عشقًا لسلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ)، وهو الموسومُ بالمحمَّديِّ لقول الإمام الباقر (ع): (قولوا: سلمان المحمَّدي، ذلكَ رجلٌ منَّا أهل البيتِ).

ولكلِّ هذهِ القيمِ والرِّفعةِ التي يتَّصفُ بها كانَ يليقُ به وصفُ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السّلامُ بقولِهِ: (ذلكَ امرؤٌ منَّا أهل البيتِ، مَن لكم بمثلِ لقمانَ الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوَّلَ والعلمَ الآخرَ، وقرأ الكتابَ الأوَّلَ والكتابَ الآخرَ، وكان بحرًا لا يَنزِفُ).

ومَن كان بهذهِ المنزلةِ لابدَّ أن يعرفَ أنَّ أقوامًا من أصحابِ القوميَّات سيحاولون النَّيلَ من استقامَتِهِ فَرَدَّ عليهم بقوله وكفاهُ ردًّا: (إنَّ النَّسَبَ لا يقدِّسُ أحدًا، إنَّما يقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ).

الشر وعلاقته بالسحر والشعوذة

mini-logo

الشر وعلاقته بالسحر والشعوذة

الكاتب: بسام جابر أحمد
==============

بالرَّغم مِن أنَّها مسألةٌ ليسَتْ بحاجةٍ إلى إقامةِ الدَّليلِ على صِحَّتِها وَضرورَتها، إلا أنَّنا نُضطرُّ إلى التَّحدُّثِ عنها في هذا الزَّمنِ الذي خُلِطَتْ فيه معاني التَّبرُّكِ بكراماتِ المتَّقينَ مع السِّحرِ والشَّعوذةِ لأتباعِ الشَّياطينِ.

لابد قبل البدء بهذا الموضوع من التعريج على ازدياد السِّحرِ والشَّعوذةِ من خلال السيطرة على عقول البسطاء والعامة من الناس، بعدَ أن كانت مقتصرةً على ساحرٍ في منطقة، ودجالٍ في أخرى، وأصبحَ الناسُ مهووسونَ بالحاج فلان على محطة أولى، والشيخ فلان في منطقة ثانية، وذاك الذي شفي من مرضٍ مستعصٍ بالعلاج الفلاني في منطقة ثالثة، فيقولون: هذا يعالجُ بالعسل والقرآن، وهذا صدقت نبوءته، وذاكَ يعرفُ الغيبَ ويكشف المستور، فسبحانَ اللهِ! كأنَّ هؤلاءِ يريدونَ أن يثبتوا الحجةَ على السَّادة المؤمنين المكرَّمين من قبل الله سبحانه تعالى.

وأستغربُ كلَّ الغرابةِ من هذا الذي ادعى المكاشفة أمام البسطاء، وبدأ يغمضُ عينيه ليبحرَ في عالم الغيب ويقولَ لهذا الإنسان البسيط الغافل: (ابنتكَ متعبةٌ منذ سنوات، ومنذ أن كانت في بطنِ أمها، وهذا بسبب كتابة على عظم حيوان موجودٍ في بئر على سبيل المثال، فاجمع كذا وكذا واقرأ كذا وكذا فتشفى).

هذه هي لعبة الدعاية القذرة عند المحتالين، والتي تهدف إلى تسطيحِ الفكرِ، وتهميش درجةِ الوعي إلى حد كبير، ونذكِّرُ هؤلاء بقوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ).

من هذا المنطلق وجبَ علينا أن نعيَ مزاعمَ وأكاذيبَ وحيلَ أهلِ السحر والشعوذة.

إنَّ أثرَ السحرِ والشَّعوذةِ بَيِّنٌ في البلادِ التي يَكْثُرُ فيها ضُعَفَاءُ العقولِ المُنْهَمِكُونَ في المَعَاصِي، لأنَّ النفوس الكافرة تتحرك بجهلها، كما تتحرَّكُ النفوسُ المؤمنة بعقلها، ومحالٌ في منطق العقل أن يكون الله قد أبدعَ شرًّا محضًا، لكنَّ عدمَ قبولِ الخيرِ الإلهيِّ أدَّى لوجودِ الشَّرِّ.

والشَّرُّ وجودٌ طارئٌ وليدُ الخطيئةِ، والخطيئةُ وليدةُ الجهلِ، وقد وردَ عن الإمام الصادقِ (ع) قوله: (إنَّ إبليسَ هو الجهل، ومنه خُلِقَ الشكُّ والحيرةُ والمعصيةُ والظلمةُ، لأنَّهُ ظلمَ نفسَه، فهو بحالِه ليس فيه شيءٌ من النورِ والعلمِ، بل مظلمٌ لا يخرج عن الظلمةِ والإنكارِ والجحودِ والكفرِ، ولا يرجعُ ولا يطيعُ إلى أبد الآبدينَ ودهرِ الدّاهرينَ)، وفي موضعٍ آخرَ: (خلقَ الشكَّ من التوقُّفِ، وخلقَ النارَ من الشكِّ، وخلقَ إبليسَ وذُرِّيتَه من النارِ في الأظلّةِ والأشباحِ، وخلقَ أبدانَهم من الطينِ)، فبيّنَ الصادقُ (ع) أنَّ إبليسَ خُلِقَ من النارِ فهي عِلَّتُه، وعلَّةُ النارِ الشكُّ، وعلّةُ الشكِّ الجهلُ، بدليل قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، فاللهُ أمرَ الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وقال: أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار تأكل الطين، فحينَ ذلكَ أخرجَهُ من رحمته، وهي نار الشكِّ والجهل والمعصية، وعلى هذا نقولُ: إنَّ إبليسَ أصلُ كلِّ شرٍّ وظُلمةٍ، وينبوعُ كلِّ شكٍّ وحيرةٍ وكفرٍ، وقد سمِّيَ إبليس لأنه أبلسَ بكفره وشرِّه وعدم فعل الخير.

والكافر يُنقَلُ إلى دركات جهنم، وذلك بعد أن يُنكِرَ جميعَ حقوق الله تعالى ويجحدها ويكفر بها، ويقيم جميع وجوه الباطل ويُقِرُّها ويَعمَلُ بها، فَيُرَكَّبُ في سائر أصناف السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ)، فإذا حلَّ في كلِّ سلسلةٍ يكرُّ فيه سبعين مرة، ولا يعود أبدًا إلى أحسن تقويمِ لقول الإمام الصادق (ع): (الكافر إذا رُكِّبَ في المسوخية لا يركَّبُ في صورة الإنسانية أبدًا).

وقد وردت الآيات الكثيرة التي تؤكد تكرار عذاب الكافرين منها قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ)، فالجلود التي يبدلها هي أنواع العذاب.

وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)، وقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ)، وهو التنقل في طبقات جهنم.

ومثله قوله تعالى: (قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً، أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يريد الذهب والفضة والحديد والحجر الصلد والخشب اليابس والجوهر الذي يخرط.

إن الإنسان واقعٌ ما بين عالم الشياطين والجن وعالم الملائكة. فالشياطين ذكرت في كتاب الله في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، والنزغ هو الإزعاجُ وأوَّلُ الوسوسةِ، أي نَالَكَ من الشيطانِ وسوسةٌ في القلب، كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، ومعنى تخبَّطه الشيطان أي مَسَّهُ بأذى.

وفي قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) ارتباط بقول رسول الله (ص): (لولا أنَّ الشياطين يحومونَ على قلوب بني آدم لأرادوا النَّظرَ إلى ملكوت السموات).

عدا عن أنه جاء في الإصحاح السابع عشر من إنجيل متى: جاءَ رجلٌ قد صُرِعَ ابنُهُ إلى تلاميذِ المسيحِ فلم يقدِروا أن يُشفوهُ، فأتَوا به للمسيحِ فأخرجَ منهُ الشيطانَ، فأقبلَ التلاميذُ إلى يسوع وقالوا: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال: لعدمِ إيمانكم، فالحقَّ أقول لكم: لو كان لكم إيمانٌ مثلَ حبَّةِ خردلٍ لَكنتم تقولون لهذا الجبلِ انتقلْ من هنا إلى هناك فينتقلُ.

وقد يسمى الشيطان قريناً كما في قوله تعالى: (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا)، وقوله تعالى: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) حيث جاء في تفسير الصافي: قرينُهُ هو الشيطانُ الموكَلُ عليه.

أما الجن فقد اختلف العلماء في أصلهم، فمنهم منا قال: الجنُّ ولدُ الجان وليسوا شياطين ويدخلون الجنة. ومنهم من قال- وهو الأصح-: مِنَ الجن المؤمنُ والكافر كما الإنس.

كما وردَ في اللغةِ: جَنَّ الشيءَ أي سَتَرَهُ، وفي الاصطلاحِ أنَّ الجن هم النفوس المفارقة للأبدان بحسب الخير والشر لذلكَ هما صنفان، وقالت بوجودهم الكتب السماوية والأنبياء، وسُمُّوا بالجنِّ من الاختفاء والمُساترة عن الأبصار، لذلك سمِّيَ الطفلُ في رحم أمه جنينًا؛ أي مُتَوَارٍ في بطنِ أمِّهِ.

وقد أوضحت فلاسفةُ العلويَّة أنَّ الصِّنفَ الأولَ منهم هم الجن المحمودون الذين أرسلَ اللهُ تعالى إليهم رسوله بالهدى ودين الحق، لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي (ليعرفونِ)، وهم الذين جنوا العلم واقتبسوا النور، وأما الصنف الثاني منهم فهم الجن المذمومونَ، وهم كل شيطانٍ رجيمٍ سواءَ كانَ إنسيًا أو جنيًا لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ)، فمثلما ترى شياطينَ الإنس منهمكين في معاصي الشركِ والتَّعطيلِ، ترى شياطينَ الجنِّ في أماكن الخراب والفلوات والنجاسات والحمامات والمزابل والقمامات والمقابر وشيوخٍ تقترنُ بهم الشياطينُ كالذينَ ذكرناهم في بدايةِ الحديثِ وأمثالهم من الذين ذكرهم تعالى بقوله: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).

وعلى هذا فالسِّحْرُ من الصِّنفِ الثاني صناعةٌ وتسخيرٌ وَسُرْعَةٌ وَخِفَّةٌ، لأنَّهُ تَخييلٌ وتَضْليلٌ وليسَ لَهُ وَاقِعٌ وَحَقيقةٌ، وهو فِعْلٌ يُؤَثِّرُ في عَالَمِ الطَّبْعِ تأثيرًا خارجيًا بِسَبَبِ القوَى الطّبيعيَّةِ، وهو مُسْتَمَدٌّ من الجنِّ المذمومِ والأرواحِ الخبيثةِ. ومن أساليبه المرفوضةِ قرآنيًا الاستحضارُ والتَّنْجِيمُ والكَهَانَةُ والحيلَةُ، وَكُلُّهُمْ خِداعٌ وَتَمْويهٌ لا حقيقةَ لَهَا، فالاستِحْضَارُ هو تَلْبيسُ الرُّوحِ بِبَدَنِ صَبِيٍّ أو امرأةٍ وَكَشْفِ الغَائِبِ على لِسَانِهِ، كما يحصلُ هذه الأيام بحجة كشف سرقة معينة أو البحث عن غرض ضائع أو ما شابه ذلك، أما الكَهَانَةُ فهي علمُ الشيطان، وهي عَمَلٌ يوجِبُ طاعَةَ القرينِ لَهُ لِيَأتوهُ بالأخبارِ، وتَحْدُثُ في وجوهٍ عِدَّةٍ لا داعي لذكرها بالتفصيل.

واللهُ بَعَثَ إبراهيمَ وَمُوسَى وبقية الأنبياءِ والرسلِ مُبْطِلاً لِمقَالَتِهمِ بدليل قول الإمام الصادق (ع): (كَثُرَت السَّحَرَةُ بَعْدَ نوحٍ فَبَعَثَ الله مَلَكَين لإبطالِ سِحْرِهِم ورَدِّ كَيْدِهِمْ فَتَلَقَّى النَّبيُّ إدريسُ هذا العلم منهما وأدَّاهُ إلى عبادِ الله لِيُبْطِلوا السِّحرَ ونَهَاهُم أن يَسْحَروا بِهِ النَّاسَ).

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

hesham

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر
===========

القرآنُ الكريمُ هو الحبلُ الإلهيُّ الممدودُ من السَّماءِ إلى الأرضِ، مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ ينجو، وَمَن يضلُّ عنهُ يَهلَكُ. وما عظمتُهُ إلاَّ مظهرٌ وجلوٌّ لعظمةِ الحيِّ القيُّومِ، ووجهٌ من وجوهِهِ تباركَ وتعالى، ولهذا كان له العديد من الأسماء منها:

  1. القرآنُ: وهو مصدرٌ أو وصفٌ مشتقٌّ معناهُ (الجمع) لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)، ففي القراءةِ استظهارٌ للحقيقة، والاتِّباعُ يكونُ للقريبِ، وقد قيلَ: سمِّي القرآنُ قرآنًا لقربِهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.

  2. الكتابُ: فالكتابةُ جمعٌ للحروفِ وَرَسمٌ للألفاظِ، وتسميةُ كلامِ اللهِ تعالى بـ(الكتابِ) إشارةٌ إلى جمعِهِ في الكلماتِ والسُّطورِ، وهو على ثلاثةِ معانٍ:

  • الكتبُ المنزلةُ على الأنبياءِ المشتملةُ على شرائعِ الدِّينِ، ككتابِ نوح (ع) في قوله تعالى: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وكتاب إبراهيم وموسى (ع) في قوله تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)، وكتاب محمد (ص) في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).

  • الكتبُ المخصَّصةُ لكلِّ إنسانٍ أو أمَّةٍ كقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا).

  • كتبُ الوجودِ المتغيِّرِ في قوله تعالى: (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، والإفرادِ في قوله تعالى: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

  1. الفرقان: فالفرقانُ يفيدُ التفرقةَ بين العبوديَّةِ والرُّبوبيَّةِ، وهو في قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).

  2. الكلام: قيل للإمام الرِّضا (ع): أخبرني عن القرآن أخالقٌ أم مخلوقٌ؟ فقال: (ليسَ بخالقٍ ولا مخلوقٍ ولكنَّهُ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ).

  3. الذِّكر: في قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ).

  4. الهدى: في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

وللإمام الصَّادق (ع) كلمةٌ في تعريفِ القرآنِ عندما قال: (لقد تجلَّى اللهُ لخلقِهِ في كلامِهِ ولكنَّهم لا يبصرون)، فالإمامُ الصَّادق (ع) عبَّرَ قائلاً: (تجلَّى الله لخلقِهِ) ولم يقل: (تجلَّى الله لنفسِهِ)، لأنَّ القرآنَ له مقامُ جمعِ الأسماءِ والصِّفاتِ من جمالٍ وكمالٍ وجلالٍ، وهذا الجعلُ والحرفُ هو الرَّابطُ بين العبدِ والمعبودِ بعدَ التَّجلي بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ الكلامَ صفةٌ ليسَتْ بأزليَّةٍ، وكانَ اللهُ عزَّ وجلَّ ولا متكلِّمٌ).

أمَّا الجملة الثانية فهي قوله (ع): (ولكنَّهم لا يبصـرون)، فالقرآنُ هو تجلِّي الحيِّ القيُّومِ في السَّماواتِ والأرضِ بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَبَانَا الذي في السَّمواتِ لِيَتَقَدَّسِ اسمُكْ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ كما في السَّماءِ كذلكَ على الأرضِ)، فلماذا لا يُبصرون؟

إنَّ الإبصارَ هو محلُّ الأزمةِ ومكمنُ المعضلةِ، فبالعودةِ إلى القرآنِ والبحث عن البصرِ المختلفِ عن البصيرةِ نجدُ قوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ)، وهذه البصائرُ لا تتمُّ على الأرضِ، بل هي بحاجةٍ إلى ارتقاءِ النَّفسَ لتُبصِرَ آيةَ السَّماءِ بدليلِ قول سيِّدنا المسيح (ع): (لا يمكنكَ أن تعرِفَهُ على الأرضِ تمامَ المعرفةِ، ولكنَّكَ ستراهُ في مملكتِهِ إلى الأبدِ حيثُ يكونُ قوامُ سَعادَتِنا وَمَجدِنا).

فعندما يطوي الإنسانُ طريقَ العمى، فإنَّهُ يصلُ إلى حيث يتمكَّنُ من فهمِ ما تعنيهِ كلمةُ “الحكيمِ” في قوله تعالى: (يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، وكلمةُ “ذي الذِّكرِ” في قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، وكلمةُ “المجيدِ” في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)،… ولكنَّ هذا الطريقَ صعبُ المسالِكِ لا يعبرُهُ إلاَّ مَن استحقَّ ذلكَ وخشـيَ الله وجاءَهُ بقلبٍ خاشعٍ سليمٍ لقوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ).

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

hesham

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
============

يمكنُ اعتبارُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ تجلِّيًا إلهيًّا يدعو أصحابَ الإيمانِ إلى الأخذِ بالرِّسالةِ السَّماويَّةِ، وهي حقيقةُ الشَّريعةِ السَّماويَّةِ، وإلى السَّيرِ للصَّلاحِ في الحالِ والفَلاحِ في المآلِ, فرسالةُ الإسلامِ المحمَّديَّةِ بَيَّنَتْ للنَّاسِ ما اختَلَفُوا فيه وكَشَفَتْ لهم ما اخْتَصَمُوا عليه, والقرآنُ الكريمُ يُقرِّرُ والعلمُ يؤكِّدُ أنَّ للإنسانِ ميلاً روحانيًّا في النَّفسِ إلى الخلاصِ من أَسرِ الشَّكِّ والعروجِ إلى سماءِ اليقينِ, واللهُ تعالى جعلَ هذا الخلاصَ مُقتَرِنًا بِفَهمِ آياتِ النُّبوَّةِ الموجودةِ (رسالة الدِّينِ, شريعةُ الدِّين) فاهتدَى وأيقنَ المؤمنُ وارتابَ المُشرِكُ.

فآيةُ النُّبوَّةِ تربطُ الرِّسالةَ والشَّريعةَ بالدِّينِ، وهذا الرَّابطُ هو السَّبيلُ لمعرفةِ اللهِ تعالى, لذلك شاءَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ لُطفًا بالعبادِ أن يَتَّخِذَ الإنسانُ هذا الرَّابطَ ملجأً وسكونًا للنَّفسِ عندَ هولِ الشَّدائدِ والأهوالِ. ولم يزلْ دأبُ الرِّسالةِ المحمَّديَّةِ السَّير بالإنسانِ نحو الكمالِ, والإصلاحُ بحكمةٍ واعتدالٍ لِفَكِّ القيودِ المقيِّدَةِ, وهذا العلمُ أساسٌ للعقيدةِ يشتركُ فيه جميعُ رسلِ الشَّرائعِ من عندِ ديَّانٍ أحديٍّ بِهَدَفِ سعادةِ الأنفسِ المؤمنةِ وَصَونِها من حرمانِ شَرَفِ المعرفةِ والعلمِ.

وقد تميَّزَتْ مدرسةُ أهلِ الإيمانِ عن غيرها بأنَّها أضافَتْ إلى مفاهيمِ الإسلامِ الـمُستقاةِ من كتابِ اللهِ تعالى وتطبيقاتِ رسولِ اللهِ (ص) لها منهجًا في الحكمةِ أشارَ إليه القرآنُ الكريمُ بقوله: (وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ), كما قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

هذهِ الحكمةُ هي ما اصطُلِحَ على تسميَتِهِ بعلَّةِ الشَّرائعِ, إذ أنَّ لكلِّ تشريعٍ حكمةٌ فيه, ولا يمكنُ استنباطُ حقائقِ التَّشريعِ إلاَّ بمعرفةِ عِلَلِهِ التي سمَّاها العارفونَ (الجواهر)، ولهذهِ الجواهرُ مغاليقُ لا تُفتَحُ إلاَّ بالشُّروحاتِ التي تَبينها ذرِّيَّةُ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ, وهذهِ الحكمةُ لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ الشَّرائعِ, وما لم تُعرَفِ الحكمةُ فإنَّ التَّشريعَ يصبحُ دلالةً فقط، لذلكَ فإنَّ مدرسةَ أهلِ الإيمانِ سَبَقَتْ غيرَها من المدارسِ في تشريعِ حالةِ الارتقاءِ العقليِّ إلى المجرَّداتِ.

وهنا يخطرُ ببالِنا السُّؤالُ التَّالي: هل يختلفُ جوهرُ الإيمانِ عن رسالةِ الإسلامِ؟

قيلَ للإمامِ الصَّادقِ (ع): أخبِرْنا عن الإسلامِ والإيمانِ أهُمَا مختلفانِ؟ فقال: (إنَّ الإيمانَ يُشارِكُ الإسلامَ في الظَّاهرِ, والإسلامَ لا يشاركُ الإيمانَ في الباطنِ, وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّفَةِ). أمَّا الإيمانُ فَحَمْلُهُ في القلبِ دونَ اللِّسانِ لقوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ), لذلك قال رسولُ اللهِ (ص): (الإسلامُ علانيَّةٌ والإيمانُ في القلبِ فقط).

كلُّ ما سَبَقَ يؤكِّدُ أنَّ جوهرَ الإيمانِ يختلفُ عن رسالةِ الإسلامِ من حيثُ المقامُ, وقد اختصرَ الإمامُ الرِّضا (ع) هذهِ الفكرةَ بقوله: ( كلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليسَ كلُّ مسلمٍ مؤمنًا).

كما سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع) عن الفطرةِ في قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فقال: هي الإسلامُ. وسُئِلَ عن قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) فقال: هي الإيمانُ.

وقد أشارَ الباري إلى الفطرةِ تأكيدًا للتَّنبيهِ على أنَّ الإسلامَ هو فطرةُ اللهِ التي فطرَ النَّاسَ عليها، وقد وردَ في الكتبِ اللُّغويَّةِ أنَّ الفطرةَ هي الدِّينُ، والفطرةَ هي السُّنَّةُ كَسُنَنِ الأنبياءِ، والفطرةَ هي الصِّفةُ التي يَتَّصِفُ بها كلُّ موجودٍ في أوَّلِ زمانِ خِلقَتِهِ، والفطرةَ هي الابتداعُ والاختراعُ، كما أشارَ تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ)، وفي اللُّغةِ: إنَّ صبغةَ اللهِ هي الإيمانُ، وإنَّهُ سبحانَهُ قد مَثَّلَ لنا وجودَهُ لِعِبادِهِ بالصِّبْغِ المَصبوغِ لِنَعلمَ يقينًا بأنَّ الألوانَ والصُّورَ راجعةٌ للنَّاظرِ، كما أنَّ ألوانَ الصِّبغَةِ راجعةٌ للصِّبغةِ لا للثَّوبِ المَصبوغِ، لقوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ)، معناهُ أنَّ التَّقلُّبَ هو في بصرِ النَّاظرِ لا في وجودِهِ تعالى.

ولذلكَ شَهِدَ القرآنُ أنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ في آياتٍ منها قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فكيفَ كانَ المؤمنونَ في زمنِ موسى مسلمينَ؟

قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فالقرآنُ الكريمُ يقرِّرُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ واحدٌ وهو الدِّينُ الذي ارتضاهُ اللهُ لِعِبادِهِ وهو الإسلامُ, وهو جوهرُ رسالاتِ جميعِ أنبيائِهِ, بدءًا من سيِّدنا إبراهيم الخليل (ع)، وقد زَعَمَ اليهودُ أنَّهُ كان على دينِهم, كما زعمَ النَّصارى أنَّه كان على دينِهم, ولكنَّ اللهَ نَفَى ذلكَ بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام قوله: (لا يهوديًّا يصلِّي في المغربِ ولا نصرانيًّا يصلِّي في المشرقِ ولكن حنيفًا مُسْلِمًا).

وإذا كانَ الإسلامُ في لغةِ القرآنِ هو اسمٌ للدِّينِ الواحدِ الذي دَعَا إليهِ الأنبياءُ, فهل هناكَ مِن اسمٍ خاصٍّ في القرآنِ لأتباعِ رسالةٍ نبيٍّ واحدٍ فقط؟ لقد وصفَ القرآنُ أتباعَ الدِّينِ الحقِّ منذُ عهدِ سيِّدنا نوحٍ (ع) وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) بأنَّهم مسلمون, فلم يَرِدْ في القرآنِ أبدًا خطابٌ بصيغةِ: يا أيُّها المسلمونَ أو يا أيُّها الذين أسلَموا, لأنَّ ذلكَ يَنفي الشِّركَ، فالمؤمنونَ لا يمكن أن يكونوا مشركينَ, أمَّا المسلمونَ في الأعرابِ فيمكنُ أن يكونوا مُشرِكينَ، والأديانُ الثَّلاثةُ واحدةٌ في جوهرِها الإيمانيِّ, لكنَّ شرائِعَها مختلفةٌ ولا شكَّ لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)، فما معنى المناهجُ والشَّرائعُ؟

قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً) فالرَّسولُ إنَّما أُرسِلَ إلى أمَّةٍ يَدعوهُم إلى دينِ اللهِ، وكانتِ الشَّريعةُ الموسويَّةُ للجزاءِ والشَّريعةُ المسيحيَّةُ للعفوِ والشَّريعةُ المحمَّديَّةُ تُمازِجُ بين الجزاءِ والعفوِ لقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ “شريعة موسوية” وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ “شريعة مسيحيَّة”).

ومِن المؤسفِ أنَّ هناكَ مَن جعلَ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) منسوخًا بالآيةِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) وذلكَ لأنَّهم اعتبَرُوا أنَّ الإسلامَ يخصُّ الرِّسالةَ المحمَّديَّةَ فقط, وهذا لا يتَّفِقُ مع الواقعِ لأنَّ الإسلامَ شَمَلَ رسالاتِ الأنبياءِ, لأنَّ النَّسخَ لا يكونُ بالجوهرِ بل في أحكامِ الشَّرائعِ التي تَتقدَّمُ وتتأخَّرُ حسبَ تَغيُّرِ الظُّروفِ، ومعَ التَّدقيقِ فإنَّ النَّسخَ لا يكونُ ولا يجوزُ على الخبرِ الـمُتضمِّنِ للوعدِ الجوهريِّ.

هذا يعني أنَّ الإسلامَ هو الدِّينُ السَّماويُّ الذي أوحاهُ اللهُ لجميعِ الرُّسلِ والأنبياءِ منذُ عهدِ سيِّدنا آدمَ (ع) وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وهو يَصُبُّ في معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي).

لذلكَ قَرَنَ الاعترافَ بالرِّسالةِ بالاعترافِ بالدِّينِ, فطاعةُ اللهِ مقرونةٌ بطاعةِ الرَّسولِ، ولم تقترنْ الطَّاعةُ باللهِ باسمِ أحدٍ من الأنبياءِ في القرآنِ، بل قالَ تعالى: (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً), وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا), وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً), وقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ), وقال: (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ), وقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ), وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ), وقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ), وقال: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وحتَّى خطابُ القرآنِ كان دائمًا: (يا أيُّها النَّبيُّ), (يا أيُّها الرَّسولُ)….

فكم هو مؤلمٌ وضعُ الشَّعبِ الآنَ؟

إنَّ العيبَ فيما يُعاني منه شعبُنا اليومَ يَكمنُ فيهم لا في دينِهم, فَدينُهم حيٌّ, بل هو مَبعَثُ الحياةِ, والعيبُ في فكرِ بعضِ رجالِ الدِّينِ وفي فهمِهم الجامدِ, وشعبُنا بحاجةٍ إلى نفحةٍ شبابيَّةٍ إيمانيَّةٍ قدسيَّةٍ تُحييهم وتعيدُ إليهم دورَهم الرِّساليَّ, ونحنُ بحاجةٍ إلى نهضةٍ تقومُ على تحديثِ العقلِ وتجديدِ النَّفسِ, وعلينا التَّفريقُ بين الشَّريعةِ والتَّشريعِ, فالشَّريعةُ منهجٌ إلهيٌّ له نصوصٌ وقواعدُ، أي منهجٌ حركيٌّ، والتَّشريعُ قراءةٌ بشريَّةٌ حسبَ الأفهامِ.

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

hesham

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر

==================

لقد بَحثت الكتبُ السَّماويةُ في مجالِ الرُّوحِ وميَّزَتْ بينها وبينَ الجسدِ والنّفسِ، وبيَّنَتْ مصيرَ النَّفسِ وربطتهُ بأعمالِ الإنسانِ في تنقّلاتهِ. والتأمُّلُ في الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الإنسانِ، يكشفُ لنا- بكلِّ وضوحٍ- أنَّ النَّفسَ هي حقيقةُ الإنسانِ ومصدرُ تكامُلِهِ، كما أنَّ البدنَ بمثابةِ الرِّداءِ الذي يغطِّي ويكسو.

وقد سُئِلَ أحدُ سادَتِنا العارفينَ عن روحِ المؤمنِ إذا نُقلَتْ إلى أين تصيرُ؟ فأجابَ: (إنَّ روحَ المؤمنِ إذا خرجَتْ تتلقَّاها الملائكةُ فَتُورِدُها إلى عينٍ يقالُ لها: عينُ الحياةِ، فتكون بها إلى الوقتِ المعلومِ).

وخليقٌ بالذِّكرِ أنَّ أبناء المذاهبِ الحائدةِ يَختلفونَ في كُنْهِ الرُّوحِ، ولكن لمَّا جاءَ علماؤنا وثقاتُنا أكَّدُوا أنَّ الروحَ خالدةٌ، وَوَفَّقُوا في هذا بـينَ الفلسفةِ والدينِ متوصِّلينَ إلى إثباتِ أصولِ الدينِ لا بالقواعدِ الشرعية فقط، بل بالقواعدِ الفلسفيَّةِ.

فالرُّوحُ لا يجوز البحثُ في أصلِها وعنصرها، لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبـي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، بل حدُّ القولِ أنَّ الأمرَ هو العقلُ الأكبر وهو الأصلُ، وجميع أرواحِ المؤمنينَ من أصلٍ واحدٍ ومعدنٍ واحدٍ، ليس بينها تفاضلٌ ولا تفاوتٌ إلا بأسبقيَّةِ الإجابةِ وصدقِ اليقينِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ روحَ المؤمنينَ واحدةٌ خرجَتْ من عندِ واحدٍ وتتفرَّقُ في أبدانٍ شتَّى، فعلى الإيمانِ ائتلفَتْ وبه تحابَّتْ، وستخرجُ من شتَّى وترجعُ عند واحدٍ)، فإذا وصلَ الإنسانُ مبلغًا من المعرفةِ فإنَّ لمعرفتِهِ حدٌّ تتوقَّفُ عندَهُ، يُعبَّرُ عنه بالاستطاعةِ.

من جهةٍ ثانيةٍ: إنَّ التحدُّثَ عن انتقالِ النَّفسِ بعدَ الموتِ يستدعي كتابًا مستقلاًّ حولَهُ، ولا يمكنُ البحثُ عنه بالتَّفصيلِ في هذا المقالِ المحدودِ، وذلكَ لأنَّ الآياتِ القرآنيَّةَ والأدلَّةَ الفلسفيَّةَ وتجاربَ علماءِ النَّفسِ قد برهَنَت اليومَ على انتقالِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ بعدَ الموتِ.

وتؤكِّدُ فلسفتُنا العلويَّةُ أنَّ الإنسانَ مُرَكَّبٌ من البدنِ الذي يَفنى، والنَّفسِ التي تقوم بجسمِ الإنسانِ مَدَى أيَّامِ حياتِهِ على الأرضِ.

فالآياتُ القرآنيَّةُ تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ الموتَ ليسَ هو النِّهايةُ للحياةِ، بل هو محطَّةُ انتقالٍ إلى حياةٍ جديدةٍ، وبالموتِ يدخلُ الإنسانُ في عالَمٍ جديدٍ، وهو ما يسمَّى عندنا بالتَّقمُّصِ.

إنَّ القرآنَ الكريمَ لا يعتبرُ الموتَ فناءً لِنَفسِ الإنسانِ وخاتمةً لحياتِهِ، بل إنَّهُ يؤكِّدُ أنّ للإنسانِ قمصانًا أُخرى تسبقُ يومَ القيامةِ، فإذا كانت حقيقةُ الإنسانِ كامنةً في جسمِهِ، فلا شكَّ أنَّ جسمَهُ سوفَ يتلاشى بعد أيامٍ من موتِهِ ودفنِهِ، ويتحوَّل إلى عناصرَ أُخرى.

ولهذا كله جاء قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، حيث نلاحظُ في هذه الآيةِ تعبيرَ الخروجِ والإخراجِ، وهو تعبيرٌ للإحياءِ بعد الموتِ.

وللإيضاح أكثر نبدأُ بإثبات العدل الإلهي في الخلق، حيث أنَّ الباري تعالى خلق الخلق جميعًا، وساوى بينهم بالاستطاعة، وجعلهم قادرين مخيَّرينَ على الإقرارِ والإنكارِ، ثمَّ دعاهُمْ إلى الإقرارِ بقوله سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وكان هو المتجلِّي لهم، والمتكلِّمُ بلا واسطةٍ، لئلاَّ يعترضَ المنكرونَ للتَّجلي فيقولوا: دُعينا إلى مَن لم نعرفْهُ ولم نَرَهُ، فقطعَ عليهم اعتراضهم وأثبتَ حجَّتَهُ عليهم بوجودِهِ وتجلِّيهِ لهم، عدلاً منه تعالى وإنصافًا، وعلى هذا كانَ جوابهم في قوله تعالى: (قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، فتقابلَ الكفرُ والإيمانُ, وسُمِّيَ المٌقرُّونَ “مؤمنين” إذ كانَ الإيمانُ هو التصديقُ لقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)؛ يعني: ما أنتَ بمصدِّقٍ لنا, كما وردَ عن الإمامِ الصَّادق (ع) أنَّ المؤمنَ سُمِّيَ مؤمنًا لأنَّهُ آمنَ بولايةِ الحقِّ فآمنَهُ من جهنَّمَ أن يَرِدَها ويدخلَ فيها، أمَّا الكافرُ فهو الذي غطَّى الحقِّ بالباطلِ, لقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ), وهذه ألفاظٌ مجازِيةٌ عندَ العارفِين المدقِّقِين, ولو كانت حقيقةً لكانَ من الواجبِ أن تكونَ الأرواحُ طينًا وهذا محالٌ.

فالخلقُ على قسمين: منهم مَن آمنَ بقلبِهِ، ومنهم مَن كفرَ فلم يوافقْ قلبُهُ لسانَهُ، فالمؤمنُ لا يزال مؤمنًا منذ الدَّعوةِ الأولى، والكافرُ لا يزالُ كافرًا منذ الدَّعوةِ الأولى.

المؤمنُ يُنسَخُ نسخًا من صورةِ إنسانٍ إلى صورةِ إنسانٍ مثلِها، لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ حتَّى يرتقي إلى عالمِ العقلِ، وذلكَ بعدَ أن لا يبقى للهِ حقٌّ إلاَّ أقامهُ, ولا يبقى من الباطلِ شيءٌ إلاَّ أَنكرهُ ودَحَضَهُ، حيث قال الإمام الصَّادق (ع): (المؤمنُ لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ)، وذلكَ إلى أن يرتقي إلى موضعٍ يسمَّى “عمودَ الشَّبحِ”، وكلٌّ منهم يسمَّى عبدَ اللهِ لقوله (ع): (كلُّ مَن رَقَى إلى هذهِ الحظيرةِ القدسيَّةِ يسمَّى عبدَ اللهِ).

وحتَّى يحقِّقَ ارتقاءهُ الكاملَ لابدَّ من ارتقائِهِ ولادةً تلوَ ولادةٍ حتى يبلغَ العددَ الثَّابتَ، ثم عليهِ أن يأتيَ بعدَها عارفًا باللهِ عالمًا بِهِ إلى أن ينتهي غايَتِهِ ثمَّ يصفو، وشرطُ الحسبانِ هو العلمُ والعملُ، إذْ لو تنقَّلَ في ألفِ ولادةٍ بغيرِ علمٍ وعملٍ لم تُحسَبْ له لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (اطلبوا أوَّلاً ملكوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وهذهِ كلُّها تُزَادُ لكم).